Indexed OCR Text
Pages 401-420
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدٍ عُمَرِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٨) ٤٠١ للأكثر، ولأبي ذرّ: ((قال: أربعاً))؛ أي: اعتمر أربعاً، قال ابن مالك: الأكثر في جواب الاستفهام مطابقة اللفظ والمعنى، وقد يُكْتَفى بالمعنى، فمن الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ [طه: ١٨] في جواب ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى [طه: ١٧]، ومن الثاني قوله وَل﴾: ((أربعين)) في جواب قولهم: ((كم يلبث؟))، فأضمر يَلْبَث، ونصب به ((أربعين))، ولو قصد تكميل المطابقة، لقال: أربعون؛ لأن الاسم المستفهم به في موضع الرفع، فظهر بهذا أن النصب والرفع جائزان في مثل قوله: ((أربع))، إلا أن النصب أقيس، وأكثر نظائر. انتهى(١). وقوله: (إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ) قال في ((الفتح)): كذا وقع في رواية منصور، عن مجاهد، وخالفه أبو إسحاق، فرواه عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: ((اعتمر النبيّ وَّ﴿ مرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: اعتمر أربع عمر))، أخرجه أحمد، وأبو داود، فاختلفا، جَعَل منصور الاختلاف في شهر العمرة، وأبو إسحاق الاختلاف في عدد الاعتمار، ويمكن تعدد السؤال، بأن يكون ابن عمر سئل أوّلاً عن العدد، فأجاب، فردّت عليه عائشة، فرجع إليها، فسئل مرة ثانية، فأجاب بموافقتها، ثم سئل عن الشهر، فأجاب بما في ظنه، وقد أخرج أحمد، من طريق الأعمش، عن مجاهد، قال: ((سأل عروة بنُ الزبير ابنَ عمر: في أيّ شهر اعتمر النبيّ ◌ََّ؟ قال: في رجب)). انتهى(٢). وقوله: (وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ)؛ أي: حِسّ مرور السواك على أسنانها، وفي رواية عطاء، عن عروة الماضية: ((وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستنّ)). وقوله: (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية عطاء الماضية: ((يا أمتاه))، وفي رواية البخاريّ: ((يا أماه))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، بسكون الهاء، ولأبي ذرّ: ((يا أمه)) بسكون الهاء أيضاً بغير ألف. انتهى. وقوله: (أَرْبَعَ عُمَرٍ) وفي رواية البخاريّ: ((أربع عمرات))، قال في ((الفتح)): يجوز في ميمها الحركات الثلاثة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((يجوز في ميمها ... إلخ)) أشار به إلى القاعدة الصرفيّة التي ذكرها ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: (١) ((الفتح)) ١١/٥. (٢) ((الفتح)) ١١/٥. ٤٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج إِنْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَائِي اسْماً أَنِلْ مُخْتَتَماً بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّئاً بَدَا خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلاً قَدْ رَوَوَا وَسَكِّنِ الثَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنّ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٣٣) - (بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٠٣٩] (١٢٥٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُنَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لِمْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا: ء ((مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟)) قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانٍ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَلَكَ لَنَا نَاضِحاً، نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قَالَ: ((فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِهِ تَعْدِلُ حَجَّةً))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَطَاءُ) بنَّ أبي رباح، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف وَخَذُهُ. ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة، وفيه ٤٠٣ (٣٣) - بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ - حديث رقم (٣٠٣٩) تصريح ابن جريج بالإخبار، وهو معروف بالتدليس، فأمن من تدليسه. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﴿ه الحبر البحر ترجمان القرآن، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْج) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) (يُحَدِّثُنَا) جملة في مَّحلّ نصب على الحال (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِامْرَّأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَتَسِيتُ اسْمَهَا) القائل: نسيت اسمها هو ابن جريج، بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من أن القائل عطاء، وإنما قلنا ذلك؛ لما في الرواية الثانية عند المصنّف من طريق حبيب المعلّم، عن عطاء، من تسميتها، حيث قال: ((عن ابن عبّاس: أن النبيّ وَ﴿ قال لامرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان: ما منعكِ أن تكوني حججت معنا ... ؟)) الحديث، أفاده الحافظ تَّتُهُ. قال: ويَحْتَمل أن عطاء كان ناسياً لاسمها لَمّا حدث به ابن جريج، وذاكراً له لما حدّث به حبيباً. وقد خالفه يعقوب بن عطاء، فرواه عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: جاءت أم سليم إلى رسول الله وَل﴿، فقالت: حجّ أبو طلحة، وابنه، وتركاني، فقال: ((يا أمّ سُليم، عمرة في رمضان تعدل حجة معي))، أخرجه ابن حبّان، وتابعه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة، وتابعهما مَعقِل الجزريّ، لكن خالف في الإسناد، قال: عن عطاء، عن أم سُليم، فذكر الحديث دون القصّة، فهؤلاء ثلاثة يبعد أن يتفقوا على الخطإ، فلعلّ حبيباً لم يحفظ اسمها كما ينبغي، لكن رواه أحمد بن منيع في ((مسنده)) بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن امرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان أنها أرادت الحجّ ... فذكر الحديث نحوه، دون ذكر قصّة زوجها. وقد وقع شبيه بهذه القصّة لأم معقل، أخرجه النسائيّ في ((الكبرى)) من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن امرأة من بني أسد، يقال لها: أم معقل، قالت: أردت الحجّ، فاعتلّ بعيري، فسألت النبيّ وَّ؟ فقال: ((اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة)). ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك، عن سميّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: جاءت امرأة ... فذكره مرسلاً، وأبهمها، ورواه النسائيّ أيضاً من طريق عمارة بن عمير وغيره، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أمّ معقل، ورواه أبو داود من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رسول مروان، عن أم معقل. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين، فعند أبي داود من طريق عيسى بن معقل، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أم معقل، قالت: لما حجّ رسول الله وَلّر حجة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، فهلك أبو معقل، فلما رجع رسول الله وَليه من حجته جئت، فقال: ((ما منعك أن تحجي معنا؟))، فذكرت ذلك له، فقال: ((فهلا حججت عليه؟، فإن الحجّ من سبيل الله، فأما إذا فاتك، فاعتمري في رمضان، فإنها کحجة)). ووقعت لأم طليق قصّة مثل هذه، أخرجها أبو عليّ بن السكن، وابن منده في ((الصحابة))، والدولابيّ في ((الكنى)) من طريق طلق بن حبيب: أن أبا طليق حدثه، أن امرأته قالت له - وله جمل، وناقة -: أعطني جملك أحجّ عليه، قال: جملي حبيس في سبيل الله، قالت: إنه في سبيل الله أن أحجّ عليه، فذكر الحديث، وفيه: فقال رسول الله وَله: ((صدقت أم طليق))، وفيه: ما يعدل الحجّ؟ قال: ((عمرة في رمضان)). وزعم ابن عبد البرّ أن أمّ معقل هي أم طليق، لها كنيتان، وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبيّ وَّ﴿، وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدلّ على تغاير المرأتين. ويدلّ عليه تغاير السياقين أيضاً، ولا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سنان، أو أم سليم؛ لما في القصّة التي في حديث ابن عباس من التغاير للقصّة التي في حديث غيره؛ ولقوله في حديث ابن عباس: إنها أنصاريّة، وأما أم معقل، فإنها أسديّة، ووقعت لأم الهيثم أيضاً، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ تَُّهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. ٤٠٥ (٣٣) - بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ - حديث رقم (٣٠٣٩) (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنًا؟) وفي رواية للبخاريّ: ((أن تحجين)) بإثبات النون، وهو لغة، كما في قول الشاعر [من البسيط]: أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرًا أَحَدَا وإلى هذه اللغة أشار ابن مالك كظُّ في ((الخلاصة)) بقوله: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ ((أَنْ)) حَمْلاً عَلَى ((مَا)) أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا (قَالَتْ) تلك المرأة (لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ) تثنية ناضح - بضاد معجمة، ثم مهملة - أي: بعيران، قال ابن بطال تَّتُهُ: الناضح البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يُسْتَقَى عليه، لكن المراد به هنا البعير؛ لتصريحه في رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، عن ابن عباس، في رواية أبي داود بكونه جملاً. (فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا) قال في ((الفتح)): إن كانت هي أم سنان، فيَحْتَمِل أن يكون اسم ابنها سناناً، وإن كانت هي أم سليم، فلم يكن لها يومئذ ابن يمكن أن يحجّ سوى أنس، وعلى هذا فنسبته إلى أبي طلحة بكونه ابنه مجازٌ. انتهى . وقولها: (عَلَى نَاضِحِ) متعلّق بـ((حجّ)) (وَتَرَلَكَ لَنَا نَاضِحاً، نَنْضِحُ عَلَيْهِ) بكسر الضاد، من باب ضرب،ً يقال: نَضَحَ البعير الماء: حمله من نهر، أو بئر، السقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سُمّي ناضحاً؛ لأنه ينضح العطش، أي يَبُلّه بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يَحمِل الماء، قاله الفيّومِيّ ◌َّهُ(١). (قَالَ) بَِّ ((فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ) وفي رواية البخاريّ: ((فإذا كان رمضان))، و(كان)) فيه تامّة (فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ) الفاء تعليليّة، أي لأن عمرة في رمضان (تَعْدِلُ حَجَّةً))) بكسر الدال المهملة: أي تقوم مقام حجة في الأجر والثواب، لا في إسقاط الفرض عن الذمّة، فإن فريضة الحجّ لا تسقط بأداء العمرة إجماعاً . قال الإمام ابن خزيمة تَخْتُ: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء، (١) ((المصباح المنير)) ٦٠٩/٢، ٦١٠. ٤٠٦ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ويُجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا جميعها؛ لأن العمرة لا يُقضَى بها فرض الحجّ ولا النذر. وقال ابن بطّال ◌َّلُ: فيه دليل على أن الحجّ الذي ندبها إليه كان تطوّعاً الإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة. وتعقّبه ابن المنيّر ◌َُّ بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضاً؛ لأن حجّ أبي بكر كان إنذاراً، قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحجّ. واعترض عليه الحافظ ◌َُّهُ بأن ما قاله غير مسلّم، إذ لا مانع أن تكون حجت مع أبي بكر، وسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بنى على أن الحجّ إنما فُرض في السنّة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحجّ على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحثه ابن بطّال. فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجّة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حجّ الفرض. ونقل الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربيّ: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحجّ بانضمام رمضان إليها . وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد. وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون المراد: عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة. وقال ابن التين: قوله: (كحجة)) يَحتَمِل أن يكون على بابه، ويَحْتَمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه المرأة. قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدّمين، ففي رواية أحمد بن منيع المذكورة، قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أم معقل في آخر ٤٠٧ (٣٣) - بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ - حديث رقم (٣٠٣٩) حديثها: ((قال: فكانت تقول: الحجّ حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول الله ﴿ لي، فما أدري ألي خاصّة؟))، تعني أو للناس عامة. انتهى. والظاهر حمله على العموم كما تقدّم، والسبب في التوفيق استشكال ظاهره، وقد صحّ جوابه، والله أعلم. انتھی. [فائدة]: لم يعتمر النبيّ وَ﴿ إلا في أشهر الحجّ، وقد ثبت فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيهما أفضل؟، قال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبيّ ◌َّر أفضل، وأما في حقّه فما صنعه هو الأفضل؛ لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الردّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهاً لغيره لكان في حقّه أفضل. وقال صاحب ((الهدي)): يَحْتَمِل أنه وَّه كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هو أهمّ من العمرة، وخَشِي من المشقّة على أمته؛ إذ لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقّة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمله؛ خشية على أمته، وخوفاً من المشقّة عليهم. انتهى (١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تُعَلَ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: حديث ابن عباس ظه هذا مُتّفقٌ عليه. المسألة الثانية: في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٣٩/٣٣ و٣٠٤٠] (١٢٥٦)، و(البخاريّ) في ((العمرة)) (١٧٨٢) و((جزاء الصيد)) (١٨٦٣)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٩٩٠)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٣٠/٤) و((الكبرى)) (٢٤٢٠)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٢٧٦/٣)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (١٥٨/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٩/١ و٢٠٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٨٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٠٧٧)، و(ابن حبّان) في (١) ((الفتح)) ١٧/٥، ١٨. ٤٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ((صحيحه)) (٣٧٠٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١٢٩٩ و١١٣٢٢) و((الأوسط)) (٣٥٨/٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٩/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٣٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٦/٤ و١٦٤/٦)، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل العمرة في رمضان، حيث إنها تعدِل ثواب الحجّ، بل ثبت أنها كحجة مع النبيّ وَلّ، كما سيرد عند المصنّف في الرواية التالية، وأخرج سمّويه من حديث أنس ظبه بلفظ: ((عمرة في رمضان كحجة معي))، وهو حديث صحيح. ٢ - (ومنها): بيان فضل رمضان، حيث كان العمل فيه يضاعف أجره. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَ ل﴿ من تفقّد أحوال أصحابه رجالاً ونساء. ٤ - (ومنها): بيان جواز مخاطبة المرأة الأجنبيّة، وأن صوتها ليس بعورة. ٥ - (ومنها): بيان جواز استعمال لفظ ((رمضان)) من غير إضافة لفظ (شهر)) إليه، وعليه بوّب النسائيّ، فقال: ((الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان))، ثم أورد الحدیث. وأما الحديث الذي رواه أبو معشر، نَجِيح المدنيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ظله، مرفوعاً: ((لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان))، أخرجه ابن عديّ في ((الكامل))، فقد ضعّفه هو بأبي معشر، قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في أوائل ((كتاب الصيام))، فراجعه، تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ لِمْرَأَةٍ مِنَ اَلْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ: ((مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتٍ مَعَنَا؟)) قَالَتْ: ٤٠٩ (٣٣) - بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ - حديث رقم (٣٠٤٠) نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي قُلَانٍ زَوْجِهَا، حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: ((فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (حَبِيبٌ الْمُغَّلُّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقِل بن يسار، اختلف في اسم أبيه، فقيل: زائدة، وقيل: زيد، صدوقٌ [٦] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٨٨٩/١١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (زَوْجِهَا) بالجرّ بدل من ((أبي فلان))، أو عطف بيان له. وقولها: (حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا) تعني أنه لم يبق لها محلّ الرديف حتى تحجّ معه. وقولها: (وَكَانَ الآخَرُ بَسْقِي ... إلخ) تعني أن الناضح الثاني نسقي عليه النخيل، وليس لنا ثالثٌ حتى أحجّ عليه. وقولها أيضاً: (يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا) ووقع في شرح النوويّ بلفظ: ((يسقي غلامنا))، فقال النوويّ تَّلهُ: هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية عبد الغافر الفارسيّ، وغيره، قال: وفي رواية ابن ماهان: ((يسقى عليه غلامنا))، قال القاضي عياض: وأرى هذا كله تغييراً، وصوابه ((نَسقي عليه نخلاً لنا))، فتصحف منه ((غلامنا»، وكذا جاء في البخاريّ على الصواب، ويدُلّ على صحته قوله في الرواية الأولى: ((ننضح عليه))، وهو بمعنى نسقي عليه. انتهى كلام القاضي. فتعقّبه النوويّ، فقال: والمختار أن الرواية صحيحة، وتكون الزيادة التي ذكرها القاضي محذوفة مقدرةً، وهذا كثير في الكلام. انتهى كلام النووي ◌َّهُ(١)، وهو تعقّب وجيه، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٢/٩، ٣. ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقوله: (تَقْضِي حَجَّةً) أي تؤدّيها، من حيث الأجر والثواب، لا من حيث إجزاؤها عن فرض الحج، كما سبق بيانه. وقوله: (أَوْ حَجَّةً مَعِي) ((أو)) للشكّ من الراوي، وقد ثبت من حديث أنس ظ ◌ُبه من غير شكّ، ولفظه: ((عمرة في رمضان كحجة معي))، وهو حديث صحيح أخرجه سمّويه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٣٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولٍ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنَ الثَِّيَّةِ السُّفْلَى، وَدُخُولِ بَلَدِهِ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤١] (١٢٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَذَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَِّيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَِّيَّةِ السُّفْلَى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ صاحب حديث سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤١١ (٣٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ مَكَّةَ مِنَ الثَِّيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤١) ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير ضًا، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من عبيد الله، والباقون كوفيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر ظمه من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ) قال القاضي عياض تَخْتُهُ: هو موضع معروف على طريق مَن أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النبيّ وَيقر يخرج منه إلى ذي الحليفة، فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضاً. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: يعني - والله أعلم - الشجرة التي بذي الْحُليفة التي أحرم منها، كما قال ابن عمر في الحديث المتقدّم، ولعلها هي الشجرة التي وَلدت تحتها أسماء بنت عميس. انتهى (٢). (وَيَدْخُلُ مِن طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ) - بفتح الراء المثقلة، وبالمهملتين - موضع التعريس، والتعريس: النزول من آخر الليل، وهو مكان معروف أيضاً، وكلُّ من الشجرة، والْمُعَرَّس على ستة أميال من المدينة، لكن المعرَّس أقرب(٣). (وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا) الثنية: هي الْهَضْبة(٤)، وقيل: (٢) ((المفهم)) ٣/ ٣٧٠، ٣٧١. (١) ((مشارق الأنوار)) ٢٦٢/٢. (٣) ((الفتح)) ٤ /٤٠٦. (٤) ((الْهَضْبَةُ)): الجبل المنبسط على وجه الأرض، والْهَضْبة: الأَكَمة القليلة النبات، = ٤١٢ = البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج هي الكَوم(١) الصغير. وفي رواية للبخاريّ، من رواية مسدد، عن يحيى القطّان: ((أن رسول الله وَل دخل مكة من كداء، من الثنيّة العليا ... ))، وفي حديث عائشة ◌ًَّا: ((أن النبيّ وَّ﴿ دخل عام الفتح من كَدَاء، من أعلى مكة، وخرج من كُدَّى)). قال في ((الفتح)): ((كَداء)) بفتح الكاف، والمدّ، قال أبو عبيد: لا يصرف، وهذه الثنية هي التي يُنزل منها إلى الْمَعْلَى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الْحَجُون - بفتح المهملة، وضمّ الجيم - وكانت صعبة المرتقى، فسهّلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهديّ، على ما ذكره الأزرقيّ، ثم سُهِّل في عصرنا هذا منها سنة (٨١١هـ) موضعٌ، ثم سهّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيّد في حدود (٨٢٠هـ). وكلّ عقبة في جبل، أو طريق عال فيه تسمّى ثنيّة. قال: ((وكُدّى)) بضم الكاف، مقصور، وهو عند باب الشُّبيكة بقرب شِعب الشاميين من ناحية قُعَيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع. انتهى. وقال أيضاً: قال عياض، والقرطبيّ، وغيرهما: اختلف في ضبط كداء، وكُدَى، فالأكثر على أن العُليا بالفتح والمدّ، والسفلى بالضمّ والقصر، وقيل: بالعكس، قال النوويّ: وهو غلط. وقال القرطبي تَُّ بعد ذكر ما تقدّم: وأما اللغويّون، فقال أبو عليّ القالي: كداء ممدوداً: جبل بمكة، قال الشاعر [من الخفيف]: أَقْفَرَتْ بَعْدَ عَبْدٍ شَمْسٍ كَدَاءُ فَكُدَيٌّ فَالرُّكْنُ فَالْبَطْحَاءُ وقال غيره: کدي: جبلٌ قریب من گداء، وقال الخلیل: كداء وكُدَيّ بالضمّ وتشديد الياء: جبلان بمكة، الأعلى منهما بالمدّ، وقال غيره: كُدى مضموم مقصور بأسفل مكة، والمشدّد لمن خرج إلى اليمن، وليس من طريق النبيّ ◌َِّ. انتهى (٢). = والمطرُ القويّ أيضاً، جمعها في الكلّ؛ هِضَابٌ، مثلُ كَلْبةٍ وكِلابٍ. انتهى. ((المصباح)) ٦٣٨/٢. (١) بفتح الكاف وضمّها: القطعة من التراب وغيره. (٢) ((المفهم)) ٣٧٠/٣، ٣٧١. ٤١٣ (٣٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ مَكَّةَ مِنَ الَِّيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤١) (وَيَخْرُجُ مِنْ الَّنِيَّةِ السُّفْلَى)؛ أي التي تلي باب العمرة. واختلف في المعنى الذي لأجله خالف النبيّ وَله بين طريقيه، فقيل: ليتبرّك به كلُّ من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين، وقيل: ليُغيظ المنافقين ممن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدين، وإعزاز الإسلام، وقيل: ليري السعة في ذلك، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلوّ عند الدخول؛ لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه. وقيل: لأن إبراهيم عليّا لَمّا دخل مكة دخل منها، وقيل: لأنه وَ ل﴿ خرج منها متخفّياً في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهراً عالياً، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمرّ على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعبّاس: لا أُسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يُطلع الخيل هناك أبداً، قال العبّاس: فذكّرتُ أبا سفيان بذلك لما دخل، وللبيهقيّ من حديث ابن عمر رضيها، قال: قال النبيّ وَ﴿ لأبي بكر: كيف قال حسّان؟، فأنشده: عَدِمْتُ بَنِيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّفْعَ مَظْلَعُهَا كَدَاءُ فتبسّم، وقال: ادخلوها من حيث قال حسّان. [تنبيه]: حَكَى الحميديّ عن أبي العبّاس العذريّ أن بمكة موضعاً ثالثاً، يقال لها: كُدَيّ، وهو بالضمّ، والتصغير، يُخرج منه إلى جهة اليمن، قال المحبّ الطبريّ: حققه العذريّ عن أهل المعرفة بمكة، قال: وقد بُني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظه هذا متّفقٌ عليه. (١) ((الفتح)» ٤ / ٤٨٠، ٤٨١. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٤١/٣٤ و٣٠٤٢] (١٢٥٧)، و(البخاريّ) في (الحج)) (١٥٣٣ و١٥٣٦ و١٥٥٤ و١٥٧٥ و١٥٧٦)، و(أبو داود) في (المناسك)) (١٨٦٦ و١٨٦٧)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٠٠/٥) و((الكبرى)) (٣٨٤٨)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٤/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤/٢ و١٦ و٢٢)، و(الدارمي) في ((سننه)) (٢/ ٧٠ و٧١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٥٠/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧١/٥ - ٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان محلّ استحباب دخول مكة، وهو أن يدخل من الثنية العليا التي تُسَمَّى الكداء بالفتح والمدّ. ٢ - (ومنها): استحباب الخروج من الثنيّة السفلى التي تُسَمَّى الكُدى بالضمّ والقصر. ٣ - (ومنها): أن هذا الفعل للاستحباب، وليس من النسك الواجب، فلا يترتب على تركه شيء، بل من فعل ذلك اقتداء بالنبيّ ◌َّ كان له فيه ثواب عظيم، وخير كثير، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] ومن تركه فلا شىء عليه. وقال النوويّ كَّلُهُ: قيل: إنما فعل النبيّ ◌َ﴿ هذه المخالفة في طريقه داخلاً وخارجاً تفاؤلاً بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك به أهلهما . قال: ومذهبنا أنه يُستحب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من السفلى؛ لهذا الحديث، ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه، كالمدنيّ، والشاميّ، أو لا تكون، كاليمنيّ، فيستحب لليمنيّ وغيره أن يستدير، ويدخل مكة من الثنية العليا . وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبيّ وَّ؛ لأنها كانت على طريقه، ولا يستحب لمن ليست على طريقه، كاليمنيّ، قال: وهذا ضعيف، والصواب ٤١٥ (٣٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ مَكَّةَ مِنَ الَِّيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤٢) الأول، وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق، ويرجع من أخرى؛ لهذا الحديث. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٠٤٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ فِي رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ: الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (يَحْيَى) بن سعيد بن فرّوخ الْقَطَّانُ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام قدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. و((عبيد الله)) ذُكر قبله. وقوله: (الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ) أي: دخل مِنَ الثَِّيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وهي بالمدّ، ويقال لها: ((البطحاء)) و((الأبطح))، وهي بجنب المحصّب، وهذه الثنيّة يُنحَدر منها إلى مقابر مكة، قاله النوويّ(٢). وقيل: ((البطحاء)) تأنيث الأبطح، وهو في الأصل اسم لكل مكان متّسع، وهي المكان الذي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي، واتسع، وهي التي يقال لها: المحصّب، والمعرَّس، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة. انتھی. وقال الجوهريّ: الأبطح مسيل واسع، فيه دُقَاق الحصى، وقال ابن (١) ((شرح النوويّ)) ٣/٩، ٤. (٢) (شرح النوويّ)) ٤/٩. ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج سيده: وقيل: بطحاء الوادي تراب ليّنٌ مما جرّته السيول، وجمعه بَطْحاوات، وبِطاح، قاله في ((اللسان)). [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله هذه ساقها البخاريّ تَكْتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (١٥٧٦) - حدّثنا مسدّد بن مسرهد البصريّ، حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ها: أن رسول الله وسلم دخل مكة من كَدَاء، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٠٤٣] (١٢٥٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَلِهِ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربّما دلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصدّيق، أم المؤمنين ظمه، ماتت سنة (٥٧) أو بعد ذلك (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. و((محمد بن المثنّى)) ذُكر قبله، وشرح الحديث يُعلم مما قبله. وقولها: (لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا) قد تبيّن في الرواية التالية ٤١٧ (٣٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ مَكَّةَ مِنَ النَّيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤٣) وقت دخوله ذلك، حيث قالت: ((دخل عام الفتح من كَداء، من أعلى مكة)). وقولها: (وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا) قال القاري كَخْتُهُ: أي لما أراد الخروج منها خرج من أسفل مكة، والمراد بأعلاها ثنية كَدَاء بفتح الكاف، والمدّ، والتنوين وعدمه؛ نظراً إلى أنه عَلَم المكان، أو البقعة، وهي التي يُنحَدر منها إلى المقبرة المسماة عند العامة بالمعلاة، وتسمى بالحجون عند الخاصة، ويُطلق أيضاً على الثنية التي قبله بيسير، والثنية: الطريق الضيق بين الجبلين، وبأسفلها ثنية كُدّى بضم الكاف، والقصر، والتنوين وتركه، وهو المسمى الآن بباب الشبيكة. انتهى(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٤٣/٣٤ و٣٠٤٤] (١٢٥٨)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٧٧ و١٥٧٨ و١٥٧٩ و١٥٨٠ و١٥٨١)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٦٨ و١٨٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨٥٣) و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٧٦/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٠/٦ و٥٨ و٢٠١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٥٩ و٩٦٠)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: اختُلِف على هشام بن عروة في وصل هذا الحديث، وإرساله، وأورد البخاريّ، الوجهين مشيراً إلى أن رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل؛ لأن الذي وصله حافظ، وهو ابن عيينة، وقد تابعه ثقتان، وهما أبو أسامة، عند البخاريّ، ومسلم، وعمرو بن الحارث عند البخاريّ. ورواه بالإرسال حاتم بن إسماعيل، ووُهيب بن خالد، فرّقهما عن هشام، عن أبيه: دخل النبيّ وَّر عام الفتح من كَداء، من أعلى مكة، وكان عروة أكثر ما يدخل من كداء أقربهما إلى منزله. وأما مسلم فأعرض عن طريق الإرسال، واكتفى بالموصول من رواية ابن (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٨٦/٥. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عيينة، وأبي أسامة، فرّقهما عن هشام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٠٤٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ أَعْلَىَّ مَكَّةَ، قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ أَبِي يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القُرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) قال النوويّ ◌َُّهُ : هكذا ضبطناه بفتح الكاف، وبالمدّ، وهكذا هو في نسخ بلادنا، وهذا نقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وضبطه السمرقنديّ بفتح الكاف، والقصر. انتهى. [تنبيه]: وقع في رواية أبي أسامة عند البخاريّ وَهَم، وذلك حيث قال: ((دخل عام الفتح من كَداء، وخرج من كُداً من أعلى مكة))، فقوله: ((من أعلى مكة)) وَهَمٌّ، فإن خروجه ◌َّلي من أسفل مكة لا من أعلاها، فإن أعلاها مكان دخوله، والظاهر أن الوَهَم من الراوي عنه، وهو محمود بن غيلان المروزيّ شيخ البخاريّ، والصواب رواية غيره بلفظ: ((دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة))، كما في رواية أبي كريب هنا عنه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ هِشَامٌ) هو ابن عروة، وهو موصول بالإسناد المذكور. وقوله: (فَكَانَ أَبِي) يعني عروة بن الزبير. وقوله: (يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا) أي من أعلى مكة، وأسفلها . (٣٥) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمَبِيتِ بِذِي طُوَى عِنْدَ إِرَادَةِ دُخُولِ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٤٥) ٤١٩ وقوله: (وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ) قال النوويّ ◌َُّهُ: اختلفوا في ضبط كَداء هذه، قال جمهور العلماء بهذا الفنّ: كداء بفتح الكاف، وبالمدّ: هي الثنية التي بأعلى مكة، وكُدى بضم الكاف، وبالقصر: هي التي بأسفل مكة، وكان عروة يدخل من كليهما، وأكثر دخوله من كَدَاء بفتح الكاف، فهذا أشهر، وقيل: بالضم، ولم يذكر القاضي عياض غيره. وأما كُدَيّ بضم الكاف، وتشديد الياء، فهو في طريق الخارج إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء، هذا قول الجمهور. انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ(١). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ بعد قوله: ((وأكثر ما يدخل من كداء)) ما نصّه: ((وكانت أقربهما إلى منزله)). انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((وكانت أقربهما إلى منزله)) فيه اعتذار هشام لأبيه؛ لكونه روى الحديث، وخالفه؛ لأنه رأى أن ذلك ليس بحتم لازم، وكان ربّما فعله، وكثيراً ما يفعل غيره بقصد التيسير. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٣٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمَبِيتِ بِذِي طُوَّى عِنْدَ إِرَادَةِ دُخُولٍ مَكَّةَ، وَالإِغْتِسَالِ لِدُخُولِهَا، وَدُخُولِهَا نَهَاراً) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٥] (١٢٥٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ بَاتَ بِذِي طَوَّى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعِيدٍ: حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ، قَالَ يَحْبَى: أَوْ قَالَ: حَتَّى أَصْبَحَ). (١) ((شرح النوويّ)) ٤/٩. (٢) ((الفتح)) ٤٨٠/٤، ٤٨١. ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب الماضي، وكذا لطائف إسناده. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ بَاتَ بِذِي طَوِّى) بضمّ الطاء، وفتحها، والضمّ أشهر، وتقدّم أنه يجوز صرفه باعتبار أنه اسم للوادي، وعدم صرفه باعتبار أنه اسم للبقعة، وجوّز في ((القاموس)) تثليث طائه، ونصّه: وذو طوى مثلثة الطاء، ويُنَوَّن: موضع قربَ مكة. انتهى(١). وقال النوويّ: هو موضع معروف بقرب مكة، يقال: بفتح الطاء، وضمها، وكسرها، والفتح أفصح وأشهر(٢)، ويُصْرَفِ، ولا يصرف. انتهى. (حَتَّى أَصْبَحَ) أي دخل في الصباح (ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ) أي نهاراً، ففي الرواية التالية: ((كان ابن عمر لا يقدم مكة إلا بات بذي طوی حتى يُسبّح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، ويَذكُر عن النبيّ ◌َلّر أنه فعله)). (قَالَ) نافع (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ◌ِّهَا (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من البيات بذي طوى، حتى الصباح، والاغتسال، ودخول مكة نهاراً، كما في الرواية الثانية. (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعِيدٍ) هو عبيد الله شيخه الثاني (حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ) يعني أن عبيد الله بن سعيد قال في روايته: ((حتى صلى الصبح))، وقوله: (قَالَ يَحْيَى: أَوْ قَالَ: حَتَّى أَصْبَحَ) من تمام كلام ابن سعيد، وذلك أن شيخه يحيى القطّان شكّ في قوله: ((حتى صلّى الصبح))، فقال: ((أو قال: حتى أصبح)). ثم إن شك يحيى لا يضرّ، فقد جاء في رواية موسى بن عقبة، عن نافع الآتية بدون شكّ، ولفظه: ((كان ينزل بذي طوى، ويبيت به حتى يُصلّي (١) ((القاموس المحيط)) ٣٥٨/٤. (٢) هذا مخالف لما قاله الفيّوميّ، فإنه قال: وضمّ الطاء أشهر من كسرها. انتهى. ((المصباح)) ٢٣٨٢.