Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (٢٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتٍ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٥) وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة على الحجّ هو المعتمد، وعكس الخطّابيّ ذلك، فقال في الكلام على هذا الحديث: هذا يُبيّن لك أنه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحجّ، فصار قارناً، ثم حكى الاتفاق على جواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على الحجّ، منعه مالك، والشافعيّ، وأجازه أصحاب الرأي، هذا كلامه. ومن يمنع إدخال العمرة على الحجّ يُجيب عن هذا الحديث على ما قرّرته أوّلاً بأن هذا من خصوصيّات هذه الحجّة، فقد وقعت فيها أمورٌ غريبة، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه ول لا وجه له، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. (وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) هكذا هو عند البخاريّ أيضاً بفك إدغام اللام، ووقع عند النسائيّ بلفظ: ((ولم تحلّ)) بالإدغام، وهما لغتان، كما أشار إليهما ابن مالك تخْدَثُ في ((خلاصته)) بقوله: لِكَوْنِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ وَفُكَّ حَيْثُ مُدْغَمٌ فِیهِ سَكَنْ جَزْمِ وَشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْبِيَرٌ قُفِي نَحْوُ ((حَلَلْتُ مَا حَلَلْتَهُ)) وَفِي والفكّ لغة أهل الحجاز، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنَ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبٍ﴾ [طه: ٨١] وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، والإدغام لغة تميم، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤]. [تنبيه]: يجوز في قوله: ((ولم تحلل))، وفي قوله الآتي: ((فلا أحلّ)) فتح أوّله، وضمّه، على أنه ثلاثيّ، ورباعيّ، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق لقولها: ((حَلُّوا))، قاله وليّ الدين(٢). وفي ((المصباح)): وحلّ المحرمُ حِلّاً بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثلُهُ، فهو مُحلّ، وحِلٌّ أيضاً تسميةً بالمصدر، وحلالٌ أيضاً. انتهى. (قَالَ) وَ ((إِنِّي ◌َبَّدْتُ رَأْسِي) - بتشديد الباء الموحّدة، وبالدال المهملة - أي شعر رأسي، وتلبيد الشعر أن يُجعَل فيه شيء من صمغ، أو نحوه عند (١) ((طرح التثريب)) ٣٨/٥. (٢) ((طرح التثريب)) ٣٩/٥. ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الإحرام لينضمّ الشعر، ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازاً عن تعطّفه، وتقمّله، وإنما يَفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام. وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: ((التلبيد)): مصدر لبّد، يقال: لبّدَ الشيءَ تلبيداً: ألزق بعضه ببعض، حتى صار كاللُّبْد(١)، ولبّد الحاجّ شعره بخطميّ، ونحوه كذلك حتی لا یتشعّٹ. انتهى. وفي هذا الحديث استحباب التلبيد، والمعنى فيه الإبقاء على الشعر، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وأصحابه(٢). (وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان. وتقليده أن يُعلّق عليه شيئاً يُعرف به كونه هدياً، فإن كان من الإبل والبقر استُحبّ تقليده بنعلين، من النعال التي تُلبس في الرجلين، في الإحرام، ويستحبّ التصدّق بهما عند ذبح الهدي، وإن كان من الغنم استُحبّ تقليده بخُرَب القِرَب - بضمّ الخاء المعجمة، وفتح الراء - وهي عُراها، وآذانها، وبالخيوط المفتولة، ونحوها . وقد اتفق العلماء على استحباب سوق الهدي، وعلى استحباب تقليد الإبل، والبقر، واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، والجمهور، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يستحبّ(٣)، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (فَلَا أُحِلُّ) تقدّم ضبطه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، أو من الإحلال، ثلاثيّاً، ورباعيّاً (حَتَّى أَنْحَرَ))) وفي رواية عبيد الله الآتية: ((حَتَّى أُحِلَّ مِنَ الْحَجِ)): أي فلا أتحلل من الإحرام حتى أفرغ من عمل الحجّ بنحر الهدي يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((اللبد)) بكسر، فسكون، وزان حِمْل: ما تلبّد من شعر، أو صوف. اهــ المصباح. (٢) المصدر المذكور. (٣) ((طرح التثريب)) ٣٩/٥. (٢٣) - بَابُ بَيّانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٥) ٢٤٣ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حفصة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٨٥/٢٣ و٢٩٨٦ و٢٩٨٧ و ٢٩٨٨ و٢٩٨٩] (١٢٢٩)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٦٦ و١٦٩٧ و١٧٢٥) وفي ((المغازي)) (٤٣٩٨) وفي ((اللباس)) (٥٩١٦)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٠٦)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٦٨٢ و٢٧٨١) وفي ((الكبرى)) (٣٦٦٢ و٣٧٦٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٠٤٦)، و(مالك) في ((الموظأ)) (٨٩٧)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١١١/١ و١٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٣/٦ و٢٨٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٨/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٥/٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٧٧/١٢ و٤٨١)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٩٤/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣١١/٢٣ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٤ و٣١٥ و٣١٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢/٥) و((المعرفة)) (٤٨٨/٣ و٥١٣ و٥١٤ و٥١٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن القارن لا يتحلّل إلا في وقت تحلل المفرِد، وهو يوم النحر. ٢ - (ومنها): بيان استحباب التلبيد، وسيأتي في بابه. ٣ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وسيأتي في بابه أيضاً. ٤ - (ومنها): مشروعية سؤال الرعية رئيسهم عن فعله، إذا خَفِي عليهم وجهه . ٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته حتى يحلّ بالحجّ، ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وأخبر أنه لا يحلّ حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما، ويؤيّده قوله في حديث عائشة رضيوثّا: ((فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ))، والأحاديث بذلك متضافرة. وأجاب بعض المالكيّة، والشافعيّة عن ذلك بأن السبب في عدم تحلله من ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج العمرة كونه أدخلها على الحجّ، وهو مشكل عليه؛ لأنه يقول: إن حجه كان ـفرداً. وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مفرداً عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إن قال به استشكل عليه كونه علّل عدم التحلّل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلّل لا يمتنع على من كان قارناً عنده، قاله في ((الفتح)) (١). ٦ - (ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ◌َ﴾ كان في حجة الوداع متمتّعاً لكونه أقرّ على أنه محرم بعمرة، والتمتّع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، وطَعْنُ من طعن في قوله: ((من عمرتك)) غيرُ ملتفت إليه كما تقدّم، لكن هذا التمسّك ضعيف، فإنه لو لم يكن إلا هذا اللفظ لاحتمل التمتّع، والقران، فتعيّن بقوله وَّ﴿ في رواية عبيد الله بن عمر: ((حتى أحلّ من الحجّ)) أنه كان قارناً، وهو في ((الصحيحين)) كما تقدّم، قاله وليّ الدين ◌َظُّهُ(٢). ٧ - (ومنها): أنه تمسّك به من ذهب إلى أنه ﴿ ﴿ كان قارناً، وهو متمسّكٌ قويّ، قال الحافظ وليّ الدين: وما أدري ما يقول من ذهب إلى التمتّع، هل يقول: استمرّ على العمرة خاصّةً، ولم يُحرم بالحجّ أصلاً، فيكون لم يحجّ في تلك السنة، وهذا لا يقوله أحد، أو أدخل عليها الحجّ، فصار قارناً، وصحّ ما قاله هؤلاء، فإن للقران حالتين: إحداهما: أن يحرم بالنسكين ابتداء، والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، وقوله في رواية عبيد الله بن عمر: ((حتى أحلّ من الحجّ)) صريح في أنه كان قارناً، وقولها: ((من عمرتك)) أي العمرة المضمومة إلى الحجّ، قال النوويّ في ((شرح مسلم)): هذا دليل للمذهب الصحيح المختار أنه ◌ّ * كان قارناً في حجة الوداع. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: الذاهبون إلى الإفراد أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: (أحدها): أنها أرادت بالعمرة مطلق الإحرام، رَوَى البيهقيّ بإسناده عن (١) (الفتح)) ٢١٤/٤. (٣) ((شرح مسلم)) ٨/ ٤٣٧. (٢) ((طرح التثريب)) ٣٧/٥. ٢٤٥ (٢٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٦) الشافعيّ أنه قال: فإن قيل: فما قول حفصة للنبيّ وَله: ((ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلل من عمرتك؟)). قيل: أكثر الناس مع النبيّ وَّر لم يكن معه هديٌ، وكانت حفصة معهم، فأمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة، ويحلّوا، فقالت: لِمَ تحلل الناس، ولم تَحْلِل من عمرتك، يعني إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنيّة واحدة - والله أعلم - فقال: (لبّدت رأسي، وقلّت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر بدني))، يعني - والله أعلم - حتى يحلّ الحاجّ؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجّاً، وهذا من سعة لسان العرب الذي يكاد يعرف بالجواب فيه. انتھی کلامه. (ثانيها): أنها أرادت بالعمرة الحجّ؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصداً. (ثالثها): أنها ظنّت أنه معتمر. (رابعها): أن معنى قولها: ((من عمرتك)) أي لعمرتك بأن تفسخ حجّك إلى عمرة كما فعل غيرك، قال النوويّ في ((شرح مسلم)) بعد ذكره هذه الأجوبة: وكلّ هذا ضعيف، والصحيح ما سبق - يعني أنه ◌َِّ كان قارناً - ذكره وليّ الدين تَخُّْ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكِ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لََ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَقْصَةَ لَمْ تَحِلَّ؟(٢) بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ البجليّ مولاهم، أبو الهيثم الكوفيّ، (١) ((طرح التثريب)) ٣٨/٥، ٣٩. (٢) وفي نسخة: ((لم تحلل)). ٢٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية مالك عن نافع هذه ساقها أبو يعلى في ((مسنده» (١٢/ ٤٨١) فقال : (٧٠٥٦) - حدّثنا زهير، حدّثنا عبد الرحمن(١)، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ((أنها قالت للنبيّ وَّ: ما لك لم تحلّ من عمرتك؟ قال: إني لَبّدتُ رأسي، وقَلَّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٨٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﴿ُه قَالَتْ: قُلْتُ لِلَّبِيِّ وَّهِ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: ((إِنِّي(٢) قَلَّدْتُ هَدْبِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ)). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) الظاهر أنّ زهيراً هو ابن حرب، وعبد الرحمن هو ابن مهديّ، والله تعالى أعلم. (٢) وفي نسخة: ((قال: لأني)). ٢٤٧ (٢٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَخَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٨ -٢٩٨٩) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ خَفْصَةَ ﴿َا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ: ((فَلاَّ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد الله هذه ساقها ابن ماجه ◌َّلهُ في ((سننه))، فقال : (٣٠٣٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ((أن حفصة زوج النبيّ وَ ﴿ قالت: قلت: يا رسول الله ما شأن الناس حَلَّوا، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟ قال: إني لبّدتُّ رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٨٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَقْصَةُ عَُّهَا، أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَمَرَ أَزْوَاجَةً أَنْ يَحْلِلْنَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَحِلَّ؟ قَالَ: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن عمر العَدَنيّ، تقدّم قبل باب. ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) هو: هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص المخزوميّ المكيّ، مقبول [٨]. رَوَى عن هشام بن عروة، وعبد الله بن عكرمة بن الحارث بن هشام، وإسماعيل بن رافع، وابن جريج، ويونس بن يزيد، والثوريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن المنذر، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، وأحمد بن محمد بن الوليد، وقال العقيليّ: هشام بن سليمان في حديثه عن غیر ابن جريج وَهَمِّ. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٢٢٩)، و(١٣٤١)، و(١٥١٩)، و(١٥٥٩)، و(٢٠٠٣). ٣ - (عَبْدُ الْمَجِيدِ) بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد - بفتح الراء، وتشديد الواو - الأزديّ، مولى المهلَّب، أبو عبد الحميد المكيّ، صدوقٌ يُخطىء، وكان مرجئاً، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩]. رَوَى عن أبيه، وأيمن بن نابل، وابن جريج، ومعمر، وسالم الجزريّ، وغيرهم. وروى عنه الشافعيّ، وأحمد، والحميديّ، وابن أبي عمر، وغيرهم. قال أحمد: ثقةٌ، وكان فيه غلوّ في الإرجاء، وكان يقول: هؤلاء الشُّكّاك، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن ابن معين: ثقة ليس به بأس، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ، وكان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يطعن بالإرجاء، قال: ولم يكن يبذل نفسه للحديث، وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبد المجيد، فذكر من نُبْله وهيبته، وكان صدوقاً، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظمونه، وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، كان الحميديّ يتكلم فيه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، حدّثنا عنه أحمد، ويحيى بن معين، قال يحيى: كان عالماً بابن جريج، وقال أبو داود: وكان مرجئاً داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يحدثون عنه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال في موضع آخر: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه، وقال الدارقطنيّ: لا يُحتج به، يُعتبر به، ٢٤٩ (٢٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٩) وأبوه أيضاً ليّن، والابن أثبت، والأب يُتْرَك، وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: كلها غير محفوظة على أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء، وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن عبد العزيز، وذكر وفاته سنة ست ومائتين، فقال عبد الرزاق: الحمد لله الذي أراح أمة محمد صل من عبد المجيد، وقال الدارقطنيّ في ((العلل)): كان أثبت الناس في ابن جريج، وقال المرُّوذيّ عن أحمد: كان مرجئاً، قد كتبت عنه، وكانوا يقولون: أفسد أباه، وكان منافراً لابن عيينة، قال المرُّوذيّ: وكان أبو عبد الله يحدث عن المرجىء إذا لم يكن داعيةً ولا مخاصماً، وقال العقيليّ: ضعّفه محمد بن يحيى، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئاً ضعيفاً، وقال الساجيّ: روى عن مالك حديثاً منكراً، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد: ((الأعمال بالنيات))، وروى عن ابن جريج أحاديث لم يتابع عليها، وقال ابن عبد البرّ: روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ حديث الأعمال، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، وقال الحاكم: هو ممن سكتوا عنه، وقال الخليليّ: ثقةٌ، لكنه أخطأ في أحاديث، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستَحَقَّ الترك، وقال الدارقطنيّ في ((الأفراد)): ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعية تلطخ بالذنوب، والعصمة من الله، واعلموا أن كلّاً بقدر الله. قال الدارقطنيّ: تفرد به عبد المجيد، قال الحافظ: وبقية رجاله ثقات. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج)، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه إلا أَنه يدلّس، [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (٢٤) - (بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلَّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، وَجَوَازِ اقْتِصَارِ الْقَارِنِ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ ، وَسَعْي وَاحِدٍ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٩٠] (١٢٣٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بِّهَ خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِراً، وَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيَتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَخَرَجَ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعاً، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَأَهْدَى). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا في أول الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلُهُ، وهو (١٨٦) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﴿َا خَرَجَ) ظاهر هذا السياق يُشعر بأن الحديث عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة، وكذا الرواية التالية بلفظ: ((أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلّما عبد الله ... )) الحديث، فظاهرها أيضاً أن نافعاً أخذه عن ابن عمر رضيها بغير واسطة. لكن رواية جويرية عند البخاريّ تقتضي أن نافعاً حَمَل ذلك عن عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، حيث قال فيها: عن جويرية، عن نافع، أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلّما عبد الله بن عمر ... فذكر القصّة، والحديث. قال الحافظ تَخْذُ: هكذا قال البخاريّ عن عبد الله بن محمد بن أسماء، ٢٥١ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٠) ووافقه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى كلاهما عن عبد الله، أخرجه الإسماعيليّ عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنّى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، أخرجه البيهقيّ، لكن في رواية موسى بن إسماعيل، عن جُويرية، عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر، قال له ... فذكر الحديث، وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة، وقد عقّب البخاريّ رواية عبد الله برواية موسى لينبّه على الاختلاف في ذلك، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في ((المغازي)) بتمامه. وقد رواه يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، كذلك، ولفظه: ((أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله كلّما عبد الله))، فذكر الحديث، أخرجه مسلم، وقد أخرجه البخاريّ في ((المغازي)) عن مسدّد، عن يحيى، مختصراً، قال فيه: عن نافع، عن ابن عمر، أنه أهلّ، فذكر بعض الحديث، وفي قوله: عن نافع، عن ابن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع، وابن عمر فيه، كما هو ظاهر سياق مسلم. وأخرجه البخاريّ من طريق عمر بن محمد، عن نافع، مثل سياق يحيى، عن عبيد الله سواء. وأخرجه من طريق فُليح من طريق أيوب، والليث، كلهم عن نافع. قال: وأعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية، ووافق على طريق تخريج الليث، وأيوب، عن عبيد الله بن عمر، وكذا أخرجه النسائيّ من طريق أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميّة كلهم عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: والذي يترجّح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعاً بما كلّما به أباهما، وأشارا عليه به من التأخّير ذلك العام، وأما بقيّة القصّة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئاً من ذلك من ابن عمر، فقد عُرف الواسطة بينهما، وهي ولدا عبد الله بن عمر، سالم، وعبد الله، وهما ثقتان، لا مطعن فيهما، ولم أر من نبّه على ذلك من شُرّاح البخاريّ. ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وفي رواية يحيى القطّان المذكورة عبد الله بالتكبير، وكذا في رواية عمر بن محمد، عن نافع، قال البيهقيّ: عبد الله - يعني مكبراً - أصحّ. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال الحافظ: وليس بمستبعد أن يكون كلّ منهما كلّم أباه في ذلك، ولعلّ نافعاً حضر كلام عبد الله المكبّر مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيد الله المصغّر مع أخيه سالم أيضاً، بل أخبراه بذلك، فقصّ عن كلّ ما انتهى إليه علمه. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ووقع في رواية جويرية عبيد الله مصغراً إلخ)) هكذا في رواية البخاريّ من رواية محمد بن عبد الله بن أسماء، عن جويرية، وإلا فرواية جويرية عند النسائيّ من طريق عبد الله بن يزيد المقرىء عنه: ((عبد الله بن عبد الله)) مكبراً، وهذا الاختلاف يدلّ على أن المكبر أصحّ كما قاله البيهقيّ، والله تعالى أعلم. (فِي الْفِتْنَةِ) أي في أيام فتنة ابن الزبير، وفي الرواية التالية: ((حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير))، أي جاء ليقاتله من قبل مروان بن الحكم، وفي رواية جويرية عند النسائيّ: ((لما نزل الجيش بابن الزبير قبل أن يُقتل))، وفي رواية للبخاريّ: ((ليالي نزل الجيش بابن الزبير))، وفي رواية له: ((أراد ابن عمر الحجّ عام حجّ الحروريّة))، قال الحافظ: قوله في هذه الرواية: ((عام حجة الحرورية))، وفي رواية الكشميهني: ((حج الحرورية في عهد ابن الزبير)) مغاير لقوله في ((باب طواف القارن)) من رواية الليث، عن نافع: ((عام نزل الحجاج بابن الزبير))؛ لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية، سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمّى ابن الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك في آخر أيام ابن الزبير، فإما أن يُحْمَل على أن الراوي أطلق على الحجاج، وأتباعه حرورية؛ لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحقّ، وإما أن يُحْمَل على تعدّد القصّة. انتهى. وقال القرطبيّ تَخُّهُ: وكان من شأن ابن الزبير أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ولم يستخلف، بقي الناس لا خليفة لهم جمادين، وأياماً، من رجب، من سنة أربع وستين، فاجتمع من كان بمكة من أهل الحلّ والعقد، فبايعوا عبد الله بن الزبير لتسع ليال بقين من رجب من السنة المذكورة، واستوسق له سلطان الجحاز، والعراق، وخراسان، وأعمال المشرق، وبايع أهل الشام، ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم يزل ٢٥٣ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٠) أمرهما كذلك إلى أن توفّي مروان، وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من الحجّ؛ لئلا يبايعوا ابن الزبير، ثم إنه جيّش الجيوش إلى الحجاز، وأمّر عليهم الحجّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلّب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء، لثلاث ليال، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين. انتهى(١). (مُعْتَمِراً) وفي الرواية التالية: ((أراد ابن عمر الحجّ))، قال الحافظ تَّتُهُ: لا اختلاف بينهما؛ فإنه خرج أوّلاً يريد الحجّ، فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحداً، فأضاف إليها الحجّ، فصار قارناً. (٢) انتھی(٢). (وَقَالَ) ابن عمر بعد أن ذكروا الفتنة، ففي الرواية التالية: ((أن عبد الله بن عبد الله، وسالم ابن عبد الله كلّما عبد الله حين نزل الحجّاج لقتال ابن الزبير، قالا: لا يضرّك أن لا تحجّ العام، فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتالٌ يُحال بينك وبين البيت». ووقع في رواية البخاريّ من طريق أيوب، عن نافع، أن القائل هو ولده عبد الله بن عبد الله، ولفظه: ((قال عبد الله بن عبد الله بن عمر طيها لأبيه: أقم، فإني لا آمن أن ستُصدّ عن البيت ... )). (إِنْ صُدِدْتُ) بالبناء للمفعول (عَنِ الْبَيْتِ) أي منِعتُ عن الوصول إليه، وأداء النسك (صَنَعْنَا) أي هو ومن معه من أصحابه (كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ) ((ما)) اسم موصول، أي كالذي صنعناه معه وَلّ، أو حرف مصدريّ، أي كصنعنا معه ◌َلّ، يعني أنه إن صُدّ عن البيت حلّ من إحرامه، كما حلّ رسول الله وَله، وأصحابه، حين أُحصروا بالحديبية؛ إذ صدّهم المشركون عن البيت. وقال النوويّ: وأما قوله: ((صنعنا كما صنعنا مع رسول الله وَو إلخ)): فالصواب في معناه أنه أراد إن صُدِدتُ، وحُصرت تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبيّ وَّر، وقال القاضي: يَحْتَمِل أنه أراد: أُهِلّ بعمرة كما أَهلّ (١) ((المفهم)) ٣٥٥/٣، ٣٥٦. (٢) ((الفتح)) ٥٣/٥. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج النبيّ وَّ بعمرة في العام الذي أُحصر، قال: ويَحْتَمِل أنه أراد الأمرين، قال: وهو الأظهر، وليس بظاهر كما ادعاه، بل الصحيح الذي يقتضيه سياق كلامه ما قدّمناه. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ. وفي رواية جويرية: ((فقال: خرجنا مع رسول الله وَّله، فحال كفّار قريش دون البيت، فنحر رسول الله وَل هديه، وحلق رأسه، وأُشهدكم أني قد أوجبت العمرة إن شاء الله، أنطلق، فإن خُلّ بيني وبين البيت ◌ُفت، وإن حِيل بيني وبين البيت فعلت ما فعل رسول الله (وَل98، وأنا معه ... )). (فَخَرَجَ) أي من المدينة (فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) أي من ذي الحليفة، وفي الرواية التالية: ((أشهدكم أني قد أوجبت عمرةً))، ومعناه: قد ألزمت نفسي ذلك، والإيجاب هنا معناه الإلزام، وإنما قال ذلك لتعليم من أراد الاقتداء به، فإن الإشهاد في مثل هذا لا يحتاج إليه، ولا التلفظ بذلك، والنية كافية في صحة الإحرام، قاله وليّ الدين تَُّهُ. وفي رواية جويرية عند البخاريّ: ((فأهلّ بالعمرة من ذي الحليفة))، وفي رواية أيوب: ((فأهل بالعمرة من الدار))، والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة، ويَحْتَمِل أن يُحمَل على الدار التي بالمدينة، ويُجمَع بأنه أهلّ بالعمرة من داخل بيته، ثم أعلن بها، وأظهرها بعد أن استقرّ بذي الحليفة، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني ضعيف، بل باطل؛ لأن رواية النسائيّ من طريق أيوب السختيانيّ، وأيوب بن موسى، وعبيد الله كلهم، عن نافع، مصرّحة بما يرّده، ولفظه: ((قال: خرج عبد الله بن عمر، فلما أتى ذا الحليفة، أهلّ بالعمرة، فسار قليلاً ... ))، فظهر بهذا أن الاحتمال الذي ذكروه في تفسير الدار بداره في المدينة غير صحيح، بل الصواب أنه المنزل الذي نزله بذي الحليفة. معروف بشدة اتباعه للنبيّ وَلّ، فلا يمكن ومن المعروف أن ابن عمر طائها أن يخالفه في الإحرام قبل الميقات الذي حدّده النبيّ وَّ قولاً وفعلاً، وقد قدّمنا أن الأرجح أنه لا يجوز الإحرام قبل الميقات، فالمعنى الأول هو المتعيّن هنا. فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٢٥٥ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٠) (وَسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ) بالمدّ: المفازة، والجمع بِيدٌ بالكسر، وقال ابن الأثير تَخْتُ: البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وهي هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. انتهى(١). وفي رواية جويرية: ((ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد ... ))، قال الحافظ: وهو يؤيّد الاحتمال الأول الماضي في أن المراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة، وقال أيضاً: ولو كان إيجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت آنفاً أن الاحتمال الثاني لا يصحّ، فتبصّر. (الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ) أي فيما يتعلّق بالإحصار، والإحلال، وقال القرطبيّ كَّهُ: أي في حكم الصدّ، يعني أنه من صُدّ عن البيت بعدوّ، فله أن يحلّ من إحرامه، سواء كان محرماً بحجّ، أو عمرة، وإن كان النبيّ وَّه إنما صُدّ عن عمرة؛ لكن لما كان الإحرام بالحجّ مساوياً للإحرام بالعمرة في الحكم حمله عليه. انتهى. وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه صحة القياس، والعمل به، وأن الصحابة كانوا يستعملونه، فلهذا قاس الحجّ على العمرة؛ لأن النبيّ وَّ إنما تحلّل من الإحصار بعمرة عام الحديبية من إحرامه بعمرة وحدها. انتهى (٢). قال الحافظ وليّ الدين تَُّ: ما ذكره في معنى كلام ابن عمر لا يتعيّن، فقد يكون معناه: ما أمرهما إلا واحد في إمكان الإحصار عن كلّ منهما، فكأنه كان أولاً رأى الإحصار عن الحجّ أقرب من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحجّ، وكثرة أعماله، بخلاف العمرة، ويدلّ لهذا قوله في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع بعد قوله: ((ما أمرهما إلا واحد)): ((إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحجّ))، وهو في ((الصحيح)). انتهى(٣). (أُشْهِدُكُمْ أَنِي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ) وفي رواية الليث الآتية: ((قد (١) ((النهاية)) ١/ ١٧١. (٣) ((طرح التثريب)) ١٦٢/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/٨. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أوجبتُ حجّاً مع عمرتي))، يعني أنه أدخل الحجّ على عمرته المتقدّمة، فصار قارناً، وفيه حجة على جواز إدخال الحج على العمرة، وهو مذهب الجمهور (فَخَرَجَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعاً، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً) أي سعى بينهما (لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ) وفي رواية الليث: ((ورَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ)). قال القرطبيّ تَُّهُ: يعني الطواف بين الصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت، فلا يصحّ أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بدّ منه للمفرد، والقارن، ولا قائل بأن طواف القدوم يُجزئ عن طواف الإفاضة بوجه. انتهى(١). وقال ابن عبد البرّ: فيه حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وُصل بالسعي يُجزىء عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً، أو نسيه، حتى رجع إلى بلده، وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحداً قاله غيره، وغير أصحابه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب ما قاله القرطبيّ كَّثُهُ، من أن المراد بالطواف السعي، لا الطواف بالبيت، فإنه لا يكفي الطواف الأول عن الإفاضة، بدليل حديث جابر ظاه الصحيح، قال: (لم يطف النبيّ وَّ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول)). فإن هذا صريح في كون المراد بالطواف الأول في حديث ابن عمر المذكور هنا هو السعي بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، فإن جابراً، وغيره قد نصّوا على أنه أَلآ، وأصحابه أفاضوا يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب. وأما ما أطال به السنديّ نفَسَه، فلا أرى لنقله هنا وَجْهاً؛ لأن ما سبق يغني عنه، وأما استبعاده إطلاق الطواف على السعي، فعجيب منه، فإن هذا الحديث نفسه يُبطل ذلك، فإنه قال: ((فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة))، وما أكثر مثل هذه العبارة في الأحاديث الصحيحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَأَهْدَى) وفي الرواية التالية: ((فانطلق حتى ابتاع بقديد هدياً)). وفي رواية البخاريّ: ((وأهدى هدياً اشتراه بقُديد))، بضم القاف مصغّراً: موضع (١) ((المفهم)) ٣٥٧/٣، ٣٥٨. (٢) راجع: ((الاستذكار)) ٨٥/١٢. ٢٥٧ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٠) بين مكة والمدينة، يعني أنه قلّده هناك، وأشعره، ويعني به الهدي الذي وجب عليه لأجل قرانه. وروى علي بن عبد العزيز، عن القعنبيّ، عن مالك في هذا الحديث: ((وأهدى شاة))، فزاد ذكر الشاة، قال ابن عبد البرّ: وهو غير محفوظ عن ابن عمر، والدليل على غلطه أن ابن عمر كان مذهبه فيما استيسر من الهدي بقرة دون بقرة، أو بدنة دون بدنة، ذكره عبد الرزّاق عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه، وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: البدنة، والبقرة، وروي عن عمر، وابن عبّاس، وعليّ، وغيرهم: ما استيسر من الهدي: شاة، وعليه العلماء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٩٠/٢٤ و٢٩٩١ و٢٩٩٢ و٢٩٩٣ و٢٩٩٤] (١٢٣٠)، و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٦٣٩ و١٦٤٠ و١٦٩٣ و١٧٠٨ و١٧٢٦ و١٧٣٢ و١٨٠٦ و١٨٠٨ و١٨١٠ و١٨١٢ و١٨١٣) و((المغازي)) (٤١٨٣ و٤١٨٤ و٤١٨٥)، و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٩١٣)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٧٤٦ و١٠٢ و٨٥٥ و٢٩٣٢/١٤٤ و٢٩٣٣) وفي ((الكبرى)) (٣٧٢٧ و٣٨٤٢ و٣٩١٣ و٣٩١٤)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣١٠٢)، و(مالك) في (الموطّأ)) (٨٠٨)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٢٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨/٢ و٥٤ و٦٣ و١٣٨ و١٤١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٩٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٠/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٩/٣ - ٣٣٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٥٧/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٨/٤ و٥/ ٢١٥) و((المعرفة)) (٥٢٤/٣ و١٠١/٤)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((التمهيد)) ١٩٠/١٥. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجاً أو عمرة، جاز له التحلّل بأن ينحر هديه، ويحلق رأسه، أو يقصّر. والتحلّل بإحصار العدوّ مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم، وبه قالت الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سيأتي توضيحها في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): جواز القران، وجواز إدخال الحجّ على العمرة قبل الطواف، قال النوويّ تَخْلُهُ: وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد سبقت المسألة. انتهى. ٣ - (ومنها): أنه يجوز للحاج أن يخرج في الطريق المخوف إذا لم يتيقّن بالسوء، ورجا السلامة، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة. ٤ - (ومنها): أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وبه قال الجمهور، وخالف الحنفية في ذلك، فأوجبوا عليه طوافين، وسعيين، وقد تحقق ذلك، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): أن القارن يُهْدِي كالمتمتع، وبه قال العلماء، من فضّل منهم القران على غيره، ومن جعله مرجوحاً، ومن قال بإتيان القارن بأعمال النسكين، ومن قال بالاقتصار على عمل واحد، وخالف في ذلك ابن حزم، فقال: لا هدي على القارن، والراجح قول الجمهور؛ لأن التمتع والقران معناهما واحد في اللغة، وعُرف السلف، فتشملهما آية ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في إدخال الحج على العمرة، و عکسه : ذهب جمهور السلف والخلف إلى جواز إدخال الحج على العمرة، وهو قول الأئمة الأربعة، لكن شرطه عند أكثرهم أن يكون قبل طواف العمرة، ثم اختلفوا، فقالت الشافعيّة، والحنابلة: الشرط في صحّته أن يكون قبل الشروع في الطواف، وبه قال أشهب من المالكيّة، وصوّبه ابن عبد البرّ. وقالت الحنفيّة: الشرط أن يكون قبل مضيّ أكثر الطواف، فمتى كان ٢٥٩ (٢٤) - بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٠) إدخاله الحجّ على العمرة بعد مضيّ أربعة أشواط لم يصحّ. وقال ابن القاسم: يصحّ ما لم يكمل الطواف. وعنه رواية أخرى: ما لم يركع ركعتي الطواف. وقال القاضي أبو محمد من المالكيّة: يصحّ ما لم يكمل السعي. فهذا مع ما تقدّم عن أشهب أربعة أقوال عند المالكية. وشذّ بعض الناس فمنع إدخال الحجّ على العمرة، وقال: لا يُدخَل إحرام على إحرام، كما لا تُدخل صلاة على صلاة، وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي ثور، ثم نقل الإجماع على خلافه. وأما إدخال العمرة على الحجّ فمنعه الجمهور، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد. وجوّزه أبو حنيفة، وهو قول قديم للشافعيّ، قاله وليّ الدين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة تَخْتُ من جواز إدخال الحجّ على العمرة هو الحقّ عندي؛ لأن النبيّ وَّر فعله، ولم يرد نصّ يمنع عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالإحصار في الحجّ والعمرة: ذهب كثير من الصحابة، فمن بعدهم إلى أنّ الإحصار من كلّ حابس حبس الحاجّ، من عدوّ، ومرض، وغير ذلك، حتى أفتى ابن مسعود ظ ◌ُته رجلاً لدِغ بأنه محصر، أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. وإلى هذا القول مال الإمام البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه))، كما بيّنه الحافظ في ((الفتح))، وهو ظاهر مذهب النسائيّ، كما بيّنته في ((شرحي))، وهو مذهب النخعيّ والكوفيين، فإنهم ذهبوا إلى أن الحصر الكسرُ، والمرضُ، والخوفُ. واحتجّوا بحديث حجاج بن عمرو الأنصاريّ ظُه مرفوعاً: ((من عَرَجَ، أو كُسِر، فقد حلّ، وعليه حجة أخرى))، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وبما رواه ابن المنذر من طريق علي بن طلحة، عن ابن عباس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: من أحرم بحجّ، أو عمرة، ثم ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج حبس عن البيت بمرض يُجهده، أو عدوّ يَحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة، فلا قضاء عليه. وبما رواه عبد بن حميد، عن أبي نُعيم، عن الثوريّ، عن ابن جريج، عن عطاء، قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر إلا بالعدوّ، وصحّ ذلك عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الشافعيّ، عن ابن عيينة، كلاهما عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿ها، قال: ((لا حصر إلا مَن حَبَسَه عدوّ، فيحلّ بعمرة، وليس عليه حج، ولا عمرة)). وروى مالك في ((الموطإ))، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: ((من حُبس دون البيت بالمرض، فإنه لا يحلّ حتى يطوف بالبيت». وروى مالك، عن أيوب، عن رجل من أهل البصرة، قال: ((خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت بالطريق كُسِرَت فخذي، فأرسلت إلى مكة - وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس - فلم يرخّص لي أحد في أن أحلّ، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر، ثم حَلَلت بعمرة))، وأخرجه ابن جرير من طرق، وسمّى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخّير. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد. قال الشافعيّ: جعل الله على الناس إتمام الحجّ والعمرة، وجعل التحلّل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدوّ، فلم نَعْدُ بالرخصة موضعها. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر بعد النبيّ وَِّ، رَوَى مالك في ((الموطٍ)) عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: ((المحرم لا يحلّ حتى يطوف))، أخرجه في ((باب ما يفعل من أحصر بغير عدو)). وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عائشة ﴿ّا، قالت: ((لا أعلم المحرم يحلّ بشيء دون البيت))، وعن ابن عباس ﴿ًّا بإسناد ضعيف، قال: ((لا إحصار اليوم))، ورُوي ذلك عن عبد الله بن الزبير.