Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢١)
وقال الدُّولابيّ في ((الضعفاء)): سمعت النضر بن سلمة المروزيّ يقول:
ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب، وقال العقيليّ
في ((الضعفاء)): ثنا أسامة الدقّاق بصريّ: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن أبي
أويس يَسْوَى(١) فلسين، وقال الدارقطنيّ: لا أختاره في الصحيح، ونقل
الخليليّ في ((الإرشاد)) أن أبا حاتم قال: كان ثبتاً في حاله، وفي ((الكمال)): أن
أبا حاتم قال: كان من الثقات، وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبيد الله
العباسيّ صاحب اليمن أن إسماعيل ارتَشَى من تاجر عشرين ديناراً حتى باع له
على الأمير ثوباً يساوي خمسين بمائة، وذكره الإسماعيليّ في ((المدخل))،
فقال: كان ينسب في الخفّة والطيش إلى ما أكره ذكره، قال: وقال بعضهم:
جانبناه للسنة، وقال ابن حزم في ((المحلى)): قال أبو الفتح الأزديّ: حدّثني
سيف بن محمد، أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث، وقرأت على عبد الله بن
عمر، عن أبي بكر بن محمد أن عبد الرحمن بن مكيّ أخبرهم كتابةً: أنا
الحافظ أبو طاهر السلفيّ، أنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلانيّ،
أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الْبَرْقانيّ، ثنا أبو الحسن
الدارقطنيّ، قال: ذكر محمد بن موسى الهاشميّ، وهو أحد الأئمة، وكان
النسائيّ يخصه بما لم يخصّ به ولده، فذكر عن أبي عبد الرحمن، قال: حَكَى
لي سلمة بن شبيب، قال: بم توقف أبو عبد الرحمن؟ قال: فما زلت بعد ذلك
أداريه أن يحكي لي الحكاية حتى قال: قال لي سلمة بن شبيب: سمعت
إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا
اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال الْبَرْقانيّ: قلت للدارقطنيّ: مَن حَكَى لك
هذا، عن محمد بن موسى؟ قال: الوزير، كتبتها من كتابه، وقرأتها عليه، يعني
بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن خزابة.
قال الحافظ: وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتى تجنب حديثه، وأطلق
القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته، ثم انصلح،
وأما الشيخان فلا يُظَنّ بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي
(١) كَيَرْضى، قاله في ((القاموس)).

٥٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاريّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عجيب من مثل الحافظ تَخْتُ أن يحكي هذه
الحكاية، ثم لا يعترض عليها، ثم يُجيب عما أخرجه الشيخان عن إسماعيل،
إن هذا لهو العجب العُجاب، فكيف يسوغ أن نقول إنهما يُخرجان لشخص
وضّاع ما وافق فيه الثقات، فأيّ فرق بين إسماعيل إذا ثبت كونه وضّاعاً، وبين
غيره من الوضّاعين الذين لا يتعرّض الشيخان إلى إخراج شيء لهم، ولو وافق
ثقات الدنيا كلّهم؟ فهل يُخرج البخاريّ في ((صحيحه)) لإسماعيل بن أبي أويس
نحو (٢٢٩) حديثاً، ومسلم سبعة أحاديث، وهو وضّاع، هيهات هيهات !!!
والحاصل أن عندي في صحّة هذه الحكاية وقفة، وإن ذكرها الحافظ،
وقبله الذهبيّ، والحقّ ما قاله الذهبيّ تَخْلَتُهُ بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت:
الرجل قد وَثَبَ إلى ذاك الْبَرّ، واعتمده صاحبا ((الصحيحين))، ولا ريب أنه
صاحب أفراد ومناكير تَنغَمِر في سعة ما روى، فإنه من أوعية العلم، وهو أقوى
من عبد الله کاتب اللیث.
وقال أيضاً: وكان عالم أهل المدينة، ومحدّثهم في زمانه على نقص في
حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجّا به لزُحزح حديثه عن درجة الصحيح
إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي فيه. انتهى كلام الذهبيّ ◌َُّهُ(١)، وهو
كلام نفيسٌ وبحث أنيسٌ جدّاً، فتمسّك به، والله تعالى أعلم.
قال ابن عساكر: مات سنة ست، ويقال: سنة سبع وعشرين ومائتين في
رجب، وجزم ابن حبان في ((الثقات)) أنه مات سنة ست.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم (١٢١١) و(١٤٩٧) و(١٥٥٧)
و(١٦٥٠) و(١٩٢٧) و(٢٠٩٤) و(٢٤١٧).
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (أَفْرَدَ الْحَجَّ) أي: أحرم بالحجّ وحده. واحتجّ به من قال: كان
حجه وَّيه مفرداً، وهم عامّة الشافعيّة والمالكيّة، وحمله المحقّقون منهم
(١) ((سير أعلام النبلاء) ٣٩١/١٠ - ٣٩٥.

(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢١)
٥٤٣
كالقاضي عياض، والنوويّ، والحافظ، وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال،
ثم صار قارناً، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحجّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة،
وحمله الحنفيّة، والحنابلة القائلون بكونه ◌َله قارناً ابتداء على أن عائشة
سمعت تلبيته بالحجّ فقط، وللقارن أن يُلبّ بأيهما شاء، فيقول تارةً: لبيك
بحجة، وتارة لبيك بعمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما
سمعت، فلا يخالف قولُها من حكى أنه لبّى بهما جميعاً، وكان قارناً من
الابتداء، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في صفة إحرامه ويستر، وأن الأرجح أنه
كان لبى بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: معنى إفراد الحجّ: هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند
الجميع، وفي غير أشهره أيضاً عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من الحجّ
لمن شاء، قاله في ((الفتح)).
ومعنى قوله: ((عند مجيزيه)) أن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مختلف فيه،
قال ابن قدامة كَّلُ: لا ينبغي أن يحرم بالحجّ قبل أشهره، هذا هو الأولى،
فإن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحراماً به قبل وقته، فأشبه
الإحرام به قبل ميقاته؛ ولأن في صحته اختلافاً، فإن أحرم به قبل أشهره صحّ،
وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحجّ جاز، نصّ عليه أحمد، وهو قول مالك،
والثوريّ، وأبي حنيفة، وإسحاق، وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعيّ:
يجعله عمرة؛ لقوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تقديره: وقت
الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف
إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه، كأوقات الصلوات.
قال: ولنا قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجْ﴾
[البقرة: ١٨٩] فدلّ على أن جميع الأشهر ميقات. انتهى كلام ابن قدامة.
وتعقّبه بعضهم: بأنه لو صحّ ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر، فإن
قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ لا يختلف عن تعيين شهر رمضان باسمه،
فإن قوله: ﴿َّعْلُومَاتٍ﴾ كتسميتها سواء. انتهى(١).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٥٨/٨.
.

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه القائلون بعدم جواز تقديم
إحرام الحجّ عن أشهره هو الصواب عندي؛ لصريح قوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ
مَعْلُومَاتٌ﴾ فقد عيّنها وبيّن أن الحجّ يقع فيها، لا في غيرها من الأشهر، ولا
تخالف بين هذه الآية، وآية ﴿قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩] فإن
هذه محمولة على الأولى، فالمراد بالأهلة التي هي مواقيت للحجّ أهلّة أشهر
الحجّ، لا مطلق الأهلّة، بدليل تعيين وقت أداء الحجّ، فإنه لا يجوز إيقاع
الحجّ في رمضان مثلاً، بالإجماع، والإحرام جزء منه، فلا يجوز تقدیم جزئه،
كما لا يجوز تقديم كلّه، وهذا واضح لا خفاء فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب.
[تنبيه آخر]: [اعلم]: أن الحجّ على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران،
ويخيّر مريد الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة.
قال العلامة ابن قدامة كَّلُهُ: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة:
تمتع، وإفراد، وقران، وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأيّ الأنساك
الثلاثة شاء، وكذا حكى النوويّ كَُّ في ((شرح المهذّب))، و((شرح مسلم))
الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما ورد من النهي عن التمتّع عن
بعض الصحابة.
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَثُّ في ((طرح التثريب)): أجمعت الأمة
على جواز تأدية نسكي الحجّ والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة: الإفراد،
والتمتع، والقران. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ أن أنواع النسك هي الثلاثة المذكورة،
فبأيها أدّى المسلم، فقد فعل ما أمر به، وتمّ نسكه، إلا أن من أتى محرماً
بالحجّ، أو قارناً ولم يسق الهدي لزمه أن يتحلّل بأفعال العمرة، ثم يُحرم
بالحجّ، كما فعل أصحاب رسول الله وَّ، وهذا هو المذهب الحقّ، على ما
سيأتي تحقيقه، ونستوفي بحثه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف ◌َقَّتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٢١/١٧]
(١٢١١)، وأخرجه أيضاً (أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٧٧)، و(الترمذيّ) في

٥٤٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٢)
((الحجّ)) (٨٢٠)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٤٥/٥) و((الكبرى)) (٣٤٣/٢)،
و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٦٩٤)، و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٣٣٥/١)،
و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٣٧٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٣/٦)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٣/٩)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (٣٣٣/٢)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٦٤/٩)، و(أبو يعلى)
في («مسنده)) (٣٢٤/٧ و٣٢٥)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٠٦/٣)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٧٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٢٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ،
حَتَّى نَزَلْنَا بِسَرِفَ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌّ،
فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا))، فَمِنْهُم الْآخِذُ بِهَا،
وَالتَّارِلُكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِنَّهِ فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَمَعَ
رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا
يُبْكِيكِ؟)) قُلْتُ: سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ، قَالَ: ((وَمَا
لَكِ؟)) قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: ((فَلَا يَضُرُّكِ، فَكُونِي فِي حَجِّكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ
يَرْزُقَكِيهَا، وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ»، قَالَتْ:
فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي، حَتَّى نَزَلْنَا مِنِّى، فَتَطَهَّرْتُ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَنَزَلَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ((اخْرُجْ بِأُخْتِكَ
مِنَ الْحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا))، قَالَتْ:
فَخَرَجْنَا، فَأَهْلَلْتُ، ثُمَّ طُقْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَجِثْنَا رَسُولَ اللهِ وَّةِ، وَهُوَ

٥٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: ((هَلْ فَرَغْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَنَ(١) فِي أَصْحَابِهِ
بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
الْمَدِينَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو يحيى الرازيّ، كوفيّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ
[٩] (ت٢٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٢٩/٤٣.
٣ - (أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال
له: ابن صُفَيراء، ثقةٌ [٧] (ت١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في
((الحيض)) ٩/ ٧٣٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ) ظاهره
أن أمره وَله لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة كان بسرف قبل دخولهم مكة،
والمعروف في غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك بعد دخول مكة، ويَحْتَمِل
التعدد، قاله في ((الفتح))(٢).
وقولها: (وَفِي حُرُمُ الْحَجِّ) - بضم الحاء المهملة والراء-؛ أي: أزمنته،
وأمكنته، وحالاته، ورُويَ بفتح الراء، وهو جمع حُرْمة؛ أي: ممنوعات الحج(٣).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قولها: ((حُرُم الحج)) هو بضم الحاء والراء، كذا
ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض في ((المشارق)) عن جمهور الرواة، قال:
وضبطه الأصيليّ بفتح الراء، قال: فعلى الضم كأنها تريد الأوقات،
والمواضع، والأشياء، والحالات، وأما بالفتح فجمع حُرْمة؛ أي: ممنوعات
الشرع ومحرَّماته، وكذلك قيل للمرأة المحرَّمة بنسب: حُرْمة، وجمعها حُرَمٌ.
وأما قولها: ((في أشهر الحج))، فاختَلَف العلماء في المراد بأشهر الحجّ
(١) وفي نسخة: ((فَأَذّن)).
(٣) ((الفتح)) ٤٥٤/٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٩/٥.

٥٤٧
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِنْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٢)
في قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾، فقال الشافعيّ، وجماهير
العلماء، من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم: هي شوّالٌ، وذو القعدة، وعشر
ليال من ذي الحجة، تَمْتَدّ إلى الفجر ليلة النحر، وروي هذا عن مالك أيضاً،
والمشهور عنه شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة بكماله، وهو مروي أيضاً عن
ابن عباس، وابن عمر ، والمشهور عنهما ما قدمناه عن الجمهور.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه مالك تَُّ هو
الأقرب لظاهر النصّ، حيث قال: ﴿أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ بصيغة الجمع، فتأمل،
والله تعالى أعلم.
وقولها: (فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٍّ) قال
النوويّ كَّثُ: وفي الحديث الآخر بعد هذا أنه وَ ل﴿ قال: ((أَوَ ما شَعَرت أني
أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون))، وفي حديث جابر: ((فأمرنا أن نَحِلّ))،
يعني بعمرة، وقال في آخره: ((قال: فَحِلُّوا، قال: فحللنا، وسمعنا، وأطعنا))،
وفي الرواية الأخرى: ((أَحِلُّوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا
والمروة، وقَصِّروا، وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ،
واجعلوا الذي قَدِمتم بها مُتْعَةً، قالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمّينا الحجّ؟
قال: افعلوا ما آمركم به)).
هذه الروايات صحيحةٌ في أنه وَ ◌ّ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة أمرَ
عزيمةٍ وتحتم، بخلاف الرواية الأولى، وهي قوله ◌َّي: ((من لم يكن معه
هديٌ، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل)).
قال العلماء: خَيَّرهم أوّلاً بين الفسخ وعدمه ملاطفةً لهم، وإيناساً بالعمرة
في أشهر الحجّ؛ لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حَتَمَ عليهم بعد ذلك
الفسخَ، وأمرهم به أمرَ عزيمةٍ، وألزمهم إياه، وكَرِهَ ترَدُّدهم في قبول ذلك، ثم
قَبِلوه، وفعلوه إلا من كان معه هدي، والله أعلم. انتهى.
وقولها: (سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ) كذا هو في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/٨ - ١٤٩.

٥٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
النسخ: ((فسَمِعتُ بالعمرة))، قال القاضي عياض: كذا رواه جمهور رواة مسلم،
ورواه بعضهم: ((فمُنِعتُ العمرةَ))، وهو الصواب. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كذا نقل النوويّ كلام القاضي عياض، وأقرّه
عليه، وعندي أن ما في النسخة الأولى صحيح أيضاً، ووجهه أن قولها:
((فسمعت بالعمرة)) أي: سمعتك تأمر أصحابك بعمل العمرة، والتحلّل بعدها،
ولكني لا أستطيع ذلك؛ لما حلّ بي من الحيض، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيِكِ؟)) زاد في رواية البخاريّ: ((يَا هَنْتَاه)) - بفتح
الهاء والنون، وقد تسكن النون، بعدها مثناة، وآخرها هاء ساكنة: كناية عن
شيء، لا يذكره باسمه، تقول في النداء للمذكر: يا هَنُ، وقد تزاد الهاء في
آخره للسكت، فتقول: يا هنة، وتشبع الحركة في النون، فتقول: يا هناه، وتزاد
في جميع ذلك للمؤنث مثناة، وقال بعضهم: الألف والهاء في آخره كهما في
النُّدْبة، قاله في ((الفتح)(٢).
وقولها: (لَا أُصَلِّي) كناية عن أنها حاضت، وهي من لطيف الكنايات،
قال ابن الْمُنَيِّر: كَنَتْ عن الحيض بالحكم الخاصّ به؛ أدباً منها، وقد ظهر أثر
ذلك في بناتها المؤمنات، فكلهنّ يَكْنين عن الحيض بحرمان الصلاة، أو غير
(٣)
ذلك. انتهى
.
وقال النوويّ كَّلهُ: فيه استحباب الكناية عن الحيض ونحوه، مما يُستحى
منه، ويُستشنع لفظه، إلا إذا كانت حاجة، كإزالة وهم، ونحو ذلك. انتهى(٤).
قَوله: (فَلَا يَضُرُّكِ) وعند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: ((فلا يَضِيرك))
بكسر الضاد، وتخفيف التحتانية، من الضير، وهو الضرر.
وقوله: (فَكُونِي فِي حَجِّكِ) فيه أنه وَّرِ أمرها أن تهلّ بالحجّ، وتدخله
على عمرتها التي ما تمكّنت من الفراغ منها بسبب حيضها، فتكون قارنة.
وقوله: (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) أي: العمرة المفردة، وقد تحقّق ذلك
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/٨.
(٣) ((الفتح)) ٤/ ٤٥٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٤/٤.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٥١/٨.

٥٤٩
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٢)
حيث أمر أخاها أن يُعمرها من التنعيم، فحصل لها ما ترجّاه ◌َّ لها، ولله
الحمد والمنّة.
وقولها: (الْمُحَصَّبَ) بصيغة اسم المفعول المضعّف، من التحصيب، وهو
موضع بمكة على طريق منّى، ويسمّى البطحاء، والمحصّب أيضاً: مَرْمَى
الجمار بمنى، قاله الفيّوميّ ◌َذفهُ(١).
وقوله: (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِن الْحَرَم) قال النوويّ تَُّهُ: فيه دليل لما قاله
العلماء: إن من كان بمكة وأراد العمرةَ فميقاته لها أدنى الحلّ، ولا يجوز أن
يحرم بها من الحرم، فإن خالف وأحرم بها من الحرم، وخرج إلى الحلّ قبل
الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان:
أحدهما: لا تصحّ عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف، ويسعى
ويحلق.
والثاني: وهو الأصح: يصحّ، وعليه دم لتركه الميقات.
قال العلماء: وإنما وجب الخروج إلى الحل؛ ليجمع في نسكه بين الحلّ
والحرم، كما أن الحاجّ يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي في الحلّ، ثم
يدخل مكة للطواف وغيره، هذا تفصيل مذهب الشافعيّ، وهكذا قال جمهور
العلماء: إنه يجب الخروج الإحرام العمرة إلى أدنى الحلّ، وإنه لو أحرم بها في
الحرم ولم يخرج لزمه دم.
وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى
الحلّ، قال القاضي عياض: وقال مالك: لا بُدّ من إحرامه من التنعيم خاصّة،
قالوا: وهو ميقات المعتمرين من مكة، وهذا شاذّ مردود، والذي عليه الجماهير
أن جميع جهات الحلّ سواء، ولا تختص بالتنعيم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي قول من قال: لا تجزىء العمرة إلا
بالخروج إلى الحلّ هو الأظهر؛ لظاهر قوله وَلاير: ((اخرُج بأختك من
الحرم ... )) الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَنْتَظِرُ كُمَا هَا هُنَا) يعني المحصّب.
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥١/٨ - ١٥٢.

٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقولها: (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في جوف الليل، فـ((من)) بمعنى ((في))،
وفي رواية الإسماعيليّ: ((من آخر الليل))، وهي أوفق لبقية الروايات، وظاهرها
أنها أتت إلى النبيّ وَ﴿، وسيأتي قولها: ((فلقيني رسول الله وَله، وهو مُصعِدٌ
من مكة، وأنا منهبطةٌ عليها، أو أنا مُصعِدةٌ، وهو منهبط منها))، والجمع بينهما
واضح، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
قال عياض: قوله في رواية القاسم، يعني هذه: ((فجئنا رسول الله وَل،
وهو في منزله، فقال: فهل فرغتِ؟ قلت: نعم، فآذن بالرحيل))، وفي رواية
الأسود، عن عائشة، يعني الآتية في هذا الباب بلفظ: ((فلقيني رسول الله وَ له،
وهو مُصْعِدٌ من مكة، وأنا منهبطةٌ، أو أنا مُصعِدةٌ وهو منهبطٌ منها))، وفي رواية
صفية بنت شيبة عنها، يعني الآتية أيضاً: ((فأقبلنا حتى أتيناه، وهو بالحصبة))،
وهذا موافق لرواية القاسم، وهما موافقان لحديث أنس ظله عند البخاريّ:
((أنه وَلِّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به)).
قال: وفي حديث الباب من الإشكال قوله: ((فَمَرّ بالبيت، فطاف به))،
بعد أن قال لعائشة: ((أفرغتِ؟ قالت: نعم))، مع قولها في الرواية الأخرى: إنه
توجه لطواف الوداع، وهي راجعة إلى المنزل الذي كان به، قال: فَيَحْتَمِل أنه
أعاد طواف الوداع؛ لأن منزله كان بالأبطح، وهو بأعلى مكة، وخروجه من
مكة إنما كان من أسفلها، فكأنه لما توجّه طالباً للمدينة، اجتاز بالمسجد؛
ليخرج من أسفل مكة، فكَرَّر الطواف؛ ليكون آخر عهده بالبيت. انتهى.
وتعقّبه الحافظ تَُّ، فقال: والقاضي في هذا معذورٌ؛ لأنه لم يشاهد
تلك الأماكن، فظَنّ أن الذي يقصد الخروج إلى المدينة من أسفل مكة يتحتم
عليه المرور بالمسجد، وليس كذلك كما شاهده من عاينه، بل الراحل من منزله
بالأبطح يمر مجتازاً من ظاهر مكة إلى حيث مقصده، من جهة المدينة، ولا
يحتاج إلى المرور بالمسجد، ولا يدخل إلى البلد أصلاً.
قال عياض: وقد وقع في رواية الأصيليّ في البخاريّ: ((فخرج
رسول الله ﴿﴿ ومن طاف بالبيت))، قال: فلم تذكر أنه أعاد الطواف، فَيَحْتَمِل
أن طوافه هو طواف الوداع، وأن لقاءه لعائشة ﴿ّا كان حين انتقَلَ من
المحصب، كما عند عبد الرزاق، أنه كَرِهَ أن يقتدي الناس بإناخته بالبطحاء،

٥٥١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٢)
فَرَحَلَ حتى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، قال: فَيَحْتَمِل أن
يكون لقاؤه لها كان في هذا الرحيل، وأنه المكان الذي عنته في رواية الأسود
بقوله لها: ((موعدك بمكان كذا وكذا))، ثم طاف بعد ذلك طواف الوداع.
انتھی .
قال الحافظ: وهذا التأويل حسنٌ، وهو يقتضي أن الرواية التي عزاها
للأصيليّ مسكوت عن ذكر طواف الوداع فيها، وقد بيّنا أن الصواب فيها: فَمَرّ
بالبيت، فطاف به، بدل قوله: ((ومن طاف بالبيت)).
قال: ثم في عزو عياض ذلك إلى الأصيليّ وحده نظرٌ، فإن كل الروايات
التي وقفنا عليها في ذلك سواءٌ، حتى رواية إبراهيم بن مَعْقِل النسفيّ، عن
البخاريّ، والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: ((هَلْ فَرَغْتِ؟)) أي: من أفعال العمرة.
وقولها: (فَأَذَنَ) بالمدّ؛ أي: أعلم، وفي نسخة: ((فَأَذَّنَ)) بلا مدّ، وتشديد
الذال المعجمة، وهو بمعناه.
وقولها: (بِالرَّحِيلِ) - بفتح الراء، وكسر الحاء - مصدر رَحَل؛ أي:
بالارتحال إلى المدينة.
وقولها: (فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ) هذا هو طواف الوداع بفتح
الواو، وفي رواية البخاريّ: ((فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت قبل صلاة
الصبح)).
قال الحافظ تَخَّلُهُ: قوله: ((فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت))، هو من
عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الناس أعمّ من الطائفين، ولعلها أرادت بالناس
من لم يطف طواف الوداع، ويَحْتَمِل أن يكون الموصول صفة ((الناس))، من
باب تَوَسُّط العاطف بين الصفة والموصوف، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَاُلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ [الأحزاب: ١٢] وقد أجاز سيبويه نحو مررت بزيد
وصاحبِك، إذا أراد بالصاحب زيداً المذكور.
قال: وهذا كله بناء على صحة هذا السياق، والذي يغلب عندي أنه وقع
(١) ((الفتح)) ٣٠/٥ - ٣١.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فيه تحريف والصواب: فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت إلخ، وكذا وقع عند
أبي داود، من طريق أبي بكر الحنفيّ، عن أفلح، بلفظ: ((فأَذَّن في أصحابه
بالرحيل، فارتحل، فمرّ بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم
انصرف متوجهاً إلى المدينة)).
وفي رواية مسلم: ((فآذن في أصحابه بالرحيل، فخرج، فمَرّ بالبيت،
فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة))، وقد أخرجه البخاري من
هذا الوجه بلفظ: ((فارتحل الناس، فمَرّ متوجهاً إلى المدينة))، أخرجه في ((باب
الحج أشهر معلومات)).
[تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريّ تَُّ بهذا الحديث على أن المعتمر إذا
توجه إلى بلده بعد انتهاء أفعال العمرة، يجزؤه عن طواف الوداع، ودونك
نصّه: ((باب المعتمرِ إذا طاف طواف العمرة، ثم خرج، هل يجزئه من طواف
الوداع؟))، ثم أورد حديث عائشة هذا، حيث قال وّ﴿ لعبد الرحمن بن أبي
بكر ظه: ((اخرُج بأختك من الحرم، فلتهلّ بعمرة، ثم افرُغا من
طوافكما ... )) الحديث، فلما فرغا من أفعال العمرة قال: ((أفرغتما؟))، فنادى
بالرحيل، ولم يأمرهما بطواف الوداع.
قال ابن بطال كَّلُهُ: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف، فخرج
إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة ا. انتهى.
قال الحافظ تَّتُهُ: ويستفاد من قصة عائشة فيها أن السعي إذا وقع بعد
طواف الركن، إن قلنا: إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع أنّ تخلل
السعي بين الطواف والخروج لا يقطع أجزاء الطواف المذكور عن الركن
والوداع معاً. انتهى، وهو بحث مهمّ مفيدٌ جدّاً.
وحاصله أن من جعل طوافه للركن آخر العهد بالبيت، سواء كان طواف
الحجّ، أو طواف العمرة، أجزأه عن طواف الوداع، ولا يضرّه تخلّل السعي
بين الطواف والخروج من مكة، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٥٥٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٣)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّارٍ الْمُهَلَّبِيُّ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنٍ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ
قَالَتْ: مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَداً، وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَنَّعَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ) هو: عباد بن عبّاد بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن
أبي صُفْرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ت١٧٩) أو
بعدها بسنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (فْرَداً) بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو
من ((الحجّ)).
[تنبيه]: الإفراد هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع، وفي
غير أشهره أيضاً عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحجّ لمن
شاء .
وأما التمتع: فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم التحلل من تلك
العمرة، والإهلال بالحجّ في تلك السنة، قال الله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى
اَلَّ ◌َا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِيَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويُطلق التمتع في عرف السلف على
القران أيضاً، قال ابن عبد البرّ تَخْلَقُ: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد
بقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُبْرَةِ إِلَى الَّمْ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحجّ،
قال: ومن التمتع أيضاً القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده،
ومن التمتع فسخ الحج أيضاً إلى العمرة. انتهى.
وأما القران: فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معاً، وهذا لا خلاف في
جوازه، أو الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، أو عكسه، وهذا مختلف
فيه، والصحيح الجواز، كما فعله النبيّ بَّر، وأصحابه

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما فسخ الحج: فهو الإحرام بالحجّ، ثم يتحلل منه بعمل عمرة، فيصير
متمتعاً، وفي جوازه اختلاف(١)، والحقّ جوازه، بل وجوبه، على ما يأتي
تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف كَذَتُهُ، أخرجه [٢٩٢٣/١٧]
(١٢١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/
٢٩٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥/
٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٢٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: جَاءَتْ
عَائِشَةُ حَاجّةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، غير محمد بن بكر، وابن جريج، فتقدّما قبل
باب.
وقوله: (قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً) هذا يَحْتَمِل أن يكون مرسلاً إن كان
المراد مجيئها عام حجة الوداع؛ لأن القاسم لم يحضر ذلك، وهذا هو ظاهر
صنيع المصنّف رَّتُهُ، حيث أورده في خلال أحاديث عائشة ◌َّا المتعلّقة بقصّة
حجة الوداع، ويَحْتَمل أن يكون متّصلاً، وأراد به الإخبار عما فعلته عائشة
بعد النبيّ وَّر، وهو معها، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف كَذَتُهُ، أخرجه هنا [٢٩٢٤/١٧] (١٢١١)
ولم أره لغيره بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو نعيم كَثْتُ في ((مستخرجه)) (٣٠٧/٣) بلفظ آخر، ونصّه:
(٢٨٠٥) - ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد الحرانيّ، ثنا أبو
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٥٦/٤ - ٤٥٧.

٥٥٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٥)
يوسف محمد بن أحمد الصيدلانيّ، حدّثنا مُطَرِّف، يعني ابن مازن، عن ابن
جريج، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، قال: جاءت عائشة،
وهي تبكي، فقال: ((ما لك تبكي(١)؟))، قالت: أبكي أن الناس حَلُّوا، ولم
أَحْلِلْ، وطافوا، ولم أَطْف، وهذا الحج قد حَضَرَ كما ترى، فقال النبيّ وَّ:
((هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم ... ))، فذكره بطوله.
(٢٨٠٦) - حدّثنا محمد، ثنا الحسين، ثنا الفضل بن يعقوب، ثنا
محمد بن بكر، عن ابن جريج، أخبره عبيد الله، أن القاسم بن محمد قال:
قالت عائشة، بمثله.
ثم قال أبو نعيم تَخْذَلُهُ: رواه مسلم عن عبد بن حُميد، عن محمد بن
بكر. انتهى.
وصنيع أبي نعيم هذا يدلّ على أن رواية مسلم مثل روايته: ((جاءت عائشة
وهي تبكي ... إلخ))، وهذا النصّ ليس في النسخ التي بين أيدينا، فليُحرّر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ،
يَعْنِ ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ يَحْتَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رِوَّا
تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ لِخَمْسِ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ
الْحَجُّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ إِذَا
طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﴿َ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ
النَّحْرِ بِلَحْم بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ
يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتَْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى
وَجْهِهِ).
(١) كذا هو في النسخة، والظاهر أن الصواب: ((ما لك تبكين؟))؛ لأنه لا جازم حتى
تحذف النون، فليُحرّر.

٥٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها
مدّةً، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في
((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم في
الباب الماضي.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت
قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٧.
و«عائشة چێا)) ذُكرت قبله.
قوله: (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، وفي الرواية التالية:
((أخبرتني عمرة))، فصرّح يحيى بالإخبار.
وقولها: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ) اختلف في عدد الذين كانوا معه داََّ،
فقيل: كانوا تسعين ألفاً، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، ويقال: أكثر من
ذلك، حكاه البيهقيّ.
قال الزرقانيّ: هذا في عدّة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجّوا معه،
فأكثر المقيمين بمكّة، والذين أتوا من اليمن مع عليّ، وأبي موسى
الأشعريّ هچې۔ انتھی.
وقال القاري: بلغ جملة من معه و ﴿ تسعين ألفاً، وقيل: مائة وثلاثين
ألفاً. انتهى.
وقال الشيخ الدهلويّ في ((اللمعات)): ورد في بعض الروايات أنهم كانوا
أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعيّنوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي
هي آخر غزواته ◌َّلو مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بدّ أن
يزدادوا فيها .
ويُروى: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وفي رواية: مائة ألف وعشرون
ألفاً . انتهى.
وإلى هذا الاختلاف أشار الحافظ العراقيّ تَخْذَثُ في ((ألفيّة السيرة))، حيث قال:

٥٥٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٥)
لَا يُخْصَرُ الْوَافُونَ بِالطَّلَاعِ
فِي الْعَشْرِ كَانَتْ حِجَّةُ الْوَدَاعِ
فَقِيلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفَا
أَوْ ضِعْفَهَا وَزِدْ عَلَيْهَا ضِعْفًا
وقولها: (لِخَمْسٍ) وفي رواية: «لخمس ليال)) (بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح
القاف، وتكسر: اسم الشهر الذي بين شوّال، وذي الحجّة، قال الفيّوميّ:
والجمع ذوات القَعْدة، وذوات الْقَعَدَات، والتثنية ذواتا الْقَعْدة، وذواتا
القَعْدتين، فثنّوا الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة
واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية، ولا جمع. انتهى.
وكذا وقع في حديث ابن عبّاس ◌ًُّا عند البخاريّ في ((باب الخروج آخر
الشهر))، من ((كتاب الجهاد))، وفي ((باب ما يلبس المحرم من الثياب))، من
((كتاب الحجّ))، وكذا وقع في حديث جابر نظُه عند النسائيّ.
قال القسطلانيّ كَّلُهُ: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر،
ولو قالته قبله لقالت: إن بقين. انتهى.
وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ، وهو ما دام في النصف
الأول من الشهر يؤرّخ بما خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرّخ بما بقي، وقال
أيضاً: فيه ردّ على من منع إطلاق القول في التاريخ؛ لئلا يكون الشهر ناقصاً،
فلا يصحّ الكلام، فيقول مثلاً: لخمس، إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجّة
الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب. انتهى.
قال: ويؤيّده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذيّ من حديث أبي
بكرة ربه، رفعه: ((التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين ... )) الحديث، وما
وقع في حديث آخر: ((في تاسعة تبقى، وسابعة تبقى)).
[تنبيه]: اختلف في يوم خروجه ◌َلّر على ثلاثة أقوال:
(الأول): أنه خرج يوم الجمعة، وهذا وَهَمُ قبيح، وخطأ فاحش، تردّه
الروايات الصحيحة؛ إذ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه ويقول صلى الظهر يوم
خروجه بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
(القول الثاني): ما ذهب إليه ابن حزم، واختاره العينيّ في ((شرح
البخاريّ)) أن خروجه وَّر من المدينة كان يوم الخميس، لستّ بقين من ذي

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
القعدة، حكى هذا القول ابنُ القيّم في ((الهدي)) عن ابن حزم، وذكر كلامه
مفصّلاً، ثم بسط في الرّّ عليه، وسيأتي شيء من كلامه.
(القول الثالث): ما اختاره المحقّقون من شُرّاح الحديث، وأصحاب
التواريخ أنّ خروجه ◌َّ # كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم
ابن القيّم في ((الهدي))، وهو ما اختاره الحافظ في ((الفتح))، إذ قال في شرح
قول ابن عبّاس ﴿يَّ: ((وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)) ما لفظه: أخرج
مسلم مثله من حديث عائشة ﴿يا، واحتجّ به ابن حزم في ((كتاب حجة الوداع))
له على أن خروجه 18ّ من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي
الحجّة كان يوم الخميس بلا شكّ؛ لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف،
وظاهر قول ابن عبّاس: ((لخمس)) يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم
الجمعة، بناءً على ترك يوم الخروج، وقد ثبت أنه وَله صلى الظهر بالمدينة
أربعاً، كما سيأتي من حديث أنس ◌ُه، فتبيّن أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيّن
أنه يوم الخميس.
وتعقّبه ابن القيّم بأن المتعيّن أن يكون يوم السبت، بناءً على عدّ يوم
الخروج، أو على ترك عدّه، ويكون ذو القعدة تسعاً وعشرين يوماً. انتهى.
ويؤيّده ما رواه ابن سعد، والحاكم في ((الإكليل)) أن خروجه وَلُ من
المدينة كان يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة.
وقال الحافظ أيضاً: جزم ابن حزم بأن خروجه وّ ر من المدينة كان يوم
الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعاً؛ لما ثبت،
وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، وتعيّن أن أول الشهر يوم الخميس،
فلا يصحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم
الجمعة، لكن ثبت في ((الصحيحين)) عن أنس رُه: ((صلينا الظهر مع النبيّ ◌َلل
بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين)). فدلّ على أنّ خروجهم لم يكن
يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويُحمَل قول من
قال: ((لخمس بقين)) أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعاً وعشرين
فيكون يوم الخميس أول ذي الحجّة بعد مضيّ أربع ليال، لا خمس، وبهذا
تتّفق الأخبار.

٥٥٩
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٥)
هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوّى هذا الجمع
بقول جابر ظُّه إنه خرج لخمس بقين، أو أربع، وكان دخوله وَلهُ مكّة صُبْحَ
رابعة، كما ثبت في حديث عائشة ﴿يا، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن
خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدّم، فيكون مكثه في الطريق ثمان
ليال، وهي المسافة الوسطى. انتهى.
وقال في شرح ((بابُ الخروج آخر الشهر)) من ((كتاب الجهاد)»: قد
استُشْكل قول ابن عبّاس، وعائشة ﴿مّ أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة
كان أوله الخميس؛ للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك
أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصحّ ذلك؛ لقول أنس : إنه ومَّ ه صلى
الظهر بالمدينة أربعاً، ثم خرج.
وأجيب بأن الخروج كان السبت، وإنما قال الصحابة: ((لخمس بقين)) بناء
على العدد؛ لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتّفق أن جاء ناقصاً، فجاء أول
ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقي من الشهر أربع، لا خمس، كذا
أجاب به جمع من العلماء.
ويَحْتَمِل أن يكون الذي قال: ((لخمس بقين)) أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما
بقي؛ لأن التأهّب وقع في أوله، وإن اتّفق التأخير إلى أن صُلّيت الظهر،
فكأنهم لَمّا تأهّبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من جملة أيام السفر،
والله تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن القيّمِ تَُّ: وجه ما اخترناه أن الحديث صريحٌ في أنه
خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء،
والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم
يعدّ يوم الخروج كان لستّ، وأيّهما كان، فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر
الليالي كان خروجه لستّ ليال بقين، لا لخمس، فلا يصحّ الجمع بين خروجه
يوم الخميس، وبين بقاء خمس من الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم
السبت كان الباقي بيوم الخروج خمساً بلا شكّ، ويدلّ عليه أن النبيّ وَلّ ذكر
لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر
أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الخطبة، وقد شهد ابن عمر ها هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان من
عادته و 8* أن يعلّمهم في كلّ وقت ما يحتاجون إليه، إذا حضر فعله، فأولى
الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة، وبينه
وبينها بعض يوم، من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخَلْق، وهو أحرص الناس
على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحجّ
ممكن، بلا تفويت، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال أن
خروجه 8* كان يوم السبت، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب،
والله تعالى أعلم بالصواب.
وقولها: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ
وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ) أي: يجعل نسكه عمرة، وفي بقاء هذا الحكم
خلاف، والحقّ بقاؤه، كما هو مذهب الإمام أحمد، وعليه البخاريّ، وجمهور
المحدّثين، وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وقولها: (فَدُخِلَ) بالبناء للمفعول، ولم يُعلم الداخل به.
وقولها: (فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ أَزْوَاجِهِ) لم يعلم قائل ذلك، قال
ابن بطال تخّتُ: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي والأضحية،
ولا حجة فيه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية يونس عن
الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله وَل﴿ نَحَر عن أزواجه بقرة واحدة،
فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى.
قال الحافظ تَخّلُهُ: ورواية يونس أخرجها النسائيّ، وأبو داود، وغيرهما،
ويونس ثقةٌ حافظٌ، وقد تابعه معمر، عند النسائيّ أيضاً، ولفظه أصرح من لفظ
يونس قال: ((ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة))، ورَوَى النسائي
أيضاً من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عظاته: ((قال:
ذبح رسول الله وَ﴿ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهنّ))، صححه
الحاكم، وهو شاهدٌ قويّ لرواية الزهريّ، وأما ما رواه عَمّار الدُّهْنِيّ عن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا قالت: ((ذبح عنا
رسول الله ◌ّ* يوم حججنا بقرة بقرة))، أخرجه النسائيّ أيضاً، فهو شاذّ مخالف