Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (٢) - بَابُ مَتَى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الإِعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ - حديث رقم (٢٧٨٥) ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحيى. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرَةَ) في رواية الأوزاعيّ عند البخاريّ، عن يحيى بن سعيد: ((حدّثتني عمرة بنت عبد الرحمن)) (عَنْ عَائِشَةَ ﴿ّ) أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ) بضم الميم، بصيغة اسم المفعول: أي محلّ اعتكافه، وفي رواية البخاريّ: ((فيصلي الصبح، ثم يدخله))، وفي رواية له: ((كان يعتكف في كلّ رمضان، فإذا صلّى الغداة دخل)). واستُدلّ به على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار، وسيأتي نقل الخلاف فيه. (وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ) بكسر المعجمة، ثم موحّدة: ما يُعمل من وَبَر، أو صوف، وقد يكون من شعر، والجمع أخبيةٌ بغير همز، مثلُ كساء وأَكسية، ويكون على عمودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت، قاله الفيّوميّ(١). (فَضُرِبَ) بالبناء للمفعول، وقد بيّنت في رواية البخاريّ أنها الضاربة له، ولفظه: ((كان النبيّ ◌َ﴿ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباءه)) . وقوله: (أَرَادَ الإِعْتِكَافَ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير ((أَمَرَ)) (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا) وفي رواية البخاريّ من طريق حماد بن زيد، عن يحيى: ((فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباءً، فأذنت لها، فضَرَبت خباءً، فلما رأته زينب بنت جحش ضَرَبت خباءً آخر)»، وفي رواية له من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى: ((فاستأذنته عائشة، فأَذِن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت))، وفي رواية ابن فضيل، عن (١) ((المصباح المنير)) ١٦٣/١. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف يحيى: ((فاستأذنت عائشة أن تعتكف، فأَذِن لها، فضَرَبت قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبةً))، زاد في رواية عمرو بن الحارث: ((لتعتكف معه))، وهذا يشعر بأنها فعلت ذلك بغير إذن، لكن رواية ابن عيينة عند النسائيّ: ((ثم استأذنته حفصة، فأذن لها))، وقد ظهر من رواية حماد، والأوزاعيّ أن ذلك . كان على لسان عائشة وقوله: «فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر»، وفي رواية ابن فضيل: ((وسمعت بها زينب، فضَرَبت قبة أخرى))، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((فلما رأته زينب ضربت معهنّ، وكانت امرأة غَيُوراً))، قال الحافظ تَخُّْ: ولم أقف في شيء من الطرق أن زينب استأذنت، وكان هذا هو أحد ما بَعَث على الإنكار الآتي. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثبت في رواية النسائيّ في ((الكبرى)) من طريق ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد: أنها استأذنت، فتنبه. (فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَهَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ) هكذا النسخ بتذكير الضمير، ولعله نظراً للفظ ((غيرها))، وقد أورد الحديث في ((الفتح)) من رواية مسلم بلفظ: ((بخبائها)»، وهو الظاهر. وقوله: (وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّ ... إلخ) هذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك، وليس كذلك، وقدَ فُسِّرت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة، وحفصة، وزينب فقط، وبَيَّن ذلك قوله في رواية البخاريّ من طريق ابن فُضيل، عن يحيى: ((فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب))، يعني قبة له وثلاثاً للثلاثة، وفي رواية ابن عيينة عند النسائيّ: ((فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية، قال: لمن هذه؟ قالوا: لعائشة، وحفصة، وزينب)). (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِوَّةِ الْفَجْرَ نَظَرَ، فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ) ((إذا)) هي الفُجائيّة، و((الأخبية)) مبتدأ حُذف خبره؛ أي: مضروبة، أي فلما نظر فاجأه وجود الأخبية. وفي رواية البخاريّ من طريق مالك عن يحيى: ((فلما انصرف إلى المكان (١) ((الفتح)) ٤٨٢/٥. ٢٣ (٢) - بَابُ مَتَّى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الِعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ - حديث رقم (٢٧٨٥) الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية))، وفي رواية الأوزاعيّ: ((وكان رسول الله وَه إذا صلی انصرف إلى بنائه الذي بُني له ليعتكف فيه)). (فَقَالَ: ((الْبِرَّ) أي الطاعة، وهو بهمزة استفهام ممدودة، وبغير مدّ ونصب ((البِرَّ)) على أنه مفعول مقدّم لقوله: (تُرِدْنَ؟))) بضم أوله، من الإرادة، وفي رواية مالك: ((آلبر تقولون بهنّ؟)): أي تظنون، و((تقول)) يكون بمعنى ((تظنّ))، ويُجرى مجراها، فينصب المبتدأ والخبر مفعولين، قال الأعشى: أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدٍ فَمَتَى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا أي: تَظُرّ، ومنه قوله: مَتَى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا يَحْمِلْنَ أُمَّ قَاسِم وَقَاسِمَا أي: تَظُنُّ، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)» بقوله: مُسْتَفْهَماً بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ وَكَـ((تَظُنُّ) اجْعَلْ ((تَقُولُ)) إِنْ وَلِي وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ بِغَيْرٍ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ عِنْدَ سُلَيْمِ نَحْوُ ((قُلْ ذَا مُشْفِقَا))(١). وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُظْلَقًا ووقع في رواية الأوزاعيّ عند البخاريّ: ((البر أردن بهذا؟))، وفي رواية ابن عيينة: ((آلبر تقولون يُرِدْنَ بهذا؟))، والخطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم، وفي رواية ابن فُضيل: «ما حملهنّ على هذا؟ آلبرُ؟ انزعوها، فلا أراها، فتُزِعت))، و((ما)) استفهامية، و((آلبُ)) في هذه الرواية مرفوع، وقوله: ((فلا أراها)) زعم ابن التين أن الصواب حذف الألف من ((أراها)) قال: لأنه مجزوم بالنهي، وليس كما قال، قاله في ((الفتح))(٢). وقال الإمام ابن عبد البرّ تَخُّ: وأما قوله في حديث مالك: ((البر تقولون بهنّ؟)) فمعناه تظنون بهنّ البرّ، وأنا أخشى عليهنّ أن يُرِدن الكون معي على ما يريد النساء من الانفراد بالأزواج في كل حين، وإن لم يكن حين جماع، فكأنهنّ مع إرادتهن لذلك لم يكن اعتكافهن خالصاً لله تعالى، فكَرِه لهنّ ذلك، وهو معنى قوله في غير حديث مالك: ((البر تُرِدْنَ - أو يُردن)، كأنه توبيخ؛ أي: (١) راجع: ((الخلاصة))، و((حاشية الخضري)) ٢٢٧/١ - ٢٢٩. (٢) ((الفتح)) ٤٨٣/٥. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف ما أظنهنّ يُرِدن البرّ، وقد يجوز أن يكون رسول الله وَ ﴿ كَرِه لأزواجه الاعتكاف؛ لشدة مؤنته؛ لأن ليله ونهاره سواء. انتهى(١). وقال القاضي عياض ◌َخْذُهُ: قوله: ((البرّ تُردن؟)) هذا الكلام إنكار الفعلهنّ، وقد كان ◌َّ أَذِن لبعضهنّ في ذلك، كما رواه البخاريّ، قال: وسبب إنكاره أنه خاف أن يكنّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهنّ، فكره ملازمتهنّ المسجد، مع أنه يجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنّ محتاجات إلى الخروج والدخول؛ لما يَعْرِض لهنّ، فيُبتذَلْنَ بذلك، أو لأنه وَلَهَ رآهنّ عنده، وهو في المسجد، فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه، وذهب المهمّ من مقصود الاعتكاف، وهو التخلي عن الأزواج، ومتعلقات الدنيا، وشبه ذلك، أو لأنهنّ ضيّقن المسجد بأبنيتهنّ. انتهى(٢). (فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ وَّهِ (بِخِبَائِهِ) أي: بتقويض خبائه (فَقُوِّضَ) بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة، مبنيّاً للمفعول؛ أي: نُقِضَ (وَتَرََكَ الإِعْتِكَافَ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ) وكأنهِ نَّهِ خَشِي أن يكون الحامل لهنّ على ذلك المباهاة، والتنافس، الناشئ عن الغيرة حرصاً على القرب منه و﴿ خاصّةً، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لَمّا أَذِن لعائشة وحفصة أوّلاً كان ذلك خفيفاً بالنسبة إلى ما يُفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك، فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف(٣). (حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ) وفي رواية الأوزاعيّ عند البخاريّ: ((فرجع، فلما أفطر اعتكف))، وفي رواية ابن فضيل: ((فلم يعتكف في رمضان، حتى اعتكف في آخر العشر من شوال)). قال في ((الفتح)): ويُجمع بين الروايتين بأن المراد بقوله: ((آخر العشر من (١) ((الاستذكار)) ٣٩٧/٣. (٣) ((الفتح)) ٤٨٣/٥. (٢) ((إكمال المعلم) ١٥٥/٤. ٢٥ (٢) - بَابُ مَتَّى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الإِعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ - حديث رقم (٢٧٨٥) شوال)) انتهاء اعتكافه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٨٥/٢ و٢٧٨٦] (١١٧٣)، و(البخاريّ) في ((الاعتكاف)) (٢٠٣٣ و٢٠٣٤ و٢٠٤١ و٢٠٤٥)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٦٤)، (الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٩١)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٢/ ٤٤)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٧١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٤/٦ و٢٢٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢١٧ و٢٢٢٤)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٢٦٠/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣١٢/٨)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٥٧٩/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. ٢ - (ومنها): مشروعيّة قضاء الاعتكاف في شوّال لمن فاته في شهر رمضان. قال الإمام ابن عبد البرّ تَخْلُ: معنى الحديث عندي - والله أعلم - أن رسول الله ولو كان قد عزم على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، فلما رأى ما كَرِهه من تنافس زينب وحفصة وعائشة في ذلك، وخَشِي أن يدخل نيتهن داخلةٌ انصَرَف، ثم وَفَّى الله رَك بما نواه من فعل البرّ، فاعتكف عشراً من شوال، وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان، وهو أمر لا خلاف فيه. انتھی(١). ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن أول شوّال هو يوم الفطر، وصومه حرام، قاله الإسماعيلي. (١) ((الاستذكار)) ٣٩٧/٣. ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف ٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحباباً . ٥ - (ومنها): أنه استدلّ به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شَرَع فيه، ثم أبطله، ولا دلالة فيه؛ لما سيأتي. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن المنذر وغيره: في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يُخرجها، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها، وعن أهل الرأي: إذا أذن لها الزوج، ثم منعها، أَئِمَ بذلك، وامتَنَعَت، وعن مالك: ليس له ذلك، وهذا الحديث حجةٌ عليهم. ٧ - (ومنها): جواز ضرب الأخبية في المسجد. ٨ - (ومنها): جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعاً من المسجد ينفرد فيه مدّةَ اعتكافه، ما لم يُضَيِّق على الناس، وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه؛ لئلا يُضَيِّق على غيره، وليكون أخلى له، وأكمل في انفراده، قاله النوويّ تَخْذَتْهُ(١). ٩ - (ومنها): أن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد. ١٠ - (ومنها): بيان جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويُستنبط منه سائر التطوعات، خلافاً لمن قال باللزوم. ١١ - (ومنها): بيان أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، والراجح أنه من أول الليل، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١٢ - (ومنها): بيان أن المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شُرع لهنّ الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطاً ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع، ولاكتُفِي لهنّ بالاعتكاف في مساجد بيوتهنّ. وقال إبراهيم ابن علية: في قوله: ((البر تُرِدن؟)) دلالة على أنه ليس لهنّ (١) ((شرح النوويّ)) ٦٩/٨. ٢٧ (٢) - بَابُ مَتَّى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الإِعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ - حديث رقم (٢٧٨٥) الاعتكاف في المسجد؛ إذ مفهومه أنه ليس ببر لهنّ، قال الحافظ: وما قاله لیس بواضح. ١٣ - (ومنها): أن فيه بيان شؤم الْغَيْرة؛ لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله. ١٤ - (ومنها): أن فيه تركَ الأفضل إذا كان فيه مصلحةٌ، وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه. ١٥ - (ومنها): أن الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه وَّل له، فعلى طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا عَمِلَ عملاً أثبته، ولهذا لم يُنْقَل أن نساءه اعتكفن معه في شوال. ١٦ - (ومنها): أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استُحِبّ لها أن تجعل لها ما يسترها، ويُشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على المصلين. ١٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ مرتبة عائشة ◌ّ حيث كانت حفصة فيّا لم تستأذن إلا بواسطتها، ويَحْتَمِل أن يكون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشة ينا، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يدخل فيه المعتكف مُعتَگفه: ذهب الأوزاعيّ، والليث، والثوريّ في أحد قوليه إلى أنه يدخل بعد صلاة الصبح؛ لهذا الحديث. وذهب الأئمة الأربعة، وطائفة إلى أنه إذا أراد اعتكاف شهر، أو اعتكاف عشر يدخل قبيل غروب الشمس، وأوّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعدّه لنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفاً لابئاً في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. قال الحافظ تَّهُ: وهذا الجواب يُشكل على مَن منع الخروج من العبادة (١) ((الفتح)) ٤٨٣/٥ - ٤٨٤. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه وَلو لم يدخل المعتكف، ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هَمّ به، ثم عَرَضَ له المانع المذكور، فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف، فيدلّ على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شَرَع، فيدلّ على أن أول وقته بعد صلاة الصبح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر أنه وَلجر شرع في الاعتكاف أول الليل؛ لما يأتي تحقيقه، فتنبّه. وقال السنديّ كَُّ في ((حاشية النسائيّ)): ظاهره أن المعتكف يَشرَع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور أنه يَشرَع من ليلة الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم، إلا أنهم حملوه على أنه يَشْرَع من صبح الحادي والعشرين، فرَدّ عليهم الجمهور بأن المعلوم أنه كان ◌َله يعتكف العشر الأواخر، ويحثّ أصحابه عليه، وعدد العشر عدد الليالي، فتدخل فيها الليلة الأولى، وإلا لا يتم هذا العدد أصلاً، وأيضاً من أعظم ما يُظْلَب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر، وهي تكون ليلة الحادي والعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ رَُّّه فينبغي له أن يكون معتكفاً فيها، لا أن يعتكف بعدها . وأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث أنه دخل المعتَكَف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفاً، لابثاً في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. انتهى. ولا يخفى أن قولها: ((كان إذا أراد أن يعتكف)) يفيد أنه كان يدخل المعتَكَف حين يريد الاعتكاف، لا أنه يدخل فيه بعد الشروع في الاعتكاف، وعلى هذا التأويل لم يكن بياناً لكيفية الشروع، ثم لازم هذا التأويل أن يقال: السنة للمعتكف أن يلبث أول ليلة في المسجد، ولا يدخل في المعتكف، وإنما يدخل فيه من الصبح، وإلا يلزم ترك العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل، والجمهور لا يقولون بهذه السنة، فيلزمهم ترك العمل بالحديث. وأجاب القاضي أبو يعلى من الحنابلة بحمل الحديث على أنه كان يفعل ٢٩ (٢) - بَابُ مَتَّى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الإِعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ - حديث رقم (٢٧٨٥) ذلك في يوم العشرين، ليستظهر ببعض يوم زيادة قبل يوم العشر. قال السندي: وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب، فهو أولى، وبالاعتماد أحرى بقي أنه يلزم منه أن يكون السنة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهاراً باليوم الأول، ولا بُعْد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه، فإنهم ما تعرضوا له إثباتاً، ولا نفياً، وإنما تعرضوا للدخول ليلة الحادي والعشرين، وهو حاصل، غاية الأمر أن قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنة عندهم، فَلْنَقُلْ به، وعدم التعرض ليس دليلاً على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النوويّ، مع ظهور مخالفته للحديث. انتهى كلام السنديّ ◌َّهُ(١) . وذكر في ((المنهل)) ما حاصله: استَدَلّ بهذا الحديث من قال: إن أول وقت الاعتكاف من أول النهار، وبه قال جماعة، وذهب آخرون إلى أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس؛ لما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ ◌ُله أن رسول الله هو كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: ((من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر)). قالوا: فإن العشر بدون هاء عدد الليالي، قال الله تعالى: ﴿وَلَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]، وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين. وأجابوا عن حديث الباب بأنه سي دخل المسجد أول الليل، ولكنه لم يَخْلُ بنفسه في المكان الذي أَعَدّه للاعتكاف إلا بعد صلاة الصبح، وإنما لم يدخله ليلاً؛ لأن الدخول فيه للخلوة، والليل وقت خلوة بنفسه، فلم يحتج فيه إلى الخلوة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي أن الاعتكاف يكون من أول الليل، ولا ينافيه حديث الباب؛ لإمكان الجمع بحمله على أن المراد خلوته في المكان المعدّ بعد الصبح، فلا ينافي أنه دخل المسجد أول الليل. (١) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٤٤/٢ - ٤٥. (٢) ((المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)) ٢٣١/١٠. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف وحاصل المسألة: أن من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان يدخل المسجد من أول ليلة الحادي والعشرين، كما يدل عليه حديث: ((كان يعتكف العشر الأواخر))؛ إذ المراد بها عدد الليالي، كما تقدم، ثم إذا صلى الصبح دخل المكان الذي أعدّه؛ ليخلو فيه، كما دل عليه: ((ثم دخل في المكان الذي یرید أن یعتکف فیه)). فحصل الجمع بين الحديثين، وأما ما ادّعاه السنديّ من أن هذا التأويل يخالف الحديث فغير صحيح، بل هو أقرب من تأويله بزيادة يوم قبل العشر؛ إذ هو يستلزم اعتكاف إحدى عشرة، ومخالفة هذا للحديث أظهر مما ادعاه، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج دَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُّغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَن ابْنِ إِسْحَاقَ، كُلُّ هَؤُلَاءٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنِ عَائِشَةَ ﴿َ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ ذِكْرُ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ - أَنَّهُنَّ ضَرَبْنَ الْأَخْبِيَةَ لِلِعْتِكَافِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى العدنيّ المكيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة، تقدّم قبل باب أيضاً. ٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) - بتشديد الواو - العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣١ (٢) - بَابُ مَتَى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الإِعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ - حديث رقم (٢٧٨٦) ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٧ - (أَبُو أَحْمَدَ) الزَّبيريّ، محمد بن عبد الله بن الزُّبير بن عُمر بن دِرْهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠. ٨ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٩ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ١٠ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجّاج الحمصيّ، تقدّم قبل باب. ١١ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم قبل باب أيضاً. ١٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قبل باب أيضاً. ١٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ١٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ١٥ - (ابْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ، أبو بكر المدنيّ، نزيل العراق، ثقةٌ، إمام في المغازي، لكنه يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] (ت١٥٠)، أو بعدها (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: الخمسة المذكورون، يعني أن كلّاًّ من سفيان بن عيينة، وعمرو بن الحارث، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن إسحاق رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، ساقها النسائيّ تَخْشُهُ في «الكبرى» (٢٦٠/٢) فقال: (٣٣٤٧) - أنبأ محمد بن منصور، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن ٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف عمرة، عن عائشة، قالت: أراد رسول الله * أن يعتكف في العشر الأواخر، من شهر رمضان، فاستأذنته عائشة، فأَذِن لها، ثم استأذنته حفصة، فأذن لها، وكانت زينب لم تكن استأذنته، فسمعت بذلك، فاستأذنت، وكان رسول الله وَله إذا صلى الصبح أتى معتكفه، فلما صلى الصبح، إذا هو بأربعة أبنية، قال: ((لمن هذه؟)) قالوا: لعائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله وَتليفون: ((آلبر تقولون يُرِدْنَ بهذا؟)) فلم يعتكف في ذلك العشر، واعتَكَف في العشر من شوال. انتھی. وأما رواية عمرو بن الحارث عنه، فقد ساقها أبو عوانة تَخْتُهُ في ((مسنده)) (٢٦٢/٢) فقال: (٣٠٧٦) - حدّثنا الربيع بن سليمان، حدّثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: حدّثتنا عائشة: أن النبيّ وَله أراد الاعتكاف، فاستأذنته عائشة لتعتكف معه، فأَذِن لها، فضُرِب خباؤها، فسألتها حفصة لتستأذنه لها لتعتكف معه، فلما رأته زينب ضربت معهنّ، وكانت امرأة غَيُوراً، فرأى رسول الله وَ لَّ أخبيتهنّ، فقال: ((ما هذا؟ آلبر يُرِدن بهذا))، فترك الاعتكاف، حتى أفطر من رمضان، ثم إنه اعتكف في عشر من شوال. انتھی. وأما رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، فقد ساقها البخاريّ تَظُّ في (صحیحه))، فقال: (١٩٠٤) - حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، قال: حدّثتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة خيرًا: أن رسول الله ولي ذكَر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أَمَرت ببناء، فَبُني لها، قالت: وكان رسول الله ﴿ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبَصُرَ بالأبنية، فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله وَ *ه: ((آلبرّ أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف))، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوّال. انتهى. وأما روايتا سفيان الثوريّ، وابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد ٣٣ (٣) - بَابُ الإِجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٧٨٧) من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣) - (بَابُ الإِجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٧] (١١٧٤) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ظُنَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَخْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِثْزَرَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو يَعْفُورٍ (١)) عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسطاس(٢) الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٠/٣٨. ٣ - (مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْح) - بالتصغير - الْهَمْدانيّ، أبو الضحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ أ٤َ] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢. ٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. والباقون ذُكروا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة. (١) بفتح الياء التحتانيّة، وسكون العين المهملة، بعدها فاء مضمومة، وهو أبو يعفور الأصغر، وأما أبو يعفور الأكبر فاسمه وقدان، ويقال: واقد، كوفي ثقة من الطبقة الرابعة، مات سنة (٧٠) وقد تقدّم في (١١٩٧/٦). (٢) بكسر النون، وسكون السين المهملة. ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني عدنيّ، ثم مكيّ، وعائشة غيرتا، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين رَوَى بعضهم عن بعض: أبو يعفور، عن مسلم، عن مسروق، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رَؤُّ) أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أي: ليالي العشر الأخير من رمضان، وصرّح بكونه الأخير في حديث عليّ قُبه، عند ابن أبي شيبةٍ، والبيهقيّ من طريق عاصم بن ضمرة، عنه. قاله في ((الفتح)). (أَحْيَا اللَّيْلَ) أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسَهُ بسهره فيه، وإنما عبّرت بـ((أحيا))؛ لأن النوم أخو الموت، والظاهر أن المراد أنه أحيا الليل كلّه، ويَحْتَمل أن يكون معظمه (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي: أيقظهم للصلاة في الليل، والجِدِّ في العبادة زيادةً على العادة. وروى الترمذيّ، ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة ((لم يكن النبيّ وَ ◌ّ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يَدَعُ أحداً من أهله، يُطيق القيام إلا أقامه)). (وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِتْزَرَ) أي: اعتزل النساء، وبذلك جزم عبد الرزّاق، عن الثوريّ، واستشهد بقول الشاعر [من البسيط]: قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَظْهَارِ وذكر ابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عيّاش نحوه. وقال الخطابي: يَحْتَمِل أن يريد به الجِدّ في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مِنْزَري؛ أي: تشمّرت له، ويَحْتَمِل أن يراد التشمير، والاعتزال معاً، ويَحْتَمِل أن يراد الحقيقة والمجاز، كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقةً، فيكون المراد شدّ مئزره حقيقة، فلم يَحُلّه، واعتزل النساء، وشمّر للعبادة. ٣٥ (٣) - بَابُ الإِجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٧٨٧) قال الحافظ تَّتُهُ: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة: ((شدّ مئزره، واعتزل النساء))، فعطفه بالواو، فيتقوّى الاحتمال الأول. انتهى(١). قال القرطبيّ ◌َّهُ: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر؛ لقوله فيه: ((وأيقظ أهله))، فإنه يُشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفاً لكان في المسجد، ولم يكن معه أحد. وفيه نظر، فقد ثبت حديث: ((اعتكفت مع النبيّ بَّ امرأة من أزواجه))، وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهنّ، فَيَحْتَمِل أن يوقظهنّ من موضعه، وأن يوقظهنّ عندما يدخل البيت لحاجته، قاله في ((الفتح)). اختلف العلماء في معنى شَدِّ الْمِثْزَر، فقيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادةً على عادته وَّ في غيره، ومعناه: التشمير في العبادات، يقال: شدَدْتُ لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت له، وتفرغت، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء؛ للاشتغال بالعبادات. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٨٧/٣] (١١٧٤)، و(البخاريّ) في ((الاعتكاف)) (٢٠٢٤)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (١٣٧٦)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (٢١٧/٣) و((الكبرى)) (٤٢١/١ و٢٧٠/٢)، و(ابن ماجه) (١٧٦٨)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠/٦ و٦٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٢١٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٣/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((الفتح)) ٨٠٣/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٠/٨ - ٧١. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف ١ - (منها): بيان استحباب الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َ ر من الاجتهاد في العبادة، مع أن الله غَفَرَ له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ٣ - (ومنها): فضل ليالي العشر الأواخر من رمضان على غيرها من الليالي. ٤ - (ومنها): استحباب إيقاظ الأهل فيها لِيُحيُوها بالعبادة. ٥ - (ومنها): أنه يستحب أن يُزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات. قال النووي: وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله، فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر، ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين، وغير ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إحياء ليلتي العيدين يحتاج إلى دليل، وحديث الباب إنما يدلّ على إحياء العشر، وليلة العيدين ليستا منها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٨] (١١٧٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَن الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﴿ُّ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٥٧/٦. ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٣٧ (٣) - بَابُ الإِجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٧٨٨) ٤ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عُروة النخعيّ، أبو عُروة الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت١٣٩) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٣/٣٨. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ كثير الإرسال [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٦ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ [٢] (ت٤ أو٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢. و«عائشة ێ» ذكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف كَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي كامل، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والسماع سوى موضع. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هو خاله. شرح الحديث: عن عائشة ﴿ُها أنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَجْتَهِدُ) أي: يبالغ في طلب الغاية من العبادة، وهو افتعال من الْجَهْد بفتح فسكون، وهو النهاية والغاية، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: ((الْجُهْدُ بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الْوُسْعُ، والطّاقَةُ، وقيل: المضموم: الطاقةُ، والمفتوح: المشقّةُ، والْجَهْدُ بالفتح لا غير: النهاية والغاية، وهو مصدرٌ من جَهَدَ في الأمر جَهْداً، من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب. انتهى (١). (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أي: من رمضان (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ) وفي رواية أبي داود: ((وغيرها)) بضمير المؤنّث، وهو الظاهر؛ لأنه عائد على العشر، وهي عدد المؤنّث، ووجه التذكير هنا على تأويله بالمذكور. (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١/ ١١٢. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف والمعنى: أنه * يجتهد في العشر الأواخر اجتهاداً لا يجتهده في غيرها، من أيام رمضان، أو من غيرها . وقال في ((المرقاة)): إنه يبالغ في طلب ليلة القدر في هذه العشر ما لا يجتهد في غير العشر رجاءً أن يكون ليلة القدر فيها، قال: كذا قيل، والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة؛ للاغتنام في أوقاته، والاهتمام في طاعته، وحسن الاختتام في بركاته. انتهى(١). وفيه الترغيب والحثّ على مزيد الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر من غيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ّا هذا من أفراد المصنّف ◌َذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٨٨/٣] (١١٧٥)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٣٩)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٥٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ٢٧٠)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٢/٦ و٢٥٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢١٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/ ٢٥٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٣١٣) و («الصغرى)) (٤٠٢/٣)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٥١٠/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤) - (بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨٩] (١١٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، (١) ((المرقاة)) ٥١٥/٤. ٣٩ (٤) - بَابُ صَوْمٍ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ - حديث رقم (٢٧٨٩) عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿يَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ صَائِماً فِي الْعَشْرِ قَطُّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثمّ فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه، وأما شيخه أبو كريب فمن التسعة الذين روى لهم الجماعة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وعائشة فمدنيّة . ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رَؤُّ) أنها (قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَائِماً فِي الْعَشْرِ قَطَّ) تعني عشر ذي الحجة، وفي الرواية التالية: ((لم يصم العشر))، قال النوويّ دَّثُهُ: قال العلماء: هذا الحديث مما يُوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يُتَأَوَّل، فليس في صوم هذه التسعة كراهةٌ، بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في ((صحيح ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف البخاريّ)) أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((ما من أيّام العملُ الصالح فيها أفضل منه في هذه))، يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فَيتأول قولها: ((لم يصم العشر)) أنه لم يصمه لعارض مرضٍ، أو سفرٍ، أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ وَ ل* قالت: ((كان رسول الله ( يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر، والخميس))، ورواه أبو داود، وهذا لفظه، وأحمد، والنسائيّ، وفي روايتهما: ((وخميسين))(١). انتهى(٢). وقال في ((المرعاة)): هذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدّم في ((باب الأضحية)) من فضيلة مطلق العمل المتضمّن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن فضيلة خصوص الصيام فيها، وما في حديث أبي قتادة من استحباب الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة، وما في حديث حفصة من عدم تركه وقليل صيام العشر، وفي حديث هُنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ وَّل قالت: ((كان رسول الله وَل﴿ يصوم تسع ذي الحجة ... )) الحديث، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. والجواب عن هذا أن المراد من قولها: ((لم يصم العشر)) أنه لم يصمها العارض مرض، أو سفر، أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولى بالقبول. قال البيهقيّ تَخْتُ بعد رواية حديث هُنيدة، وحديث عائشة ◌َّا ما لفظه: والمثبت أولى من النافي، مع ما مضى من حديث ابن عبّاس في فضيلة العمل الصالح في عشر ذي الحجة. وقيل: المراد نفي جمع العشر، وفيها يوم العيد، وهذا لا ينافي صوم بعضها . (١) صححه الشيخ الألبانيّ كثّفُ في ((صحيح سنن أبي داود)) ٣٢٥/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧١/٨ - ٧٢.