Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٨) الَّبِيِّ وَّهِ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ الْوَحْيُ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ ◌َ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيَسُرَُّ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ، وَقَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، لَهُ غَطِيطٌ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ، قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ، أَوْ قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّك))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح) أسلم القُرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلُ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٤ - (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) التميميّ المكيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١١/١٦. ٥ - (أَبُوهُ) يعلى بن أميّة بن أبي عُبيدة بن همّام التميميّ، حليف قُريش، وهو يعلى ابن مُنية، وهي أمه، الصحابيّ الشهير، مات سنة بضع و(٤٠) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٥٧٣/١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف وَذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، فانفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ. ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، من عطاء، والباقيان بصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ صَفْوَانَ بْنٍ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) وفي نسخة: ((ابن مُنْيَةً)) - بضمّ المیم، وسكون النون، بعدها تحتانيّةٌ مفتوحة - وهي أمه، وقيل: جدّته (عَنْ أَبِيهِ) يعلى (رَُّّه) أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية للبخاريّ: ((جاء أعرابيّ)). قال الحافظ كَّتُهُ: لم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في ((الذيل)) عن ((تفسير الطرطوشيّ)) أن اسمه عطاء ابن منية، قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك، فهو أخو يعلى ابن منية راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي، فإنه من رواية عطاء، عن صفوان بن يعلى ابن منية، عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحداً . قال: ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقّن ما نصّه: هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سَوَاد، إذ في ((كتاب الشفا)) للقاضي عياض عنه، قال: أتيت النبيّ ﴿ وأنا متخلّقٌ، فقال: ((ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بيده في بطني، فأوجعني)) الحديث، فقال شيخنا: لكن عمرو هذا لا يُدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب. انتهى كلامه. قال: وهو معترض من وجهين: أما أوّلاً: فليست هذه القصّة شبيهة بهذه القصّة، حتى يُفسّر صاحبها بها . وأما ثانياً: ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبيّ وَل لا يُتخيّل فيه أنه صاحب ابن وهب، صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر، وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لم يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في ((الشفاء)) سواد بن عمرو، وقيل: سوادة بن عمرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في ((مصنّفه))، والبغويّ في ((معجم الصحابة)). وروى الطحاويّ من طريق أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنه مرّ على النبيّ ونَ﴾، وهو متخلّق، فقال: ((ألك امرأة؟))، قال: لا، قال: ((اذهب فاغسله))، فقد يَتَوهّم من لا خِبْرة له أن يعلى بن أميّة هو صاحب القصّة، وليس ٨٣ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٨) كذلك، فإن راوي هذا الحديث يعلى بن مرّة الثقفيّ، وهي قصّة أخرى، غير قصّة صاحب الإحرام. نعم روى الطحاويّ في موضع آخر أن يعلى بن أميّة صاحبُ القصّة، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرحمن هو ابن زياد الوضّاحيّ، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلاً يقال له: يعلى بن أمية أحرم، وعليه جبّة، فأمره النبيّ وَّ أن ينزعها، قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنّا نرى أن نشقّها، فقال عطاء: إن الله لا يُحبّ الفساد. انتهى كلام الحافظ تَخَذّلهُ(١). (إِلَى النَّبِيِّنَّهِ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) قال النوويّ ◌َُّهُ: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسكان العين، وتخفيف الراء، والثانية: كسر العين، وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعيّ، وأكثر أهل اللغة، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية، وتشديدها، والأفصح التخفيف، وبه قال الشافعيّ، وموافقوه. انتهى. وهو اسم موضع بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب. وقال الفيّوميّ كَُّ: ((الْجِعْرَانَةُ)): موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتَصَرَ عليه في ((البارع))، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في ((الْمُحْكَم))، وعن ابن المدينيّ: العراقيون يُتَقِّلون الجعرانة، والحديبية، والحجازيون يخففونهما، فأخذ به المحدِّثون، على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في ((الْمُحْكَم)) تقليداً له في الحديبية، وفي ((العباب)): والجعرانة: بسكون العين، وقال الشافعيّ: المحدِّثون يُخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ. انتهى (٢). (عَلَيْهِ مُبَّةٌ) بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة، قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: الْجُبّة: من الملابس معروفةٌ، والجمع: جُبَبٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى(٣). (١) ((الفتح)) ٤ /٤١٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٨٩/١. (٢) ((المصباح المنير)) ١٠٢/١. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وفي ((المعجم الوسيط)): الْجُبّة: ثوب سابغ، واسع الكمّين، مشقوق الْمُقَدَّم، يُلبس فوق الثياب، والدِّرْعُ. انتهى (١). (وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ) - بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام: نوع من الطيب يُعْمَلُ فيه زعفران، قاله النوويّ كَذَتُهُ(٢). وقال القرطبيّ تَظْلُهُ: الْخَلُوق بفتح الخاء: أخلاطٌ من الطيب، تُجمع بالزعفران. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ تَخْذَتُهُ: الْخَلُوق، مثلُ رَسُول: ما يُتَخَلَّق به، من الطيب، قال بعض الفقهاء: هو مائع فيه صُفْرَةٌ، والْخِلَاقُ، مثلُ كِتَاب بمعناه. انتهى (٤). وفي رواية عمرو عن عطاء الآتية: ((وهو متضمّخ بالخلوق))، وفي لفظ: ((وأنا متضمّخٌ بالخلوق))، وفي رواية ابن جريج عن عطاء: ((مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ))، وهو: بالضاد، والخاء المعجمتين؛ أي: متلوّثٌ به، مكثرٌ منه، يقال: تضمّخ بالطيب: إذا تلطّخ، وتلوّث به. وفي رواية قيس بن سعد، عن عطاء: ((وهو مصفّرٌ لحيته، ورأسه))؛ أي: وهو بتشديد الفاء المكسورة؛ أي: مستعملٌ للصفرة في لحيته، وتلك الصفرة هي الْخَلُوق. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ) - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء: هو الْخَلُوق المذكور. (فَقَالَ) الرجل (كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟) وفي رواية ابن جُريج: ((كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في حُبّة بعدما تضمّخ بطيب؟)) وفي رواية قيس: ((فقال: يا رسول الله إني أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى)) (قَالَ) يعلى (وَأَنْزِلَ) بالبناء للمفعول (عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ الْوَحْيُ) أي: حامله، وهو جبريل [تنبيه]: قال في ((الفتح)): لم أقف في شيء من الروايات على بيان الْمُنْزَل حينئذ من القرآن، وقد استدلّ به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلَى، لكن وقع عند الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق أخرى أن المنزل (١) ((المعجم الوسيط)) ١٠٤/١. (٣) ((المفهم)) ٢٥٩/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٦/٨ - ٧٧. (٤) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨٠. ٨٥ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٨) حينئذ قوله تعالى: ﴿وَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئآت والصفات، والله أعلم. (١) انتھی(١). وقال في موضع آخر: ويستفاد منه أن المأمور به، وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة. انتهى. (فَسُتِرَ) بالبناء للمفعول أيضاً (بِثَوْبٍ) سيأتي في رواية رباح بن أبي معروف، عن عطاء أن الذي ستره هو عمر بن الخطّاب وظفته، ولفظه: ((وكان عمر يستره إذا أُنزل عليه الوحي يُظلّه)) (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ) بكسر الدال الأول؛ أي: تمنّيت (أَنِّي أَرَى) بالبناء للفاعل (النَّبِيَّ ◌ََّ) وقوله: (وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((النبيّ ◌ِّي))، وفي رواية رباح: ((فقلت لعمر وّه: إني أُحبّ إذا أُنزل عليه الوحي أن أُدخل رأسي معه في الثوب))، وفي رواية ابن جريج: ((أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطّاب نظراته: ليتني أرى نبيّ الله وَ ﴿ حين يُنْزَل عليه)). (قَالَ) يعلى (فَقَالَ) فيه حذف الفاعل، وهو عمر بن الخطّاب ◌ُه بيّنته الروايات الأخرى، ويدلّ عليه أيضاً قوله الآتي: ((فرفع عمر ... إلخ)). وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((فقال: أيسُرّك ... إلخ)) هكذا هو في جميع النسخ: ((فقال: أيَسُرُّك))، ولم يبين القائلَ من هو؟ ولا سَبَقَ له ذِكْرٌ، وهذا القائل هو عمر بن الخطاب رضاه، كما بيّنه في الرواية التي بعد هذه. انتهى(٢). (أَيَسُرَُّكَ) بفتح أوله، وضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، يقال: سَرّه يَسُوُّهُ سُرُوراً بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرَّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسان، والجمع: الْمَسَارٌ، قاله الفيّوميّ ◌َُّ(٣). (أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِّ وََّ) وقوله: (وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟) في محل نصب على الحال كالسابق (قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ) بن الخطّاب (طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) وَِّ (لَهُ غَطِيطٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الطاء: صوت النائم، أو الْمُغْمَى عليه الذي يُردّده مع (١) ((الفتح)) ٣٢/٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٧٤/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٨/٨. ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج نفسه (قَالَ) الراوي (وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) - بفتح، فسكون -: هو الفَتِيّ من الإبل، وسبب هذا الغطيط: شدّة الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٥]. وفي ((الصحيحين)) عن عائشة مؤثًّا، أنها قالت: ((ولقد رأيته وَّل﴿ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقاً)). (قَالَ) يعلى (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) بضمّ أوله، وتشديد الراء مبنيّاً للمفعول؛ أي: أزيل، وكُشف عنه وَلّ ما اعتراه بسبب شدّة الوحي شيئاً بعد شيء (قَالَ) وَ ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟) وفي رواية ابن جُريج: (فَقَالَ: ((أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عن العمرة آنِفاً؟))) بالمدّ، والقصر، كَكَتِفٍ، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿ مَاذَا قَالَ ءَائِقًا﴾ [محمد: ١٦] أي: مذ ساعة؛ أي: في أوّل وقت يقرُبُ منّا، قاله في ((القاموس)). (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ) وفي رواية ابن جريج: ((فالْتُمِس الرجل، فجيئ به، فقال النبيّ وَّ: ((أما الطيب، فاغسله ثلاث مرّات)). وفي رواية الشيخين: (فاغسله ثلاث مرّات)). قال القاضي عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبيّ وَلّر، فيكون نصّاً في تكرار الغسل. ويحتمل أنه من كلام الصحابيّ، وأنه ◌َّ أعاد لفظ ((اغسله)) ثلاث مرّات على عادته أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاث مرّات لتُفهم. انتهى. وفي رواية للبخاريّ: قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرّات؟ فقال: نعم. قال الحافظ: القائل هو ابن جريج، وهو دالّ على أنه فهم من السياق أن قوله: ((ثلاث مرّات)) من لفظ النبيّ وَلّ، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابيّ، وأنه ◌َّ أعاد لفظة ((اغسله)) مرّة، ثم مرّة على عادته أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ لتُفهم عنه. نبّه عليه عياضٌ. انتهى. وفي رواية أبي داود، والبيهقيّ: ((أمره أن ينزعها نزعاً، ويغتسل مرّتين، أو ثلاثاً)). قال النوويّ: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه، وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرّة كفت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيّده قوله: ((متضمٌّ)). ٨٧ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٨) قال القاضي: ويحتمل أنه قال له ثلاث مرّات: ((اغسله))، فكرّر القول ثلاثاً. والصواب ما سبق. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: صوّب النوويّ كون ((ثلاث مرات)) من لفظ النبيّ وَلَّ، وهو الحقّ، فعلى هذا ففي قوله: ((فإن حصلت بمرة كفت، ولم تجب الزيادة)) نظر لا يخفى، بل الظاهر لزوم الثلاث، عملاً بظاهر الأمر، فتأمّل. والله تعالى أعلم. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ) أي: قال: اغسل أثر الخلوق. قال النوويّ تَخْذَلُهُ: فيه تحريم الطيب على المحرم ابتداءً ودواماً؛ لأنه إذا حَرُم دواماً فالابتداء أولى بالتحريم. وفيه أن العمرة يحرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج. وفيه أن من أصابه طيبٌ ناسياً، أو جاهلاً، ثم عَلِمَ وجبت عليه المبادرة إلى إزالته. وفيه أن من أصابه في إحرامه طيب ناسياً، أو جاهلاً لا كفّارة عليه، وهذا مذهب الشافعيّ، وبه قال عطاءٌ، والثوريّ، وإسحاق، وداود، وقال مالك، وأبو حنيفة، والمزنيّ، وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، لكن الصحيح من مذهب مالك أنه إنما تجب الفدية على المتطيِّب ناسياً، أو جاهلاً إذا طال لبثه عليه. انتهى(١). (وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَك) أي: انزعها فَوْراً، وأخرجها من رأسك، قال النوويّ كَُّ: فيه دليلٌ لمالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، والجمهور أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه، ولا يلزمه شَقّه، وقال الشعبيّ، والنخعيّ: لا يجوز نزعه؛ لئلا يصير مُغَطّياً رأسه، بل يلزمه شَقّه، وهذا مذهب ضعيف. انتهى (٢). (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ))) قال النوويّ رَّتُهُ: معناه من اجتناب المحرمات، ويَحْتَمِل أنه ◌َ # أراد مع ذلك الطواف، والسعي، (١) (شرح النوويّ)) ٨/ ٧٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٧/٨. ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والحلق بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية، وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويُخَصّ من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج، كالوقوف، والرمي، والمبيت بمنى ومزدلفة، وغير ذلك. انتهى(١). وفي رواية عمرو التالية: ((فقال النبيّ وَلّ: ما كنت صانعاً في حجّك؟ قال: كنت أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عنيّ هذا الخلوق، فقال له النبيّ وَلَّه : ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك)). وهذا يدلّ على أن ذلك الرجل كان عالِماً بصفة الحجّ دون العمرة قبل ذلك، فلهذا قال له وَّ: ((واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)). قال ابن العربيّ: كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبيّ وَلي أن مجراهما واحد. وقال ابن المنيّر في ((الحاشية)): قوله: ((اصنع)): معناه اترك؛ لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة، وهي أن الترك فعل، قال: وأما قول ابن بطال: أراد الأدعية، وغيرها مما يشترك فيه الحجّ والعمرة، ففيه نظر؛ لأن التروك مشتركة، بخلاف الأعمال، فإن في الحجّ أشياء زائدة على العمرة، كالوقوف، وما بعده. وقال النوويّ كما قال ابن بطّال، وزاد: ويُسْتَثَنَى من الأعمال ما يختصّ به الحجّ. وقال الباجيّ: المأمور به غير نزع الثوب، وغسل الخلوق؛ لأنه صرّح له بهما، فلم يبق إلا الفدية. قال الحافظ: كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبيّن من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم، والنسائيّ من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، في هذا الحديث: فقال: ((ما كنت صانعاً في حجك؟))، قال: أنزع هذه الثياب، وأغسل عنّي هذا الخلوق، فقال: ((ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك)). انتهى. (١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٧٧ - ٧٨. ٨٩ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٨) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي دلّت عليه هذه الرواية هو التفسير الصحيح لقوله وير: ((واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك))؛ لأن هذه الرواية بيّنت الاختصار الواقع في الحديث، فما قاله كلّ من ابن المنيّر، وابن بّال، والنوويّ، والباجيّ، من التفسير مبنيٌّ على عدم انتباههم إلى هذه الرواية الموضحة للمراد من الحديث. والحاصل أنه ◌َ * سأله عما كان يصنع في حجه بالنسبة للجبّة، والخلوق، فكأنه قال له: ماذا تصنع إذا أحرمت بالحجّ، وعليك جبة، وخلوق؟ فقال: أُبعدهما عنّ بالنزع، والغسل، فقال: ((ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك))؛ أي: لأنه لا فرق بينهما في هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث يعلى بن أميّة هذا متّفق عليه . عنه (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٩٨/١ و٢٧٩٩ و٢٨٠٠ و٢٨٠١ و٢٨٠٢] (١١٨٠)، و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٥٣٦ تعليقاً و١٧٨٩ و١٨٤٨) و((المغازي)) (٤٣٢٩) و((فضائل القرآن)) (٤٩٨٥)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (٨٢١ و٨٢٢ و١٨١٩ و١٩٢٠)، و(الترمذيّ)) في ((الحجّ)) (٨٣٥ و٨٣٦)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٣٠/٥ و١٤٢ - ١٤٣) وفي ((الكبرى)) (٣٦٤٨ و٣٦٨٩ و٣٦٩٠)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦٥٦)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٣٢٨/١ -٣٢٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣١٢/١ و٣١٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٣٢٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٩٠ و٧٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٢/٤ و٢٢٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٤٤٧ و٤٤٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٥٤/٢٢ و٦٥٥ و٦٥٦ و٦٥٧ و٦٥٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٧٨ و٣٧٧٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦٥/٣ - ٢٦٦)، و(الدار قطنيّ) في (سننه)) (٢٣١/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٦/٥ - ٥٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٧٩)، والله تعالى أعلم. ٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم لبس الجبّة في حالة الإحرام، وهو ما بيّنه في الحديث، وذلك وجوب نزعه في الحال. ٢ - (ومنها): أن بعض الأحكام ثبت بالوحي، وإن لم يكن مما يتلى، لكن وقع في ((الأوسط)) للطبرانيّ أن الذي نزل على النبيّ وَّ قوله تعالى: ﴿وَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ الآية. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّتُهُ: في هذا الحديث دليل للقاعدة المشهورة أن القاضي والمفتي اذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه أو يظنه بشرطه. انتهى. ٤ - (ومنها): أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى. ٥ - (ومنها): ما قيل: إنه يستدلّ به على أن النبيّ وَل ﴿ لم يكن يحكم بالاجتهاد، إلا إذا لم يحضره الوحي، قال النوويّ كَّلُهُ: ولا دلاله فيه؛ لأنه يحتمل أنه ويقي لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك، أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أنه له وَ ل﴿ اجتهاداً، وإنما هذا في بعض الوقائع، كما وجّهه النوويّ رَّتُهُ في كلامه آنفاً، وقد حقّقت البحث في هذا في ((التحفة المرضيّة)) و((شرحها)) في الأصول، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أن المفتي، والحاكم إذا لم يعرفا الحكم أمسكا عنه حتى يتبيّن لهما . ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من منع استدامة الطيب بعد الإحرام؛ للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وأجاب الجمهور بأن قصّة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث، وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة ◌ُها أنها طيّبت رسول اللّه و ◌َل بيديها عند إحرامه، كما سيأتي، وكان ذلك في حجة الوداع، سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من الأمر. ٩١ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٨) وبأن المأمور بغسله في قصّة يعلى إنما هو الْخَلُوق، لا مطلق الطيب، فلعلّ علّة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقاً، محرماً، وغير محرم. وتقدّم في حديث ابن عمر ظًّا: ((ولا يلبس من الثياب شيئاً مسّه ورسٌ أو زعفران)). وفي حديث ابن عبّاس ◌ِّها: ((ولم يُنْهَ إلا عن الثياب المزعفرة))، والأصح ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد بسط في هذا قريباً - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): أن من أصابه طيب في إحرامه، ناسياً، أو جاهلاً، ثم علم، فبادر إلى إزالته، فلا كفّارة عليه، وهو المذهب الراجح. وسيأتي أيضاً بيان الخلاف في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ٩ - (ومنها): أن من أحرم وهو لابس مخيطاً، كالجبة، والقميص، جهلاً، أو نسياناً لزمه نزعه، وليس عليه تمزيقه، ولا شقّه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا يلزمه دم، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيمن أحرم، وعليه جبّة، أو قميص، هل ينزعه، أو يشقّه؟: ذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى أنه ينزعه، ولا يشقّه، وهو قول عطاء، وطاوس، وبه قال مالك، وأصحابه، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والثوريّ، وسائر فقهاء الأمصار، أصحاب الرأي والآثار. وذهبت طائفة إلى أنه لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال، بل يشقّه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك لا يجوز. وممن قال بذلك الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وأبو قلابة، وسعيد بن جبير، على اختلاف عنه. وروي عن عليّ نحوه. قال الحافظ أبو عمر تَخُّْهُ: وحجّتهم ما رواه عبد الرزّاق، عن داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لَبِيبة، أنه سمع ابني جابر بن عبد الله، ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج يحدّثان عن أبيهما رَظُه قال: بينما النبيّ وَّ جالسٌ مع أصحابه شقّ قميصه، حتى خرج منه، فقيل له؟ فقال: ((واعدتهم يقلّدون هديي اليوم، فنسيت)). ورواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن عبد الملك، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ وَلّل، وزاد: ((فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي))، وكان بعث ببُدْنه، وأقام بالمدينة. واحتجّ الجمهور بحديث يعلى بن أميّة ◌ُبه المذكور في الباب، قال أبو عمر: ولا خلاف بين أهل الحديث أنه حديث صحيح، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء، وهو ضعيفٌ لا يُحتجّ به، وهو مردود أيضاً بحديث عائشة رضيّ، أنها قالت: «كنت أفتل قلائد هدي رسول اللّه وَلّر، ثم يقلّده، ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء، أحلّه الله له، حتى ينحر الهدي))، متّفق علیه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما قاله الجمهور، من أن من أحرم جاهلاً، أو ناسياً بقميص، أو جبة، أو نحوهما عليه نزعه، نزعاً معتاداً، ولا يشقّه، ولا يخرقه؛ لحديث يعلى نظُبه هذا، وأما ما احتجّ به المخالفون فمما لا يُلتفت إليه؛ لعدم صحته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في خلاف العلماء في لزوم الفدية من لبس ناسياً أو جاهلاً : ذهب الأئمة: عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود - رحمهم الله تعالى - إلى أن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه، كالقميص، والجبة، والقباء، ونحوها جاهلاً، أو ناسياً، فبادر إلى نزعه، لا فدية عليه. وذهب الإمام أبو حنيفة، والمزنيّ في رواية عنه إلى أنه يلزمه إذا غطّى رأسه متعمّداً، أو ناسياً يوماً إلى الليل، فإن كان أقلّ من ذلك، فعليه صدقة يتصدّق بها . وذهب الإمام مالك إلى الفرق بين من بادر، فنزع، فلم يوجب عليه الفدية، وبين من تمادى وطال لبسه، فأوجبها عليه. ٩٣ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩٩) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون هو الحقّ؛ لحديث يعلى ربه المذكور في الباب، حيث لم يأمره النبيّ وَل ◌ّ بالفدية، ولو كانت الفدية لازمة له لبيّنها له النبيّ وَّلإر؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَّى النَّبِيَّ ◌َِّ رَجُلٌ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا عِنْدَ النَّبِّ وَِّ، وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ، بَعْنِي جُبَّةً، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخْ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَِّ: ((مَا كُنْتَ صَانِعاً فِي حَجَِّكَ؟)) قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَِّيُّ وَِّ: ((مَا كُنْتَ صَانِعاً فِي حَجَِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، و((سفيان)) هو ابن عيينة، و((عمرو)) هو: ابن دينار، و((عطاء)) هو: ابنِ أبي رَبَاح. وقوله: (وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ) بضمّ الميم، وفتح الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة، وأوضحه بقوله: ((يعني جبّة)). وقال في ((النهاية)): أي: ثياب قصارٌ؛ لأنها قطعت عن بلوغ التمام، وقيل: المقطّع من الثياب: كلّ ما يفصل، ويُخاط من قميص، وغيره، وما لا يقطّع منها كالأزُر، والأردية. انتهى (١). (١) ((النهاية)) ٨١/٤. ٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقال السنديّ دَّتُهُ: الْمُقَطَّع من الثياب: الْمُفصَّل على البدن؛ أي: الذي يفضَّل أوّلاً على البدن، ثم يُخاط، من قميص، أو غيره. انتهى(١). وقوله: (وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ) بالضاد والخاء المعجمتين؛ أي: متلوِّثٌ به، مُكثرٌ منه . وقوله: (بِالْخَلُوقِ) بفتح الخاء المعجمة، آخره قاف: طيب مركّبٌ يُتّخَذ (٢) من الزعفران وغيره . وقوله: (مَا كُنْتَ صَانِعاً فِي حَجِّكَ؟) ((ما)) استفهاميّة، وهو سؤال منه وَّ عن الذي يصنعه تَخْتُ إذا أحرم بالحجّ؛ أي: أيُّ شيء كنت تصنعه؟ وهذا يدلّ على أن الرجل كان عالِماً بمحظورات الحجّ، وإنما يجهل محظورات العمرة. وقال الباجيّ تَخْتُهُ: هذا يقتضي أنه وََّ عَلِم من حال السائل أنه عالمٌ بما يُفعل في الحجّ، وإلا فلا يصحّ أن يقول له ذلك؛ لأنه إذا لم يعلم ما يَفْعَل الحاجّ لم يُمكنه أن يمتثله المعتمر. انتهى(٣). وقوله: (أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ القِّيَابَ) بكسر الزاي، يقال: نزعته من موضعه نَزْعاً، من باب ضرب: قَلَعته، وانتزعته مثله(٤). وقوله: (مَا كُنْتَ صَانِعاً ... إلخ) ((ما)) هنا موصولة مبتدأ، خبره جملة ((فاصنعه))، أو هو من باب الاشتغال. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ء (١) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ١٤٢/٥. (٢) ((زهر الربى على المجتبى)) ١٤٢/٥ - ١٤٣. (٣) راجع: ((المرعاة)) ٣٤٨/٩. (٤) ((المصباح المنير)) ٦٠٠/٢. ٩٥ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠٠) عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ بَعْلَى كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَبُهُ: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ نَّهِ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ◌َهُ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ ثَوْبُ، قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ، مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ(١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ، بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ نَّهِ سَاعَةً، ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ◌َِّ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفاً؟)) فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَمَّ الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ))). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قريباً ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((إسماعيل بن إبراهيم)) هو: ابن عُليّة، و((عيسى)) هو: ابن يونس بن أبي إسحاق، و((عطاء)) هو: ابن أبي رَبَاح. وقوله: (أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ ... إلخ) ظاهر هذه العبارة توهم الانقطاع؛ لأن صفوان لم يقل: أخبرني يعلى، إلا أن الرواية السابقة بيّنت أنه أخذه عنه، حيث قال: ((عن صفوان بن يعلى، عن أبيه))، فإنها ظاهرة في الاتّصال، وأما ما قاله في ((الفتح)): وليست رواية صفوان عن يعلى لهذا الحديث بواضحة؛ لأنه قال فيها: ((أن يعلى قال لعمر))، ولم يقل: أن يعلى أخبرني أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجعتهما، وإلا فهو منقطع، لكن سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر ((عن صفوان بن يعلى، عن أبيه))، فذكر الحديث. انتهى، ففيه نظر لا يخفى، فتأمله، والله تعالى وليّ التوفيق. (١) وفي نسخة: ((رجلٌ عليه جبةٌ متضمّخٌ بطيب)). ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقوله: (لَيْتَنِي أَرَى ... إلخ) أتمنّى رؤية النبيّ وَّل. وقوله: (قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ) بضمّ أوله مبنيّاً للمفعول؛ أي: جُعل عليه کالظُلّة. وقوله: (يَغِطَ) بفتح أوله، وكسر الغين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة؛ أي: ينفُخ، والغطيط: صوت النفَس المتردّد من النائم، أو الْمُغْمَى عليه، وسببه شدّة ثقل الوحي، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَتُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا وقوله: (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) - بضمّ السين، وتشديد الراء، مبنيّاً للمفعول؛ أي: أُزيل ما به، وكشف عنه شيئاً بعد شيء. وقوله: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ، فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) هو أعمّ من أن يكون الطيب بثوبه، أو ببدنه، قاله في (الفتح))(١). وقال النوويّ تَّتُهُ: إنما أمره بالثلاث مبالغةً في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة، فإن حَصَلت بمرّة كَفَت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثيرٌ، ويؤيّده قوله: ((متضمّخٌ))، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أنه قال له ثلاث مرّات: ((اغسله))، فكرّر القول ثلاثاً، والصواب ما سبق. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فإن حصلت بمرّة كَفَت)) فيه نظر، فتأمله، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْساً، يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ رَز ◌ُله : (١) ((الفتح)) ٤١١/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٩/٨. ٩٧ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يَُّاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠١) أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي أَخْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَا كَمَا تَرَى، فَقَالَ: ((انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعاً فِي حَجِّكَ، فَاصْتَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم(١) الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م . ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل بابین. ٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِّيْرِ بْنِ حَازِم) الأزديّ، أبو عبد الله أو أبو العباس البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، والد وهب، ثقةٌ، إلا في قتادة [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦. ٥ - (قَيْسُ) بن سعد المكيّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١١) (خت م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. والباقون ذُكروا قبله، و((عطاء)) هو: ابن أبي رَبَاح. [تنبيه]: انتقد الدار قطنيّ كَّلُ هذا الإسناد، والذي يليه، فقال: اتفقا على حديث عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، حديث الجبة في الإحرام، وفيه: ((واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)) من حديث ابن جريج، وهَمّام، وغيرهما عن عطاء، ورواه الثوريّ عن ابن جريج، وابن أبي ليلى جميعاً عن عطاء، عن يعلى بن أمية مرسلاً، وكذا قال قتادة، ومطر الوراق، ومنصور بن زاذان، وعبد الملك بن سليمان، وغير واحد عن عطاء، ليس فيه صفوان. وتعقّبه الحافظ كَّتُهُ، فقال: قلت: في رواية ابن جريج: أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى أخبره، عن يعلى به، ورواية جميع مَن ذَكَره عن عطاء، عن يعلى معنعنة، فدَلّ على أنه لم يروه عن يعلى إلا بواسطة ابنه، وابن جريج (١) بضم الميم، وفتح الراء، بصيغة اسم المفعول. ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج من أعلم الناس بحديث عطاء، وقد صَرّح بسماعه منه، فالتعليل بمثل هذا غير مُتَّجِهِ، كما قدمنا غير مرة. انتهى كلام الحافظ تَخَذَتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ تَّتُهُ في هذا التعقّب، وحاصله أن صنيع مسلم في إيراده هذه الرواية من طريق عمرو بن دينار، وقيس بن سعد، ورباح بن أبي معروف، كلهم عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، متّصلاً بذكر صفوان بين عطاء، ويعلى صحيحة، وذلك لأن ابن جُريج أعلم الناس بحديث عطاء، وقد ذكر في روايته أن عطاء أخبره، أن صفوان بن يعلى أخبره ... إلخ، فصرّح بسماعه منه، فتبيّن به أن عطاء لم يروه عن يعلى إلا بواسطة صفوان، فتأيّد بهذا أن ذكر عمرو، وقيس، ورباح في روايتهم صفوان صحيح، وأن الرواية متّصلة به. على أن مثل هذا الإرسال لا يضرّ؛ لأن الحديث صحيح متّصل من رواية همام، وابن جريج، كلاهما عن عطاء، عن صفوان، عن أبيه يعلى، كما اتّفق عليه الشيخان، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ) بتشديد الفاء المكسورة؛ أي: مستعمل للصفرة في لحيته ورأسه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ رَبِهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُظِلُّهُ، فَقُلْتُ (١) ((هدي الساري مقدّمة فتح الباري)) ٣٥٧/١. ٩٩ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٨٠٢) لِعُمَرَ حِبُهُ: إِنِّي أُحِبُّ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، أَنْ أُدْخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ خَمَّرَهُ عُمَرُ ◌َهَ بِالثَّوْبِ، فَجِثْتُهُ، فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ آنِفاً عَنِ الْعُمْرَةِ؟»، فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: ((انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ، وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا كُنْتَ فَاعِلاً فِي حَجِّكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الحنفيّ البصريّ، صدوقٌ، لم يَثْبُت أن يحيى بن معين ضعّفه [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٥١/٤٠. ٣ - (رَبَاحُ(١) بْنُ أَبِي مَعْرُونٍ) بن أبي سَارَة المكيّ، صدوقٌ له أوهام [٧]. رَوَى عن عطاء، وقيس بن سعد، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وأبي الزبير، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوريّ، وأبو أحمد الزبيريّ، ووكيع وابن أبي فُديك، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان عبد الرحمن يحدّث عنه، ثم تركه، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عمار، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صالح، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: ما أرى برواياته بأساً، ولم أجد له شيئاً منكراً، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال الساجيّ عن أحمد: كان صالِحاً، وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التقَشُّف، ولزوم الورع، وكان يَهِمُ في الشيء بعد الشيء، وذكره في ((الثقات)) أيضاً، وقال: كان ممن يُخطئ ويَهِمُ. (١) بفتح الراء، والموحّدة المخفّفة. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٨٠) و(١٢٠٨) و(١٥٣٦). والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ) أي: لم يردّ عليه الجواب. وقوله: (خَمَّرَهُ عُمَرُ رَبُهُ بِالثَّوْبِ) أي: غطّاه. وقوله: (فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ ... إلخ) قال النوويّ كَُّ: إدخال يعلى رأسه، ورؤيته النبيّ وَّ في تلك الحال، وإذن عمر له في ذلك، محمول على أنهم عَلِموا من النبيّ وَّهِ أنه لا يَكْرَه الاطلاع عليه في ذلك الوقت، وتلك الحال؛ لأن فيه تقويةَ الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٢) - (بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) قال النوويّ كَّلُ: ذكر مسلم تَّثُ في هذا الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس ◌ًّا أكملها؛ لأنه صَرَّح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله وَ خلقه، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر ظها؛ لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغاً، ثم حديث جابر؛ لأن أبا الزبير قال: أحسب جابراً رفعه، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعاً. انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٠٣] (١١٨١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَام، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَنْيَةُ، جَمِيعاً عَنْ حَمَّدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمَّرِو بْنِ (١) ((شرح النوويّ)) ٨٠/٨. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٨١.