Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِقْرَادِ، وَالتَّمَتُعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
فصل
وأما من قال: إنه حج قارناً قراناً طاف له طوافين، وسعى له سعيين،
كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدارقطنيّ من حديث مجاهد،
عن ابن عمر، أنه جمع بين حج وعمرة معاً، وقال: سبيلهما واحدٌ، قال:
وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله (وَل
صنع، كما صنعت.
وعن علي بن أبي طالب ظه أنه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين،
وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله وَ لي صنع كما صنعت.
وعن عليّ ◌ُبه أيضاً أن النبيّ وَلّ كان قارناً فطاف طوافين، وسعى
سعیین .
وعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: طاف رسول الله وَ ل و لحجته
وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعن
عمران بن حصين: أن النبيّ وَلفي طاف طوافين، وسعى سعيين.
وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها
حرف واحد.
أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عُمارة، وقال الدارقطنيّ: لم يروه
عن الحكم غير الحسن بن عُمارة، وهو متروك الحديث.
وأما حديث عليّ ◌َ﴿به الأول فيرويه حفص بن أبي داود، وقال أحمد
ومسلم: حفص متروك الحديث، وقال ابن خِرَاش: هو كذاب يضع الحديث،
وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف.
وأما حديثه الثاني فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ،
حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال الدارقطنيّ: عيسى بن عبد الله، يقال له:
مبارك، وهو متروك الحديث.
وأما حديث علقمة، عن عبد الله، فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد، عن
حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال الدارقطنيّ: وأبو بردة ضعيف، ومن دونه
في الإسناد ضعفاء. انتهى، وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذّاب
خبيث، وقال الرازيّ، والنسائيّ: متروك الحديث.

٥٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما حديث عمران بن حصين، فهو مما غَلِط فيه محمد بن يحيى
الأزديّ، وحدّث به من حفظه، فوهم فيه، وقد حدّث به على الصواب مراراً،
ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي.
وقد روى الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن حبان، في ((صحيحه)) من
حديث الدّراورديّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله قال: ((من قرن بين حجته وعمرته، أجزأه لهما طواف واحد))، ولفظ
الترمذيّ: ((من أحرم بالحج والعمرة، أجزاه طواف وسعي واحد عنهما، حتى
يحلّ منهما جميعاً))(١).
وفي ((الصحيحين)) عن عائشة رضيّا قالت: خرجنا مع رسول الله وَّر في
حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال: من كان معه هدي، فَلْيُهِلّ بالحج
والعمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً، فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم
حلّوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين
الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً.
وصح أن رسول الله وَ﴾ قال لعائشة: ((إن طوافك بالبيت، وبالصفا
والمروة يكفيك لحجك وعمرتك)).
وروى عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن
رسول الله يج طاف طوافاً واحداً لحجه وعمرته(٢)، وعبد الملك أحد الثقات
المشهورين احتَجَّ به مسلم، وأصحاب ((السنن))، وكان يقال له: الميزان، ولم
يتكلم فيه بضعف ولا جرح، وإنما أنكر عليه حديث الشفعة، وتلك شكاة ظاهرٌ
عنه عارها .
وقد روى الترمذيّ عن جابر ﴿به أن النبيّ وَلّ قَرَن بين الحج والعمرة،
وطاف لهما طوافاً واحداً، وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه
سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، وخلق، قال الثوريّ: وما بقي أحد
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح
غريب.
(٢) رواه الدار قطنيّ، وقال في ((التنقيح)): إسناده صحيح.

٥٠٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
أعرف بما يخرج من رأسه منه، وعِيْبَ عليه التدليس، وقلّ من سلم منه، وقال
أحمد: كان من الحفاظ، وقال ابن معين: ليس بالقويّ، وهو صدوق يدلِّس،
وقال أبو حاتم: إذا قال: حدّثنا فهو صادقٌ، لا نرتاب في صدقه وحفظه.
وقد روى الدارقطنيّ من حديث ليث بن أبي سليم، قال: حدّثني عطاء،
وطاووس، ومجاهد، عن جابر، وعن ابن عمر، وابن عباس: أن النبيّ وَّ لم
يطف هو وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً لعمرتهم وحجهم،
وليث بن أبي سليم احتَجَّ به أهل ((السنن)) الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال
ابن معين: لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: كان صاحب سنة، وإنما أنكروا عليه
الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسبُ، وقال عبد الوارث: كان من أوعية
العلم، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدّث عنه الناس، وضعّفه
النسائيّ، ويحيى في رواية عنه، ومثل هذا حديثه حسنٌ، وإن لم يبلغ رتبة
الصحة .
وفي ((الصحيحين)) عن جابر، قال: دخل رسول الله وَّي على عائشة، ثم
وجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قد حضتُّ، وقد حلّ الناس، ولم
أحلّ، ولم أطف بالبيت، فقال: ((اغتسلي، ثم أهلّي))، ففعلت، ثم وقفت
المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبالصفا والمروة، ثم قال: ((قد
حلَلْتِ من حجك وعمرتك جميعاً)).
وهذا يدل على ثلاثة أمور: أحدها: أنها كانت قارنة، والثاني: أن
القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، والثالث: أنه لا يجب عليها قضاء
تلك العمرة التي حاضت فيها، ثم أدخلت عليها الحجّ، وأنها لم تَرْفُض إحرام
العمرة بحيضها، وإنما رفضت أعمالها، والاقتصار عليها، وعائشة لم تطف
أوّلاً طواف القدوم، بل لم تطف إلا بعد التعريف، وسعت مع ذلك، فإذا كان
طواف الإفاضة، والسعي الواحد بعدُ يكفي القارن، فلأن يكفيه طواف القدوم
مع طواف الإفاضة، وسعيّ واحدٌ مع أحدهما بطريق الأولى، لكن عائشة تعذّر
عليها الطواف الأول، فصارت قِصَّتها حجةً، فإن المرأة التي يتعذر عليها
الطواف الأول، تفعل كما فعلت عائشة، تُدخل الحج على العمرة، وتصير
قارنةً، ويكفيها لهما طواف الإفاضة والسعي عقيبه.

٥٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يبيّن أنه وَّل و لم يطف طوافين، ولا
سعى سعيين، قول عائشة ريا: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا
طوافاً واحداً، متفق عليه.
وقول جابر ظُه: لم يطف النبيّ وَلّ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا
طوافاً واحداً، طوافه الأول، رواه مسلم.
وقوله لعائشة : ((يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك
وعمرتك))، رواه مسلم.
وقوله لها، في رواية أبي داود: ((طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة
یکفیك لحجك وعمرتك جمیعاً».
وقوله لها في الحديث المتفق عليه - لما طافت بالكعبة، وبين الصفا
والمروة -: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً)).
قال: والصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله وملي كلهم نقلوا أنهم لما
طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أمرهم بالتحلَّل، إلا من ساق الهدي، فإنه
لا يحل إلا يوم النحر، ولم ينقُل أحد منهم أن أحداً منهم طاف وسعى، ثم
طاف وسعى، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم، والدواعي على
نقله، فلما لم ينقله أحد من الصحابة عُلِم أنه لم يكن.
وعمدة من قال بالطوافين والسعيين، أثر يرويه الكوفيون عن عليّ، وآخر
عن ابن مسعود
وقد رَوَى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ ◌َ﴿به أن القارن يكفيه
طواف واحد، وسعي واحد، خلاف ما روى أهل الكوفة، وما رواه العراقيون
منه ما هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون، أو مجروحون، ولهذا طعن علماء
النقل في ذلك، حتى قال ابن حزم: كلُّ ما روي في ذلك عن الصحابة لا يصحّ
منه، ولا كلمة واحدة، وقد نُقل في ذلك عن النبيّ وَّيه ما هو موضوع بلا
ريب، وقد حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صل ◌ّ لحجته
وعمرته إلا طوافاً واحداً، وقد ثبت مثل ذلك عن ابن عمر، وابن عباس،
وجابر، وغيرهم ، وهم أعلم الناس بحجة رسول الله وَلتر، فلم يخالفوها،
بل هذه الآثار صريحة في أنهم لم يطوفوا بالصفا والمروة إلا مرة واحدة.

٥٠٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثّلاثَةِ: الإِْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
فصل
وأما الذين قالوا: إنه حج حجّاً مفرداً، اعتمر عقيبه من التنعيم، فلا يعلم
لهم عذر البتة، إلا ما تقدم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج، وأن عادة المفردين
أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك.
فصل
وأما الذين غَلِطوا في إهلاله، فمَن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر
عليها، فعذره أنه سمع أن رسول الله وَ ﴿ تمتع، والمتمتع عنده من أهلّ بعمرة
مفردة بشروطها، وقد قالت له حفصة ◌ُها: ((ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلّ
من عمرتك؟))، وكلّ هذا لا يدل على أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولم ينقل
هذا أحد عنه البتة، فهو وَهَمٌّ محضٌ، والأحاديث الصحيحة المستفيضة في
لفظه في إهلاله تبطل هذا.
فصل
وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، واستمر عليه فعذره، ما ذكرنا
عمن قال: أفرد الحج، ولبى بالحج، وقد تقدم الكلام على ذلك، وأنه لم
يقل أحد قط إنه قال: لبيك بحجة مفردة، وإن الذين نقلوا لفظه صرَّحوا
بخلاف ذلك.
فصل
وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، وظَنّ أنه
بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة،
فحملها على ابتداء إحرامه، ثم أنه أتاه آتٍ من ربه تعالى، فقال: قل: عمرة
في حجة، فأدخل العمرة حينئذ على الحج، فصار قارناً، ولهذا قال للبراء بن
عازب: ((إني سقت الهدي، وقرنت))، فكان مفرداً في ابتداء إحرامه، قارناً في
أثنائه، وأيضاً فإن أحداً لم يقل: إنه أهلّ بالعمرة، ولا لبى بالعمرة، ولا أفرد
العمرة، ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة، بل قالوا: أهلّ بالحجّ، ولبّی
بالحج، وأفرد الحجّ، وخرجنا لا ننوي إلا الحج، وهذا يدل على أن الإحرام
وقع أولاً بالحج، ثم جاءه الوحي من ربه تعالى بالقران، فلبّ بهما، فسمعه

٥٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أنس يلبي بهما، وصَدَقَ، وسمعته عائشة، وابن عمر، وجابر يلبي بالحج وحده
أولاً، وصدقوا.
قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويزول عنها الاضطراب.
وأرباب هذه المقالة لا يجيزون إدخال العمرة على الحج، ويرونه لَغْواً،
ويقولون: إن ذلك خاصّ بالنبيّ وَّر دون غيره، قالوا: ومما يدل على ذلك أن
ابن عمر قال: لبّى بالحج وحده، وأنس قال: أهلّ بهما جميعاً، وكلاهما
صادق، فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقاً على إهلاله بالحج؛ لأنه إذا
أحرم قارناً لم يمكن أن يحرم بعد ذلك بحج مفرد، وينقل الإحرام إلى الإفراد،
فتعيّن أنه أحرم بالحج مفرداً، فسمعه ابن عمر، وعائشة، وجابر، فنقلوا ما
سمعوه، ثم أدخل عليه العمرة، فأهلّ بها جميعاً لَمّا جاءه الوحي من ربه،
فسمعه أنس يُهلّ بهما، فنقل ما سمعه، ثم أخبر عن نفسه بأنه قَرَنَ، وأخبر عنه .
من تقدم ذكره من الصحابة بالقران، فاتفقت أحاديثهم، وزال عنها الاضطراب
والتناقض.
قالوا: ويدل عليه قول عائشة: خرجنا مع رسول الله وَّة، فقال: ((من
أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليهلّ))، قالت عائشة: فأهلّ رسول الله وَله
بحج، وأهلّ به ناس معه(١)، فهذا يدل على أنه كان مفرداً في ابتداء إحرامه،
فعلم أن قرانه كان بعد ذلك.
قال ابن القيّم: ولا ريب أن في هذا القول من مخالفة الأحاديث
المتقدمة، ودعوى التخصيص للنبيّ ◌َّه بإحرام لا يصح في حق الأمة ما يردُّه
ويبطله، ومما يردّه أن أنساً قال: صلى رسول الله وَ ر الظهر بالبيداء، ثم
ركب، وصعد جبل البيداء، وأهلّ بالحج والعمرة حين صلى الظهر.
وفي حديث عمر أن الذي جاءه من ربه، قال له: ((صلِّ في هذا الوادي
المبارك، وقل: عمرة في حجة))، فكذلك فعل رسول الله وَطير، فالذي رَوَى عمر
أنه أُمر به، وروى أنس أنه فعله، فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم قال: لبيك
حجّاً وعمرة.
(١) رواه النسائيّ بسند صحيح، إلا أن فيه عنعنة الحسن البصريّ، وهو مدلّس، فتنبّه.

٥٠٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
واختَلَف الناس في جواز إدخال العمرة على الحج، على قولين، وهما
روايتان عن أحمد: أشهرهما أنه لا يصحّ، والذين قالوا بالصحة، كأبي حنيفة
وأصحابه - رحمهم الله - بنوه على أصولهم، وأن القارن يطوف طوافين،
ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج، فقد التزم زيادة عمل على
الإحرام بالحج وحده، ومن قال: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، قال: لم
يستفد بهذا الإدخال إلا سقوط أحد السفرين، ولم يلتزم به زيادة عمل، بل
نقصانه، فلا يجوز، وهذا مذهب الجمهور.
فصل
وأما القائلون: إنه أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحجّ، فعذرهم قول ابن
عمر: تمتع رسول الله وَطير في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق
معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله وَ ل﴿، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلٌ
بالحج، متّفقٌ عليه.
وهذا ظاهر في أنه أحرم أوّلاً بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، ويبيّن ذلك
أيضاً أن ابن عمر لما حجّ زمن ابن الزبير أهلّ بعمرة، ثم قال: أشهدكم أني
قد أوجبت حجّاً مع عمرتي، وأهدى هدياً اشتراه بقديد، ثم انطلق يُهِلّ جميعاً،
حتى قدم مكة، فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم
ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلّ من شيء حرُم منه حتى كان يوم
النحر، فنحر، وحلق، ورأى أن ذلك قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه
الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله وله .
فعند هؤلاء أنه كان متمتعاً في ابتداء إحرامه، قارناً في أثنائه، وهؤلاء
أعذر من الذين قبلهم، وإدخال الحج على العمرة جائز بلا نزاع يُعْرَف، وقد
أمر النبيّ وَّ عائشة هُوهُنَا بإدخال الحج على العمرة، فصارت قارنةً.
ولكن سياق الأحاديث الصحيحة يردّ على أرباب هذه المقالة، فإن أنساً
أخبر أنه حين صلى الظهر أهلّ بهما جميعاً، وفي ((الصحيح)) عن عائشة،
قالت: خرجنا مع رسول الله وقدر في حجة الوداع، موافين لهلال ذي الحجة،
فقال رسول الله وَله: ((من أراد منكم أن يهلّ بعمرة فليهلّ، فلولا أني أهديت،

٥٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لأهللت بعمرة))، قالت: وكان من القوم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهلّ
بالحج، فقالت: فكنت أنا ممن أهلّ بعمرة، وذكرت ... الحدیث، رواه
مسلم .
فهذا صريح في أنه لم يهلّ إذ ذاك بعمرة، فإذا جَمَعتَ بين قول عائشة
هذا، وبين قولها في ((الصحيح)): تمتّع رسول الله وَّر في حجة الوداع، وبين
قولها: وأهلّ رسول الله وَّر بالحج، والكل في ((الصحيح))، علمتَ أنها إنما
نَفَت عمرة مفردةً، وأنها لم تنف عمرة القران، وكانوا يسمونها تمتعاً، كما
تقدم، وأن ذلك لا يناقض إهلاله بالحجّ، فإن عمرة القران في ضمنه، وجزء
منه، ولا ينافي قولها: أفرد الحجّ؛ لأن أعمال العمرة لَمّا دخلت في أعمال
الحجّ، وأُفردت أعماله، كان ذلك إفراداً بالفعل.
وأما التلبية بالحج مفرداً، فهو إفراد بالقول.
وقد قيل: إن حديث ابن عمر: أن رسول الله كلخير تمتع في حجة الوداع
بالعمرة إلى الحج، وبدأ رسول الله وَل﴿، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، مروي
بالمعنى الآخر من حديثه، وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حجه في فتنة
ابن الزبير، وأنه بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدٌ، أشهدكم
أني قد أوجبت حجّاً مع عمرتي، فأهلّ بهما جميعاً، ثم قال في آخر الحديث:
هكذا فعل رسول الله وَله، وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد، وسعي
واحد، فحُمِل على المعنى، ورُوي به: أن رسول الله وَليقول بدأ، فأهلّ بالعمرة،
ثم أهلّ بالحج، وإنما الذي فعل ذلك ابن عمر، وهذا ليس ببعيد، بل متعين،
فإن عائشة قالت عنه: ((لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة)»، وأنس قال عنه:
إنه حين صلى الظهر أوجب حجّاً وعمرة، وعمر تظله أخبر عنه أن الوحي جاءه
من ربه، فأمره بذلك.
[فإن قيل]: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل
حديث سالم، عن ابن عمر؟
[قيل]: الذي أخبرت به عائشة من ذلك، هو أنه والتي طاف طوافاً واحداً
عن حجه وعمرته، وهذا هو الموافق لرواية عروة عنها في ((الصحيحين)):
((وطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلَّوا، ثم طافوا

٥٠٩
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
طوافاً آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة،
فإنما طافوا طوافاً واحداً))، فهذا مثل الذي رواه سالم، عن أبيه سواء، وكيف
تقول عائشة: إن رسول الله وَ ل﴿ بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج؟ وقد
قالت: إن رسول الله ( * قال: ((لولا أن معي الهدي، لأهللت بعمرة))،
وقالت: وأهلّ رسول الله وَ﴿ بالحج، فعُلِم أنه لم يهلّ في ابتداء إحرامه بعمرة
مفردة، والله أعلم.
فصل
وأما الذين قالوا: إنه أحرم إحراماً مطلقاً، لم يعيّن فيه نسكاً، ثم عيّنه
بعد ذلك لَمّا جاءه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، وهو أحد أقوال
الشافعيّ تَكْثُ، نَصّ عليه في ((كتاب اختلاف الحديث))، قال: وثبت أنه خرج
ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو ما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه أن
من كان منهم أهلّ، ومن لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، ثم قال: ومن
وصف انتظار النبيّ وَّ القضاء؛ إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلباً
للاختيار فيما وسّع الله من الحج والعمرة، فيشبه أن يكون أحفظ؛ لأنه قد أُتِي
بالمتلاعنين، فانتظر القضاء، كذلك حفظ عنه في الحج ينتظر القضاء.
وعذر أرباب هذا القول ما ثبت في ((الصحيحين)) عن عائشة ﴿ا قالت:
(خرجنا مع رسول الله وَل﴿ لا نذكر حجّاً ولا عمرة))، وفي لفظ: ((يلبي لا يذكر
حجّاً ولا عمرة))، وفي رواية عنها: ((خرجنا مع رسول الله وَطّ لا نرى إلا
الحج، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله وَلقول من لم يكن معه هدي، إذا
طاف بالبيت، وبين الصفا والمروة، أن يحل))، وقال طاووس: خرج
رسول الله ولو من المدينة، لا يسمي حجّاً ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه
القضاء، وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه، من كان منهم أهلٌ بالحجّ،
ومن لم يكن معه هدي، أن يجعلها عمرة ... الحديث.
وقال جابر ظُبه في حديثه الطويل، في سياق حجة النبيّ وَّ: فصلى
رسول الله صل18 في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على
البيداء، نظرت إلى مدّ بصري، بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل

٥١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله وَلقه بين
أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فما عَمِل به من شيء، عملنا
به، فأهلّ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد
والنعمة لك، والملك، لا شريك لك))، وأهلّ الناس بهذا يهلّون به، ولزم
رسول الله ◌َلي تلبيته، فأخبر جابر أنه لم يزد على هذه التلبية، ولم يذكر أنه
أضاف إليها حجّاً ولا عمرةً، ولا قراناً، وليس في شيء من هذه الأعذار ما
يناقض أحاديث تعيينه النسك الذي أحرم به في الابتداء، وأنه القران.
فأما حديث طاووس، فهو مرسلٌ، لا يعارض به الأساطين المسندات،
ولا يعرف اتصاله بوجه صحيح، ولا حسن، ولو صحّ، فانتظاره للقضاء، كان
فيما بينه وبين الميقات، فجاءه القضاء، وهو بذلك الوادي، أتاه آت من ربه
تعالى، فقال: ((صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة))، فهذا
القضاء الذي انتظره جاءه قبل الإحرام، فعيَّن له القران، وقول طاووس: نزل
عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، وهو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل
عليه بإحرامه، فإن ذلك كان بوادي العقيق، وأما القضاء الذي نزل عليه بين
الصفا والمروة، فهو قضاء الفسخ الذي أَمَر به الصحابة إلى العمرة، فحينئذ أَمَر
كلَّ من لم يكن معه هدي منهم، أن يفسخ حجه إلى عمرة، وقال: ((لو استقبلت
من أمري ما استدبرت، لما سُقت الهدي، ولجعلتها عمرة))، وكان هذا أمر حتم
بالوحي، فإنهم لما توقفوا فيه، قال: ((انظروا الذي آمركم به، فافعلوه)).
وأما قول عائشة ﴿يّا: ((خرجنا لا نذكر حجّاً ولا عمرة))، فهذا إن كان
محفوظاً عنها، وجب حمله على ما قبل الإحرام، وإلا ناقض سائر الروايات
الصحيحة عنها أن منهم من أهلّ عند الميقات بحج، ومنهم من أهلّ بعمرة،
وأنها ممن أهلّ بعمرة، وأما قولها: ((نلبي لا نذكر حجّاً ولا عمرة))، فهذا في
ابتداء الإحرام، ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعاً،
فإن الذين سمعوا إحرام رسول الله وَل﴿، وما أهلّ به شهدوا على ذلك،
وأخبروا به، ولا سبيل إلى ردّ رواياتهم، ولو صح عن عائشة ذلك، لكان غايته
أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات، فنفته، وحفظه غيرها من الصحابة،
فأثبته، والرجال بذلك أعلم من النساء.

٥١١
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
وأما قول جابر ظه: وأهلّ رسول الله مليء بالتوحيد، فليس فيه إلا
إخباره عن صفة تلبيته، وليس فيه نفي لتعيينه النسك الذي أحرم به بوجه من
الوجوه، وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفي التعيين،
لكانت أحاديث أهل الإثبات أولى بالأخذ منها؛ لكثرتها، وصحتها، واتصالها،
وأنها مثبتة مبيِّنة متضمنة لزيادة خَفِيت على من نفى، وهذا - بحمد الله -
واضح، وبالله التوفيق. انتهى ما حقّقه الإمام ابن القيّم كَذَفُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي طوّل به ابن القيّم ◌َُّ نفسه في
تحقيقه مرجّحاً أنه وسي ﴿ كان قارناً من أول ما أنشأ الإحرام، وأنه لا زال قارناً
حتى حلّ يوم النحر من النسكين جميعاً، هو التحقيق الحقيق بالقبول؛ حيث
أيّدته الأحاديث الصحيحة التي لا تقبل التأويل، ولا سيّما حديث عمر رَظُه في
قصّة إتيان الملك إليه وَّلّ، وأمْره له بالقران، وذلك بيقين قبل إنشاء الإحرام؛
لأن وادي العقيق قبل ذي الحليفة، فقد قيل: إنه مكان قريب من البقيع، بينه
وبين المدينة نحو أربعة أميال(٢)، بينما المسافة التي بين المدينة وبين ذي
الحليفة نحو ستة أميال(٣).
فظهر بهذا وتبيّن أن أمْره ◌َ * بالقران كان قبل إنشاء الإحرام، وأنه وَليف
امتثل ما أَمَره به ربه، ولا يجوز أن يَظُنّ أحد أنه وَ* خالف ما أُمر به من
القران، ثم أهلّ بالحج المفرد، أو العمرة المفردة، ثم بعد ذلك أدخل أحد
النسكين على الآخر، فهذا مما لا يُتصوّره عاقل.
والحاصل أنه وَ ﴿ حجّ قارناً، وما عدا ذلك من الأحاديث الصحيحة التي
تدلّ على خلاف هذا، فكلّها قابلة للتأويل بما يوافق هذا، وقد تقدّم تحقيق هذا
(١) راجع: ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١٠٧/٢ - ١٥٨.
(٢) قال في ((الفتح)) ٤٠٧/٤: وادي العقيق هو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة
أميال، روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة، أن تُبّعاً لما رجع من المدينة انحدر
في مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق. انتهى.
(٣) قال في ((الفتح)) ٣٩٥/٤: بين ذي الحليفة وبين المدينة: ستة أميال، قاله النوويّ،
ووهم من قال: بينهما ميل واحد، وهو ابن الصباغ. انتهى.

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وإيضاحه فيما سبق، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في طواف القارن، وسعيه:
ذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إلى أن
القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وهو محكيّ عن ابن عمر،
وابن عبّاس، وجابر، وعائشة، وعطاء، وطاوس، والحسن، والزهريّ،
ومجاهد.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يجب عليه طوافان، وسعيان، وهو
رواية عن أحمد، وبه قال سفيان الثوريّ، وحكي عن أبي بكر، وعمر، وعليّ،
وابن مسعود، والحسن بن عليّ. قال الحافظ وليّ الدين: ولم يصحّ عنهم.
وبه قال إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وأبو جعفر الباقر،
والشعبيّ، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى،
والحسن بن صالح بن حيّ.
واحتجّ هؤلاء بما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق الحسن بن
عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: ((خرج ابن عمر، يُهلّ بعمرة، وهو
يتخوّف أيام نَجْدة أن يُحبس عن البيت، فلما سار أياماً، قال: ما الحصر في
العمرة، والحصر في الحجّ إلا واحد، فضمّ إليها حجة، فلما قدم طاف
طوافين، طوافاً لعمرته، وطوافاً لحجته، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَلاقه
فعل)).
لكن هذه رواية ضعيفة جدّاً، ومع ذلك فهي شاذّة، قال الدارقطنيّ: لم
يروه عن الحكم غير الحسن بن عُمارة، وهو متروك، وقال البيهقيّ: الحسن بن
عمارة أجمع أهل النقل على ترك حديثه؛ لكثرة المناكير في رواياته، وكيف
يصحّ هذا عن ابن عمر، وقد ثبت أنه طاف لهما طوافاً واحداً في هذه السنة،
كما سبق، قاله الحافظ وليّ الدين نَُّ .
وقال في ((الفتح)) في شرح حديث عائشة ثا في حجة الوداع، وفيه:
((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً))، وحديثٍ ابن
عمر ◌ًا في حجه عام نزل الحجاج بابن الزبير، أورده البخاريّ من وجهين في

٥١٣
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
كلّ منهما أنه جمع بين الحج والعمرة، أهلّ بالعمرة أولاً، ثم أدخل عليها
الحجّ، وطاف لهما طوافاً واحداً، كما في الطريقة الأولى، وفي الطريقة
الثانية: ((ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول)).
ما نصّه: وفي هذه الرواية رفع احتمالٍ قد يؤخذ من الرواية الأولى أن
المراد بقوله: ((طوافاً واحداً)) أي: طاف لكلّ منهما طوافاً يشبه الطواف الذي
للآخر، والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد
كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر
أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه: عن النبيّ وَّ قال: ((من جمع
بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيٌّ واحد))، وأعلّه الطحاويّ بأن
الدراورديّ أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسّك في تخطئته بما رواه
أيوب، والليث، وموسى بن عقبة، وغير واحد، عن نافع نحو سياق ما في
الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: ((إن النبيّ وَ ﴿ فعل ذلك))، لا
أنه روى هذا اللفظ عن النبيّ ◌َلو. انتهى.
قال الحافظ: وهو تعليلٌ مردود، فالدراورديّ صدوق، وليس ما رواه
مخالفاً لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين.
واحتجّ الحنفيّة بما روي عن عليّ ظُه أنه جمع بين الحج والعمرة،
فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَله
فعل، وطرقه عن عليّ عند عبد الرزاق، والدارقطنيّ، وغيرهما ضعيفة، وكذا
أخرج من حديث ابن مسعود څئه بإسناد ضعيف نحوه.
وأخرج من حديث ابن عمر بنحو ذلك، وفيه الحسن بن عُمارة، وهو
متروك، والمخرّج في ((الصحيحين))، وفي ((السنن)) عنه من طرق كثيرة الاكتفاء
بطواف واحد.
وقال البيهقيّ: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيُحْمَل على طواف
القدوم، وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت.
وقال ابن حزم: لا يصحّ عن النبيّ وَّر، ولا عن أحد من أصحابه في
ذلك شيء أصلاً.
قال الحافظ: لكن روى الطحاويّ، وغيره موقوفاً عن عليّ، وابن مسعود

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصحّ من حديثي ابن
عمر، وعائشة المذكورين في هذا الباب.
وقد أجاب الطحاويّ عن حديث ابن عمر بأنه اختُلِف عليه في كيفية
إحرام النبيّ ◌َ ط1، وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه وَلّ أحرم أولاً
بحجة، ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتّع بها إلى الحجّ، كذا قال
الطحاويّ، مع جزمه قبل ذلك بأنه ويسير كان قارناً.
وهبْ أن ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل
رسول الله وَل؛ أي: أمر من كان قارناً أن يقتصر على طواف واحد؟ وحديث
ابن عمر المذكور ناطق بأنه وَلو كان قارناً، فإنه مع قوله: تمتّع رسول الله وَّ،
وصف فعل القران، حيث قال: بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من
صور القران، وغايته أنه سمّاه تمتعاً؛ لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج
كيف كان يسمى تمتعاً .
ثم أجاب عن حديث عائشة وهنا بأنها أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا
بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً، يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى
الحج؛ لأن حجتهم كانت بمكة، والحجة المكيّة لا يطاف لها إلا بعد عرفة،
قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع تمتع، لا جمع قران.
انتھی.
قال الحافظ: وإني لكثير التعجّب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا
التأويل، وحديث عائشة مفصلٌ للحالتين، فإنها صرّحت بفعل من تمتع، ثم من
قرَن، قالت: ((فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا
من منى))، فهؤلاء أهلُ التمتع، ثم قالت: ((وأما الذين جمعوا إلخ))، فهؤلاء
أهلُ القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، والله المستعان.
وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله
يقول: ((لم يطف النبيّ وَّر، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً))،
ومن طريق طاوس، عن عائشة: ((أن النبيّ وَّيّ قال لها: يسعك طوافك لحجك
وعمرتك))، وهذا صريح في الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت
عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق، عن سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل،

٥١٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
قال: ((حلف طاوس ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول الله وَل ◌ّ لحجه وعمرته
إلا طوافاً واحداً))، وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما رُوي عن عليّ،
وابن مسعود من ذلك، وقد رَوَى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن
محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن عليّ: ((للقارن طواف واحد))،
خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعّف ما روي عن عليّ من ذلك أن أمثل
طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أُذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من
ابتدأ الإهلال بالحجّ أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين،
ويسعى سعيين، والذين احتجّوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على
الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلّت عليه، وإلا فلا
حجة فيها .
وقال ابن المنذر: احتجّ أبو ثور(١) من طريق النضر(٢) بأنّا أجزنا جميعاً
للحجّ والعمرة سفراً واحداً، وإحراماً واحداً، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي
عنهما طواف واحد، وسعيٌ واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات، وفي
هذا القياس مباحث كثيرة، لا نُطيل بها.
واحتجّ غيره بقوله وَلجر: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة))، وهو
صحيح، كما سلف، فدلّ على أنها لا تحتاج بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر
غیر عمله.
والحقّ أن الْمُتَّبَعَ في ذلك السنةُ الصحيحةُ، وهي مستغنية عن غيرها.
انتهى كلام الحافظ تَقْذَهُ(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ تَخُّْ هو كلام
نفيسٌ جدّاً.
وحاصله أن ما دلّت عليه السنة الصحيحة، وهو أن القارن يكفيه طواف
(١) كذا في بعض نسخ ((الفتح))، ووقع في بعضها: ((أبو أيوب))، والظاهر أنه غلطٌ،
فليتنبّه .
(٢) هكذا النسخة: ((والظاهر أنه مصحّف من النظر))، فليُحرّر.
(٣) ((الفتح)) ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٤.

٥١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
واحد، وسعي واحد، هو الحقّ، ودليله هو السنة الصحيحة الصريحة فيه، ولا
حاجة إلى الأدلة العقلية؛ لأن السنة الصحيحة فيها الكفاية؛ إذ هي العمدة
البالغة، والحجة الدامغة، وكلّ قياس في مقابلتها فاسد الاعتبار، ولله درّ من
قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَبْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ
عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ،
فَمِنَّا مَنْ أَهَّلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ:
((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا بَحِلُّ حَتَّى
يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ))، قَالَتْ عائشة ◌َّا: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ
حَائِضاً حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ
أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٌّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، حَتَّى
إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي
أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١]
(ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ
نبيل، من كبار [١٠] (ت١٩٩) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث

٥١٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١١)
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) بن عَقِيل - الأول بالضمّ، والثاني بالفتح - الأمويّ
مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت١٤٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى بَنْحَرَ هَدْيَهُ) تقدّم أن
القاضي عياضاً تَظْلَتُ قال: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في ((صحيحي
البخاري ومسلم)) وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبيّ وَّ إنما
قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودُنُوّهم من مكة
بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت وسعيه، كما جاء في
رواية جابر، ويَحْتَمِل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأن العزيمة كانت آخراً
حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى.
وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة
وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من
عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه
إذا طاف وسعى وحَلَقَ حَلّ من عمرته، وحلّ له كل شيء في الحال، سواء كان
ساق هدياً أم لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من
نسكه فوجب أن يحلّ له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن
هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها
قبلها عن عائشة ثنا قالت: خرجنا مع رسول الله وَ لّ عام حجة الوداع فأهللنا
بعمرة ثم قال رسول الله: ((من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا
يحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً))، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي
احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى فليهلل بالحج، ولا
يَحِلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضية واحدة، والراوي

٥١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ كَذُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون هذا التأويل متكلّفاً، بل الظاهر
ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، ومن قال بقولهما، من أن من اعتمر، وساق
الهدي لا يتحلّل حتى يبلغ الهدي محلّه، وينحره يوم النحر، ولا حاجة إلى
تأويل هذه الرواية الصريحة، إلى الرواية الأخرى، فتأمله بالإنصاف، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) هذا بظاهره يقتضي أنه يَّ ما أمرهم
بفسخ الحجّ إلى العمرة، مع أن الصحيح بروايات أربعة عشر من الصحابة
أنه أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ، وجعله عمرة، فحينئذ لا بدّ من حمل
هذا الحديث على من ساق الهدي، والأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدي، فلا
منافاة، قاله السنديّ تَظُّهُ في ((حاشية مسلم))(٢).
وقولها: (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضاً حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) قال القرطبيّ تَُّهُ: هذا
مخالف لقولها في الرواية الأخرى: ((فلما كان يوم النحر طهرت))، ووجه
التوفيق أن يُحْمَل على أنه تقارب انقطاع الدم عنها يوم عرفة، ورأت علامة
الطهر يوم النحر. انتهى (٣).
وقولها: (حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) ((كان)) هنا تامّةٌ لا تحتاج إلى خبر، فهي
بمعنى ((جاء))، و(يوم)) مرفوع على الفاعلية، قال الحريريّ دَّثُ في ((ملحته)):
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقولها: (وَلَمَّ أَهْلِلْ إِلَّ بِعُمْرَةٍ) هذا صريح في كون عائشة ﴿ُّها لم تُحرم
إلا بعمرة، وقد سبق أن هذا في ثاني الحالين، فإنها كانت أولاً ابتدأت
بالحجّ، ثم قلبته إلى العمرة بعد أن أمر له أصحابه بذلك، فصارت معتمرة،
ثم أدخلت عليها الحجّ، فصارت قارنة، فتنبّه.
وقولها: (وَأَتْرَُكَ الْعُمْرَةَ) تقدّم أن الصحيح في معناه ترك أعمالها، لا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/٨.
(٢) نقله في ((المرعاة شرح المشكاة)) ٩/ ٥٠.
(٣) ((المفهم)) ٣٠٣/٣.

٥١٩
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٢)
إبطالها، فإنها لا زالت معتمرة، وإنما تركت الطواف والسعي؛ لتعذّر ذلك
عليها بالحيض، فأدخلت الحجّ عليها، والله تعالى أعلم.
وقولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا) فيه دليل
واضح على أنها لم تُبطل عمرتها، ولم تتحلّل منها، بل بقيت عليها، حتى
أتمّتها مع الحج، ثم أتت بعمرة مفردة، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩١٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ◌ِّنَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّه عَامَ
حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((مَنْ كَانَ
مَعَهُ هَدٌْ فَلْيُهْلِلْ(١) بِالْحَجِّ مَعَ هُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى بَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً))،
قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ
بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَن
الْعُمْرَةِ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ)، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِي(٢) أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي
بَكْرٍ ، فَأَرْدَقَنِي، فَأَعْمَرَنِي مِنَ الَّْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، أبو نصر، ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٤٩) (خت
م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، ثقةٌ حافظ، مصنّفٌ،
تغيّر بعدما عمي، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧]
(ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) وفي نسخة: ((فليُهلّ)).
(٢) وفي نسخة: ((فلما قضيت حجّي)).

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ) هذا ذكرته توطئةً لما تريد الإخبار به من
استمرارها على تمحيض العمرة، وأنها لم تُدخل عليها الحجّ؛ لأنه وَ له إنما أمر
بضمّ الحجّ إلى العمرة من کان معه هدي.
والْهَديُ بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان
مشهورتان، الأولى أفصح، وأشهر، وهو اسم لما يُهْدَى إلى الحرم من
الأنعام، وسوق الهدي سنّة لمن أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، قاله وليّ
الدين تَذَهُ(١).
وقوله: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ) قال القرطبيّ رَّتُهُ:
ظاهره أنه أمرهم بالقران، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويَحْتَمِل أن يكون قال
ذلك لمن قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمراً بالإرداف. انتهى.
وقوله: (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً) قال القرطبيّ كَّهُ: هذا بيان
حكم القارن، فإنه لا يحلّ إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل
واحد عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين، وسيأتي
قوله وَّ لعائشة ﴿يُنا: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك))، وهو نصٌّ في الردّ
عليه، وكذلك قولها: ((فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا
طوافاً واحداً)). انتهى(٢).
وقوله: (فَحِضْتُ) بكسر الحاء، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضاً، من
باب باع يبيع بيعاً .
وقولها: (أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي) وفي رواية البخاريّ:
((أن النبيّ وَ ل﴿ أمره أن يُردف عائشة، ويُعمرها من التنعيم))، قال في ((الفتح)):
وهذا يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبيّ وَل﴾، وأصرح منه ما
أخرجه أبو داود، من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها :
أن رسول الله وسلم قال: ((يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من
التنعيم ... )) الحديث، ونحوه رواية مالك السابقة في الحديث السابق، عن ابن
(١) ((طرح التثريب)) ٣١/٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٩٩/٣ - ٣٠٠.