Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٩) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٣٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، يَعْنِي ابْنَ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَائِشَةٌ ﴿َا فِي حَجَّةِ النَّبِّ وَ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ اللَّيْثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ رَجُلاًّ سَهْلاً، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ(١) تَابَعَهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ، قَالَ مَطَرُ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ وَِّ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. ٢ - (مُعَاذُ بْنَ هِشَام) الدستوائيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بَّن أبي عبد الله سَنْبَر، تقدّم أيضاً قريباً . ٤ - (مَطَرُ) بن طَهْمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطإ [٦] (ت١٢٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ وَّ) متعلّق بـ((أهلّت)) بعده. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير مطر. وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَجُلاً سَهْلاً، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ) وفي نسخة: ((شيئاً)) بالتنكير، و((هَوِيَت)) من باب تعبت، يقال: هَوِي الشيء يهوَاه: إذا أحبّه، وتعَلَّقَ به. وقوله: (إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) قال النوويّ رَّتُهُ: معناه إذا هَوِيت شيئاً لا نقص فيه في الدين، مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه، وقوله: (١) وفي نسخة)) ((إذا هَوِيت شيئاً)). ٦٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (سَهْلا)): أي سهل الخلق، كريم الشمائل، لطيفاً ميسراً في الخلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، وفيه حسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، لا سيما فيما كان من باب الطاعة، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ ... إلخ) يَحتمل أن يكون هذا مما رواه أبو الزبير عن جابر ربه، فيكون متّصلاً، ويَحْتَمل أنه رواه عن غيره، فيكون منقطعاً، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ وَّ) يعني أنها إذا جاءت للحج بعد النبيّ وَل﴿ كانت تعتمر بعد الحجّ من التنعيم مثلما صنعته مع النبيّ وَ﴾، وفيه أنها كانت لا ترى كراهة تكرار العمرة، وكذا الاعتمار بعد الحج، فما نُقل عن بعضهم فلا حجة عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية مطر الورّاق، عن أبي الزبير هذه ساقها أبو عوانة تَّثُ في ((مسنده)) (٢/ ٢٩٠) فقال: (٣١٧٢) - حدّثنا مسلم بن الحجاج ببغداد، نا أبو غَسّان مالك بن عبد الواحد، نا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن مطر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن عائشة في حجة نبي الله وَ﴿ أهلّت بعمرة، فلما كانت بسرف حاضت، فاشتد ذلك عليها، فقال نبي الله وَله: ((إنما أنت من بني آدم يصيبك ما أصابهم))، فلما قَدِمت البطحاء أمرها نبي الله وَّر، فأهلّت، فلما قضت نسكها، فجاءت إلى الحصبة، أحبت أن تعتمر، فقال لها نبي الله وَلا ت : ((إنك قد قضيت حجتك وعمرتك))، قال: وكان رسول الله وَله رجلاً سهلاً، إذا هَوِيَت الشيء تابعها عليها، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فأهلّت بعمرة من التنعيم. انتهى. وساقها البيهقيّ تَخْتُ أيضاً في ((الكبرى)) (١٠٧/٥) فقال: (٩٢٠٧) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر أحمد بن سلمان بن (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/٨. ٦٠٣ (١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَنُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٠) الحسن الفقيه ببغداد إملاءً من أصل كتابه، ثنا محمد بن غالب بن حرب، ثنا أبو غَسَان مالك بن عبد الواحد، ثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن مَطَر الورّاق، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عائشة ◌َّا في حجة النبيّ ◌َّ أهلَّت بعمرة، فلما كانت بسرف حاضت، فاشتدّ ذلك عليها، فقال النبيّ وَّو: ((إنما أنتِ من بنات آدم، يصيبك ما أصابهنّ))، فلما قَدِمت البطحاء أمرها نبي الله وَّل، فَأَهَلَّت بالحجّ، فلما قضت نسكها، وجاءت إلى الحصباء أرادت أن تعتمر، فقال لها النبيّ وَل: ((إنك قد قضيت حجك وعمرتك))، وكان رسول الله الفقه رجلاً سهلاً، إذا هَوِيت الشيء تابعها عليه. قال مطرٌ: ((قال أبو الزبير: وكانت عائشة ظّا إذا حجت صنعت كما صنعت)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ◌َُه (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مُهِلِّيْنَ بِالْحَجِّ، مَعَنَا أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ . النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ فَلْيَحْلِلْ))، قَالَ: قُلْنَا: أُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: (الْحِلُّ كُلُّهُ))، قَالَ: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسِسْنَا الطِّيبَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ نَشْتَرَِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلَّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، تقدّم قريباً . ٢ - (أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ) بكسر الواو: جمع وَلِيد، وهم الصبيان، ٦٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال النوويّ كَّلُهُ: فيه صحة حج الصبيّ، والحج به، ومذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّة من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم أنه يصح حج الصبيّ، ويثاب عليه، ويترتب عليه أحكام حجّ البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام، فاذا بلغ بعد ذلك، واستطاع لزمه فرض الإسلام. وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: لا يصح له إحرام، ولا حجّ، ولا ثواب فيه، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحجّ، قال: وإنما يُحَجّ به ليتمرّن، ويتعلّم، ويتجنب محظوراته للتعلم، قال: وكذلك لا تصح صلاته، وإنما يؤمر بها؛ لما ذكرناه، وكذلك عنده سائر العبادات، والصواب مذهب الجمهور؛ لحديث ابن عباس ﴿يَا أن امرأة رفعت صبيّاً، فقالت: يا رسول الله ألهذا حجّ؟ قال: ((نعم)). انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) أي: جامعناهنّ. وقوله: (وَمَسِسْنَا الطِّيبَ) - بكسر السين الأولى - هذه هي اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، حكاها أبو عبيدة، والجوهريّ، قال الجوهريّ: يقال: مَسِسْتُ الشيءَ - بكسرِ السين - أَمَسَّه - بفتح الميم - مَسّاً، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة: مَسَسْتُ الشيءَ - بالفتح - أَمُسّه - بضم الميم - قال: وربما قالوا: مَسْتُ الشيءَ، يحذفون منه السين الأولى، ويُحَوِّلون كسرتها إلى الميم، قال: ومنهم من لا يُحَوِّل، ويترك الميم على حالها مفتوحة، ذكره النوويّ كَّتُهُ(٢). قوله: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) ((كان)) هنا تامّة، فيومُ)) مرفوع على الفاعليّة؛ أي: فلما جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. وقوله: (وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أراد القارن منهم، وأما المتمتع فلا بد له من السعي بين الصفا والمروة في الحج بعد رجوعه من عرفات، وبعد طواف الإفاضة. وقوله: (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ نَشْتَرَِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ) ((البدنةُ)): تُطْلَق على البعير، والبقرة، والشاة، لكن غالب استعمالها في (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/٨ - ١٦١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦١/٨. ٦٠٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤١) البعير، والمراد بها ها هنا البعير، والبقرة، وهكذا قال العلماء: تجزي البدنة من الإبل والبقر، كل واحدة منهما عن سبعة، ففي هذا الحديث دلالة إجزاء كل واحدة منهما عن سبعة أنفس، وقيامها مقام سبع شِيَاءٍ. وفيه دلالة لجواز الاشتراك في الهدي والأضحية، وبه قال الشافعيّ وموافقوه، فيجوز عند الشافعيّ اشتراك السبعة في بدنة، سواء كانوا متفرقين، أو مجتمعين، وسواء كانوا مفترضين، أو متطوعين، وسواء كانوا متقربين كلهم، أو كان بعضهم متقرباً، وبعضهم يريد اللحم، روى هذا عن ابن عمر، وأنس، وبه قال أحمد. وقال مالك: يجوز إن كانوا متطوعين، ولا يجوز إن كانوا مفترضين. وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقربين جاز، سواء اتفقت قربتهم، أو اختلفت، وإن كان بعضهم متقرباً، وبعضهم يريد اللحم، لم يصح الاشتراك، قاله النوويّ دَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من جواز الاشتراك مطلقاً هو الأرجح عندي؛ لأنه ◌َلجر حينما أمرهم بالاشتراك، لم يفصّل، ولو كان هذا التفصيل لازماً لما أهمله، فتأمل، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف تَخْتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٤٠/١٧] (١٢١٣)، و(البخاريّ) في ((خلق أفعال العباد)) (١٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٨/٣ و٢٩٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩١/٢ و٣١٧)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣١٢/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٠/٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٤/٥ و٢٩٤/٩) و((الصغرى)) (٥٠٦/٤) و((المعرفة)) (٢٣٥/٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤١] (١٢١٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ(٢)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ بَّنِ عَبْدِ اللهِ ﴿يَا قَالَ: أَمَرَنَا (١) (شرح النوويّ)) ١٦٠/٨ - ١٦١. (٢) وفي نسخة: ((يحيى بن سعيد القطّان)) في الموضعين. ٦٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج النَّبِيُّ وَّهِ لَمَّا أَخْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنِّى، قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ القطّان، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنَّى) يعنى يوم التروية كما صُرِّح به في الرواية السابقة، قال النوويّ تَخُّْ: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ وموافقيه، أن الأفضل للمتمتع، وكلٌّ من أراد الإحرام بالحج من مكة أن لا يحرم به إلا يوم التروية . وقال مالك، وآخرون: يُخْرِم من أول ذي الحجة، وسبقت المسألة بأدلتها . وقوله: (فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَح) قال النوويّ ◌َّتُهُ: ((الأبطح)): هو بطحاء مكة، وهو مُتَّصِلٌ بِالْمُحَصَّب، قالَ: قد يَسْتَدِلّ به من يُجَوِّز للمكي والمقيم بها الإحرام بالحج من الحرم، وفي المسألة وجهان لأصحابنا: أصحهما لا يجوز أن يُحرم بالحج إلا من داخل مكة، وأفضله من باب داره، وقيل: من المسجد الحرام. والثاني: يجوز من مكة، ومن سائر الحرم، وقد سبقت المسألة في باب المواقيت، فمن قال بالثاني احتجَّ بحديث جابر ◌َُّه هذا؛ لأنهم أحرموا من الأبطح، وهو خارج مكة، لكنه من الحرم، ومن قال بالأول، وهو الأصح قال: إنما أحرموا من الأبطح؛ لأنهم كانوا نازلين به، وكل من كان دون الميقات المحدود، فميقاته منزله، كما سبق في باب المواقيت، والله أعلم. انتھی . والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، أخرجه [٢٩٤١/١٧] (١٢١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٨/٣ و٣٧٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٧٩٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٣/٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣١/٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٣٥٦ و٣١/٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٦٠٧ (١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٢) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٢] (١٢١٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُّحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رِ﴿هَا يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ◌ِ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّ طَوَاناً وَاحِداً، زَادَ فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ: طَوَافَهُ الْأَوَّلَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ◌ََّ، وَلَا أَصْحَابُهُ) يعني الذين قرنوا بين الحجّ والعمرة، وأما الذين تمتّعوا فإنهم سعوا سعيين: سعياً لعمرتهم، ثم سعياً آخر لحجهم يوم النحر، كما بيّن في الروايات الأخرى، فتنبّه. وقوله: (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّ طَوَاناً وَاحِداً) قال النوويّ ◌َُّهُ: في هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعيّ وموافقيه في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة، وسعي واحد، وممن قال بهذا ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وطاوسٌ، وعطاءٌ، والحسن البصريّ، ومجاهدٌ، ومالك، وابن الماجشون، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وقالت طائفة: يلزمه طوافان وسعيان، وممن قاله الشعبيّ، والنخعيّ، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، والثوريّ، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وحُكِي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، قال ابن المنذر: لا يثبت هذا عن عليّ ◌َظُه. انتهى(١)، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَّى في المسألة السادسة من مسائل الحديث الأول في هذا الباب رقم (١٧/ ٢٩١٠)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (زَادَ فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين (١) (شرح النوويّ)) ١٦٣/٨. ٦٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج یحیی بن سعيد القطان وبين محمد بن بكر البُرسانيّ، فالأول انتھی حدیثه عند قوله: ((إلا طوافاً واحداً))، وزاد الثاني قوله: (طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) وهو منصوب على البدليّة لـ((طوافاً واحداً))، ومعنى ((طوافه الأول)) سعيه الذي سعاه بين الصفا والمروة حين قدموا مكة، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف تَخَذَتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٤٢/١٧] (١٢١٥)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٩٥)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٤٤/٥) و ((الكبرى)) (٤١٦/٢ و٤٦٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٧٢ و٢٩٧٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٧/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٧/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٣/٣ و٣٦٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار (٢٠٤/٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٥٨/٢ - ٢٥٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٨١٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٥/١١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٦/٥) و((الصغرى)) (٢٠٢/٤ و٢٨٩) و((المعرفة)) (٩٦/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٣] (١٢١٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج(١)، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَّ بْنَ عَبْدِ اللهِ رِ﴿َّ فِي نَاسٍ مَعِي، قَالَ: أَهَّلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وَلّهِ بِالْحَجِّ خَالِصاً وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَجِلَّ، قَالَ عَطَاءُ: قَالَ: ((حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ))، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّ خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَتَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ نَّهِ فِينَا، فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَنْقَاكُمْ للهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ، كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا (١) وفي نسخة: ((أخبرنا ابن جريج)). ٦٠٩ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٣) اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا))، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: ((بِمَ أَهْلَلْتَ؟)) قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((فَأَهْدِ، وَامْكُتْ حَرَامً))، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيّ هَدْياً، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: (لِأَبْدٍ))(١)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في السند السابق. شرح الحديث: (عَنْ ابْنِ جُرَيْج) وفي نسخة: ((أخبرني ابن جُريج)) (أَخْبَرَنِي عَطَاءُ) أي: ابن أبي رَبَاح (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ فِي نَاسٍ مَعِي) أي: مع جماعة من الناس كانوا معي (قَالَ: أَهْلَلْنَا) أي: رفعنا أصواتنا بالتلبية (أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وَّ﴾﴾ بالنصب على الاختصاص؛ أي: أخصّ أصحاب محمد وَلِّ، كما قال في الخلاصة)): الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءِ دُونَ ((أَلْ)) كَ((أَيُّهَا الْفَتَى)) بِإِثْرِ ((ارْجُونِيَا)) كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ)) وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ ((أَيِّ)) تِلْوَ (أَنْ)) وقد تقدّم أن قوله هذا بالنظر للغالب، أو بالنظر لأول الأمر، فلا تنافي بينه، وبين حديث: ((فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة وعمرة، ومنا من أهلٌ بالحج ... )) الحديث. (بِالْحَجِّ) متعلّق ب)) أهللنا))، وقوله: (خَالِصاً وَحْدَهُ) حالان من ((الحجّ)) (قَالَ ، (فَقَدِمَ النَّبِيُّ وَّهِ صُبْحَ رَابِعَةٍ) بضمّ الصاد المهملة، عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ) . وتُكسر، كما في ((القاموس))(٢)؛ أي: صَباح اليوم الرابع (مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) يعني أنهم وصلوا إلى مكة صباح الليلة الرابعة التي مضت من شهر ذي الحجة، وتلك الصبيحة صبيحة يوم الأحد (فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ) تقدّم أنه بضمّ أوله، (١) وفي نسخة: ((قال: لا بدّ)). - (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٣٢/١. ٦١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج من الإحلال، وبفتحه، من الحلّ (قَالَ عَطَاءُ: قَالَ) وَ ((حِلُّوا) بكسر الحاء، أمرٌ مِن حلّ يَحلّ، من باب ضرب حِلّاً بالكسر، وفي رواية النسائيّ: فَقَالَ: ((أَحِلُوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً)) أي: اجعلوا الحجة التي قدمتم بها عمرة، بأن تطوفوا، وتسعوا، وتقصروا، وتتحللوا (وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ))) أي: جامعوهنّ (قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ) من باب ضرب؛ أي: لم يوجبه عليهم، وقال النوويّ كَّلُهُ: معناه لم يعزم عليهم في وطء النساء، بل أباحه، ولم يوجبه، وأما الإحلال فعزم فيه على من لم يكن معه هديٌّ. انتهى. (وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّ خَمْسٌ) أي: خمس ليال، وهي من ليلة الخامس من ذي الحجة، وهي ليلة الاثنين إلى الليلة التاسعة منه، وهي ليلة الجمعة (أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإفضاء رباعيّاً؛ أي: يجامعهنّ، يقال: أفضى إلى امرأته: إذا باشرها وجامعها (فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر (مَذَاكِيرُنَا) بفتح الميم: جمع ذكر على غير قياس؛ لأن قياسه ذِكَرَةٌ بكسر، ففتح، كعِنَبَةٍ (الْمَنِيَّ) قال النوويّ كَُّ: هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء (قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ) أي: يشير، ففيه إطلاق القول على الفعل (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ) هذا قول عطاء، يعني أنه الآن كأنه ينظر إشارة جابر ظ﴿به بيده حال كونه (يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ وَلِ فِيْنَا) وفي روايةِ النسائيّ: ((فَقَامَ النَّبِيُّ وَ، فَخَطَبَنَا)) (فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ للهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ) أي: أطوعكم له (وَلَوْلَا هَدْيِي) أي: لولا سوقي الهدي معي من المدينة (لَحَلَلْتُ، كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت في ابتداء شروعي ما علمته الآن من لحوق المشقّة بكم بانفرادكم بالفسخ، حتى توقفتم، وترددتم، وراجعتموني في ذلك (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) جواب ((لولا))؛ أي: ما سقت الهدي معي، بل أهللت بحج، ثم فسخت معكم، وهذا قاله وَلا تشجيعاً لهم على امتثال أمره. وقوله: (فَحِلُّوا))) بكسر الحاء المهملة، أمر من الحلّ، كرّره للتأكيد (فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا) قوله ◌َّهِ (وَأَطَعْنَا) أمرَه ◌َِّ. (قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ) ◌َُّهُ (فَقَدِمَ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب ◌َُّهُ (مِنْ سِعَايَتِهِ) بكسر السين المهملة؛ أي: جمعه للصدقات، يقال: سعى الرجل على ٦١١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٣) الصدقة يَسْعَى سَعْياً، كرمى يرمي رَمْياً: عَمِلَ في أخذها من أربابها(١). وقال القاضي عياض تَُّ: قوله: ((من سعايته))؛ أي: من عَمَله في السعي في الصدقات، قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث أنه ﴿ ﴿ إنما بَعَث علياً ظُله أميراً لا عاملاً على الصدقات؛ إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات؛ لقوله 18 للفضل بن عباس، وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: ((إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد))، ولم يستعملهما، قال القاضي: ويَحْتَمِل أن عليّاً حَدُه وَلِي الصدقات وغيرها احتساباً، أو أعطى عُمالته عليها من غير الصدقة، قال: وهذا أشبه؛ لقوله: ((من سعايته))، والسعاية تختص بالصدقة. انتهى كلام القاضي عياض كَذَتُهُ(٢) . قال النوويّ نَّلُ بعد نقله كلام عياض المذكور: وهذا الذي قاله حسنٌ، إلا قوله: ((إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة))، فليس كذلك؛ لأنها تستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، ومما يدلّ لما ذكرته حديث حذيفة ◌ُه السابق في ((كتاب الإيمان)) من ((صحيح مسلم))، قال في حديث رفع الأمانة: ((ولقد أتى عليّ زمانٌ، وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلماً ليردنّه عليّ دينه، ولئن كان نصرانيّاً أو يهوديّاً ليردنّه عليّ ساعيه))، يعنى الوالي عليه. انتهى كلام النوويّ كَُّ(٣)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) النبيّ ◌َِّ له («بِمَ أَهْلَلْتَ؟)) ((ما)) استفهاميّة، والقاعدة عند الجمهور في ((ما)) الاستفهاميّة وجوب حذف ألفها إذا كانت مجرورة، كما في قوله تعالى: ﴿عَّ يَتَسَلَّّلُونَ ﴾﴾ [النبأ: ١]، قال ابن مالك تَظُّ في ((الخلاصة)): و((مَا)) فِ الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ ووقع عند النسائيّ: ((بما أهللت))، بالألف، وهو قليل في الاستعمال، كما في قول الشاعر [من الوافر]: (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٧٧/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/٨. (٢) «إكمال المعلم)) ٢٥٨/٤ - ٢٥٩. ٦١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ وحكاه الأخفش لغةً (١)، وإليه ذهب الفرّاء في كتابه ((معاني القرآن))، حيث أعرب ((ما)) في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِ رَبٍ﴾ [يس: ٢٧] استفهاميّة، قال: وقد أتمّها الشاعر، وهي استفهاميّة، فقال [من البسيط]: إِنَّا قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتَكُمْ أَهْلَ اللِّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ(٢) والله تعالى أعلم. (قَالَ) عليّ ◌َهُ (بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ وَّل) ((ما)) هنا موصولة؛ أي: بمثل الإهلال الذي أهلّ به رسول الله وَّه، قال النوويّ كَُّ: قوله: ((بما أهلّ به النبيّ ◌َّر ... إلخ))، ثم ذكر بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َظ ◌ُه قال: قَدِمْتُ على رسول الله وَّهَ، وهو مُنِيخ بالبطحاء، فقال لي: ((حججت؟))، فقلت: نعم، فقال: ((بم أهللت؟)) قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبيّ وَّه قال: ((قد أحسنت، طُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلّ))، وفي الرواية الأخرى عن أبي موسى أيضاً أن النبيّ وَّ قال له: ((بم أهللت؟)) قال: أهللت بإهلال النبيّ وَّ، قال: ((هل سُقْت من هدي؟)) قلت: لا، قال: ((طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلّ)). قال: هذان الحديثان متفقان على صحة الإحرام معلقاً، وهو أن يُخْرِم إحراماً كإحرام فلان، فينعقد إحرامه، ويصير محرماً بما أحرم به فلان، واختَلَفَ آخر الحديثين في التحلل، فأمر عليّاً بالبقاء على إحرامه، وأمر أبا موسى بالتحلل، وإنما اختلف آخرهما؛ لأنهما أحرما كإحرام النبيّ وَّ، وكان مع النبيّ ◌َّ ﴿ الهديُ فشاركه عليّ في أن معه الهديَ، فلهذا أمره بالبقاء على إحرامه، كما بقي النبيّ وَ﴿ على إحرامه بسبب الهدي، وكان قارناً، وصار عليّ ◌َظُهُ قارناً، وأما أبو موسى فلم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ وَّل لو لم يكن معه هديٌ، وقد قال النبيّ وَّ: إنه لولا الهدي لجعلها عمرةً، (١) راجع: ((التصريح على التوضيح)) للشيخ خالد الأزهريّ خذتُ ٣٤٥/٢. (٢) راجع: ((معاني القرآن)) للفرّاء كَذَهُ ٣٧٤/٢، و((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» للسمین الحلبيّ ات ٢٥٦/٩ - ٢٥٧. ٦١٣ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٣) وتحلل، فأمر أبا موسى بذلك، فلذلك اختَلَف في أمره وَّ لهما، قال: فاعتمد ما ذكرته، فهو الصواب، وقد تأولهما الخطابيّ، والقاضي عياض تأويلين غير مرضيين. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَأَهْدِ) أي: انْحَر هدياً؛ لأنه واجب عليك، لكونك قارناً، وفيه وجوب الهدي على القارن، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث قال: لا يجب الهدي على القارن، وإنما هو على المتمتّع؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الَّحْ فَا أَسْتَفْسَرَ مِنَ الْمَدْيَّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والظاهر أنه ما انتبه لهذه الرواية، وإلا لما قال ذلك، والله تعالى أعلم. (وَامْكُثْ حَرَاماً))) منصوب على الحال؛ أي: حال كونك محرماً، زاد في رواية النسائيّ: ((كَمَا أَنْتَ))؛ أي: على ما أنت عليه، فالكاف بمعنى ((على))، أو هي للتشبيه؛ أي: كن في مستقبلك مثل حالك فيما مضى. (وَأَهْدَى لَهُ عَلِيُّ هَذْياً) قال النوويّ كَذُ: يعني هدياً (قَالَ) جابر اشتراه؛ لا أنه من السعاية على الصدقة. انتهى، وسيأتي في حديث جابر الطويل أن جملة ما أتى به النبيّ وَ﴿ من الهدايا، وما أهداه له عليّ کان مائة (فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) ابن مالك بن عمرو بن تيم بن مُدلج بن مرّة بن عبد مناة بن كنانة الكنانيّ المدلجيّ، وقد ينسب إلى جدّه، يكنى أبا سفيان، كان ينزل قُدَيداً، رَوَى الشيخان قصّته في إدراكه النبيّ وَّ لَمّا هاجر إلى المدينة، ودعا النبيّ ◌َلقر عليه حتى ساخت رجلا فرسه، ثم إنه طلب منه الخلاص، وأنه لا يدلّ عليه، ففعل، وكتب له أماناً، وأسلم يوم الفتح، ورواها أيضاً من طريق البراء بن عازب، عن أبي بكر الصدّيق ظُه، وفي قصّة سراقة مع النبيّ وَّه يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل [من الطويل]: لِأَمْرٍ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ أَبَا حَكَم وَاللهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِداً رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّداً وقال ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله وَ ه قال لسراقة بن مالك: ((كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى؟))، قال: فلما أُتي (١) (شرح النوويّ)) ١٦٤/٨ - ١٦٥. ٦١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عمر بسواري كسرى، ومنطقته، وتاجه، دعا سراقة، فألبسه، وكان رجلاً أزبّ، كثير شعر الساعدين، فقال له: ارفع يديك، قل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هُرْمُز، وألبسهما سراقة الأعرابيّ، وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، وروى عنه أيضاً ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيّب، وطاوس، قال أبو عمر: مات في خلافة عثمان حظُّه سنة (٢٤) وقُتل من بعده عثمان. (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) وفي لفظ: ((يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ، لِعَامِنَا هَذَا، أَوْ لِلْأَبَدِ؟))، ومعناه: هل الأمر بفسخ الحجّ إلى العمرة لعامنا هذا خاصة، أم للأمة عامة إلى يوم القيامة؟ (فَقَالَ) بَِ ((لِأَبَدٍ))(١)) وفي رواية: ((بل لأبد أبد)) بإضافة الأول إلى الثاني، و((الأبد)): الدهر؛ أي: هذا إلا آخر الدهر، أو بغير الإضافة، وكرره للتأكيد. وزاد في رواية ابن الجارود، وأحمد: ((ثلاث مرات))، يعني أن ذلك مشروع في كلّ عام، لا يختصّ بعام، دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثاً للتأكيد. وفي الرواية في حديث جابر الطويل: ((فقام سراقة بن مالك بن جعشُم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك رسول الله وَ الله أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: ((دخلت العمرة في الحج مرتين، لا، بل للأبد أبد)). فتشبيكه * أصابعه إشارة إلى اشتراك كلّ الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختَلَفَ العلماء في معنى سؤال سراقة، فقال الجمهور: معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجّ، إبطالاً لما كان عليه الجاهلية. وقيل: معناه جواز القران؛ أي: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وقيل: معناه سقوط وجوب العمرة، قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي النسخ بغير دليل، وقال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. (١) وفي نسخة: ((قال: لا بدّ)). ٦١٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِنْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَازٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٣) وقال آخرون: معناه فسخ الحجّ إلى العمرة، وهذا هو الذي يؤيده سياق الحديث، وهو الصحيح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وأما قول النووي: إنه ضعيف، فقد رُدَّ عليه، قال الحافظ: وتُعقّب ـ أي: كلام النوويّ - بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة، إلا الثالث. انتهى. والحاصل أن الصواب أن سؤال سراقة عن فسخ الحجّ إلى العمرة، وجواب النبيّ وَّر له واضح في ذلك كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظنّ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٤٣/١٧ و٢٩٤٤] (١٢١٦)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٥٧ و١٥٦٨ و١٥٧٠ و١٦٥١) و((العمرة)) (١٧٨٥) و((التمنّي)) (٧٢٣٠) و((الشركة)) (٢٥٠٥) و((المغازي)) (٤٣٥٢) و((الاعتصام)) (٧٣٦٧)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٨٨ و١٧٨٩)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٠٢/٥) و((الكبرى)) (٣٦٦/٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٤١/١)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١/ ٣٧٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٧٦)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٢٩٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢١٧/٣ و٣٠٥ و٣٦٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢/ ٧٥ - ٧٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠١/٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/ ٣٣٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٤/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٪ ٤١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٧٢ و١٨٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الوقت الذي دخل فيه النبيّ وَّر، وأصحابه مكة، وهو صبح رابعة ذي الحجة، وذلك يوم الأحد. ٦١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٢ - (ومنها): بيان أمر النبيّ وَلآه من لم يسق الهدي أن يفسخ حجه بعمل العمرة. ٣ - (ومنها): بيان وجوب ذلك الفسخ، حيث غَضِب ◌َ ﴿ على من توقّف فيه، وقالت له عائشة ﴿يتا: ((من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار))، وأقرّها على ذلك، ولا يكون مثل هذا الوعيد إلا لمن ترك واجباً، أو ارتكب محرّماً، لكن الراجح أن الوجوب خاصّ بذلك الركب، وتلك السنَة، وأما مشروعيّة الفسخ، واستحبابه فهو إلى يوم القيامة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان تشديد أمر الفسخ؛ لأن النبيّ وَّ، غضب، وقال لهم: ((قد علمتم أني أتقاكم الله، وأصدقكم ... إلخ)). [فإن قلت]: كيف توقّف الصحابة في هذه المسألة، مع أنهم أطوع الناس لأمره وَ ﴿ في كلّ قليل وكثير؟ [قلت]: إنما توقّفوا فيها؛ لشدة حرصهم على موافقة حجهم لحجه وَل كمّاً وكيفاً، فلمَّا أمرهم بالفسخ مع أنه لا يفسخ ظنّوا أنه سيُخفّف عنهم بترك العزم عليهم، حتى يحلّوا معه ◌َّ، فهذا وجه توقّفهم، فلا يُظنّ بهم غير ذلك، ولكن لَمّا كان الأمر حتماً شدّد النبيّ وَّ في النكير عليهم، وألزمهم ذلك، ولم يسمح لهم بموافقته؛ لاختلاف هيئته عن هيئتهم، حيث لم يسوقوا الهدي مثله، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): وفيه جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره، كأن يقول: أهللت بما أهلّ به فلان، قال النوويّ تَظُّهُ: وفي هذين الحديثين - يعني حديث جابر هذا، وحديث أبي موسى الأشعريّ الآتي -: دلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقاً، بأن ينوي إحراماً كإحرام زيد، فيصير هذا المعلِّق كزيد، فإن كان زيد محرماً بحج، كان هذا بالحج أيضاً، وإن كان بعمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وان كان زيد أحرم مطلقاً صار هذا محرماً إحراماً مطلقاً، فيصرفه إلى ما شاء من حجّ أو عمرة، ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/٨. ٦١٧ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٣) (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي: اختلفوا في هذا الفسخ، هل هو خاصّ بالصحابة تلك السنّة، أم عامّ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فذهب أحمد، والظاهريّة، وعامّة أهل الحديث إلى أنه ليس خاصّاً، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكلّ من أحرم بحجّ مفرداً، أو قارناً، وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها، بل هذا هو المستحبّ عند الإمام أحمد، وأوجبه الظاهريّة. وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، من السلف والخلف إلى أنه مختصّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أُمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليّة، من تحريم العمرة في أشهر الحجّ. واستدلّ للجمهور بحديث أبي ذر رَظُله عند مسلم: ((قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمد وَّو خاصّة))، وفي رواية: ((قال: كانت لنا رخصة)) يعني المتعة في الحجّ، ومراد أبي ذرّ ◌َظُه بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبيّ وَّ بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذر رضي به بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذرّ ظُبه كان يقول فيمن حجّ، ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله وَثقه، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرّ بفسخ الحجّ بالعمرة، وهي تفسير مراده بالمتعة في رواية مسلم. وردّ عليهم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة. واستدلوا أيضاً بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحجّ لنا خاصّة، أم للناس عامة؟ قال: ((بل لكم خاصّة)). وردّ عليهم بأنه ضعيف أيضاً لجهالة الحارث بن بلال، وقال أحمد رحمه الله تعالى: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل - يعني الحارث بن بلال ٦١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج - قال: وقد رَوَى فسخ الحجّ إلى العمرة أحد عشر صحابيّاً، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ وأيضاً حديث أبي ذرّ ◌َُّه موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك. والحاصل أن أدلّة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة، والله تعالى أعلم. ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحبّ؟: فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه قال ابن حزم، وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق. واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو يعلى، واللفظ لأحمد من حديث البراء بن عازب ◌ًا، قال: خرج رسول الله وَله وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: ((اجعلوا حجكم عمرة))، قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ قال: ((انظروا ما آمركم به، فافعلوا»، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟ أغضبه الله، قال: ((وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أُتّبع)). قال ابن القيّم كَّهُ: ونحن نشهد الله علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا فرضاً علينا فسخه إلى عمرة، تفادياً من غضب رسول الله وَّه، واتباعاً لأمره، فوالله ما نُسِخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن سأله، هل ذلك مختصّ بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول الله وَلقر على من خالفه ... إلى آخر ما أطال ابن القيّم ◌َُّ في ((الهدي)) نفسه في تحقيق هذا المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته ٢/ ١٨٠ - ٢٢٣. ٦١٩ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤٤) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الإمام أحمد تَخْلُهُ، ومن قال بقوله، وهو أن الفسخ مستحبّ(١)؛ لقوله: ((بل لأبد الأبد))، وأما الوجوب فخاصّ بتلك السنة؛ جمعاً بين النصوص في المختلفة في الباب، وهذا هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيميّة نَّتُهُ . قال صاحب ((المرعاة)): القول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه أحمد، ومن وافقه من أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصّاً بالصحابة ظه في تلك السنة، بل يجوز، أو يُسنّ، ويستحبّ لكل من أحرم بحج، وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرةً، ويتحلّل بأعمالها؛ ليصير متمتّعاً، وأما حديث أبي ذرّ، وبلال بن الحارث، فمحمولان على الوجوب، يعني أن وجوب فسخ الحج إلى العمرة خاصّ بذلك الركب في تلك السنة، وأما الجواز والاستحباب، فهو باق للأمة إلى يوم القيامة، وهو محمل حديث جابر ظه وغيره من أحاديث الفسخ، ولا منافاة بين اختصاص الوجوب بالصحابة، وبين بقاء المشروعيّة والاستحباب إلى أبد الأبد، وعلى ذلك حمل الإمام ابن تيميّة تَّفُ تلك الأحاديث، كما تقدّم، وهو محمل حسنٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام صاحب ((المرعاة)) تَخْتُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً. والحاصل أن الأرجح استحباب فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي ممن أحرم بالحجّ مفرداً، أو قارناً؛ وبهذا تجتمع الأحاديث، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٢٩٤٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿هَا قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلـ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نُحِلَّ، وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َهِ، فَمَا نَدْرِي أَشَيْءٌ بَلَغَهُ مِنَ السَّمَاءِ، أَمْ شَيْءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي(٢) فَعَلْتُ كَمَا (١) كنت رجّحت في ((شرح النسائيّ)) قول الموجبين للفسخ، ثم تبيّن لي الآن ترجيح الاستحباب، والحمد لله. (٢) وفي نسخة: ((الذي كان معي)). ٦٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فَعَلْتُمْ))، قَالَ: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسَرَة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن نُمير)) هو ((محمد بن عبد الله بن نُمير))، و((أبوه)) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، و((عطاء)) هو: ابن أبي رَبَاح. وقوله: (أَنْ نُحِلّ) تقدّم أنه من الإحلال، ويدلّ قوله بعده: ((أحِلُّوا))، أنه من الحلّ، ويدلّ عليه قوله في الرواية الماضية: ((حِلُّوا)). وقوله: (فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا) بضمّ الموحّدة؛ أي: شقّ علينا التحلّل بعمل العمرة؛ لعدم موافقته لفعل النبيّ وَله . وقوله: (حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ) بفتح الواو، وكسر الطاء المهملة، يقال: وطئته برجلي أطؤه وَظْئاً: عَلَوتُهُ، ويتعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: أوطأت زيداً الأرضَ، ووطِئَ زوجته وَظْئاً: جامعها؛ لأنه استعلاء(١). وقوله: (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) قال النوويّ كَُّ: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتع، وكلَّ من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحْرِم يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وقد سبقت المسألة مرّات. وقوله: ((جعلنا مكة بظهرٍ)) معناه: أهللنا عند إرادتنا الذهاب إلى منى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعِ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعاً بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ (١) ((المصباح المنير)) ٦٦٤/٢.