Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
هي المفازة، جمعها بِيد بالكسر، والمراد هنا بيداء ذي الحليفة (نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ
بَصَرِي) قال النوويّ كَذَتُهُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((مَّ بصري))، وهو
صحيح، ومعناه مُنْتَهَى بصري، وأنكر بعض أهل اللغة مَدّ بصري، وقال:
الصواب: ((مَدَى بَصَري))، وليس هو بمنكر، بل هما لغتان، المدّ أشهر.
(١)
انتھی
.
(بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ رَاكِبِ، وَمَاشٍ) فيه جواز الحجّ راكباً وماشياً، وهو مُجْمَعٌ
عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية [الحج: ٢٧]،
واخَتَلَف العلماء في الأفضل منهما، فقال مالك، والشافعيّ، وجمهور العلماء:
الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبيّ وَّر، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه
أكثر نفقةً، وقال داود: ماشياً أفضل؛ لمشقته، وهذا فاسد؛ لأن المشقة ليست
مطلوبة، قاله النوويّ تَخْذَهُ(٢).
وقال القرطبيّ ◌َّهُ: لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج،
واختُلف في الأفضل منهما: فذهب مالك، والشافعيّ في آخرين: إلى أن
الركوب أفضل اقتداءً بالنبيّ وَّر، ولكثرة التفقه، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة
الركوب.
وذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس.
ولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل.
واختلفوا في الطواف والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها
أفضل؛ للاقتداء بالنبيّ ◌َِّ. انتهى(٣).
(وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: من راكب، وماش (وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ،
وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ وَلِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا) في محلّ نصب على
الحال، وكذا قوله: (وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ) مقصوده: الحثّ
على التمسك بما أخبرهم عن فعله وَلي في حجته تلك.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/٨.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٣/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/٨ - ١٧٤.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال القرطبيّ ◌َُّ: وقوله: ((وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله))
يعني: أنه لو إنما كان يفعل الفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به
الوحي، فيفهمه هو، ويبيّنه للناس بفعله، ولذلك قال وَ اجون: ((خذوا عنِّي
مناسككم))، وكانوا كما قال جابر ظه: إذا عَمِل شيئاً اقتدوا به فيه، وعملوه
على نحو ما عمل. انتهى.
(وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ) أي: إنه ◌َ﴿ إذا عَمِل شيئاً من أعمال
الحجّ اقتدوا به فيه، وعملوه على نحو ما عمل، وفيه ما كان عليه الصحابة
من شدّة الحرص على الاقتداء بالنبيّ ◌َّ.
(فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ) أي: رفع صوته بكلمة التوحيد، يعني قوله: ((لا شريك
لك))، وقوله: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ
لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))) تقدّم شرحه في ((باب التلبية))، وفيه إشارة إلى
مخالفة ما كانت الجاهلية، تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك، فكانوا يقولون:
(لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك))، كما سبق ذلك في
((باب التلبية)) أيضاً.
(وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَيْهِمْ شَيْئاً
مِنْهُ) يعني: أنهم لم يلتزموا هذه التلبية الخاصَّة التي لبَّى بها رسول الله وَله؛ إذ
فهموا أنها ليست مُتعيِّنَة، فترك وَ لو كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع
هذا فلا بدَّ أن يأتي الملبِّي بما يقال عليه تلبية لساناً، ولا يجزئ منها التحميد،
ولا التكبير، ولا غيره، عند مالك، قاله القرطبيّ كَذُهُ(١).
وفي رواية أحمد، وابن الجارود: ((ولبّى الناس، والناس يزيدون ذا
المعارج، ونحوه من الكلام، والنبيّ نَّهِ يسمع فلا يقول لهم شيئاً)) (وَلَزِمَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ تَلْبِيَتَهُ) المذكورة، قال القاضي عياض تَُّ: فيه إشارة إلى ما
رُوي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر، كما رُوي في ذلك عن
عمر نظره أنه كان يزيد: ((لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك،
ومرغوباً إليك))، وعن ابن عمر رضيها: ((لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء
(١) ((المفهم)) ٣٢٥/٣.

٢٣
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
إليك والعمل))، وعن أنس ظُه: (لبيك حقّاً تَعَبُّداً ورِقّاً))، قال القاضي: قال
أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله وَلله، وبه قال مالك،
والشافعيّ. انتهى(١).
(قَالَ جَابِرٌ رَبِهِ: لَسْنَا تَنْوِي إِلَّ الْحَجَّ) أي: لسنا ننوي شيئاً من النّات
إلا نيّة الحجّ، قال السنديّ تَّتُهُ: هذا في أول الأمر، وقت خروجهم من
المدينة، وإلا فقد أحرم بعضهم بالعمرة، أو هو خبر عما كان عليه حال
غالبهم، أو أن المقصد الأصليّ من الخروج كان الحجّ، وإن نوى بعض
العمرة. انتھی.
وقوله: (ولَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ) تأكيد للحصر الذي قبله، قال القرطبيّ ◌َُّهُ:
هذا يَحْتَمِل أن يُخْبِر به عن حالهم الأَوَّل قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العمرة
في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما تقدَّم، فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم
النبيّ وَّ، فقال: ((من أراد أن يُهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهلّ بعمرة
فليفعل، ومن أراد أن يُهلّ بحج وعمرة فليفعل))، فارتفع ذلك الوهم الواقع
بهم. انتھی(٢).
وقال القاضي عياض تَخّْتُهُ: فقول جابر نظُه: ((لسنا ننوي إلا الحج ...
إلخ)) مع قوله في الحديث الآخر قبلُ: ((مهلّين مع رسول الله ◌َطّر بحجّ مفرد)»،
يُرُدّ كلّ ما خالفه من رواية: أن منهم من كان معتمراً، أو متمتّعاً وقارناً، وكيف
وهو يقول: ((لا نعرف العمرة))، وكذلك كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجّ
حتى جاء الإسلام، ولذلك جعل النبيّ وَمِ عُمَره كلها في أشهر الحجّ على
الصحيح، وسيأتي هذا، وقد أثبتنا قبلُ ترتيب هذه الأخبار، وتأليف مختلفها،
ومن خالف حديث جابر، ومن وافقه إنما هو إخبار من مآل الحال، واستقرار
العمل، كما تقدّم. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما قاله المحقّقون من الجمع بين قول
جابر نظُه: (لسنا ننوي إلا الحجّ ... إلخ))، وبين حديث عائشة خيرًا: ((فمنا
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٦٩/٤ - ٢٧٠.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٢٧٠.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٣/٣ - ٣٢٤.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
محمول على أول الأمر قبل أن
من أهلّ بعمرة ... إلخ)) أن حديث جابر ظـ
يأمرهم النبيّ وَ له بالعمرة، وحديث عائشة ﴿يّا محمول على آخر الأمر بعد أن
أمرهم النبيّ ◌َليّ بالعمرة، فلا اختلاف بين الأحاديث، ولله الحمد.
(حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ) أي: وصلنا إليه (مَعَهُ) ◌َِّ، بعد أن نزل بذي
طُوى، وبات بها، واغتسل فيها، ودخل مكة من الثنيّة العليا، صبيحة رابع ذي
الحجة، وقصد المسجد من شقّ باب السلام، ثم بدأ بالطواف، ولم يبدأ
بركعتي تحية المسجد؛ لأنهما يحصلان بعد الطواف، وإنما يؤمر بهما من يريد
الجلوس، والطائف لا يجلس، فلم يشمله النهي الوارد في قوله ويقول: ((إذا دخل
أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين))، وأما ما اشتهر عند كثير من
الناس: إن تحية المسجد الحرام الطواف لا صلاة ركعتين، فمن كلام العوامّ
الذين لا علم عندهم، ولا تفكير لهم في النصوص، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
وفي الحديث أن السنة لداخل مكة للنسك أن يبدأ بالبيت قبل غيره، إلا
أن يكون مضطرّاً، كأن يخشى على رحله، فله الصبر عليه، والبداية به حتى لا
يضيع، وكذلك من جاء متأخراً يوم عرفة، وخاف فوت الوقوف لو بدأ بالبيت،
ونحو ذلك من كل من يضطرّ إلى أن يبدأ بغيره، فله ذلك، والله تعالى أعلم.
(اسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أي: الركن الأسود؛ إذ ينصرف إليه الركن عند الإطلاق،
وسُمّي ركناً؛ لأنه في ركن البيت.
وفي رواية أحمد، وابن الجارود: ((الحجر الأسود))، والاستلام: افتعال
من السلام بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيّا؛ لأن الناس
يُحيّونه بالسلام، وقيل: من السِّلام بكسر السين، وهي الحجارة، واحدتها
سَلِمة بكسر اللام، ويقال: استلم الحجر: إذا لَثَمَه وتناوله، والمعنى: وضع
يديه عليه وقبّله، واستلم النبيّ ◌َ ﴿ الركن اليماني أيضاً في هذا الطواف، كما
في حديث ابن عمر ﴿ّ، ولكن لم يُقبّله، فلا يُسنّ تقبيله.
والحاصل أن السنّة تقبيل الحجر الأسود في كلّ طوفة، إن تيسّر ذلك،
فإن شقّ التقبيل استلمه بيده، ثم قبّلها، وإلا استلمه بنحو عصا، وقبّلها، وإلا
أشار إليه، ولا يقبّله ما أشار به إليه، وهذا الذي ذكرناه في الحجر الأسود، لا

٢٥
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ه الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
يُشرع شيء منها في الأركان الأخرى، إلا الركن اليمانيّ، فيسنّ استلامه بوضع
اليد عليه فقط، دون تقبيله، فما يفعله كثير من الناس من تقبيلهم الركن اليماني
فمن غلبة جهلهم بالسنة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله.
وقال الزرقانيّ كَُّ في ((شرح المواهب)): واعلم أن للبيت أربعة أركان:
الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم؛ أي:
أساس بناه، والثاني هو الركن اليماني له الفضيلة الثانية فقط، وليس للآخرين
شيء منهما، فلذلك يقبّل الأول، كما في (الصحيحين)) عن ابن عمر ظ﴿جًا أنه وعَل
قبّل الحجر الأسود، وفي ((صحيح البخاريّ)) عن ابن عمر ﴿يا: ((رأيت
رسول الله ◌َّ﴿ يستلمه، ويقبّله))، ويُستلَم الثاني فقط؛ لما في (الصحيح)) عن ابن
عمر ◌ًا: أنه لو كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. ولا يُقبّل
الآخران، ولا يُستلمان؛ اتّباعاً للفعل النبويّ؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم؛
هذا قول الجمهور، واستَحَبّ بعضهم تقبيل اليمانيين أيضاً، وهذا ضعيفٌ؛
لمخالفته السنّة.
وقد أجاب الشافعيّ تَخْتُ عن قول من قال كمعاوية رصُّه وقد قبّل الأركان
كلها: ليس شيء من البيت مهجوراً، فردّ عليه ابن عبّاس ﴿ه فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسُوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فأجاب الشافعيّ تَظْتُهُ: بأنّا لم
نَدَع استلامهما هَجْراً للبيت، وكيف يهجره، وهو يطوف به؟ ولكنا نتّبع السنة
فعلاً أو تركاً، ولو كان ترك استلامهما هَجْراً له لكان ترك استلام ما بين
الأركان هَجراً له، ولا قائل به، ورُوي عن الشافعيّ، عن ابن عمر ﴿ما قال:
استقبل رسول الله ﴿ الحجر الأسود، فاستلمه، ومسح يده عليه، ثم وضع
شفتيه عليه طويلاً يقبّله. ويستفاد منه استحباب الجمع بينهما. انتهى.
ومما يُستحبّ عند استلام الركن الأسود التكبير في كلّ طوفة؛ لحديث
ابن عبّاس ها قال: طاف النبيّ وَ﴿ بالبيت على بعيره كلما أتى الركن أشار
إليه بشيء كان عنده، وكبّر، رواه البخاريّ.
وأما التسمية فلا تثبت في حديث مرفوع كما نبّه عليه الشيخ الألبانيّ تَظُّ،
وإنما ثبتت عن ابن عمر ﴿ها أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله
أكبر، أخرجه البيهقيّ وغيره بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، والحافظ، ووهم

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ابن القيّم، فذكره من رواية الطبرانيّ مرفوعاً، وإنما رواه موقوفاً كالبيهقيّ، كما
ذكره الحافظ في ((التلخيص)). انتهى (١).
(فَرَمَلَ ثَلَاناً، وَمَشَى أَرْبَعاً) وفي رواية النسائيّ والترمذيّ: ((فطاف سبعاً،
فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً))، فقوله: ((فرَمَل)) أي: مشى بسرعة، مع تقارب
الْخُطى، وهزّ الكتفين، وفي الرواية الآتية عند مسلم: ((لَمّا قَدِم مكة أتى
الحجر، فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً)).
وقوله: (ثَلَاثاً) أي: ثلاث مرّات، وهي الأشواط الأُوَل من السبعة، زاد
في رواية لأحمد: ((حتى عاد إليه)).
وقوله: (وَمَشَى أَرْبَعاً) أي: على السكون والهيئة في الأربعة الأشواط
الباقية.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: وبفعله وَلَّ هذا تقرر أن الرَّمل في الثلاثة الأشواط
سنَّة راتبة، وإن كان أصل مشروعيته في عمرة القضاء؛ لِيُرِيَ أهل مكة قوَّتهم،
وتجلّدهم، كما في حديث ابن عباس ﴿ه على ما يأتي؛ لكن لما فعله في
حجة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقق أنه تعبّد، وأنه سُنَّة.
وهذا الطواف المذكور هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سنَّة مؤكدة
يجب بتركه دم على غير المراهق، وهو قول أبي ثور، وأحد قولي مالك،
وقيل: لا يجب بتركه دم، ويجزئ عنه طواف الإفاضة، وهو قول الشافعي،
وأصحاب الرأي، ولا يخاطب بطواف القدوم مكيٍّ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول الشافعي ومن معه هو الأرجح في
هذا؛ لأن إيجاب الدم يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: والأطواف ثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة، ويسمَّى: طواف الزيارة؛
لأن الطائف يزور البيت من مِنى، فيطوفه، وقد أجاز الحنفي وغيره هذه
التسمية، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وطوافُ الوداع، وهو الذي يفعل
عند الصَّدَر من مكة، ولا دم على تاركه. انتهى (٢).
(١) راجع: ((المرعاة شرح المشكاة)) ٦/٩ - ٧.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٤/٣.

٢٧
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ تَّتُهُ: ولا دم على تاركه؛ أي:
عند من يقول: إنه ليس من النسك، وإلا فالقائلون: إنه من النسك يوجبون
الدم بتركه، فتنبّه.
وقال النوويّ نَّثُهُ: قوله: ((حتى إذا أتينا البيت معه ... إلخ)): فيه أن
المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يُسَنّ له طواف القدوم، وهو مجمع
عليه، وفيه أن الطواف سبع طوافات، وفيه أن السنة أيضاً الرمل في الثلاث
الأُوَل، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة.
قال العلماء: الرمل هو أسرع المشي مع تقارب الخطى، وهو الْخَبَب.
قال أصحابنا: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة،
أما اذا طاف في غير حجّ أو عمرة فلا رمل، بلا خلاف، ولا يُسْرِع أيضاً في
كل طواف حجّ، وإنما يسرع في واحد منها، وفيه قولان مشهوران للشافعيّ:
أصحهما طواف يعقبه سعيٌّ، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور
في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع.
والقول الثاني: أنه لا يُسرع إلا في طواف القدوم، سواء أراد السعي
بعده أم لا، ويُسرع في طواف العمرة؛ إذ ليس فيها إلا طواف واحد، والله
أعلم.
قال أصحابنا: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في
سنن أبي داود، والترمذيّ، وغيرهما، وهو أن يجعل وَسَط ردائه تحت عاتقه
الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفاً،
قالوا: وإنما يسنّ الاضطباع في طواف يسنّ فيه الرمل على ما سبق تفصيله،
والله أعلم. انتهى(١).
(ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فِّلا)؛ («نَفَذَ» بالنون، والفاء، والذال المعجمة؛
أي: توجّه، يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغ من طوافه (فَقَرَأَ: ﴿وَتَّخِذُواْ﴾) بكسر
الخاء المعجمة على الأمر، وبفتحها على الخبر (﴿مِن مَّقَّامِ إِبْرَهِعَمَ﴾) بفتح
الميم؛ أي: موضع قيامه، وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت،
(١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٧٥.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وفيه أثر قدمين إلى الآن، وهو موضوع قُبالة البيت (﴿مُصَلّ﴾) بالتنوين؛ أي:
موضع صلاة الطواف.
قال القرطبيّ كَّلُ: الرواية هنا: ﴿وَأَّخِذُوا﴾، بكسر الخاء على الأمر،
وهي قراءة الكوفيين، وأبي عمرو، وهي أمر، وعلى قراءة الفتح، وهي قراءة
الباقين، هو خبر عن الملتزمين لاستقبال الكعبة.
واختُلِف في مقام إبراهيم لعلّ ما هو؟ فقال ابن عباس ظنّه: هو مواقِفُه
كلها، وقال الشعبيّ وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار، وقال مجاهد:
الحرم، وقال جابر وقتادة: الحجر الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفع به كلما
ارتفع البناء، ويرفع هذا الخلاف، ويبيِّن المراد بالمقام قوله: فجعل المقام بينه
وبين الكعبة؛ وهذا يدلّ على أنه هو الموضع المعروف هناك الذي يَستَقبِل بابَ
البيت.
و(﴿مُصَلّ﴾) أي: موضع صلاة ودعاء، وهاتان الركعتان هما المسنونتان
للُوَّاف، وهما سنتان مؤكدتان، يجب بتركهما دم عند مالك، ويدركهما ما لم
يخرج من الحرم، فإن خرج ولم يركع، فهل يعيد الطواف لهما، أم لا؟
قولان، فإذا قلنا: لا يعيد الطواف لهما فقد وجب الدَّم، وكذلك إذا رجع إلى
بلاده وجب الدَّم، وغير مالك لا يرى فيهما دماً، ويركعهما متى ذكرهما. انتهى
كلام القرطبيّ كَُّهُ(١) .
زاد في رواية الترمذيّ، والنسائيّ: ((فصلّى ركعتين))، وعند أحمد، وابن
الجارود: ((حتى إذا فرغ - أي: من الطواف ــ عَمَدَ إلى مقام إبراهيم، فصلّى
خلفه رکعتین)).
(فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) أي: صلّى خلفه، وهذا بيان للأفضل،
وإلا فيجوز أن يصلي الركعتين في أي موضع شاء.
وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا دليل لِما أَجْمَع عليه العلماء أنه ينبغي لكل
طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختَلَفوا هل
هما واجبتان، أم سنتان؟ وعندنا فيه خلاف حاصله: ثلاثة أقوال: أصحها
(١) (المفهم)) ٣٢٥/٣ - ٣٢٦.

٢٩
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
أنهما سنة، والثاني أنهما واجبتان، والثالث إن كان طوافاً واجباً فواجبتان،
وإلّا فسنتان، وسواء قلنا واجبتان أو سنتان، لو تركهما لم يبطل طوافه، والسنة
أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الْحِجْر، وإلا ففي المسجد، وإلا
ففي مكة، وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض
جاز، وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حيّاً، ولو أراد أن يطوف
أطوفة استُحِبّ أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا
صلاة، ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه، قال أصحابنا: يجوز ذلك،
وهو خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه، وممن قال بهذا: الْمِسْوَر بن مَخْرَمة،
وعائشة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف،
وكرهه ابن عمر، والحسن البصريّ، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، وأبو حنيفة،
وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، ونقله القاضي عن جمهور
الفقهاء. انتهى(١).
(فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ) قال النوويّ ◌َخْتُ:
معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد رَوَى هذا الحديث عن أبيه، عن
جابر ظبه، قال: كان أبي - يعنى محمداً - يقول: إنه قرأ هاتين السورتين،
قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر،
بل عن جابر، عن قراءة النبيّ و 18 في صلاة هاتين الركعتين، قال: وأما
قوله: ((لا أعلم ذَكَرَه إلا عن النبيّ بَّ)) ليس هو شكّاً في ذلك؛ لأن لفظة
العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبيّ وَّر، وقد ذكره البيهقيّ بإسناد
صحيح على شرط مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ربه:
أن النبيّ وَ﴿ طاف بالبيت، فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً، ثم صلى
ركعتين، قرأ فيهما: ﴿قُلّ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾.
انتھی(٢) .
وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، وَ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَ
اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾) قال النوويّ تَخْذَتُهُ: معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/٨ - ١٧٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/٨.

٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٢)، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ
قال في ((المرعاة)): الواو لمطلق الجمع، فلا إشكال، قال الطيبيّ: كذا
في ((صحيح مسلم))، و((شرح السنّة)) في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر
تقديم ((سورة الكافرون))، وفي رواية للنسائيّ: ((فصلّى ركعتين، فقرأ فاتحة
الكتاب، و﴿قُلْ يَأَيُّهَ اَلْكَفِرُونَ ﴾، و﴿قُلٌ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾))، وفي رواية
للترمذيّ: ((قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ﴾ ،
و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾)). انتهى(١).
(ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ) يعني أنه ◌َّهِ بعد صلاة ركعتي الطواف
رجع إلى الحجر الأسود، فاستلمه، وهذا يدلّ على شدّة العناية، والتهمّم
باستلام الحجر الأسود(٢).
وقال النوويّ تَخُّْ: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: أنه
يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام، أن
يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يَخرُج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا
على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم.
انتھی(٣).
(ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ) أي: من باب البيت الحرام (إِلَى الصَّفَا) مقصوراً،
في الأصل هي الحجارة الْمُلْسُ، الواحدة صفاوٌ، مثلُ حَصَّى وحَصَاوٍ، ومنه
سُمّي الصفا موضع بمكة، ويجوز تذكيره وتأنيثه باعتبار إطلاق لفظ المكان
والبقعة عليه، قاله في ((المصباح))(٤).
(فَلَمَّا دَنَا) أي: قَرُب (مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾) قال أبو
عبد الله القرطبيّ كَُّ في ((تفسيره)): أصل الصفا في اللغة: الحجر الأملس،
وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضاً، ولذلك أخرجهما بلفظ
التعريف، وذَكَّر الصفا؛ لأن آدم ظلَّهُ وقف عليه، فسُمِّي به، ووقفت حواء على
المروة، فسميت باسم المرأة، فأنّث لذلك، والله أعلم.
(١) راجع: ((المرعاة)) ٧/٩ -٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/٨.
(٢) («المفهم)) ٣٢٦/٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ٣٤٤/١.

٣١
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يُسَمَّى إِسَافاً، وعلى المروة صنم
يُدْعَى نائلة، فاطّرَد ذلك في التذكير والتأنيث، وقُدِّم المذكر، وهذا حسنٌّ؛ لأن
الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف
بينهما إلا من أجل هذا، حتى رفع الله الحرج في ذلك، وزعم أهل الكتاب
أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛
ليُعتَبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدا من دون الله، والله تعالى أعلم.
و((الصفا)): مقصورٌ جمع صَفَاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ، وقيل: الصفا
اسم مفرد، وجمعه صُفِيٌّ بضم الصاد، وكسرها (١)، وأَصْفاءٌ على مثل أَرْحاء،
قال الراجز:
كَأَنَّ مَثْنَيْهِ (٢) مِنَ النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الظَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ
وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو؛
أي: خَلَص من التراب، والطين.
و((المروة)): واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لِينٌ، وقد
قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو: الحجارة صَلِيبها ورِخوها الذي
يتشظى، وتَرِقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال
الشاعر :
فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ
وَتَوَلَّى الأَرْضَ خِفّاً ذَابِلاً
وقال أبو ذؤيب [من الكامل]:
بِصَفَا الْمُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمِ تُقْرَعُ
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ
وقد قيل: إنها الحجارة السُّود، وقيل: حجارة بيض بَرّاقة، تكون فيها
النار.
(﴿مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾﴾ أي: من أعلام مناسكه، ومواضع عباداته، وهي جمع
شعيرة، والشعائر المتعبَّدات التي أشعرها الله تعالى؛ أي: جعلها أعلاماً للناس
(١) الكسر زاده في ((اللسان))، و((القاموس)).
(٢) قال في ((اللسان)): الصواب: ((كأن متنيّ)) لأن بعده: ((من طول إشرافي على
الطَّيِّ)). انتهى.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
من الموقف، والسعي، والنحر، والشعار: العلامة، يقال: أشعر الهدي: أعلمه
بغرز حديدة في سنامه، من قولك: أشعرت؛ أي: أعلمت، وقال الكميت [من
الطويل]:
نُقَتِّلُهُمْ جِيلاً فَجِيلاً تَرَاهُمُ شَعَائِرَ قِرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ(١)
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخَُّ في ((المفهم)): و((الشعائر)): المعالم التي
للحجّ، جمع شعيرة، سُمّيت بذلك؛ لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال
الحج؛ أي: تُعْلِم، أو لِما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه،
قال: والطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة عند جمهور
العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجباً في الحج، وسيأتي استيفاء
الكلام عليهما - إن شاء الله تعالى. انتهى (٢).
(أَبْدَأُ) بصيغة المتكلّم؛ أي: قال: أنا أبدأ، ووقع في بعض النسخ
((ابدؤوا بما بدأ الله)) بصيغة الأمر، وأشكّ في صحّتها؛ لأن هذه وقعت عند
النسائيّ في رواية له، ولفظها: ((فابدءوا بما بدأ الله به))(٣)، (بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ))
أي: بذكره، وهو الصفا، يعني أنه يبتدىء السعي من الصفا؛ لأن الله تعالى
ابتدأ بذكره، حيث قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية؛ لأن الترتيب الذكريّ له
اعتبار في الأمر الشرعيّ، إما وجوباً، وإما استحباباً، وإن كانت الواو لمطلق
الجمع.
وقال السنديّ رَغْلُهُ: هذا يفيد أن بداءة الله تعالى ذكراً تقتضي البداءة
عملاً، والظاهر أنه يقتضي ندب الابتداء عملاً، لا وجوباً، والوجوب فيما نحن
فيه من دليل آخر. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقوله: ((أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصَّفا ... إلخ)):
هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت، ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن
فعل أُلغي ذلك الشَّوط عند الجمهور، وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ ١٧٩/٢ - ١٨٠.
(٢) («المفهم)) ٣٢٧/٣.
(٤) ((المرعاة)) ٨/٩.
(٣) راجع: ((المجتبى)) برقم (٢٩٦٣).

٣٣
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هَا الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
ويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من
قوله وسلم: ((أبدأ بما بدأ الله به)): أن الذي يقدَّم ليعطفَ عليه أوكد من المعطوف
في مقصود المقدِّم بوجهٍ ما، كما يُفْهَم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنِى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ
وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له
على المعطوف، ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعْرف فيه، ولا يُفْهَم منه أن
الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء، لا بالترتيب، وقد تقدم القولُ على
تحلُّلهم بعمل العمرة. انتهى(١).
وقول النوويّ كَّتُهُ قوله: ((أبدأ بما بدأ الله به ... إلخ)): في هذا اللفظ
أنواع من المناسك:
[منها]: أن السعي يشترط فيه أن يُبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ،
ومالكٌ، والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائيّ في هذا الحديث بإسناد
صحيح: أن النبيّ وَل﴿ قال: ((ابدءوا بما بدأ الله به))، هكذا بصيغة الجمع.
[ومنها]: أنه ينبغي أن يَرقَى على الصفا والمروة، وفي هذا الرُّقِّيّ
خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه
صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو حفص ابن الوكيل من أصحابنا: لا
يصحّ سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب الأول، قال أصحابنا:
لكن يشترط أن لا يترك شيئاً من المسافة بين الصفا والمروة، فليُلْصِق عقبيه
بدرج الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في
المرات السبع يُشتَرط في كل مرة أن يُلصق عقبيه بما يبدأ منه، وأصابعه بما
ينتهي إليه، قال أصحابنا: يُستحب أن يَرْقَى على الصفا والمروة حتى يرى
البيت إن أمكنه.
[ومنها]: أنه يُسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالى
بهذا الذكر المذكور، ويدعو، ويكرّر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو
المشهور عند أصحابنا، وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثاً، والدعاء
(١) ((المفهم)) ٣٢٧/٣ - ٣٢٨.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ،
والله تعالى أعلم.
(فَبَدَأَ) وَلِّ السعي (بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ) بكسر القاف، قال في
((القاموس)): رَقِيَ إليه، كَرَضِيَ رَقْياً، ورُقِيّاً: صَعِدَ، كارتقى، وترقَّى، والْمِرْقَاةُ،
بالفتح، ويُكسر: الدرجة. انتهى (٢).
وقال في ((المصباح)): رَقِيتُ في السَّلَّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِبَ رُقِيّاً
على فُعُولٍ، ورَقْياً مثلُ فَلْسِ أيضاً، وارتقيتُ، وترقّيتُ مثله، ورَقِيتُ السَّطْحَ
والجبلَ: عَلَوته يتعدَّى بنفسه. انتهى(٣).
(حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ) أي: إلى أن رأى الكعبة المشرّفة (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ)
وضع الظاهر موضع المضمر؛ تنصيصاً على أن البيت هو القبلة، وتنبيهاً على
أن المقصود بالذات هو التوجّه إلى القبلة، لا خصوص رؤية البيت، قاله
القاري كَخْتُهُ. (فَوَخَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) قال الطيبيّ تَخْذَُّ: هذا
يَحْتَمِل أن يكون قولاً آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، ويَحْتَمِل أن يكون
كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظاً به، لكن معناه مستفاد من
هذا القول؛ أي: لأن معنى التكبير التعظيم، قال القاري: والأظهر أنه قول
آخر. (وَحْدَهُ) حال مؤكّد من ((الله))، كقوله تعالى: ﴿هُوَ اُلْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ الآية
[البقرة: ٩١]، وقوله: ﴿شَهِدَ اَللَهُ أَنَّهُ لَاْ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ قَائِمًا
بِالْقِسْطِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨] في أحد الوجهين، ويجوز أن يكون مفعولاً
مطلقاً، قاله الطيبيّ كَُّ(٤)، وقال في ((المرعاة)): ((وحده)) حال مؤكّدة؛ أي:
منفرداً بالألوهيّة، أو متوحّداً بالذات، وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) حال أيضاً؛ أي:
لا شريك له في الألوهيّة، فيكون تأكيداً، أو في الصفات، فيكون تأسيساً، وهو
الأولى(٥). (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ، وابن
ماجه، والدارميّ، والبيهقيّ، والشافعيّ: ((يُحيي ويُميت)) (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
(١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٧٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣٦/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٣٦/٤.
(٤) ((الكاشف لحقائق السنن)) ٦/ ١٩٦٠.
(٥) ((المرعاة)) ٩/ ٩.

٣٥
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌َـ
الطويل ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ) أي: وَفَى بما وعد به من إظهار دينه،
حيث قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الْحِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الَّذِينِ كُلِهِ، وَلَوْ
[الصفّ: ٩] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمداً ◌َِّ نصراً عزيزاً، كما قال
كَرِهَ الْمُشْرِكُنَ
تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]،
ووقع في رواية أحمد: ((صدق عبده))، ومعنى صدق الله تعالى عبده: تأييده له
بالمعجزات، والله تعالى أعلم.
(وَهَزَمَ) وفي رواية: ((وغلب)) (الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ))) أي: هزمهم بغير قتال
من الآدميين، ولا بسبب من جهاتهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
وَجُنُودًا لَّمَ تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، والمراد بالأحزاب: هم الذين تَحَزّبوا على
رسول الله 8* يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة،
وقيل: سنة خمس، قاله النوويّ تَذَتُهُ(١)، ويحتمل أن يكون المراد بالأحزاب:
أنواع الكفّار الذين تحزّبوا لحرب رسول الله وَ﴾، وغُلبوا بالهزيمة والفرار (٢).
وقوله: (ثُمَّ) هنا لمجرّد الترتيب، دون التراخي (دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: بين
مرّات هذا الذكر بما شاء (قَالَ مِثْلَ هَذَا) وفي نسخة: ((مثل ذلك))؛ أي: مثل
الذكر المتقدّم (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الطيبيّ نَُّ: كلمة ((ثُمّ)) تقتضي التراخي، وأن
يكون الدعاء بعد الذكر، و((بين)) تقتضي التعدّد والتوسّط بين الذكر بأن يدعو
بعد قوله: ((وهو على كلّ شيء قدير))، ثم الدعاء، فتمحّل من قال: لما فرغ من
قوله: ﴿وهزم الأحزاب وحده﴾ دعا بما شاء، ثم قال مرّة أخرى هذا الذكرَ،
ثم دعا، حتى فعل ثلاث مرّات، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن
يذكر قوله: ((ثم دعا بين ذلك)) بعد قوله: ((قال مثل هذا ثلاث مرّات))، وتكون
(ثمّ)) للتراخي في الإخبار، لا تأخّر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون
(٣)
الدعاء مرّتين. انتهى
وقال السنديّ تَّقُ: يقول الذكر ثلاث مرّات، ويدعو بعد كلّ مرّة. انتهى.
(١) ((شرح النووي)) ١٧٧/٨.
(٣) ((الكاشف)) ١٩٦١/٦.
(٢) ((المرعاة)) ٩/٩.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ) وفي رواية النسائيّ: ((ثم نزل ماشياً)) (حَتَّى إِذَا
انْصَبَّتْ) بتشديد الموحّدة (قَدَمَاهُ) أي: انحدرتا بسهولة، ومنه قولهم: ((إذا مشى
كأنه ينحطّ في صَبَب)) أي: موضع منحدر، وهو مجازٌ من قولهم: ((صببت
الماء، فانصبّ))؛ أي: سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْوَادِي) أي: المسعى، وفي
رواية النسائيّ: ((في بطن المسيل))، يعني انحدرتا بسهولة حتى وصلتا إلى بطن
الوادي، والمراد به المنخفض منه، وقوله: (سَعَى) جواب ((إذا)).
[تنبيه]: سقط من معظم النسخ لفظ ((سعى))، ولا بدّ منه، قال
النوويّ تَخْتُهُ: قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صَعِدتا
مشى حتى أتى المروة)): هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن
جميع النسخ، قال: وفيه إسقاط لفظةٍ لا بُدّ منها، وهي ((حتى إذا انصبّت قدماه
رَمَلَ في بطن الوادي)»، ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية
مسلم، وكذا ذكرها الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين))، وفي ((الموطأ)):
((حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى خرج منه))، وهو بمعنى
رَمَلَ. انتهى كلام القاضي عياض ◌َُّ(١).
قال النوويّ كَّثُهُ: وقد وقع في بعض (نسخ صحيح مسلم)): ((حتى إذا
انصبت قدماه في بطن الوادي سعى))، كما وقع في ((الموطأ)) وغيره، والله
أعلم. انتهى (٢).
(حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا) بكسر العين المهملة؛ أي: ارتفعت قدماه عن بطن
الوادي، وخرجتا منه إلى طرفه الأعلى، وقال الطيبيّ تَّتُهُ: معناه: ارتفعتا عن
بطن الوادي إلى المكان العالي؛ لأنه في مقابلة ((انصبّت قدماه))؛ أي: دخلتا
في الْحُدُور. انتهى (٣).
قال المجد تَخْذَلُهُ: صَعِدَ في السّلّم، كسَمِعَ صُعُوداً، وصَعَّدَ في الْجَبَل،
وعليه تصعيداً: رَقِيَ، ولم يُسمع: صَعِدَ فيه، وأصعد: أتى مكة، وفي الأرض:
مَضَى، وفي الوادي: انحدر، كصَعّد تصعيداً. انتهى(٤).
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٧٢/٤ - ٢٧٣.
(٣) ((المرعاة) ١٠/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/٨.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٣٠٧/١.

٣٧
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
وقال الفيّوميّ نَّتُهُ: صَعِدَ في السلم والدرجة يَصْعَد، من باب تَعِبَ
صُعُوداً، وصَعِدتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل بالتثقيل: إذا علوته،
وصَعِدت في الجبل، من باب تَعِبَ لغةٌ قليلةٌ، وصَعِدت في الوادي تصعيداً: إذا
انحدرت منه، وأصعد من بلد كذا إلى بلد كذا إصعاداً: إذا سافر من بلد سُفْلی
إلى بلد عُليا (١)، وقال أبو عمرو: أصعد في البلاد إصعاداً: ذهب أينما توجه،
وصَعِد بالكسر، وأصعد إصعاداً: إذا ارتقى شَرَفاً. انتهى(٢).
(مَشَى) أي: سار على السكون، يعني أنه لما بلغ المكان المرتفع من
الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه.
قال النوويّ تَخُّْهُ: في هذا الحديث استحباب السعي الشديد في بطن
الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا
السعي مستحب في كل مرّة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي
مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع
أجزأه، وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعيّ وموافقيه، وعن مالك فيمن ترك
السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكِر، والثانية: تجب عليه
إعادته. انتهى(٣).
(حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) زاد في رواية أحمد: ((فَرَقِي عليها حتى نظر إلى البيت))
(فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) أي: مثل ما فعله عليه، من الرُّقيّ،
واستقبال القبلة، والذكر والدعاء، قال النوويّ كَّتُهُ: فيه أنه يسنّ عليها من
الذكر والدعاء والرُّقيّ مثل ما يسنّ على الصفا، وهذا متفق عليه. انتهى (٤).
(حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ) وفي نسخة: ((آخر طوف)) بلا ضمير، و((كان))
هنا تامّة؛ أي: وُجد (عَلَى الْمَرْوَةِ) متعلّق بـ((كان))، وفي رواية لأحمد، وابن
الجارود: ((فلما كان السابع عند المروة)).
(١) كذا وقع في النسخة: ((سُفلى))، و((عُليا))، والظاهر أن الصواب هنا ((أسفل))،
وأعلى))، فليُحرّر.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٤٠/١.
(٤) (شرح النوويّ)) ١٧٨/٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/٨.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال النوويّ تَخْلُهُ: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ والجمهور: أن الذهاب من
الصفا إلى المروة يُحسَب مرّةً، والرجوع إلى الصفا ثانيةً، والرجوع إلى المروة
ثالثةً، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت
الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يُحْسَب الذهاب إلى المروة
والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث
الصحيح يَرُدُّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. انتهى، وهو
تعقّبٌ جيّدٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ) جواب ((إذا))، زاد في رواية لأحمد، وابن الجارود: ((يا
أيها الناس)) ((لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي) أي: لو علمت في قُبُلِ من أمري (مَا
اسْتَدْبَرْتُ) أي: ما علمته في دُبُرٍ منه، والمعنى: لو ظهر لي هذا الأمر الذي
ظهر لي الآن وأمرتكم به في أول أمري، وابتداء خروجي (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ)
بضمّ السين المهملة؛ أي: ما جعلت عليّ هدياً، وأشعرته، وقّدته، وسُقته بين
يديّ، فإنه إذا ساق الهدي لا يتحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر، فلا
يصحّ له فسخ الحجّ بعمل العمرة، بخلاف من لم يسق معه هدياً، فإنه يفسخ
الحجّ، وهذا صريح في أنه وَّ لم يكن متمتّعاً.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: وقوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ...
إلخ)) هذا يُرُدّ على من قال: إن النبيّ وَل ﴿ أحرم متمتعاً، ويدل على أنه إنما
أحرم بما أحرم به مختاراً له، وإنه خُيّر في أنواع الإحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له
واحد منها؛ فأمر به، ولكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه
بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو؛ أخبرهم بسبب امتناعه،
وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل
ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من
ذلك قبل إحرامه ما ظهر له بعده؛ لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن
نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج. انتهى(١).
وقال الخطّابيّ تَخّلُ: إنما أراد رسول الله و له بهذا القول لأصحابه؛
(١) ((المفهم)) ٣٢٩/٣ - ٣٣٠.

٣٩
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿ّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
تطييباً لقلوبهم، وذلك أنه كان يشقّ عليهم أن يحلّوا، ورسول الله وَّلَ مُحرِم،
ولم يُعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ويتركوا الاقتداء به، فقال عند ذلك
القولَ؛ لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه، قال:
وقد يستدلّ بهذا الحديث من يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من الإفراد
والقران.
قال الطيبيّ: ولعلّهم إنما شقّ عليهم؛ لإفضائهم إلى النساء قبل انقضاء
المناسك، كما ورد في حديث جابر قالوا: ((فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيّ))،
وأشاروا إلى مذاكيرهم.
وقال البيضاويّ: إنما قال ذلك تأسيساً للتمتّع، وتقريراً لجواز العمرة في
أشهر الحجّ، وإماطةً لما ألِفُوا من التحرّج عنها. انتهى(١).
(وَجَعَلْتُهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً) أي: كنت متمتّعاً من أول الأمر من غير
سوق الهدي، وقال القاري؛ أي: جعلت إحرامي بالحج مصروفاً إلى العمرة
كما أمرتكم به موافقةً.
وقال ابن القيّم تَخْثُ في شرح قوله ◌َّير: ((لو أني استقبلت من أمري ما
استدبرت ... إلخ)): يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت
إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله
ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه،
فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي.
وقال النوويّ كَُّهُ: في الحديث دليل على جواز قول (لو)) في التأسّف
على فوات أمر الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن ((لو))
تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسّف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد
كثُرت الأحاديث الصحيحة في استعمال ((لو)) في غير حظوظ الدنيا ونحوها،
فيُجمَع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ) الفاء جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر ما
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٩٦١ - ١٠٦٢.
(٢) ((المرعاة)) ٩/ ١١.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ذكرت من أني سُقت الهدي، فمن كان منكم (لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ) بسكون الدال
وتخفيف الياء، وكسرها وتشديد الياء (فَلْيَحِلَّ) بكسر الحاء، وفي رواية عند
أحمد: ((فليحلل)) بسكون الحاء؛ أي: ليصر حلالاً، وليخرج من إحرامه بعد
فراغه من أفعال العمرة (وَلْيَجْعَلْهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً)) إذ قد أبيح له ما حرم
عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع؛ إذ
الجعل مقدّم على الخروج؛ لأن المراد من الجعل الفسخ، وهو أن يفسخ نيّة
الحجّ، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة، أو الواو للعطف
التفسيريّ، قاله القاري دَّثُ .
وفي رواية عطاء عن جابر عند الشيخين، ((فقال: أحلّوا من إحرامكم))؛
أي: اجعلوا حجكم عمرةً، وتحلّلوا منها بالطواف والسعي، فطوفوا بالبيت،
وبين الصفا والمروة، وقصّروا، وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية،
فأهلُّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدِمتم بها مُتعةً، قال الحافظ؛ أي: اجعلوا
الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرةً تتحلّلون منها، فتصيرون متمتّعين، فأطلق
على العمرة متعةً مجازاً، والعلاقة بينهما ظاهرة. انتهى (١).
(فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) بضم الجيم، وضمّ الشين المعجمة،
وفتحها، كما ذكره الجوهريّ وغيره، تُقدّمت ترجمته في الباب الماضي، زاد
في رواية أحمد، وابن الجارود: ((وهو في أسفل المروة)) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ
أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) الإشارة إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة، كما هو ظاهر
سياق الحديث، وقال به المحقّقون، أو الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ، أو مع
الحجّ، كما قال الأكثرون؛ أي: هل يختصّ هذا بهذه السنة، أم هو إلى الأبد؛
أي: للحال والاستقبال، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ: ((أرأيت
عمرتنا - وفي لفظ: متعتنا - ألعامنا هذا أم للأبد؟)).
قال القرطبيّ ◌َُّهُ: وقول سراقة بن جُعْشُم: ((أَلِعَامِنا هذا أم الأبد؟ ..
إلخ)) ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي
أن ذلك جائز مطلقاً مُؤبّداً، وليس مخصوصاً بالصحابة، وبهذا استدل من قال
(١) ((المرعاة)) ٩/ ١١ - ١٢.