Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١٧) - بَابُ بَيَّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٣)
و((عائشة ﴿ ا)) ذُكرت قبله.
وقوله: (أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) أي: رفعت صوتها بالتلبية للعمرة، وأصل
الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ثم توسع فيه بإطلاقه على مطلق الإحرام، وإن لم
يكن فيه رفع صوت(١).
وقوله: (وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ) أي: مدخلة له على العمرة، وحينئذ فصارت
قارنة بعد أن كانت متمتعة، وهو جائز بالإجماع إذا كان قبل الطواف، وإنما
فَعَلت ذلك؛ لأنه تعذر عليها إتمام العمرة، والتحلل منها؛ للحيض الطارئ
المانع لها من الطواف(٢).
وقوله: (يَوْمَ النَّفْرِ) ووقع في بعض النسخ: ((يوم النحر))، و((النفر)) بسكون
الفاء: الرجوع، يقال: نَفَرَ الحجّاجِ من منى، من بابي ضرب، وقعد: إذا
دفعوا، وللحجاج نفَران، فالأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني هو
اليوم الثالث من أيام التشريق(٣).
وقوله: ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك))) هذه الرواية والتي بعدها
صريحتان في أن عمرة عائشة يتا باقية صحيحة مجزئة؛ حيث قال اليه :
(يسعك طوافك لحجك وعمرتك))، وقد عُلم أن الأعمال الشرعية لا يجوز
الخروج منها إما مطلقاً، أو الواجبات منها، ويزيد الحج والعمرة على غيرهما
بأنهما لشدة تشبثهما ولزومهما لا يصح الخروج منهما بنية الخروج، وإنما
يُخرَج منهما بالتحلل بعد فراغهما .
وقال النوويّ كَّلُ: فيه دلالة ظاهرة على أنها كانت قارنةً، ولم ترفُض
العمرة رفض إبطال، بل تركت الاستمرار في أعمال العمرة بانفرادها.
(٤)
انتھی(٤).
وقوله: (فَأَبَتْ) أي: امتنعت عن الاكتفاء بالعمرة المندرجة في الحجّ، بل لا
بدّ لها من عمرة منفردة كسائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ، والله تعالى أعلم.
(١) (طرح التثريب)) ٢٧/٥.
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٩/٥.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢، و((القاموس المحيط)) ١٤٦/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٥٦/٨.

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف نَّتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٣٣/١٧]
(١٢١١)، وأخرجه (أحمد) في («مسنده)) (١٢٤/٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢٨٧/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٠٦/٥) و((المعرفة)) (١٠٠/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
عَنْ عَائِشَةَ عَ: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَّرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَّسُولُ اللهِ ◌ٍَِّ:
(يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِك))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلّال، أبو محمد نزيل مكة، ثقةٌ حافظ
له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خُراسانيّ الأصل،
صدوقٌ يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعِ) المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ع) تقدم في
((الزكاة)) ٢٣٦٠/٢٤.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيح) يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي
بالقدر، وربما دلّس [٦] (ت١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٣٤/٦.
٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزومي مولاهم المكيّ، تقدّم قريباً.
و(عائشة چێ)) ذُكرت قبله.
وقولها: (فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ) قال الحافظ أبو الحسن القطّان ◌َّهُ: الصحيح
عن عائشة يا من غير رواية مجاهد أنها إنما طهرت يوم النحر، ويوم النحر
إنما تكون فيه إما بمزدلفة سحراً، أو بمنى، أو بمكة، قال: وصحّ عنها أيضاً

٥٨٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِنْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٤)
في كتاب مسلم: ((أدركني يوم عرفة، وأنا حائض)). انتهى(١).
وقوله: ((يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ))) تقدّم
أن ((يجزي)) بضمّ أوله، من أجزأ رباعيّاً، أو بفتحه، من جزى ثلاثيّاً، ومعنى
((طوافك بالصفا والمروة)) سعيك بينهما .
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخَّتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٣٤/١٧]
(١٢١١)، وأخرجه (أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٨٦/٢)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: انتقد الحافظ الرشيد العطار في ((غرره)) هذا الإسناد، فقال: وفي
اتصال هذا الإسناد نظر، فإن جماعة من أئمة أهل النقل أنكروا سماع مجاهد
عن عائشة، منهم شعبة، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وغيرهم، وقال ابن
أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد عن عائشة، مرسل.
قال: والعذر لمسلم تَّثُ ما بيّناه في غير موضع من هذا الكتاب، وهو
اعتبار التعاصر، وجواز السماع، وإمكانه ما لم يَقُم دليل بَيِّن على خلاف
ذلك، ولا خلاف في إدراك مجاهد بن جبر لعائشة ويّا، ومعاصرته لها، ومع
هذا فقد أخرج مسلم معنى هذا الحديث من رواية طاوس، عن عائشة، بإسناد
لا أعلم خلافاً في اتصاله، وقَدَّمه على حديث مجاهد هذا - والله رَك أعلم -.
وقد أخرج البخاريّ ومسلم حديثاً غير هذا لمجاهد، عن عائشة، من
رواية منصور، عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا
عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، والناس يصلون الضحى ...
الحديث بكماله، وفيه: وسمعنا استنان عائشة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أم
المؤمنين إلى ما يقول أبو عبد الرحمن ... الحديث. انتهى.
قال الرشيد تَّتُهُ: وفي ظاهر لفظ هذا الحديث ما يدلّ على سماع
مجاهد، من عائشة ◌ّا، ولهذا أخرجه البخاريّ، ولو لم يكن عنده كذلك لما
أخرجه؛ لأنه يشترط اللقاء، وسماع الراوي ممن روى عنه مرة واحدةً فصاعداً،
والله أعلم.
قال: وقد أخرج النسائيّ في ((سننه)) من رواية موسى الجهنيّ، عن
(١) راجع: ((بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام)) ٣٩٢/٢.

٥٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مجاهد، قال: أُتِيَ مجاهد بِقَدَح حَزَرته ثمانية أرطال، فقال: حدّثتني عائشة
أن النبيّ وَلّ كان يغتسل بمثل هذا.
قال الرشيد: وهذا أيضاً يدل على سماعه منها والله رَّمَك أعلم. انتهى
كلام الرشيد العطار وَذُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أفاده الحافظ الرشيد العطار وظُّ في
بحثه هذا أنه إنما أخرج مسلم هذا الحديث مع أن كثيراً من الأئمة حكموا
بانقطاعه؛ لأمور:
(الأول): وهو الأقوى أنه ثبت لديه سماع مجاهد من عائشة پتا، بدليل
أنه أخرج مع البخاريّ حديثاً من روايته عنها، فهذا دليل قويّ؛ لأن البخاريّ لا
يُخرج في ((صحيحه)) إلا ما ثبت لديه سماع رواته بعضهم من بعض.
وأيضاً مما يثبت ذلك ما رواه النسائيّ بسند صحيح عنه أنه قال: حدثتني
عائشة ويًا ... الحديث، وهذا هو القاطع دابر الشكوك والظنون في المسألة،
فليُتنّه .
(والثاني): أنه على تقدير عدم ثبوت سماعه منها صريحاً إلا أن شرط
مسلم قد تحقّق، وهو المعاصرة، مع إمكان اللقيّ، كما سبق في ((مقدّمة)) کتابه.
(والثالث): أن هذا الحديث قد أخرجه مسلم قبله من رواية طاوس، عن
عائشة ﴿يا، وهذا مما لا خلاف في ثبوت السماع فيه، فتكون رواية مجاهد
متابعة، والمتابعة قد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ
شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ رِ﴿ُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ، وَأَرْجِعُ
(١) ((غرر الفوائد)) ٣٢٩/١ -٣٣٢، وقد سبق هذا البحث في ((شرح المقدّمة)) ١٣٨/١.

٥٨٥
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٥)
بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، قَالَتْ: فَأَرْدَفَنِي
خَلْفَهُ عَلَى جَمَلِ لَهُ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي، أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي، فَيَضْرِبُ
رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ، قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ
أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٥٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ) بن عثمان الحجبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥]
(ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٦/ ٢٦٨١.
٥ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْئَةَ) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ، لها رؤيةٌ، حدّثت
عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي ((صحيح البخاريّ)) التصريح بسماعها من
النبيّ وَله، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٦٩٩/٣.
و((عائشة ؤُّا» ذُكرت قبله.
وقولها: (فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي، أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي، فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةٍ
الرَّاحِلَةِ، قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟).
قال النوويّ كَّتُهُ: أما قولها: ((أحسره)) فبكسر السين وضمها لغتان؛ أي:
أكشفه، وأزيله، وأما قولها: ((بعلّة الراحلة)) فالمشهور في اللغة أنه بباء موحدة،
ثم عين مهملة مكسورتين، ثم لام مشدّدة، ثم هاء، وقال القاضي عياض تَخُّْ:
وقع في بعض الروايات ((نَعْلَة)) يعني بالنون، وفي بعضها بالباء، قال: وهو
كلام مُخْتَلّ، قال: قال بعضهم: ((صوابه: ثَفِنة الراحلة(١)) - بفتح الثاء، وكسر
(١) عبارة القاضي في ((مشارق الأنوار)) ١٤٣/١: وفيه ذكر ثَفِنة الراحلة - بفتح الثاء، =

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الفاء - أي فخذها، يريد ما خَشُن من مواضع مباركها، قال أهل اللغة: كلُّ ما
وَلِيَ الأرضَ من كلّ ذي أربع إذا بَرَكَ فهو ثَفِنة، قال القاضي: ومع هذا فلا
يستقيم هذا الكلام، ولا جوابها لأخيها بقولها: ((وهل ترى من أحد))، ولأن
رجل الراكب قَلّما تبلغ ثَفِنة الراحلة، قال: وكل هذا وهمٌ، قال: والصواب
فيضرب رِجْلي بنعلة السيف، يعنى أنها لما حَسَرت خمارها ضرب أخوها
رجلها بنعلة السيف، فقالت: وهل ترى من أحد؟ انتهى كلام القاضي ◌َّلهُ.
قال النوويّ رَّتُهُ: ويَحْتَمِل أن المراد: فيضرب رجلي بسبب الراحلة؛
أي: يضرب رجلي عامداً لها في صورة من يضرب الراحلة، ويكون قولها:
(بعلة)) معناه: بسببٍ، والمعنى أنه يضرب رجلها بسوط، أو عصا، أو غير ذلك
حين تكشف خمارها عن عنقها غَيْرَةً عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد؟
أي: نحن في خَلاء، ليس هنا أجنبي أستتر منه، وهذا التأويل متعين، أو
كالمتعين؛ لأنه مطابق للّفظ الذي صحت به الرواية، وللمعنى، ولسياق الكلام،
فتعيّن اعتماده، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَُّ.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ حسنٌ جدّاً؛ إذ به يصحّ ما ثبت
وكسر الفاء، وتخفيف النون - : وهو ما ولي الأرض من كل ذي أربع، إذا بَرَكَ،
=
قيل: والمراد هنا فخذها، كذا جاء هذا الحرف في رواية الهوزنيّ في حديث
عائشة في الحجّ في قولها: ((فتضرب رجلي ثفنة الراحلة))، ولأكثر الرواة: ((نَعْلة
الراحلة))، قال: إلا أني وجدته في بعض الأصول من طريق ابن ماهان: ((ثقلة))
بفتح القاف والثاء المثلثة، ووجدت شيخنا القاضي أبا عبد الله قيّده عن الجيانيّ
(بعلة الراحلة)) بالباء بواحدة، وكسر العين، قالوا: والصواب ثفنة، قال
القاضي كلّفُ: وكلها لا يستقيم لها معنى، بدليل ما قبل الكلام وبعده؛ لأنها
قالت: ((فجعلت أرفع خماري، أحسره عن عنقي، فتضرب رجلي نعلة الراحلة،
قلت: وهل ترى من أحد؟))، قال: وصوابه عندي: فيضرب رجلي، بالياء، تعني
أخاها؛ لأنها حسرت خمارها عن عنقها، ألا تراها كيف اعتذرت له بقولها: ((وهل
ترى من أحد))، وإلا فما كانت فائدة هذا الكلام، ولما جاءت به، ثم يكون
الصواب إما بنعلة سيفه؛ لأنها كانت ردفه، أو ما يشبه هذا. انتهى كلام القاضي
عیاض ناشُ .

٥٨٧
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٦)
في الكتاب، وأما ما سلكه القاضي عياض، وإن كان معنى صحيحاً إلا أنه
يؤول إلى تخطئة الرواية الصحيحة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقولها: (حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء،
وإسكان الصاد المهملتين؛ أي: بالمحصَّب.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَقَّتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٣٥/١٧]
(١٢١١)، وأخرجه (النسائيّ) في ((الكبرى)) في ((الحج)) (٣٨٩٣) وفي ((عِشرة
النساء)» (٩٢٣٤)، و(إسحاق ابن راهويه) في ((مسنده)) (٦٨٢/٣)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٣١٠/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٦] (١٢١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي
بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، فَيُعْمِرَهَا مِنَ الَّنْعِيمِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرِو) بن دينار الأثرم المكيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ التابعيّ الكبير، ثقةٌ
[٢] ووهم من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في ((صلاة
المسافرين)» ١٦٩٤/١٦.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، شقيق عائشة ﴿يَا، تأخّر إسلامه
إلى قبيل الفتح، وشَهِدَ اليمامة، والفتوح، ومات سنة (٥٣) في طريق مكة
فَجْأةً، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٢.
والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير،
و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
وقوله: (أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإرداف، وهو
أن يُركبها خلفه على ظهر بعيره.
وقوله: (فَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ) بضمّ حرف المضارعة أيضاً، من الإعمار؛
أي: يجعلها تعتمر من التنعيم.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال في ((الفتح)): هذا الحديث يدلّ على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر
النبي وَ﴾، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود، من طريق حفصة بنت
عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها: أن رسول الله بَّر قال: (يا عبد الرحمن
أَرْدِف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم ... )) الحديث، ونحوه رواية مالك
السابقة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رؤيتنا: ((أرسلني النبيّ وَّ مع
عبد الرحمن إلى التنعيم))، ورواية الأسود، عن عائشة: قال: ((فاذهبي مع
أخيك إلى التنعيم))، ورواية الأسود والقاسم جميعاً عنها بلفظ: ((فاخرجي إلى
التنعيم))، وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبيّ وَّل، وكل ذلك يُفسِّر قوله في
رواية القاسم عنها السابقة بلفظ: ((اخرُج بأختك من الحرم)). انتهى (١)، وهو
بحث مفيدٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٣٦/١٧] (١٢١٢)،
و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٧٨٤) و((الجهاد)) (٢٩٨٥)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ))
(٩٣٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٣٠)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))
(٢٩٩٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١١٢/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١٤٩/٣) وفي ((مسنده)) (٢٩٥/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٥٦/١)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٩٧/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٦/٢)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٧/٤)
و((الصغرى)) (٣٣٥/٤) و((المعرفة)) (٥٠٩/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩٣٧] (١٢١٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، جَمِيعاً عَن
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَبِرِ رَبِهِ، أَنَّهُ
قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِحَجِّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ ◌َهَا بِعُمْرَةٍ، حَتَّى
(١) ((الفتح)) ٢٠/٥.

٥٨٩
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٧)
إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ (١)، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَّنَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْتِيٌّ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ:
(الْحِلُّ كُلُّهُ))، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّيْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ الثَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَلَى
عَائِشَةَ ﴿َا، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكِ؟)) قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ،
وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ،
فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ))، فَفَعَلَتْ،
وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ
حَلَلْتٍ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعاً))، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي
أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: ((فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا
مِنَ التَّنْعِيمِ))، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام ﴿ًّا، تقدّم في الباب
الماضي.
و((الليث بن سعد)) ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف تَُّ، وهو (١٨٣) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجالہ کلهم رجال الجماعة، سوی شیخه ابن رُمح،
فانفرد به هو وابن ماجه.
(١) وفي نسخة: ((عرَكَت عائشة)).

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٣ - (ومنها): أن فيه مصريين: ابن رُمح، والليث، ومكيّين: أبو الزبير،
وجابر، وهو مدني، وقد سكن مكة أيضاً، وبَغلانيّ، وهو قُتِيبة.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه ثها أحد المكثرين السبعة، روى
(١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿يَا، أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا) أي: توجهنا إلى مكة حال
كوننا (مُهِلِّينَ) أي: رافعين أصواتنا بالتلبية (مَعَ رَسُولِ الهِ وَلِهِ، بِحَجِّ مُفْرَدٍ) هذا
باعتبار أغلبهم، وإلا فِبعضهم قرن، كالنبيّ ◌َّ، وذوي اليسار من أصحابه
(وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ رََّا مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ) أي: باعتبار آخر أمرها، وإلا فإنما أهلُّوا في
الميقات بالحجّ، لكن لما أمر خيّرهم النبيّ وَله في الطريق أن يجعلوها عمرة،
فمنهم من جعلها عمرة، ومنهم من استمرّ على حجه حتى عَزَمَ الأمرَ عند
المروة، ففَرَضَ عليهم أن يتحللوا بالعمرة، فصاروا كلهم معتمرين (حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِسَرِفَ) بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء: موضع قريبٌ من مكة بينهما
نحو من عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف، وقد يصرف. قاله في ((الفتح))
(عَرَكَتْ) - بفتح العين والراء؛ أي: حاضت عائشة ظّا، يقال: عَرَكت تعرُك
عُرُوكاً، من باب قعد: إذا حاضت (حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ، وَالصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ) ولفظ النسائيّ: ((وبالصفا والمروة))؛ أي: وسعينا بينهما (فَأَمَرَنَا
رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلَّ مَاذَا؟) أي:
أيّ نوع من الحلّ هذا الحلّ؟ فإن الإحرام يحصل به حُرُم متعدّدة.
وقال القرطبيّ تَخْذَثُ: هذا سؤال من جوّز أنه يُحلّ من بعض الأشياء دون
بعضها، فقال لهم رسول الله وَله: ((الحلّ كله)) لا يبقى معه شيء من ممنوعات
الإحرام بعد التحلّل المأمور به. انتهى(١).
(قَالَ) وَلِ ((الْحِلُّ كُلُّهُ))) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: جائز، أو فاعل لفعل
مقدّر؛ أي: يجوز الحلّ، و((كله)) توكيد، يعني أن كلّ الأشياء التي مُنِعت بسبب
(١) ((المفهم)) ٣٢٠/٣.

٥٩١
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٧)
الإحرام تحلّ لكم (فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ) أي: فتحلّلنا، وجامعنا النساء (وَتَطَّيَّبْنَا
بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا) أي: الثياب الممنوعَ لبسُها في الإحرام (وَلَيْسَ بَيْتَنَا وَبَيْنَ
عَرَفَةَ، إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ) يعني أنه لم يبق للوقوف بعرفة إلا أربع ليال، وذلك لأنهم
دخلوا مكة لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطافوا، وتحللوا، فلم يبق بينهم
وبين عرفة إلا ليلة الخامس، والسادس، والسابع، والثامن (ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ
التَّرْوِيَةِ) أي: أحرمنا بالحجّ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة،
وسمي بذلك؛ لأن الماء كان قليلاً بمنى، فكانوا يرتوون من الماء لما بَعْدُ،
قاله الفيوميّ.
قال النوويّ: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن من كان بمكة،
وأراد الإحرام بالحجّ استُحبّ له أن يُحرم يوم التروية، ولا يقدّمه عليه. انتهى.
(ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ عَلَى عَائِشَةَ ﴿َا، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا
شَأْتُكِ؟))، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ) أي: من إحرامهم
بالحجّ بعمل العمرة (وَلَمْ أُخْلِلْ) بضم أوله، من الإحلال رباعيّاً، ويفتحه من
الحلّ ثلاثيّاً، يقال: حلّ المحرم حِلّاً بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف
مثله، فهو مُحِلٌّ، وحِلٌّ أيضاً تسميةً بالمصدر، وحلالٌ أيضاً، قاله
الفيّوميّ تَخْتُمُ(١).
ثم ذكرت سبب عدم إحلالها بقولها: (وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أي: لكونها
حائضاً (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ) وَّرِ ((إِنَّ هَذَا) إشارة إلى
الحيض الذي حلّ بها، فمنعها من الطواف بالبيت (أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللهُ) أي: قدّره
من غير اختيار الشخص فيه، فلا عتب على الشخص به (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قال
النوويّ تَكَّلهُ: هذا تسلية لها، وتخفيف لهمّها، ومعناه أنك لست مختصّة به،
بل كلّ بنات آدم يكون منهنّ هذا، كما يكون منهنّ، ومن الرجال البول
والغائط، وغيرهما .
وقد استدلّ البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه)) في ((كتاب الحيض)) بعموم هذا
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٧/١.

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن
الحيض أول ما أُرْسِل، ووقع في بني إسرائيل. انتهى.
ولفظ البخاريّ: باب كيف كان بدء الحيض، وقول النبيّ وَّر: ((هذا شيء
كتبه الله على بنات آدم))، وقال بعضهم: كان أول ما أُرسل الحيض على بني
إسرائيل، قال أبو عبد اللّه: وحديث النبيّ وَلّ أكثر. انتهى.
والذي أشار إليه البخاريّ هو ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود
بإسناد صحيح، قال: ((كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعاً،
فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى الله عليهنّ الحيض، ومنعهنّ المساجد))،
وعنده عن عائشة ◌ُّا نحوه.
قال الداوديّ: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم،
فعلى هذا فقوله: ((بنات آدم)) عام أريد به الخصوص.
قال الحافظ: ويمكن أن يُجْمَع بينهما مع القول بتعميمه بأن الذي أرسل
على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبة لهنّ، لا ابتداء وجوده، وقد روى
الطبريّ، وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصّة إبراهيم: ﴿وَأَمْرَتُهُ
قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ الآية [هود: ١٧] أي: حاضت، والقصّة متقدّمة على بني
إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن
عباس ضًا: ((أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهبطت من الجنة))، وإذا
كان كذلك، فبنات آدم بناتها، والله أعلم. انتهى(١).
(فَاغْتَسِلِي) قال النوويّ كَُّهُ: هذا الغسل هو الغسل للإحرام، وقد سبق
بيانه، وأنه يستحبّ لكلّ من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، سواء الحائض،
وغيرها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الراجح وجوبه على الحائض
والنفساء؛ لظاهر الأمر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَهِلِّ بِالْحَجِّ))، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ) أي: عرفة، ومزدلفة، ومنى
(حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ) بفتح الطاء، وضمها، والفتح أفصح.
(١) ((الفتح)) ٥٣٢/١ ((كتاب الحيض)) رقم (٢٩٤).

٥٩٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِْرَادِ، وَالتَّمَنُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٧)
واعلم أن طهر عائشة ◌ّ هذا المذكور كان يوم السبت، وهو يوم النحر
في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضاً لثلاث خَلَون من
ذي الحجة سنة عشر، ذكره أبو محمد بن حزم في ((كتاب حجة الوداع))(١).
(طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: سعت بينهما (ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ
مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعاً))) هذا صريح في أن عمرتها لم تَبْطُل، ولم تخرج
منها، وأن قوله وَ﴿ في الرواية المتقدّمة: ((ارفُضي عمرتك))، و((دَعِي عمرتك))
ليس معناه إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة، والحجّ لا يصحّ
الخروج منهما بعد الإحرام بنيّة الخروج، وإنما يُخرَج منهما بالتحلل بعد
فراغهما، فيكون معناه: ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف،
والسعي، وتقصير شعر الرأس، فأمرها ﴿ بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن
تُحْرِم بالحجّ، فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف
بالبيت، فتؤخّره حتى تطهر، وكذلك فعلت عائشة مؤنثًا، فقوله وَل و هنا: ((قد
حَلَلْتٍ من حجتك، وعمرتك جميعاً)) يوضّح هذا التأويل.
قال النووي تَخَُّهُ: يُستنبط منه - أي: من قوله وَّهِ: ((قد حَلَلتِ من
حجتك، وعمرتك جميعا)) - ثلاث مسائل:
[إحداها]: أن عائشة ◌ٌّا كانت قارنة، ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض
المذكور مُتَأَوَّلٌ، كما سبق.
[والثانية]: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعيٌّ واحد، وهو مذهب
الشافعيّ، والجمهور، وقال أبو حنيفة، وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان،
والحديث يردّ عليهم.
[والثالثة]: أن السعي بين الصفا والمروة يُشتَرط وقوعه بعد طواف
صحيح، وموضع الدلالة أن رسول الله وسير أمرها أن تصنع ما يصنع الحاجّ،
غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقّفاً على
تقدم الطواف عليه لَمَا أخّرته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى؛ فإن
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٣٩٤/٨.

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
حديث ((سعيت قبل أن أطوف، قال: طف ولا حرج)) يردّ عليه، والحقّ أن
تقديم السعي على الطواف جائزٌ، فتنبه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي) أي: حيث لم أعتمر عمرة
مستقلّة، كسائر أمهات المؤمنين - رضي الله عنهنّ - (أَنِّي لَمْ أَطَفْ بِالْبَيْتِ) ((إنّ))
الأولى بالكسر؛ لوقوعها في الابتداء، والثانية بالفتح؛ لوقوعها موقع المفرد؛
لأنها مفعول ((أجد))، وهي من النواسخ التي تنصب المبتدأ والخبر، كـ((ظنّ))
وأخواتها، والتقدير هنا: إني أجد في نفسي عدمَ طوافي بالبيت نقصاً عليّ،
والله تعالى أعلم.
وقولها: (حَتَّى حَجَجْتُ) متعلّق بـ((أطف))؛ أي: إلى أن انتهيتُ من الحجّ
(قَالَ: ((فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ))، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ)
بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين؛ أي: ليلة المبيت بالمحصّب بعد النفر
من منى.
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: ((ليلةُ الحصبة)): هي الليلة التي ينزل الناس فيها
المحصّب عند انصرافهم من منى إلى مكة، والتحصيب: إقامتهم بالمحصّب،
وهو الشِّعْب الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ وَّ حين انصرف من
حجته، وهو خيف بني كنانة الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها
بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يُسمّى الأبطح، والبطحاء؛
لقربه منه.
وقال الأبيّ تَُّ: والمحصّب موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى
أقرب، وإلى منى يُضاف، ودليله قول الشافعيّ، وهو عالم بمكة وأحوازها [من
الكامل] :
يَا رَاكِباً قِفْ بِالْمُحَصَّبٍ مِنْ مِنَى وَاهْتِفْ بِنَاطِقِ خَيْفِهَا وَالنَّاهِضِ
قال: وإنما يتمّ الاحتجاج بالبيت إن جُعل ((من منى)) في موضع الصفة
((المحصّب))، وأما إذا عُلِّقَ بـ((راكباً)) فلا تكون فيه حجة.
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الأول هو الظاهر، فلا يُعدل عنه، فتنبّه.
قال: ونظير البيت قول عمر بن ربيعة [من الطويل]:
نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى

٥٩٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٧)
وأَبْيَنُ من البيتين قول مجنون بني عامر [من الطويل]:
فَهَيَّجَ لَوْعَاتِ الْعُوَّادِ وَمَا يَدْرِي
وَدَاعِ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنَى
أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِراً كَانَ فِي صَدْرِي(١)
دَعَا بِاسْمٍ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا
قال القرطبيّ كَّفُ: ونُزُولُهُ بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي
الظهر، والعصر، والعشاءين، ويخرج منه ليلاً سنةٌ عند مالك، والشافعيّ،
وبعض السلف؛ اقتداء بالنبيّ وَّة، ولم يره بعضهم، وقالوا: إنما نزله وَل﴾؛
لأنه أسمح لخروجه إلى المدينة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الأرجح استحباب النزول
بالمحصّب؛ اقتداء بالنبيّ وَّه، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ
يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذْهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٣٧/١٧ و٢٩٣٨ و٢٩٣٩ و٢٩٤٠] (١٢١٣)،
و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٨٥ و١٧٨٦)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٥٪
١٦٤) و((الكبرى)) (٣٥٦/٢)، و(أحمد) في («مسنده)» (٣٩٤/٣)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (٣٠٢٥ و٣٠٢٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٤/٩)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١١/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢١/٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٧/٤) و((الصغرى)) (٣٠٤/٤) و((المعرفة)) (٩٨/٤)،
وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في الأحاديث الماضية، والحمد لله على التوفيق.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للطواف
بالبيت:
(١) ((شرح الأبيّ)) ٣٢٨/٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٧/٣، و((شرح الأبيّ)) ٣٢٨/٣.

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال الحافظ وليّ الدين تَخْلَتُ عند قوله: ((غير أن لا تطوفي بالبيت حتى
تطهري» :
فيه نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها، وتغتسل، والنهي في
العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معناه
الجنابة، وكذا سائر الأحداث، وهذا يدلّ على اشتراط الطهارة في صحّة
الطواف، وقد ذكر هذا الاستدلال ابن المنذر، وغيره.
ويدلّ له أيضاً ما رواه البيهقيّ وغيره من حديث ابن عبّاس ◌ًِّا أن
النبيّ وَ﴿ قال: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام))، لكن
الصحيح وقفه على ابن عبّاس، كما ذكره البيهقيّ وغيره، وقد يقال: إنه مرفوع
حكماً، وإن لم يكن مرفوعاً لفظاً؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.
ويدلّ له أيضاً ما رواه البخاريّ، ومسلم عن عائشة رضيها: ((أن النبيّ وَل
أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ، ثم طاف بالبيت))، مع قوله وَله:
((خذوا عني مناسككم)).
وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف
والخلف، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية،
ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الخطابيّ
عن عامة أهل العلم، وحكاه النوويّ في ((شرح المهذّب)) عن عامة العلماء.
قال: وانفرد أبو حنيفة، فقال: الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف،
وعليه نجاسة، أو محدثاً، أو جنباً صحّ طوافه، واختلف أصحابه في كون
الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست شرطاً، فمن أوجبها منهم قال: إن
طاف محدثاً لزمه شاة، وإن طاف جنباً لزمه بدنة، قالوا: ويعيد ما دام بمكة.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهبنا - يعني الشافعيّة - والثانية: إن
أقام بمكة أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بدم.
وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثاً أجزأه، إلا
الحائض، وقال المنصوريّ من أصحاب داود: الطهارة شرط كمذهبنا. انتهى.
قال وليّ الدين: وفيما ذكره من انفراد أبي حنيفة بذلك نظر، فقد روى
ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحماداً،

٥٩٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٧)
ومنصوراً، وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به
بأساً، وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة
أطواف، فصاعداً، ثم حاضت أجزأ عنها، وذكر ابن حزم في ((المحلّى)) عن
عطاء، قال: حاضت امرأة، وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمّت بها
عائشة بقية طوافها، قال ابن حزم: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط
الطواف. انتهى.
وفي تقييد هذه الرواية عن أحمد بالعود إلى بلده نظر، فقد حكى المجد
ابن تيمية في ((المحرّر)) رواية عن أحمد أن الطهارة واجبة تُجبر بالدم، ولم يقيّد
ذلك بشيء.
وعند المالكية قول يوافق هذا فحكى ابن شاس في ((الجواهر)) عن المغيرة
أنه إن طاف غير متطهّر أعاد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء، وخرج إلى بلده
أجزأه.
وقال ابن حزم من أهل الظاهر: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز
للنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ للنهي فيه، وهذا جمود عجيب،
وقد تقدّم في حديث ابن عباس ذكر النفساء مع الحائض، وسكت عليه أبو
داود، وحسّنه الترمذيّ. انتهى كلام وليّ الدين نَّثُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي هو قول الجمهور من
أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله وَّل: ((حتى تطهري))، فعلّق حلّ
الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرط فيه لما علّق حله بها، ولحديث: ((الطواف
بالبيت صلاة ... )) الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع، كما
تقدّم، وقد حقّقت كونه مرفوعاً صحيحاً في ((شرح النسائيّ)) (١)، فيفيد وجوب
الطهارة مثل الصلاة، وبأنه سي توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد قال: ((خذوا عني
مناسككم))، فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف، فتأملها
بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): الظاهر أن اشتراط الطهارة في الطواف يعم البدن
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٩٧/٢٥ - ١٩٩ برقم (٢٩٢٣/١٣٦).

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والثوب، والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال الشافعية، والمالكية،
والحنابلة، وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان.
قال النووي في ((شرح المهذّب)): والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى
النجاسة ببدنه، أو ثوبه، أو مشى عليها عمداً، أو سهواً لم يصحّ طوافه، قال:
ومما عمّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير، وغيره،
وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين العفو عنها، وينبغي أن
يقال: يُعفى عما يشقّ الاحتراز عنه من ذلك، كنظائره. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي من نجاسة خرء
الطير ونحوه مبنيّ على مذهبه، والراجح أن هذه الأشياء ليست بنجس؛ لعدم
وجود دليل على ذلك، وقد استوفيت تحقيق ذلك في ((أبواب الطهارة)) من
((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للسعي
بين الصفا والمروة:
ذهب إلى عدم اشتراطها جمهور العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن
المنذر عن عطاء بن أبي رباح، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور،
وأصحاب الرأي، قال: وكان الحسن البصريّ يقول: إن ذَكَرِه قبل أن يحلّ،
فلْيُعد الطواف، وإن ذكره بعدما حلّ فلا شيء عليه.
وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً اشترط الطهارة فيه إلا الحسن، فإنه
قال: إن سعى على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحلّ فليُعد، وإن ذكر بعدما
حلّ فلا شيء عليه. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: وفيه نظر من وجهين:
[أحدهما]: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع
فقدها، وما علمت أحداً نُقِل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في
((مصنف ابن أبي شيبة)) عن الحسن، وابن سيرين أنهما لم يريا بأساً أن يطوف
الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحبّ إليهما، وهذا
يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له، كما يقوله غيره من العلماء.

٥٩٩
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٧)
[ثانيهما]: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي
العالية أنه قال: لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا
بين الصفا والمروة، وقال: الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت،
وعن ابن عمر ثًا: ((تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين
الصفا والمروة))، وهو في ((الموطا)) عن ابن عمر أيضاً: ((لا تطوف بالبيت، ولا
تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر)). وهو رواية عن
أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عنه ابن تيمية في
((المحرّر)). انتهى كلام وليّ الدين كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جاء في رواية يحيى بن يحيى في
((الموطأ)) في حديث عائشة ثها، مرفوعاً: ((غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين
الصفا والمروة حتى تطهري))، قال ابن عبد البرّ: لم يقله من رواة ((الموطأ))،
ولا غیرهم إلا یحیی. انتھی.
وأشار بهذا إلى أنها شاذّة، فإن صحّت هذه الرواية دلّت على وجوب
الطهارة للسعي، وإلا فالأصل البقاء على جواز السعي بلا طهارة؛ لعدم دليل
الوجوب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلف في جواز السعي قبل الطواف، فذهب الجمهور - كما
قاله في ((الفتح)) - إلى أنه لا يجوز، وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن
بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجّ
بحديث أسامة بن شريك رضاته: ((أن رجلاً سأل النبيّ وَله، فقال: سعيت قبل
أن أطوف؟ قال: طف، ولا حرج) وهو حديث صحيح.
وتأوله الجمهور على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة،
قاله في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه القائلون بجواز تقديم السعي
على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة بن شريك ظه المذكور.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٢٢/٥ - ١٢٣.
(٢) ((الفتح)) ٣١٤/٤.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما تأويل الجمهور بما ذُكر، ففيه نظر لا يخفى؛ إذ لو كان كذلك
لاستفصله النبيّ وَقل هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟ فلما لم يستفصله علمنا
أنه على عمومه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ
حَاتِمِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو
الزُّبِيَّرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﴿ مَا يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ نَ ◌ّهِ عَلَىَّ عَائِشَةَ ﴿ُها،
وَهِيَ تَبْكِي، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِهٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ
حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
کلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ ... إلخ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير ابن جريج.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن أبي الزبير هذه ساقها البيهقيّ ◌َُّ في
((الكبرى)) (١٠٦/٥) فقال:
(٩٢٠٦) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ محمد بن يعقوب الشيبانيّ،
ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا هارون بن عبد الله (ح) وأنبأ أبو عبد الله، قال:
وأخبرني أبو أحمد الحافظ، أنبأ أبو عروبة، حدثنا الفضل بن يعقوب، قالا :
ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول:
دخل النبيّ وَّر على عائشة، وهي تبكي، فقال: ((ما لك تبكين؟)) قالت: أبكي
أن الناس حَلُّوا، ولم أَحْلِل، وطافوا بالبيت، ولم أطف، وهذا الحجّ قد
حَضَر، قال: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، وأهلِّي بالحج،
ثم حجي))، قالت: ففعلت ذلك، فلما طَهُرت، قال: ((طوفي بالبيت، وبين
الصفا والمروة، ثم قد حللتِ من حجك وعمرتك))، فقالت: يا رسول الله إني
أجد في نفسي من عمرتي، إني لم أكن طُفْت حتى حججت، فقال: ((اذهب بها
يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.