Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (١٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ وَّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - حديث رقم (٢٩٥٥) وَلَدَتْ، كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً(١)، إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُم الْحُمْسُ ثِيَاباً، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ◌َّا قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُرْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الْحَرَمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: كتب الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ كَُّهُ في ((تقييده)) بعد ذكر هذا الإسناد ما نصّه: هكذا عند أبي أحمد، والكسائيّ في إسناد هذا الحديث، وعند أبي العلاء بن ماهان: ((حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة))، جَعَلَ ((ابن أبي شيبة)) بدل أبي كُريب. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: كونه عن أبي كريب هو الذي مشى عليه الحافظ المزيّ كَّلُ في ((تحفة الأشراف)) (١٣٩/١٢)، ولم يُشر إلى الاختلاف المذكور، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً) جمع عَارٍ، كقُضَاة جمع قاضٍ، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في ((تطوف)). قال النوويّ تَخْثُ: هذا من الفواحش التي كانوا عليها في الجاهلية، (١) وفي نسخة: ((كانوا يطوفون بالبيت عُراةً)). (٢) ((تقييد المهمل)) ٨٤٠/٣. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقيل: نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيَّهَا ءَابَآَنَا﴾، ولهذا أمر النبيّ ◌َّل في الحجة التي حجها أبو بكر ظُه سنة تسع أن ينادي مناديه: ((أن لا يطوف بالبيت عُرْيان)). انتهى(١). وقوله: (إِلَّا الْحُمْسَ) تقدّم تفسيره في الحديث الماضي. وقوله: (وَمَا وَلَدَتْ) أي وأولادهم، واختار كلمة ((ما)) على كلمة ((مَنْ)) لعمومها . وقيل: المراد به والدهم، وهو كنانة؛ لأن الصحيح أن قريشاً هم أولاد النضر بن كنانة، وزاد معمر هنا: وكان ممن ولدت قريش: خزاعةُ، وبنو كنانة، وبنو عامر بن صعصعة، قاله في ((العمدة))(٢). وقوله: (يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ) قال في ((العمدة)): هو عَلَم للموقف، وهو منصرف؛ إذ لا تأنيث فيها، قاله الكرمانيّ، والتحقيق فيه ما قاله الزمخشريّ: [فإن قلت]: هلا مُنِعَت الصرف، وفيه السببان: التعريف والتأنيث؟. [قلت]: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة، كما في سُعَاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو؛ لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى. وسُمِّيت عرفات بهذا الاسم، إما لأنها وُصِفت لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فلما أبصرها عرَفها، أو لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها، فقال: قد عرفتُ، أو لأن آدم - عليه الصلاة والسلام - هبط من الجنة بأرض الهند، وحواء ظلِّل بجُدّة فالتقيا ثَمَّة، فتعارفا، أو لأن الناس يتعارفون بها، أو لأن إبراهيم وَّرْ عَرَف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثَمَّة، أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم، أو لأن فيها جبالاً، (١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٩٧. (٢) ((عمدة القاري)) ٤/١٠. ١٦٣ (١٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ وَلَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - حديث رقم (٢٩٥٦) والجبال هي الأعراف، وكل عالٍ فهو عَرْف. انتهى(١). وقوله: (كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ) أصله من إفاضة الماء، وهو صَّه بكثرة، وقال الزمخشريّ: أفضتم: دفعتم من كثرة الماء. وقوله: (رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ) أي رجعوا إلى ما كان عليه دين إبراهيم ظلَّلُ من الوقوف بعرفات، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٥٦] (١٢٢٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، قَالَ: أَضْلَلَّتُ بَعِيراً لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَاقَّفاً مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللّهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأَنَّهُ هَا هُنَا؟ وَكَانَتْ قُرَيْشرٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتُ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجة، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣] مات على رأس المائة (عَ) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٤٠/٣٦. (١) ((عمدة القاري)) ٤/١٠. ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٦ - (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ ه، كان عارفاً بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين (ع) تقدّم في ((الحيض)) ٧٤٦/١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَُّهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما أسلفناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم) رَبِهِ أنه (قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيراً لِي) أي فقدته، يقال: ضلّ البعير: إذا غاب،ً وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأضللت الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْته، ولا تقل: أضللته بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أضلّني كذا بالألف: إذا عَجَزتَ عنه، فلم تقدر عليه، وقال في ((البارع)): ضَلِّني فلانٌ، وكذا في غير الإنسان يَضِلَّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيواناً، فأخطأت مكانه، ولم تَهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْته، وقال الفارابيّ: أضللتُهُ بالألف: أضعته، قاله الفيّوميّ ◌َظُّهُ(١). (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) وفي رواية النسائيّ: ((فذهبت أطلبه بعرفة يوم عرفة)) فيكون الجارّ، والظرف متعلقان بـ((أطلب)) يعني أنه ذهب لطلب بعيره في الموضع المسمّى بعرفة، في يوم بعرفة (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَاقِفاً مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ) إشارة إلى النبيّ ◌َِّ، وهذا تعجب (١) ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢، ٣٦٤. ١٦٥ (١٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ وَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - حديث رقم (٢٩٥٦) من جبير بن مطعم، وإنكار منه لَمّا رأى النبيّ وَّهِ واقفاً بعرفة مخالفاً لعادة قريش، ولذلك قال: (فَمَا شَأَنَّهُ هَا هُنَا؟) أي في عرفة (وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنْ الْحُمْسِ) تقدّم معناه قريباً، أي فما باله يقف بعرفة، والحمس لا يقفون بها؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم. وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي عمر جميعاً عن سفيان: ((فما له خرج من الحرم)). [تنبيه]: قوله: ((وكانت قريش تُعدّ من الحمس))، هذه الزيادة ليست في رواية البخاريّ، قال في ((الفتح)) بعد ذكر هذه الزيادة عند مسلم ما نصّه: هذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بيّنه الحميديّ في ((مسنده)) عنه، ولفظه متّصلاً بقوله: ((فما شأنه ههنا؟)) قال سفيان: والأحمس الشديد على دينه، وكانت قريش تُسمّى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم، استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم. ووقع عند الإسماعيليّ من طريقيه بعد قوله: ((فما له خرج من الحرم؟)) قال سفيان: الحمس - يعني قريشاً - وكانت تسمّى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله، لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. انتهى. وروى ابن خزيمة، وإسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) موصولاً من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمّه نافع بن جبير، عن أبيه، قال: ((كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول الله ◌َ في الجاهليّة يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا))، ولفظ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في ((المغازي)) مختصراً، وفيه: ((توفيقاً من الله له))، وأخرجه إسحاق أيضاً عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم، قال: ((أضللت حماراً لي في الجاهليّة، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله وَل﴿ واقفاً بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفّقه لذلك)). ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يُسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضاً، كما تقدّم. وتضمّن ذلك التعقيب على السهيليّ حيث ظنّ أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجّ بالناس عّاب سنة ثمان، وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع، كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم. وقال الكرمانيّ: وقفة رسول الله وَل بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلماً؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكاراً، أو تعجباً، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس، فلا إشكال، ويَحْتَمِل أن يكون لرسول الله وَله وقفة بعرفة قبل الهجرة. انتهى ملخّصاً . قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد كما بيّنته قبلُ بدلائله، وكأنه تبع السهيليّ في ظنّه أنها حجة الوداع، أو وقع له اتفاقاً. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جبير بن مطعم نظره هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٥٦/١٩] (١٢٢٠)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٦٦٤)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٣٠١٤) و((الكبرى)) (٤٠٠٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٠/٤ و٨٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٠٦٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٧٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٧٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٠/٣)، و(البزّار) في (١) ((الفتح)) ٦٠٥/٤، ٦٠٦. ١٦٧ (٢٠) - بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ غَيْرِهِ - حديث رقم (٢٩٥٧) ((مسنده)) (٣٤٨/٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٨٤٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٥٥٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٨٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٣/٥)، وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٠) - (بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ غَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٥٧] (١٢٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ لِي: ((أَحَجَجْتَ؟) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((بِمَ (١) أَهْلَلْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيَْ بِإِهْلَالٍ (٢) كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((فَقَدْ أَحْسَنْتَ، طُّ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ))، قَالَ: فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي قَيْسٍ، فَقَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، قَالَ: فَكُنْتُ أُقْتِي بِهِ النَّاسَ، حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةٍ عُمَرَ رَظُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍٍ، رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاَكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتُمُّوا، قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ رَبِهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ تَأْخُذْ بِكِتَابِ الهِ، فَإِنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ (٣) بِالَّمَام، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ،وَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ). (١) وفي نسخة: ((بما)). (٣) وفي نسخة: ((يأمرنا)). (٢) وفي نسخة: ((لبيتُ بإهلال)). ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، أبو بسطام الواسطيّ، ثُم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. ٥ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِم) الْجَدَليّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء [٦] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٥/٢٢. ٦ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ) بن عبد شمس الْبَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، له رؤية [٢] (ت ٢ أو٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٥/٢٢. ٧ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات رَد ◌ُه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ◌َّثُ، وله فيه شيخان، قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ رؤيةً عن صحابيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) وفي رواية للبخاريّ في ((المغازي)): ((عن قيس بن مسلم: سمعت طارق بن شهاب)) (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس (٢٠) - بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٢٩٥٧) ١٦٩ الأشعريّ ◌َظُه، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((حدّثني أبو موسى)) (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية البخاريّ: ((بعثني النبيّ ◌َّل إلى قومي باليمن، فجئت، وهو بالبطحاء)) (وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ) اسم فاعل، من أناخ بعيره: إذا أبركه، أي وهو نازل بالبطحاء، وذلك في ابتداء قدومه إلى مكة. (فَقَالَ لِي: ((أَحَجَجْتَ؟)) أي أحرمت بالحجّ (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((بِمَ (١) أَهْلَلْتَ؟))) أي: بأيّ شيء رفعت صوتك بالتلبية، فـ((ما)) استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في ((الخلاصة)): وَ((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وفي بعض النسخ: ((بما أهللت)) دون حذف الألف، وهو قليل الاستعمال. (قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ◌َّهِ﴾ (لبيك)) بكاف الخطاب، أي قلت هذا اللفظ، ووقع في بعض النسخ: ((لبيتُ)) بتاء المتكلّم (قَالَ: ((فَقَدْ أَحْسَنْتَ) أي في إهلالك هذا، وفيه جواز تعليق الإهلال بإهلال فلان، زاد في الرواية التالية: ((قال: هل سقت من هدي؟، قلت: لا، قال: فطف بالبيت ... )) (طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي اسْعَ بينهما (وَأَحِلَّ))) بقطع الهمزة، أمر من الإحلال رباعيّاً: إذا خرج من إحرامه، وفي الرواية التالية: ((ثُمَّ حِلَّ)) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، أمر مِن حَلّ يحلّ، ثلاثيّاً من باب ضرب، وهو بمعناه. قال النوويّ رَّتُهُ: معنى هذا الكلام أن أبا موسى ظُه صار كالنبيّ وَّل، وتكون وظيفته أن يفسخ حجه إلى عمرة، فيأتي بأفعالها، وهي الطواف، والسعي، والحلق، فإذا فعل ذلك صار حلالاً، وتمّت عمرته، وإنما لم يذكر الحلق هنا؛ لأنه كان مشهوراً عندهم، ويَحْتَمِل أنه داخل في قوله: ((وأَحِلَّ)). انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الحقّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. (١) وفي نسخة: ((بما)). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/٨. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً) عِنْه (قَالَ) أبو موسى لم يعرف المرأة (١) (مِنْ بَنِي قَيْسٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((امرأة من قيس))، قال الحافظ تَخُّْ: والمتبادر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: ((امرأة من نساء بني قيس))، وظهر لي من ذلك أن المراد بقيس: قيس بن سُليم والد أبي موسى الأشعريّ، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْم، وأبو بردة، قيل: ومحمد. انتهى(٢). (فَفَلَتْ رَأْسِي) بتخفيف اللام: أي أخرجت منه القملَ، يقال: فَلَيتُ رأسي فَلْياً، من باب رَمَى: نقّيته من القمل (٣)، وفي الرواية التالية: ((فمشطتني، وغسلت رأسي)). قال النوويّ ◌َخُّْ: هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرماً لأبي موسی (ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ) قال النوويّ ◌َخْذُ: يعنى أنه تحلل بالعمرة، وأقام بمكة حلالاً إلى يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، ثم أحرم بالحج يوم التروية، كما جاء مبيناً في غير هذه الرواية. [فإن قيل]: قد عَلَّقَ عليّ بن أبي طالب، وأبو موسى ﴿ّ إحرامهما بإحرام النبىّ وَلّ، فأمر عليّاً بالدوام على إحرامه قارناً، وأمر أبا موسى بفسخه إلى عمرة؟. [فالجواب]: أن عليّاً ظُبه كان معه الهديُ، كما كان مع النبيّ ◌َلِّل الهديُ، فبقي على إحرامه، كما بقي النبيّ ◌ََّ، وكلُّ من معه هديٌّ، وأما أبو موسى فلم يكن معه هديٌّ، فتحلل بعمرة، كمن لم يكن معه هديٌ، ولولا الهديُ مع النبيّ ◌َ﴿ لجعلها عمرةً، وقد سبق إيضاح هذا الجواب في الباب الذي قبل هذا. انتهى (٤). (فَكُنْتُ أُقْتِي بِهِ النَّاسَ) يعني بالتحلّل لمن أحرم (قَالَ) أبو موسى ◌َّ ◌ُبه (١) ((تنبيه المعلم)) ص٢١٨. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢. (٢) ((الفتح)) ٤٤٩/٤. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/٨. ١٧١ (٢٠) - بَابُ جَوَازٍ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ غَيْرِهِ - حديث رقم (٢٩٥٧) بالحجّ بعمل العمرة إذا لم يسق الهدي، وهذا يدلّ على أن أبا موسى ظُهُ ممن يرى عموم مشروعيّة ما أمر به النبيّ وَّ من الفسخ، وتعدّيه لغير الصحابة، ولم ير أن ذلك خاصّ بالصحابة ﴿ه، وهذا هو الحقّ، كما مرّ تحقيقه. (حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةٍ عُمَرَ رَُّبه) وفي الرواية التالية: فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر، وإمارة عمر، فإني القائم بالموسم إذ جاءني رجلٌ، فقال: ((إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين ... )) (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ) للشكّ من الراوي (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، رُوَيْدََكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ،) أي أمْهِل بعض ما تفتي به، ولا تستعجل. [تنبيه]: قوله: ((رويدك)) اسم فعل، بمعنى أَمْهِل))، وأصله أَرْوِدْ إِرْوَاداً: أي أمهل إمهالاً، فصغّروا الإرواد بحذف زيادتيه، وهما الهمزة والألف، تصغير الترخيم، واستعملوه مصدراً نائباً عن فعله، وهو أَرْوِدْ، ثم إنه إذا انتصب ما بعده، كرُوَيْدَ زيداً، وكـ((بعضَ فتياك)) في هذا الحديث، فإنه اسم فعل، وإن انجرّ ما بعده فهو مصدرٌ، نحو رُويد زيدٍ، أي إرواد زيد، أي إمهاله، وهو منصوب بفعل مضمر، أي أروِدْ. وفي (لسان العرب)) نقلاً عن الأزهريّ كَّقُ: اعلم أن رُويداً تلحقها الكاف، وهي في موضع أَفْعِلْ، وذلك قولك: رُويدَك زيداً، ورويدكم زيداً، فهذه الكاف التي أُلحقت لتبيين المخاطب في رويداً، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، ورُويد غيرُ مضاف إليها، وهو متعدّ إلى زيد؛ لأنه اسم سمّي به الفعلُ، يعمل عمل الأفعال، وتفسير رُويدَ: مَهْلاً، وتفسير رويدَكَ: أَمْهِلْ؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أَفْعِلْ، دون غيره، وإنما حُرّكت الدال لالتقاء الساكنين، فنُصب نصب المصادر، وهو مصغّر، مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر أرود يُروِدُ، وله أربعة أوجه: اسم فعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رُويدَ عمراً، أي أرود عمراً، بمعنى أمهله، والصفة نحو قولك: ساروا سيراً رويداً، والحال نحو قولك: سار القوم رُويداً، لَمَّا اتصل بالمعرفة صار حالاً لها، والمصدر نحو قولك: رُويَدَ عمرٍو بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ اُلْرِقَابِ﴾، وفي حديث أنجشة ظه: (رُويدك رِفقاً بالقوارير)): أي أمهل، وتَأَنَّ، وارفُق. ١٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج انتهى ما في ((اللسان))(١). وإلى هذا مع ((بَلْهَ)) أشار ابن مالك تَخْلُ في ((خلاصته)) حيث قال: كَذَا رُوَيْدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ وَيَعْمَلَانِ الْخَفْضَ مَصْدَرَيْنٍ (٢) قال النوويّ كَُّ: معنى ((رُوَيدك)): ارفُق قليلاً، وأمسك عن الْفُنْيَا، ويقال: فُتيا، وفَتْوى لغتان مشهورتان. انتهى. څ (فِي (فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) أي عمر بن الخطّاب التُّسُكِ) أي في شأنها (بَعْدََكَ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد مفارقته لك، أو بعد ما كنت تعلمه مما تفتي به الناس، من جواز المتعة (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَقْتَيْنَاهُ) أي بجواز المتعة (فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ) - بمثناة فوقية مشددة، بعدها همزة - افتعال من التؤدة: أي ليتأنّ، ولا يتعجّل بالمضيّ على فتيانا (فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عمر . رَضُرُعِنْه (قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأَتَمُّوا) أي فاقتدوا به، وخذوا بقوله، واتركوا قولنا، إن خالفه (قَالَ) أبو موسى ◌َظُهُ (فَقَدِمَ عُمَرُ رَبِهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) وفي الرواية التالية: («فلما قَدِمِ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، يعني نهيه الناس من المتعة (فَقَالَ) عمر ◌َّهِ (إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ) هو قوله ﴿وَأَنِقُواْ الْحَّ وَالْعُمَْةَ لِّهِ﴾ (فَإِنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ) وفي نسخة ((يأمرنا)) (بِالتَّمَامِ) أي بكون كلٍّ من النسكين تامّين بإتيانه بسفر جديد، أو بإحرام جديد، لا يجعل أحدهما تابعاً للآخر. (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِوَهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يعني أنه وَّ في حجة الوداع لم يتحلّل حتى روى جمرة العقبة، ونحر هديه، ولم يتحلّل بعمل العمرة، أي والمتمتّع يتحلّل إذا لم يسق الهدي، كما فَعَل أصحاب النبيّ وَِّ . والحاصل أن الجمع بين القرآن والسنة قد أدّى عمر رَظ ◌ُبه إلى النهي عن التمتّع والقران جميعاً، فيحصل حينئذ الإتمام، والحلّ يوم النحر، لا قبله. (١) ((لسان العرب)) ١٩٠/٣. (٢) راجع: شروح ((الخلاصة))، وحواشيها في باب أسماء الأفعال والأصوات. ١٧٣ (٢٠) - بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ غَيْرِهِ - حديث رقم (٢٩٥٧) في منعه الناس من التحلّل وقال الحافظ تَخْذَلهُ: ومحصّل جواب عمر بالعمرة أن كتاب الله تعالى دالّ على منع التحلّل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأن سنة رسول الله وَ له أيضاً دالّة على ذلك؛ لأنه لم يحلّ حتى بلغ الهدي محلّه. لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به النبيّ وَل 9، حيث قال: ((ولولا أن معي الهدي لأحللت))، فدلّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي. وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر رَُّه في ذلك أنه منع منه سدّاً للذريعة. وقال المازريّ: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، بناء على مُعْتَقَده أن الفسخ كان خاصّاً بتلك السنة. قال النوويّ كَُّ: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتّع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل. قال الحافظ: ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريباً من مسلم: ((إن الله يُحلّ لرسوله ما شاء))، والله أعلم. وفي قصّة أبي موسى، وعليّ ﴿ه دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هديٌّ، فصار له حكم النبيّ وَّ لو لم يكن معه هديٌّ، وقد قال: ((لولا الهدي لأحللت))، أي وفسخت الحجّ إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره، وأما عليّ، فكان معه هديٌّ، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارناً. قال النوويّ: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطابيّ، وعياض بتأويلين غير مرضیین. انتهى. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال الحافظ: فأما تأويل الخطابيّ، فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل عليّ، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبيّ وٍَّ، أي كما يبيّنه لي، ويُعيّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمره أن يحلّ بعمل عمرة؛ لأنه لم يكن معه هدئٌ. وأما تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: ((فكنت أفتي الناس بالمتعة)) أي بفسخ الحجّ إلى العمرة. والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنه وَلّ كان مفرداً، مع قوله: ((لولا أن معي الهدي لأحللت))، أي فسخت الحج، وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلّل؛ لأنه لم يكن معه هديٌّ، بخلاف عليّ. قال عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصّاً بالصحابة. انتهى. وقال ابن المنّر في ((الحاشية)): ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب، ودلّت عليه السنّة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد. ثم أجاب بأنه لعله أراد إبطال وَهْم من توهّم أنه خالف السنّة، حيث منع من الفسخ، فبيّن أن الكتاب والسنة متوافقان على الأمر بالإتمام، وأن الفسخ كان خاصّاً بتلك السنة؛ لإبطال اعتقاد الجاهليّة أن العمرة لا تصحّ في أشهر الحجّ. انتهى. وأما إذا قلنا: كان قارناً، على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النوويّ، والله أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصاً بتلك السنة، بل هو سنة مستمرة إلى يوم القيامة، كما بيّنه النبيّ وَّ﴿، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ تَهُبه هذا متّفقٌ عليه. ١٧٥ (٢٠) - بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ غَيْرِهِ - حديث رقم (٢٩٥٧) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٥٧/٢٠ و٢٩٥٨ و٢٩٥٩ و٢٩٦٠] (١٢٢١)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٦٥ و١٧٢٤ و١٧٩٥) و((المغازي)) (٤٣٩٧)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٥٦/٥) و((الكبرى)) (٣٤٩/٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده)» (٧٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٥/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٥٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٤٠/٢ و٣٤٦)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٢٠/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٦٤/١٣)، و(البزّار) في (مسنده)) (٣٤٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الإحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وهو قول الشافعيّ، وأصحاب الحديث، ومحلّ ذلك ما إذا كان الوقت قابلاً، بناء على أن الحجّ لا ينعقد في غير أشهره، قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه جواز تعليق الإحرام، فإذا قال: أحرمت بإحرامٍ كإحرام زيد صحّ إحرامه، وكان إحرامه كإحرام زيد، فإن كان زيد محرماً بحجّ،َ أو بعمرة، أو قارناً كان المعلّق مثله، وإن كان زيد أحرم مطلقاً كان المعلّق مطلقاً، ولا يلزمه أن يصرف إحرامه إلى ما يصرف زيد إحرامه إليه، فلو صرف زيد إحرامه إلى حجّ كان للمعلِّق صرف إحرامه إلى عمرة، وكذا عكسه. (١) انتھی ٢ - (ومنها): استحباب الثناء على مَن فَعَل فِعْلاً جميلاً؛ لقوله وَله: ((أحسنت)). ٣ - (ومنها): بيان أن من لم يسق الهدي ممن أحرم مفرداً، أو قارناً عليه أن يتحلّل بعمل العمرة، ثم يُهلّ بالحج يوم التروية، ومسألة فسخ الحج إلى العمرة، قد استوفيت بيان اختلاف العلماء فيها، وترجيح الراجح بأدلّته قبل بابین في شرح حديث جابر برقم [٢٩٤٣/١٧] (١٢١٦) فراجعها تستفد، عبّة وبالله تعالى التوفيق. (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/٨. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ظه من عنايتهم بتبليغ السنّة إلى الأمة، فإن أبا موسى ربه لم يزل يُفتي الناس بذلك إلى أن خالفه عمر رظُته، فتوقف. ٥ - (ومنها): أن المجتهد ربما يخالف بعض السنن، مع علمه بها لتأويل يراه، ولا لوم عليه في ذلك، وإنما يُذكّر لعله یتذكّر. ٦ - (ومنها): أن العلة التي كره عمر ظبه التمتع من أجلها هي كون حال المتمتع مخالفاً لحال الحاجّ من كونه أشعث، أغبر، فإنه قال - كما سيأتي -: ((ولكن كرهت أن يظلُّوا مُعْرِسين بهنّ في الأراك))، لكن مثل هذا الرأي المخالف لصريح السنة، وإن كان صاحبه يُعذر باجتهاده لا يُلتفت إليه. ٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم ولاة الأمور، فإن أبا موسى الأشعريّ به ترك فتياه، وأمر الناس بأن يتئدوا عما أفتاهم به؛ إذ سمع أن عمر به خالفه فيه. ٨ - (ومنها): بيان الأدب مع ولاة الأمور، وإن وقعوا في المخالفة، فلا ينبغي إساءة القول أو الفعل لهم، حيث إن أبا موسى خاطب عمر ظها بأسلوب أدبيّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟، مع أنه يعلم أنه مخالف لما ثبت عن النبيّ ◌َّةٍ، فينبغي لمن رأى مخالفة من وليّ أمره أن يلاطفه، ويخاطبه باحترام وتعظيم، ولا يُعنّفه، ولا يسيء له القول أو الفعل، والله تعالى أعلم ٩ - (ومنها): بيان أن الأكابر أحياناً يقعون في خلاف السنّة؛ اجتهاداً منهم، فإن عمر ظُّه خالف ما صحّ عنه بَّر من جواز فسخ الحج إلى العمرة، أو من جواز الاعتمار في أشهر الحج بسبب رأي رآه، فيُعتذر له بالتأويل، ولا ينقص ذلك من قدره شيئاً . ١٠ - (ومنها): أن المجتهد ينبغي له إذا بلغه من غيره خلاف ما يعتقده أن يتأنى حتى يعرف دليل ذلك المخالف، فلعلّ عنده حجة أقوى من حجته، فيرجع إليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٧٧ (٢٠) - بَابُ جَوَازِ تَعْلِيقِ الإِخْرَامِ پإحْرَامٍ غَْرِهِ - حدیث رقم (٢٩٥٨ - ٢٩٥٩) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثْنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. و((شعبة)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌ََّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسٍٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ(١)، فَقَالَ: ((بِمَ أَهْلَلْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْي؟)) قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ))، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ، فِي إِمَارَةٍ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةٍ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّيِّدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأَتْمُّوا، (١) وفي نسخة: ((وهو بالبطحاء)). ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَنِقُواْ الَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةٍ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلاَمِ - فَإِنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [٩] (ت١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله، و((قيسٌ)) هو ابن مسلم. وقوله: (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، من حلّ الثلاثيّ، وتقدم في الرواية الأولى بلفظ: ((أَحِلّ)) من الإحلال رباعيّاً، وكلاهما لغتان بمعنى واحد، أي: اخرج من إحرامك، وتحلّل منه بعمل العمرة. وقوله: (فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، ويَحْتَمِل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطاً، من باب قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة، قاله الفيّوميّ، والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى رضيُه، وأصلحته. وقوله: (فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِم) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاج، قال الليث: موسم الحجّ، سُمِّي موسماً لأنه مَعْلَمٌ يُجتمع إليه، وقال ابن السكّيت: كل مَجمَع من الناس كثيرٍ هو مَوْسِمٌ، ومنه مَوْسِم منى، أفاده في ((اللسان)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الرواية الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْذٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَظُهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَعَثَنِي إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: ١٧٩ (٢٠) - بَابُ جَوَازٍ تَعْلِيقِ الإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ غَيْرِهِ - حديث رقم (٢٩٦٠) فَوَافَقْتُهُ فِي الْعَامِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا أَبَا مُوسَى، كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَخْرَمْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: لَبَيْكَ إِهْلَالاً كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ◌ِ، فَقَالَ: ((هَلْ سُقْتَ هَذْياً؟) فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَانْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ))، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةً وَسُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الکسيّ، تقدّم قبل بابین. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. ٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذلي المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ) فاعل ((ساق)) ضمير أبي الْعُميس. [تنبيه]: رواية أبي العميس، عن قيس بن مسلم هذه ساقها البيهقيّ تَخْتُهُ في ((السنن الكبرى)) (٣٣٨/٤) فقال: (٨٤٦٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون، أنبأ أبو عميس، قال: سمعت قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى روايته قال: كان رسول الله وَ﴿ بعثني إلى اليمن، قال: فوافقته في العام الذي حَجّ فيه، فقال لي رسول الله وَلّى: ((يا أبا موسى كيف قلت حين أحرمت؟)) قال: قلت: إهلالٌ كإهلال النبيّ وَِّ، فقال: ((هل سُفْتَ هدياً؟)) قلت: لا، قال: فانطلق، فطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم أَحِلَّ، فانطلقت، فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم عَمَدت إلى نسوة من آل قيس، يعني عماته، فمَشَطْن رأسي بالغسل، فلما كان بعد ذلك في إمارة ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عمر ظُه قَدِمتُ حاجّاً، فبينا أنا أُحَدِّث الناس عند البيت بما أمرني رسول الله وَي إذ قدم رجل، فقال: دونك أيها الرجل بحديثك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فقلت: يا أيها الناس مَن سَمِعَ شيئاً، فلا يأخذ به، حتى يَقْدَم أمير المؤمنين، فبه ائتمُّوا، فلما قَدِمَ عمر ◌َُّبه، قلت له: يا أمير المؤمنين أَحَدَثَ في النسك شيء؟ فغَضِبَ عمر أمير المؤمنين من ذلك، ثم قال: أَجَلْ، لئن نأخذ بكتاب الله فقد أمر الله بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله وَّقه بيننا، فإنه لم يَحِلّ حتى بلغ الهدي محله. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٦١] (١٢٢٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ كَانَ يَفْتِي بِالْمُنْعَةِ، فَقَالَ لَّهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَ بِبَعْضٍ فُتْيَكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَى لَقِيَهُ بَعْدُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٩/ ٩٧٧. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ، وُلِد في حياة رسول الله وَّل، فسمّاه، وحَنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وعنه الشعبيّ، وعُمَارة بن عمير.