Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (١٦) - بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَاسْتِحْبَابْ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٠٨) المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرف ذي الحليفة، فَيَحْتَمِل أنها نزلت بطرف البيداء؛ لتبعد عن الناس، وكان منزل النبيّ وَّ بذي الحليفة حقيقةً، وهناك بات، وأحرم، وهي عند الشجرة، فسمي منزل الناس كلِّهم باسم منزل إمامهم. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: و((الشجرة)): شجرة كانت هناك بذي الحليفة، و ((البيداء)) طرف منها، وكأنها إنما نزلت هناك لتبْعُد عن الناس لأجل الولادة. وأمْره ◌َ ي لها بأن تغتسل: إنما كان للإهلال، وهو الإحرام. قال: وفي الحج أغسال، هذا أوكدها، وهو سنة عند الجمهور، وقال بوجوبه عطاء، والحسن في أحد قوليه، وأهل الظاهر. والغسل الثاني: لدخول مكة، قال: ومن أصحابنا من اكتفى بهذا الغسل عن الطواف، وقال: إنه شُرع لأجل الطواف؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول، ومنهم من لم يكتف به، وقال: لا بدَّ من غسل الطواف، وإنما ذلك للدخول فقط . والغسل الثالث: للوقوف بعرفة، وهذه الأغسال كلها سنن مؤكدةٌ، وقد أطلق مالك على جميعها الاستحباب، وأوكدها غسل الإحرام. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّفُ(٢). (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ◌َظُه، وهو زوجها (يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ) أي: تُحرم بالحج، يقال: أهلّ المحرم: رفع صوته بالتلبية عند الإحرام، وكلُّ من رفع صوته فقد أهلَّ إهلالاً، واستَهَلَّ استهلالاً بالبناء للفاعل فيهما. أفاده في ((المصباح)). وهذا الاغتسال للنظافة، لا للطهارة؛ لأنها نفساء لا تطهر إلا بانقطاع الدم عنها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((إكمال المعلم)) ٢٢٩/٤. (٢) ((المفهم)) ٢٩٧/٣. ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. [تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ ◌َخُّهُ، فقال في ((التتبّع)): خالفه - أي: عبيد الله بن عمر - مالك، عن عبد الرحمن، عن أبيه، مرسلاً، ليس فيه عائشة، وهو الصواب، وحديث عبدة خطأً، وقال سليمان: عن يحيى، عن القاسم، عن أبيه، ولا يصحّ عن أبيه. انتهى. وتعقّب أبو مسعود الدمشقيّ تَُّ في ((الأجوبة)) استدراك الدارقطنيّ هذا، فقال: إذا جوّد عبيد الله إسناد حديث لم يُحكم لمالك عليه فيما أرسله، فإن مالكاً كثيراً ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات، وعبدة بن سُليمان فثقةٌ ثبتٌ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد أبو مسعود تَخْذَلُ في تعقّبه هذا، وحاصله أن الأرجح هنا رواية عبيد الله بن عمر المتّصلة بذكر عائشة يؤثّا؛ لأنها زيادة من ثقة حافظ، وليس بأقلّ من مالك في الإتقان، بل قدّمه بعض الأئمة عليه، قال عمرو بن عليّ الفلّاس: ذكرت ليحيى بن سعيد - يعني القطّان - قول ابن مهديّ: إن مالكاً أثبت في نافع من عبيد الله، فغضب، وقال: هو أثبت من عبيد الله؟ وقال أبو حاتم، عن أحمد: عبيد الله أثبتهم، وأحفظهم، وأكثرهم روايةً، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: مالك أحبّ إليك عن نافع، أو عبيد الله؟ قال: كلاهما، ولم يفضِّل، وقال جعفر الطيالسيّ: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله عن القاسم، عن عائشة الذهب المشبَّكُ بالدُّرَر، فقلت: هو أحبّ إليك أو الزهريّ، عن عروة، عن عائشة؟ قال: هو إليّ أحبّ، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحب إليّ من مالك في حديث (١) نافع(١) . فتبيّن بهذا أن عبيد الله لا يقلّ من مالك إتقاناً، فتكون زيادته مقبولة، ومن الغريب أن مذهب الدارقطنيّ في مثل هذا قبول الزيادة، فلماذا رجّح إرسال مالك؟ هذا شيء عجيب. (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٣٥/٧. ٤٤٣ (١٦) - بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَاسْتِحْبَابْ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٠٨) والحاصل أن صنيع مسلم تَّثُ في ترجيحه وَصْل عبيد الله هو الصواب، فتفطّن، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٠٨/١٦] (١٢٠٩)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٤٤/٢)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٦٤/٥)، و((الكبرى)) (٢/ ٣٥٦)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٩٧١/٢ - ٩٧٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٠/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٢/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٢١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاغتسال من النفاس، وأنه أحد موجبات الاغتسال بالإجماع، كما قاله ابن المنذر نَُّهُ . ٢ - (ومنها): مشروعية الإهلال بالتلبية عند الإحرام في الحج أو العمرة، وأن المرأة كالرجل في ذلك. ٣ - (ومنها): مشروعية النظافة للإحرام، فيلزم المرأة الغسل وإن كانت حائضاً أو نفساء. ٤ - (ومنها): صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام، قال النوويّ نَّثُ: وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، والجمهور أنه مستحبّ، وقال الحسن، وأهل الظاهر: هو واجب. ٥ - (ومنها): أن الحائض، والنفساء يصحّ منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف، وركعتيه؛ لقوله ولايقول: ((اصنعي ما يصنع الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت))، ولا خلاف بين العلماء في ذلك كلّه؛ إذ لا يجوز دخول غير الطاهر المسجد، ولا صلاة بغير طهور، قاله عياض دَخَذَتْهُ(١). ٦ - (ومنها): أن ركعتي الإحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحجّ؛ لأن أسماء لم تصلّهما، قاله النوويّ ◌َخْذُهُ(٢). (١) ((إكمال المعلم)) ٢٢٩/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/٨. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٧ - (ومنها): بيان عادة الصحابة ﴿ من تحمّل السنن بعضهم عن بعض بحضرة النبيّ وَّ ة، واكتفائهم بذلك عن سماعها منه. ٨ - (ومنها): سؤال الرجل عما يلزم من يقوم عليه ومراعاته أمر دينهم ودنياهم، كما فعل أبو بكر به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٩] (١٢١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ بَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رُِّهَا فِي حَدِيثٍ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، حِينَ نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَمَرَ أَبَا بَكْرِ ◌َهِ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بن بكر الرازيّ الملقّب زُنَيَج، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) أو بعدها (م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٥٨/٦. ٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) الضبيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الصادق الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٩/١٠. ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين الباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦١. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام السَّلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في («الإيمان)) ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وجعفر، كما أسلفته آنفاً . ٤٤٥ (١٦) - بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَاسْتِحْبَابْ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٠٩) ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحيى، والباقيان رازيّان. ٤ - (ومنها): أن رواية يحيى، عن جعفر من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وجعفراً من السادسة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر ظُه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿َا فِي حَدِيثٍ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) الجار والمجرور حال من قوله: ((أن رسول اللهِ وَ ل﴿ ... إلخ)) لأنه في تأويل المصدر مفعول ((حدّثنا)) أي: حدّثنا بأمر رسول اللهِ وَليّ أبا بكر ... إلخ حال كون هذا القول من جملة حديث أسماء، إنما قال كذا؛ لأن الحديث طويل جدّاً فاختصر منه هنا ما يستدلّ به على حكم إحرام النفساء، واختصار الحديث فيه خلاف مشهور عند المحدثين، والصحيح الجواز إذا لم يُخِلّ المتروك بالمعنى المقصود، وهو مذهب الشيخين، وجمهور المحدّثين، قال السيوطي في ((ألفية الأثر»: وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الخَبَرِ إِنْ لَمْ يُخلَّ البَاقِي عِنْدَ الأكْثَرِ والحديث بطوله سيأتي بعد بابين في صفة حجة النبيّ وَ و - إن شاء الله تعالى -. (حِينَ نُفِسَتْ) تقدّم ضبط نَفِست في الحديث الماضي، والظرف حال من حديث أسماء؛ أي: حال كون ذلك الحديث حاصلاً وقت ولادتها (بِذِي الْحُلَيْفَةِ) بصيغة التصغير: اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سُمِّي به الموضع، وهو ميقات أهل المدينة على نحو مرحلة عنها، ويقال: على ستة أميال، قاله في ((المصباح)). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ، وَ﴿ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ) عبد اللهِ بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيميّ ابن أبي قُحَافة الصدّيق، أول الرجال إسلاماً، أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - توفي سنة (١٣هـ) عن (٦٣) سنةً، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. ومفعول ((أمر)) محذوف؛ أي: أمره أن يأمرها بالاغتسال والإهلال ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ) بضمّ التاء، من الإهلال؛ أي: ترفع صوتها بالتلبية، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللهِ ﴿ه من أفراد المصنّف وَّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٠٩/١٦] (١٢١٠)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٢٢/١ و١٥٤ و١٩٥ و٢٠٨)، و((المناسك)) (١٦٤/٥)، و((الكبرى)) (١/ ١١٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩١٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٩٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٢/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٨/٢٤ و١٤١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٥٥/١)، و(الضياء) في ((المختارة)) (١٤٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢/٥)، و((الصغرى)) (٣/ ٥٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٧) - (بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّع، وَالْقِرَانِ، وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَىَ الْعُمْرَةِ، والأَمْرِ بِفَسْخِ الْحَجّ بِعَمَّلِ الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٠] (١٢١١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ◌ِؤُهَا أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدٌْ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعَمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً))، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا خَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، ٤٤٧ (١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) وَدَعِي الْعُمْرَةَ))، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: ((هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ))، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (بحيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، أبو عبد اللهِ المدنيّ، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام الحجة [٧] (ت١٧٩) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المدنيّ الحجة الثبت الفقيه [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َؤُها، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم. ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج شرح الحديث: (أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّر) (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين أي: من المدينة (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، وكسرها؛ أي: في عام حجة الوداع، وهو العام العاشر من الهجرة النبويّة، سُمّيت بحجة الوداع؛ لأن النبيّ وَّرِ وَدَّع الناس فيها، ولم يحجّ بعد الهجرة غيرها. وقال القرطبيّ كَُّ: سُمِّيت بذلك؛ لأنه وَّ لما خطب الناس وَدَّعهم فيها، وقال: ((لعلي لا أحج بعد عامي هذا))، وقال: ((ألا هل بلغتُ؟)) فقالوا: نعم، فقال: ((اللَّهم اشهد))، وكذلك كان، فإنه ﴿ ﴿ ـ وجازاه عنا خيراً - تُوُفّي في ربيع الأول، في الثاني عشر منه - على أولى الأقوال وأشهرها - على رأس ثلاثة أشهر ونَيِّف من موقفه ذلك، ولم يحجّ في الإسلام غير تلك الحجة، وحجّ فيها بجميع أزواجه. انتهى(١). (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي: أحرم بعضنا بعمرة، ومنهم عائشة ﴿ُها كما سيأتي. قال القاضي عياض تَخّْتُ: اختلفت الروايات عن عائشة ﴿ّا فيما أحرمت به، اختلافاً كثيراً، فذكر مسلم من ذلك ما سيأتي - يعني قولها: ((ولم أهلّ إلا بعمرة) - وفي رواية لمسلم أيضاً عنها: ((خرجنا لا نَرَى إلا الحجّ))، وفي رواية القاسم عنها: ((خرجنا مهلّين بالحجّ))، وفي رواية: ((لا نذكر إلا الحجّ))، وكلّ هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحجّ، وفي رواية الأسود عنها: ((نلبّي لا نذكر حجاً، ولا عمرة)». قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة صوتًا، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديماً، ولا حديثاً، وقال بعضهم: يترجّح أنها كانت محرمة بحجّ؛ لأنها رواية عمرة، والأسود، والقاسم، وغلّطوا عروة في العمرة، وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل، ورجّحوا رواية غير عروة على روايته؛ لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد، عن هشام، عنه: حدّثني غير واحد أن النبيّ وَّ قال لها: ((دعي عمرتك))، فقد بان أنه لم يسمع الحدیث منها . (١) ((المفهم)) ٢٩٧/٣. ٤٤٩ (١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) قال القاضي تَّثُ: وليس هذا بواضح؛ لأنه يَحْتَمِل أنها ممن حدّثه ذلك. قالوا أيضاً: ولأن رواية عمرة، والقاسم نَسّقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على و جهه . قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن إحرام عائشة، والجمع بين الروايات ممكن، فأحرمت أوّلاً بالحجّ كما صحّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحّ من فعل النبيّ وَّه، وأكثر أصحابِهِ، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبيّ ◌َ﴿ أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وهكذا فسّره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر، ولم يذكر أول أمرها . قال القاضي: وقد تعارض هذا بما صحّ عنها في إخبارها عن فعل الصحابة، واختلافهم في الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحجّ، ثم فسخته إلى عمرة حين أُمر الناس بالفسخ، فلما حاضت، وتعذّر عليها إتمام العمرة، والتحلّل منها، وإدراك الإحرام بالحجّ، أمرها النبيّ وَّهِ بالإحرام بالحجّ، فأحرمت، فصار مُدخلة للحجّ على العمرة، وقارنة. انتهى كلام القاضي عياض تَظّفُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض تَخْتُ تحقيق نفيسٌ جدّاً. وحاصله أن رواية عروة أنها أهلّت بالعمرة صحيحة؛ لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبيّ وَّرَ بفسخ الحجّ إلى العمرة، وأما أول أمرها، فإنها ممن أحرم بالحجّ، فلا تعارض بين الروايات، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ كَُّهُ: قولها: ((فأهللنا بعمرة))؛ تعني: أنها هي أهلّت بعمرة مع غيرها من أزواج النبيّ وَ ﴿، أو تكون النون للعظمة، وفيه بُعْدٌ، وقد أخبرت عن نفسها وحدها؛ إذ قالت: ((فأهللت بعمرة))، و((كنت فيمن أهلّ بعمرة))؛ وهذا يعارضه قولها في الرواية الأخرى: ((خرجنا مع رسول الله وَلـ مهلّين بالحج))، وفي أخرى: ((لا نرى إلا الحج)). (١) ((إكمال المعلم)) ٢٣٠/٤ - ٢٣٢. ٤٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فاختلف العلماء في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة؛ فمنهم من رجّح الروايات التي فيها: أنها أهلَّت بالحج، وغَلَّط من روى: أنها أهلَّت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي (١). ومنهم من ذهب مذهب الجمع بين هذه الرِّوايات، وهو الأولى؛ إذ الرواة لتلك الألفاظ المختلفة أئمة ثقات مشاهير، ولا سبيل إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم، فالجمع أولى من الترجيح إذا أمكن. فمما ذُكِر في ذلك: أنها كانت أحرمت بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر النبيّ وَّ من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلِّت بها، وهي التي حاضت فيها، ثم إنها لم تحلّ منها حتى حاضت، فأمرها النبيّ ◌َير أن تحرم بالحج، وتكون حينئذ مُردفة، فأحرمت بالحج، ووقفت بعرفة وهي حائض، ثم إنها طهرت يوم النحر، فأفاضت، فلما كملت مناسك حجها اعتمرت عمرة أخرى مع أخيها من التنعيم. قال: فعن تلك العمرة التي دخلت فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرة، وعلى ذلك يُحْمَل قولها: أهللت بعمرة؛ تعني بعد فسخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كل قول من أقوالها، وكل راو روى شيئاً من تلك الألفاظ. قال القرطبيّ كَّتُهُ: ويَعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: فأمر رسول الله وَلومن لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحلّ من لم يسق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي؛ فأحللن، وهذا فيما يبدو تأويل حسن، غير أنه يبعده مساق قولها أيضاً في رواية أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله وَل فقال: ((من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليفعل))؛ قالت: فأهلّ رسول الله وَّر بحج، وكنت فيمن أهلّ بعمرة، وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكل. وعلى هذا فيمكن التأويل على وجه آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديث على (١) وقع في كلام القرطبيّ: وأظنه ابن عليّة، وهو ظنٌّ غير صحيح، بل هو إسماعيل القاضي، كما صرّح به القاضي عياض في كلامه السابق، فتنبّه. ٤٥١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) ظاهره، ويتأوَّل قولها: ((لبّينا بالحج))؛ على أن ذلك كان إحرام أكثر الناس؛ لأنه لما أحرم النبيّ وَ﴿ بالحج اقتدى به كثير الناس في ذلك، وأما هي فإنما أحرمت بعمرة كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: ((ولم أهلّ إلا بعمرة)). وقولها: ((خرجنا مع رسول الله (وَل*، ولا نرى إلا أنه الحج))؛ يمكن أن يقال: كان ذلك منها، ومنهم قبل أن يخبرهم النبيّ ◌َّر في أنواع الإحرام، ويبيّها لهم. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) قال القرطبيّ تَخْتُ: ظاهره أنه وَ﴿ أمرهم بالقران، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك لمن قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمراً بالإرداف. انتهى(١) . وقال القاضي عياض كَّتُهُ: الذي تدلّ عليه نصوص الأحاديث في ((صحيحي البخاريّ ومسلم)) وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبيّ وَّ﴿ إنما قال لهم هذا القول - يعني قوله: من كان معه هدي ... إلخ - بعد إحرامهم بالحجّ، وفي منتهى سفرهم ودُنُوّهم من مكة بسَرِف كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت وسعيهم كما جاء في رواية جابر، ويَحْتَمِل تكريره الأمر بذلك مرتين في موضعين، وأن العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى(٢). (ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً)) لأنه ممنوع التحلل حتى يبلغ الهدي محله، قال القرطبيّ كَّهُ: هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين. وسيأتي قوله وَله لعائشة: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك))، وهو نصّ في الردّ عليه، وكذلك قولها: فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافاً واحداً. انتهى. وقال النوويّ كَّتُهُ: هذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وأحمد، وموافقوهما - يعني قوله: ((ومن أحرم بعمرة، وأهدى (١) ((المفهم)) ٢٩٩/٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٢٣٧. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فلا يحلّ حتى ينحر هديه)) - على أن المعتمر، والمتمتّع إذا كان معه هدي، لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف، وسعى، وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء ساق الهدي، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تَحَلَّلَ من نسكه، فوجب أن يحلّ له كل شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة ﴿ّا، قالت: خرجنا مع رسول اللهِ وَله عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللّهِ وَل: ((من كان معه هدي، فليُهلّ بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً))، فهذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجوا بها، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. انتھی کلام النوويّ بتصرّف. وقال الشوكانيّ نَّلُهُ بعد أن ذكر نحو ما ذكره النوويّ من التأويل: ولا يخفى ما فيه من التعسّف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن المعتمر إذا ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر هديه هو الحقّ؛ لصحة الحديث بذلك، وتأويله على خلاف ظاهره تعسّف ظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ) سيأتي أنها حاضت بِسَرِف، وتمادى بها الحيض إلى يوم النحر (لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: لقوله ويقول لها: ((افعلي ما يفعل الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)). وقال القرطبيّ تَّهُ: إنما لم تطف بالبيت؛ لاشتراط الطهارة في الطواف، ولا بالصفا والمروة؛ لأن مشروعيته أن يكون على إثر طواف، وإنما امتنعت من ذلك لقول النبيّ و ◌َ﴿ كما جاء في الرواية الأخرى: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)). انتهى. ٤٥٣ (١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ) بضم القاف؛ أي: حُلّي شعره (وَامْتَشِطِي) أي: سرّحي شعرك بالْمُشْط (وَأَهِلِي بِالْحَجِّ) أي: مدخلةً له على العمرة، وحينئذ فتصير قارنةً بعد أن كانت متمتعة، وهو جائز بالإجماع، إذا كان قبل الطواف، وإنما فعلت ذلك؛ لأنه تعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها للحيض الطارئ المانع لها من الطواف، قاله وليّ الدين تَظّفُ(١). (وَدَعِي الْعُمْرَةَ))) أي: اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ظاهر هذا: أنه أمرها بأن تَرْفِض عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوت الحج: أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تُرْدِف الحج، وتكون قارنة، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور. وقد حمل هذا أصحابنا: على أنه وَلّ أمرها بالإرداف، لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعاً إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات : (أحدها): أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها فيها كما رخص لكعب بن عجرة (وثانيها): أن ذلك خاص بها، ولذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا، قديماً ولا حديثاً. (وثالثها): أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر وتسريح الشعر، ويتأيد بما في حديث جابر صابته: أنه وَ لّ قال لها: ((فاغتسلي، ثم أهلي بالحج)). وقد تركنا من التأويلات ما فيه بُعد، واكتفينا بما ذكرناه؛ لأنه أوفقها، والله تعالى أعلم. (١) ((طرح التثريب)) ٣٣/٥ - ٣٤. ٠ ٤٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال: فأما قوله: ((ودعي العمرة))؛ فمحمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((وأمسكي)) مكان ((ودعي))، وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله ويقول لها: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك))؛ وهذا نصٌّ على أن حكم عمرتها باقٍ عليها. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ. وخلاصة القول في المسألة أن الجمهور ذهبوا إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحج على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرداف الحج عليها، حتى تصير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعراً. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، والله تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالْمُشْط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ وَلّر، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع (١) ((المفهم)) ٣٠١/٣. ٤٥٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) شعرها، ويلزم من هذا نقضه. انتهى(١). وقال العلامة ابن القيّم تَخْذُّ: أما قوله: ((وانقضي رأسك، وامتشطي)) فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. [المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. [المسلك الرابع]: أن قوله: ((دعي العمرة)) أي: دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: ((يسعك طوافك لحجك، وعمرتك)). الثاني: قوله: ((كوني في عمرتك))، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المسلك الرابع هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ) عائشة ◌ِّا (فَفَعَلْتُ) أي: ما أمرها النبيّ ◌َّ من ترك أفعال العمرة، والامتشاط، والإهلال بالحجّ (فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ) أي: أديناه بإتمام أعماله (أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ بَّهِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) تقدمت ترجمته في ((الطهارة» ٩/ ٥٧٢. (إِلَى التَّنْعِيم) تفعيل بفتح التاء المثناة، وسكون النون، وكسر العين المهملة: موضع على ثلاثة أميال، أو أربعة من مكة، أقرب أطراف الحلّ إلى (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/٨. ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج البيت، سُمّي به لأن على يمينه جبل نُعيم - بضم النون - وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نَعمان - بفتح النون - قاله في (القاموس))(١). وقال في ((الفتح)): والتنعيم - بفتح المثناة، وسكون النون، وكسر المهملة - مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيّ، وقال المحبّ الطبريّ: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ فقد تجوّز، قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. ورَوَى الفاكهيّ من طريق عُبيد بن عمير قال: إنما سُمّي التنعيم؛ لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي نَعْمان. ورَوَى الأزرقيّ من طريق ابن جريج قال: رأيت عطاء يَصِفُ الموضع الذي اعتمرت منه عائشة ﴿ا، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الْخَرِب. ونَقَل الفاكهيّ، عن ابن جريج وغيره أن ثَمّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الْخَرِب الأدنى من الحرم، هو الذي اعتمرت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبريّ، وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. انتھی(٢). (فَاعْتَمَرْتُ) أي: أحرمت بها، وأديت أعمالها، قال القرطبيّ تَخَُّ: هذا إنما كان بعد أن رَغِبت في أن تُحرِم بعمرة مفردة بعد فراغها من حجتها وعمرتها المقرونين بدليل قولها في الرواية الأخرى: ((يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحجة))؛ تعني المتمتعين من الناس، وكما قالت في الرواية الأخرى: ((فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا)). انتهى(٣). (١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ١٨٢. (٣) ((المفهم)) ٣٠١/٣. (٢) ((الفتح)) ٢١/٥. ٤٥٧ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) وقال وليّ الدين نَّثُ: قد تبيّن في رواية أخرى في ((الصحيح)) سبب اعتمار عائشة رؤيا من التنعيم، وهو أنها قالت للنبيّ وَّر: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، وهو مشكلٌ إذ قد حصلت لها العمرة التي أدخلت عليها الحج، فإنها لم تبطلها كما تقدم. وأجيب عنه بأن معناه: يرجع الناس بحج مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حج، وأرجع وليست لي عمرة منفردة، حَرَصَت بذلك على تكثير الأفعال، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهنّ من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصلت لهم حجة منفردة، وعمرة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، وتقدم أنه وَ ﴿ قال لها يوم النفر: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك))؛ أي: وقد تَمّا وحُسِبا لك، فأبت، وأرادت عمرة منفردة كما حصل لبقية الناس، وهذا معنى قولها: ((مكان عمرتي التي سكتُّ عنها)) أي: التي سكت عن أعمالها، فلم أتمها منفردة، بل مضمومة للحج، وهو معنى قوله ﴿ في رواية أخرى: ((هذه مكان عمرتك)). انتهى(١). (فَقَالَ) وَِ («هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ))) قال الزركشيّ تَخُّْ: المشهور رفع ((مكانُ)) على الخبر؛ أي: عِوَضُ عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف، وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها. انتهى (٢). وقال السهيليّ: الوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكان العمرة أخرى، لكن إن جُعلت ((مكان)) بمعنى عِوَض، أو بدل مجازاً؛ أي: هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذ. انتهى (٣). (١) ((طرح التثريب)) ٣٤/٥. (٣) ((المرعاة)) ٩/ ٥٧. (٢) ((زهر الربى)) ١٦٧/٥. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال القرطبيّ تَخَُّهُ: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفساً بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافاً واحداً، وسعت سعياً واحداً، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالةَ تطييباً لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدّمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة؛ لِما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولم أحلل منها. انتهى(١). (فَطَافَ) أي: طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة عن الحجّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ((طاف)) (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: سعوا بينهما، قال القاري كَّتُهُ: الطواف يراد به الدور الذي يَشْمَل السعي، فصحّ العطف، ولم يُحتج إلى تقدير عامل، وجَعْلِه نظير: ((علفتها تبناً وماء بارداً)) (ثُمَّ حَلَّوا) أي: خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ) أي: للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى) أي: إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعاً لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولاً للقدوم، ثم يطوف طوافاً آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ ◌َلآله ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه وّله في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور، والله تعالى أعلم (لِحَجِّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى. (وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي: ابتداء، أو إدخالاً لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف (١) ((المفهم)) ٣٠١/٣ - ٣٠٢. ٤٥٩ (١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠) واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفية: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم، والثاني: طواف الإفاضة، والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في ((حاشيته على البخاريّ)): حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضاً طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعاً، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحاً عن ابن عمر ها، ففي ((صحيح مسلم)) عنه: ((وبدأ رسول الله وَ﴾، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ))، إلى أن قال: ((وطاف رسول الله وَ﴿ حين قدم مكة))، إلى أن قال: ((ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله صل18 من أهدى، وساق الهدي من الناس)). ثم ذكر حديث عائشة ﴿يا أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافاً واحداً، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضاً: قولها: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً))؛ أي: ما طافوا طواف الفرض إلا طوافاً واحداً، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أوّلاً كان طواف القدوم الذي هو من السنن، لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أوّلاً فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم تُرِد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلاً حين القدوم، أو ما طافوا آخراً بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ ◌َير كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبت أنه طاف أوّلاً حين قدم، وطاف ثانياً طواف الإفاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحداً ترك الطواف ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرّتين فرضاً، وطواف من لم يحلّ كان مرّة فرضاً، والله أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحداً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله السنديّ كَّتُهُ في معنى حديث عائشة ﴿ّا عنها المذكور تأويل نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﴿نا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩١٠/١٧ و٢٩١١ و٢٩١٢ و٢٩١٣ و٢٩١٤ و٢٩١٥ و٢٩١٦ و٢٩١٧ و٢٩١٨ و٢٩١٩ و٢٩٢٠ و٢٩٢١ و٢٩٢٢ و٢٩٢٣ و٢٩٢٤ و٢٩٢٥ و٢٩٢٦ و٢٩٢٧ و٢٩٢٨ و٢٩٢٩ و٢٩٣٠ و٢٩٣١ و٢٩٣٢ و٢٩٣٣ و٢٩٣٤ و٢٩٣٥] (١٢١١)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٢٩٤ و٣٠٥ و٣١٦ و٣١٧ و٣١٩)، و((الحجّ)) (١٥١٨ و١٥٥٦ و١٥٦٠ و١٥٦١ و١٦٣٨ و١٦٥٠ و١٧٠٩ و١٧٢٠ و١٧٨٣)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٥٠ و١٧٧٨ و١٧٧٩ و١٧٨١ و١٧٨٢)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٤٥)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٦٥/٥ و٢٤٦)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٦٣ و٢٩٨١ و٣٠٠٠ و٣٠٧٥)، و((الأضاحي)) (٣١٣٥)، و(مالك) في (الموظّإِ)) (٧٤٦ و٨٩٦ و٩٤٠ و٩٤١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٠/٢ و٣٥/٦ و٣٧ و١١٩ و١٦٣ و١٧٧ و٢٤٣ و٢٤٥)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٨٤٦ و١٩٠٤)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣٤٢/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦٠٥ و٢٧٤٤ و٢٧٨٤ و٢٧٨٨ و٢٧٨٩ و٢٩٤٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٩٢ و٣٧٩٥ و٣٨٣٤