Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٣) والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف نَّثُ، كسابقه، وهو (١٧٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ ... إلخ) أي احرصوا على طلبها، واجتهدوا فيه . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَقَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ رَهُ قَالَ: رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِّتْرِ مِنْهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قريباً. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في («الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. والصحابيّ رُهُ ذُكر قبله. وقوله: (أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ... إلخ) قال الحافظ وليّ الدين كَثّلهُ: في هذه الرواية الأولى الأمر بطلبها في أوتار العشر الأواخر، وفي الروايتين السابقتين الأمر بطلبها في السبع الأواخر، وبينهما تناف، وإن اتفقتا على أن محلها منحصر في العشر الأواخر من رمضان، والأول وهو انحصارها ٥٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام في أوتار العشر الأخير قول حكاه القاضي عياض وغيره، ونَصّ عليه أحمد بن حنبل، فقال: هي في العشر الأواخر، في وتر من الليالي لا يخطئ، إن شاء الله، وأما انحصارها في السبع الأواخر فلا نعلم الآن قائلاً به. انتهى(١). [فائدة]: قال الفيّوميّ ◌َخْذَلُهُ: و((الْعَشْرُ)) بغير هاء عدد للمؤنث، يقال: عشر نسوة، وعشر ليال، وفي التنزيل: ﴿وَلْفَجْرِ ﴿ وَلَالٍ عَشْرِ ! [الفجر: ١، ٢]، والعامة تُذَكِّر العشر على معنى أنه جمع الأيام، فيقولون: العَشْرُ الأَوَّلُ، والعشر الأَخِير، وهو خطأ، فإنه تغيير المسموع، ولأن اللفظ العربي تناقلته الألسُنُ اللُّكْنُ، وتلاعبت به أفواه النَّبَطِ، فحَرَّفُوا بعضه، وبَدَّلُوه، فلا يتمسك بما خالف ما ضبطه الأئمة الثقات، ونَطَقَ به الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة . والشهرُ ثلاثُ عَشَرَات، فالعَشْرُ الأُوَلُ جمع أُولَى، والعشر الوُسَطُ جمع وُسْطَى، والعشرُ الأُخَرُ جمع أخرى، والعشرُ الأَوَاخر أيضاً جمع آخِرَة، وهذا في غير التاريخ، وأما في التاريخ فقد قالت العرب: سِرْنا عَشْراً، والمراد عشر ليال بأيامها، فغَلَّبُوا المؤنث هنا على المذكَّر؛ لكثرة دَوْر العدد على ألسنتها، ومنه قوله تعالى: ﴿يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْيَمَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًاً﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ويقال: أَحَدَ عَشَرَ، وثلاثةَ عَشَرَ، إلى تسعة عشر، بفتح الشين، وسُكُونُهَا لغة، وقرأ بها أبو جعفر. والعشرون: اسم موضوع لعدد معين، ويُستَعْمَل في المذكر والمؤنث بلفظ واحد، ويُعْرَب بالواو والياء، ويجوز إضافتها لمالكها، فتسقط النون؛ تشبيهاً بنون الجمع، فيقال: عِشْرُو زَيْدٍ، وعِشْرُوك، هكذا حكاه الكسائيّ عن بعض العرب، ومنع الأكثر إضافة العقود، وأجاز بعضهم إضافة العدد إلى غير التمييز. انتهى كلام الفيّوميّ ◌َذُّهُ(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((طرح التثريب)) ١٥١/٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٤١١/٢. ٥٦٣ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٤ - ٢٧٦٥) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٦٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَاهُ ◌َهَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَقُولُ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ: ((إِنَّ نَاساً مِنْكُمْ قَدْ أُرُوا أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأُوَلِ، وَأُرِيَ نَاسٌ مِنْكُمْ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التجيبيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فِي السَّبْعِ الْأَوَل) بضمّ الهمزة، وفتح الواو: جمع أُولى. وقوله: (فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ) أي البواقي، وهي الأواخر، و((الغوابر)): جمع غابرة، يقال: غَبَرَ غُبُوراً، من باب قَعَدَ: بَقِيَ، وقد يُسْتَعْمَلُ فيما مَضَى أيضاً، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَرَ غُبُوراً: مَكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي، ذكره الفيّوميّ تَظّفُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا من معنى الغوابر هو الأول؛ لقوله في الرواية التالية: ((فلا يُغلَبَنَّ على السبع البواقي)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُقْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَر ◌ِ﴿يَا يَقُولُ: قَالَ (١) ((المصباح المنير)) ٤٤٢/٢. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَإِنْ ضَعَفَ أَحَدُكُمْ، أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٤ - (عُقْبَةُ بْنُ حُرَيْثٍ) التَّغْلبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (م س) تقدم في ((صلاة المسافرين)» ١٧٦٣/٢٢. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (فَإِنْ ضَعَفَ أَحَدُكُمْ) بضمّ العين المهملة، وفتحها، من بابي كَكَرُمَ، ونَصَرَ، قال في ((القاموس)): الضَّعْفُ - بالفتح ويُضمّ، ويُحَرّك -: ضدّ القوّة، وضَعُفَ، كَكَرُمَ، ونَصَرَ ضَعْفاً، وضُعْفاً، وضَعافةً، قال: فهو ضَعِيفٌ، وضَعُوفٌ، وضَعْفَانُ، قال: أو الضَّعْفُ بالفتح في الرأي، وبالضمّ في البدن. انتهى باختصار(١). وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: الضَّعْفُ بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة قُريش: خلاف القوّة والصّحّة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثالُ قَرُبَ قَرْباً، والمفتوح: مصدر ضَعَفَ ضَعْفاً، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد. انتهى (٢). وقوله: (عَجَزَ) بفتح الجيم، يقال: عَجَزَ عن الشيء، من باب ضرب: إذا ضَعُف عنه، وعَجِز بالكسر، من باب تَعِب لغةٌ لبعض قيس عيلان، وهي لغة غير معروفة، كما قاله في ((المصباح))(٣). وقوله: (فَلَا يُغْلَنَّ) بالبناء للمفعول. وقوله: (عَلَى السَّبْع الْبَوَاقِي) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: وفي بعض النسخ: ((عن (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ١٦٥/٣. (٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٢/٢. ٥٦٥ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٦ - ٢٧٦٧) السبع)) بدل ((على))، وكلاهما صحيح. انتهى، أي: عن قيام الليالي السبع اللاتي بقين من رمضان. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ بِ﴿َا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ كَانَ مُلْتَمِسَهَا، فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة، وهم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (جَبَلَةَ) بن سُحَيم - بمهملتين، مصغّراً - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٠٩/٢. وقوله: (مُلْتَمِسَهَا) أي طالب ليلة القدر. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وبيان مسائله تقدّما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَبَلَةَ، وَمُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿هَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: ((تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّاخِرِ، أَوْ قَالَ: فِي التِّسْعِ(١) الْأَوَاخِرِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قريباً. ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨. (١) وفي نسخة ((أو قال: في السبع الأواخر)). ٥٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ٤ - (مُحَارِبُ) بن دِثَار السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٩/٤٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أي: اطلبوا حِينها، وهو زمانها. وقوله: (أَوْ قَالَ فِي التِّسْعِ الأَوَاخِرِ) وفي بعض النسخ: ((أو في السبع الأواخر))، وهو الموافق للروايات الأخرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٦٨] (١١٦٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، قَالًا: أَخْبَرَنَا(١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ﴿ قَالَّ: (أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِ))، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: ((فَتَسِيتُهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُوِ الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه، أو لا أعرفهم(٢) . وقوله: (فَنُسِّيْتُهَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: فَتَسِيتُهَا) الأول بضمّ النون، وتشديد السين المهملة، والثاني بفتح النون، وكسر النون الخفيفة، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) (تنبيه المعلم)) (ص٢١٠). ٥٦٧ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٨) [تنبيه]: ذكر في هذا الحديث أن سبب نسيانه لو للية القدر هو إيقاظ بعض أهله، وذكر في ((صحيح البخاريّ)) من حديث عبادة بن الصامت أن سببه تلاحي رجلين، وسيأتي هذا عند المصنّف من رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ بلفظ: ((فجاء رجلان يختصمان، معهما الشيطان))، ونحوه في حديث الفَلَتان عند ابن إسحاق، وزاد: ((أنه لقيهما عند سُدَّة المسجد، فحَجَزَ بينهما))، فاتَّفَق حديثا عبادة وأبي سعيد ﴿ًّا على سبب النسيان، بخلاف حديث أبي هريرة هذا، فإنه مغايرٌ لهما . ووجه الجمع - كما قال في ((الفتح)) - إما أن يُحْمَل على التعدد، بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة مناماً، فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة، فيكون سبب النسيان ما ذُكِر من المخاصمة، أو يُحْمَل على اتّحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى أيقظني بعض أهلي، فسمعت تَلاحِي الرجلين، فقُمت لأَحْجُز بينهما، فنسيتها؛ للاشتغال بهما. وقد رَوَى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيِّب أنه وَّ قال: ((ألا أخبركم بليلة القدر؟)) قالوا: بلى، فسكت ساعةً، ثم قال: ((لقد قلت لكم، وأنا أعلمها، ثم أُنسيتها))، فلم يذكر سبب النسيان، وهو مما يُقَوِّي الحمل على التعدد. انتهى(١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا من أفراد المصنّف تَظّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٦٨/٤٢] (١١٦٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٩٢ و٣٣٩٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢١٩٧)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٢٤٦/٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٤٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٢٦٨/٤. ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦٩] (١١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينٍ تَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: (إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَبِتْ(١) فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَأُتَسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ))، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ وَآتِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَقَد انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلَّ طِيناً وَمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٩/٣٦. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. (١) وفي نسخة: ((فليتْبُت))، وفي أخرى: ((فليَلْبَث)). ٥٦٩ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٩) ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر بن مضر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، وشيخه بغلانيّ، وبكر مصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُجَاوِرُ) أي يعتكف (فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ) أي شهر رمضان، وذلك قبل أن يَعلَمَ كون ليلة القدر في العشر الأواخر منه. وفي الرواية الآتية من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: ((اعتكفنا مع رسول الله (َ﴿ العشر الوُسْطى من رمضان))، ومن طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: ((اعتكف رسول الله ◌َفي العشر الأواسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبَان له، فلما انقضين أَمَرَ بالبناء، فقُوّض، ثم أُبينت له أنها في العشر الأواخر، فَأَمَرَ بالبناء، فأُعيد))، وزاد في رواية عُمارة بن غزيّة، عن محمد بن إبراهيم عند البخاريّ أنه ((اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم اعتكف العشر الأواخر))، ومثله عنده في رواية همّام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، وزاد فيها: ((أن جبريل أتاه في المرّتين، فقال له: إن الذي تطلب أمامك». وهو بفتح الهمزة والميم: أي قُدّامك. قال الطيبي: وَصَفَ الأوّلَ والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع، إشارةً ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام إلى تصوير ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين. (١) انتھی(١). (فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي) اسم ((كان)) ضمير يعود إلى النبيّ وَّ، و((من)) بمعنى ((في))، كما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية: [الجمعة: ٩]، والجار والمجرور خبرها، و((حين)) مضاف إلى جملة ((يَمْضِي))، ويجوز إعرابه، وبناؤه على الأصح، فيُجرّ بالكسرة، ويُبنى على الفتح، لإضافته إلى فعل معرب، كما قال ابن مالك: وَأْخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَأَبْنِ أَوَ أعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا أي: فإذا كان النبيّ بَّر في وقت مضيّ عشرين ليلة من رمضان. ويَحْتَمِل أن تكون ((كان)) تامّة، و((من) زائدة على رأي بعض النحاة في زيادتها في الإثبات، و((حين)) فاعل ((كان))، وقوله: (عِشْرُونَ) بالرفع على الفاعليّة لـ((يمضي))، و(لَيْلَةً) منصوب على التمييز، أي إذا جاء وقت مضيّ الليلة العشرين من رمضان. وفي رواية البخاريّ: ((فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلةً تمضي)). وقوله: (وَيَسْتَقْبِلُ) عطف على جملة ((تمضي)) إلا أن الفاعل ضمير النبيّ ◌َ﴿، أي: واستقبال إحدى وعشرين منه، وقوله: (إِحْدَى وَعِشْرِينَ) منصوب على المفعوليّة لـ((يستقبل))، يقال: استَقْبلتُ الشيءَ: إذا واجهته، فهو مُسْتَقْبَلٌ، وقوله: (يَرْجِعُ) جواب ((إذا))، ولفظ البخاريّ: ((رَجع))، وهو المناسب للسياق (إِلَى مَسْكَتِهِ) بفتح الميم، والكاف: أي يرجع النبيّ وَّ إلى بيته (وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ) ((من)) فاعل ((رجع))، أي: رجع من كان يعتكف مع النبيّ وَّرَ، من أزواجه، وأصحابه ﴾. والمعنى: أن النبيّ ◌َ﴿ كان من هديه في رمضان أنه يعتكف العشر الأوسط منه طلباً لليلة القدر، فإذا مضى عشرون ليلة من رمضان رجع إلى بيته؛ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٢٣/٥. ٥٧١ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٩) لظنه أن ليلة القدر انقضى وقت طلبها، ورجع أيضاً من اعتكف معه تلك الليالي إلى بيوتهم، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ إِنَّهُ) بَرِ (أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ) أي: اعتكف (فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا) أي: يرجع إلى مسكنه في صبيحتها، وهي الليلة العشرون من رمضان. وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة التالية: ((فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا))، وهي أصرح في المراد. (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ) أي من الأمور الدينيّة، والتوجيهات النبويّة (ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ) أي التي في وسط الشهر (ثُمَّ بَدَا) أي ظهر (لِي) يعني أنه تبيّن له بالوحي أن الاعتكاف المطلوب في العشر الأواخر، لا في الأواسط، وفي رواية البخاريّ: ((اعتكف رسول الله وَل عشر الأُوَل من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فقام النبيّ وَّه خطيباً صبيحة عشرين من رمضان ... )) الحديث. (أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَبِتْ) قال النوويّ نَّثُ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((فَلْيَبِتْ)) من المبيت، وفي بعضها: ((فَلْيَثْبُتْ))، من الثبوت، وفي بعضها: ((فَلْيَلْبَثْ))، من اللَّبْث، وكله صحيح، وقوله في الرواية الثانية: ((غير أنه قال: فليثبت))، هو في أكثر النسخ بالثاء المثلثة من الثبوت، وفي بعضها: ((فلیبت))، من المبيت. انتهى. (فِي مُعْتَكَفِهِ) متعلّق بـ(يبت))، وهو بفتح الكاف، وهو موضع الاعتكاف (وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ) أي علمتها، بالوحي، وفي رواية للبخاريّ: ((إني أريت ليلة القدر))، يعني أنه أراه الله تعالى في منامه تعيين تلك الليلة (فَأَنْسِيتُهَا) وفي البخاريّ: ((فأُنسيتها، أو نُسِّيتها)) بالشك. قال في ((الفتح)): شكٍّ من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نسيها هو من غير واسطة؟ ومنهم من ضبط ((نُسّيتها)) بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى ((أنسيتها))، والمراد أنه أُنسي علم تعيينها في تلك السنة. انتهى. وسبب نسيانها هو ما يأتي من حديث عُبادة بن الصامت وظُبه، قال: ٥٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام خرج النبيّ ◌َ*؛ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة))، وقوله: ((تلاحى)): أي تخاصم. وقال القرطبيّ تَخُّ: أي أنسيت تعيينها في تلك السنة، ومثل هذا النسيان جائز عليه؛ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به، ولعل عدم تعيينها أبلغ في الحكمة، وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال رَج: ((وعسى أن يكون خيراً لكم))، رواه البخاريّ. ووجه ذلك: أنها إذا لم تعيّن، أو كانت متنقلة في العشر، حَرَص الناس على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أجرها، وأجر قيام العشر كله، وهذا نحو مما جرى في تعيين الصلاة الوسطى، وساعة الجمعة، وساعة الليل، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (فَالْتَمِسُوهَا) أي: اطلبوها، واجتهدوا في إحيائها بالعمل الصالح. قال القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((فالتمسوها)) أمر على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة، تغفر فيها الذنوب، ويُطلع الله تعالى فيها من شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به علمه، ولذلك عظّمها سبحانه بقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾﴾، إلى آخر السورة، وبقوله: ﴿حَمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ رَحْمَةٌ مِّن زَيِّكْ ٣ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [الدخان: ١ - ٦]. ومعنى ((يفرق)»: يُفْصَل ويبين، و((حكيم)) مُحْكَم؛ أي: متقن. و((أمراً)): منصوب على القطع، ويصح بنزع الخافض؛ أي: يفرق بأمر، فلما أسقط الخافض تعدى الفعل فنصب. قال: واختَلَف الناس اختلافاً كثيراً في ليلة القدر: هل كانت مخصوصة بزمن النبيّ ◌ََّ، أو لا؟ فالجمهور: على أنها ليست مخصوصة. (١) ((المفهم)) ٢٥٢/٣. ٥٧٣ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٩) ثم اختلفوا: هل هي منتقلة في الأعوام، أو ليست منتقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست منتقلة اختلفوا في تعيينها، فمن معيّن ليلة النصف من شعبان، ومن قائل: هي ليلة النصف من رمضان، ومن قائل: هي ليلة سبع عشرة، ومن قائل: هي ليلة تسع عشرة، ثم ما من ليلة من ليالي العشر إلا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر، وقيل: هي آخر ليلة منه. وقيل: هي معيّنة عند الله تعالى غير معيّنة عندنا. وهذه الأقوال كلها للسَّلف وللعلماء. وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى. قال: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله وَله في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها منتقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها، وهو قول مالك، والشافعي، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض. فاعْتَمِدْ عليه، وتَمَسَّكْ به. انتهى(١). (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أي: من رمضان، وقوله (فِي كُلِّ وِتْرٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، أي في كلّ وتر من لياليه، وهي الليلة الحادية والعشرون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون. (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء للمتكلم، وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول، وهو المتكلّم، وهو من خصائص أفعال القلوب، أي رأيت نفسي (أَسْجُدُ) بالرفع في محلّ نصب على الحال (فِي مَاءٍ وَطِينٍ) أي عليهما، وذلك علامةٌ على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر في تلك السنة. وقوله أيضاً: (فِي مَاءٍ وَطِينٍ))) المراد بذلك الأرض الرطبة، ولعلّ أصله في ماء وتراب، وسُمّي طيناً؛ لمخَّالطته به مآلاً، وللإيماء إلى غلبة الماء عليه. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) تَّه (مُطِرْنًا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرت السماءُ تَمْطُرُ مَطَراً، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضاً لغة، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يُقال: مَطَرَت السماء (١) ((المفهم)) ٢٥٠/٣ - ٢٥١. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، قاله الفيّوميّ تَخْذُ(١). (لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) بنصب («ليلة)) على الظرفيّة لـ((مُطِرِنا)) (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) قال الفيّوميّ تَخَّتُهُ: وَكَفَ البيت بالمطر، والعينُ بالدمع وَكْفاً، من باب وَعَدَ، ووُكُوفاً، ووَكِيفاً: سال قليلاً قليلاً، ويجوز إسناد الفعل إلى الدفع، وأوكف بالألف لغة. انتهى(٢). والمعنى هنا: أي قطَّرَ، وسال ماء المطر من سقف المسجد، فهو من باب ذكر المحلّ، وإرادة الحالّ (فِي مُصَلَّى) بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة: أي مكان سجود (رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) وََّ، وقوله: (وَقَد انْصَرَفَ) جملة حاليّة من الضمير المجرور (مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) وقوله: (وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌ) جملة حاليّة من فاعل ((انصرف))، و((الْمُبتلّ)) بضمّ الميم، وتشديد اللام: اسم مفعول من ابْتَلّ، وفي الرواية: ((ممتلئاً طيناً وماءً))، وقوله: (طِيناً وَمَاءً) منصوب على التمييز. وحاصل المعنى: أن أبا سعيد رأى النبيَّ ◌َّهِ حينما انصرف من صلاة الصبح قد ابتلّ وجهه بالطين والماء، تصديقاً لما ذكره النبي ◌َّ من علامة ليلة القدر في تلك السنة بقوله: ((وقد رأيتني أسجُدُ في ماء وطين)). وقال النوويّ: قال البخاريّ: وكان الحميديّ يحتجّ بهذا الحديث على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وكذا قال العلماء: يستحب أن لا يمسحها في الصلاة، وهذا محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض، فإنه لو كان كثيراً بحيث يمنع ذلك لم يصح سجوده عند الشافعيّ وموافقيه في منع السجود على حائل متصل به. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السجود مع الحائل المتّصل جائز؛ لهذا الحديث، وللأدلّة التي تقدّمت في موضعها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٦١. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٧٠/٢. ٥٧٥ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦٩) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٦٩/٤٢ و٢٧٧٠ و٢٧٧١ و٢٧٧٢ و٢٧٧٣ و٢٧٧٤] (١١٦٧)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٦٩ و٨١٣ و٨٣٦) و((فضل ليلة القدر)) (٢٠١٦ و٢٠١٨) و((الاعتكاف)) (٢٠٢٧ و٢٠٣٦ و٢٠٤٠)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (١٣٨٢)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (٧٩/٣) وفي ((الكبرى)) (١/ ٤٠٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣١٩/١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٢٤٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٧٣ و٣٦٧٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى) (١٠٣/٢ و٣٠٩/٤ و٣١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ليلة القدر، وأنها تكون في رمضان في ليالي العشر الأواخر منه. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َطّر من شدة تحريه لليلة القدر، وحثّ أمته على الحرص في طلبها . ٣ - (ومنها): ترك مسح جبهة المصلي. ٤ - (ومنها): جواز السجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يَعْكُر عليه قوله في بعض طرقه: ((ووجهه ممتلئ طيناً وماءً))، وجواب النوويّ بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة مما لا يخفى ضعفه، والحقّ أن السجود على الحائل يجوز، وقد تقدم تحقيق ذلك في أبواب الصلاة، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): جواز السجود في الطين. ٦ - (ومنها): الأمر بطلب الأَولى، والإرشاد إلى تحصيل الأفضل. ٧ - (ومنها): أن النسيان جائز على النبيّ وَّل، ولا نقص عليه في ذلك، لا سيما فيما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع، كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة، كما في هذه ٥٧٦ جسـ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام القصة؛ لأن ليلة القدر لو عُيِّنت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها، ففاتت العبادة في غيرها، وهذا - والله أعلم - هو المراد بقوله وَل: ((وعسى أن يكون خيراً لكم))، كما في حديث عبادة بن الصامت في ((صحيح البخاريّ)). ٨ - (ومنها): جواز استعمال رمضان بدون شهر. ٩ - (ومنها): استحباب الاعتكاف في رمضان، وترجيح اعتكاف العشر الأواخر منه. ١٠ - (ومنها): أن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقاً للواقع. ١١ - (ومنها): ترتب الأحكام على رؤيا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ١٢ - (ومنها): أن في أول قصة أبي سلمة مع أبي سعيد الخدريّ الآتي في الرواية الثالثة المشيّ في طلب العلم، وإيثار المواضع الخالية للسؤال، وإجابة السائل لذلك، واجتناب المشقة في الاستفادة، وابتداء الطالب بالسؤال. ١٣ - (ومنها): استحباب تقديم الخطبة على التعليم، وتقريب البعيد في الطاعة، وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطّف، والتدريج إليها . [تنبيه]: تقدّم في حديث عبادة بن الصامت عند البخاريّ أنه وَّ قال: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت)). قوله: ((لأخبركم بليلة القدر)) أي بتعيين ليلة القدر. وقوله: ((فرُفعت)) أي رُفع من قلبي، فنسيت تعيينها؛ للاشتغال بالمتخاصمين، وقيل: المعنى: فُرُفعت بركتها في تلك السنة، وقيل: ((التاء)) في رُفِعتْ للملائكة، لا لليلة. وقال الطيبيّ تَكْثُ: قال بعضهم: رُفِعت، أي معرفتها، والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها، فإذا وقعت لم يكن لرفعها معنى، قال: ويمكن أن يقال: المراد برفعها أنها شَرَعت أن تقع، فلما تخاصما رُفعت بعدُ، فنَزَّل الشروع منزلة الوقوع. وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة، فهل أعلم النبيّ وَله بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمالٌ، وقد نُقل عن ابن عيينة أنه أُعْلِم. ورَوَى محمد بن نصر، من طريق واهب المغافريّ، أنه سأل زينب بنت ٥٧٧ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٧٠) أم سلمة ﴿ه: هل كان رسول الله وَلَ يَعْلَم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو عَلِمها لَمَا قام الناس غيرها. انتهى. قال الحافظ: وهذا قالته احتمالاً، وليس بلازم؛ لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضاً، فيحصل الاجتهاد في جميع العشر، كما تقدم. قال: واستَنبَط السبكيّ الكبير دَّثُ في ((الحلبيات)) من هذه القصة استحبابَ كتمان ليلة القدر لمن رآها، قال: ووجه الدلالة أن الله قَدَّر لنبيه وَله أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قُدِّر له، فيستحب اتّباعه في ذلك. وذكر في (شرح المنهاج)) ذلك عن (الحاوي)) قال: والحكمة فيه أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها، بلا خلاف بين أهل الطريق، من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب، ومن جهة أن لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب، فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها، وذِكرِها للناس، ومن جهة أنه لا يَأْمَن الحسد، فيوقع غيره في المحذور، ويُستأنَس له بقول يعقوب لفظله: ﴿يَبُنَىَ لَا نَقْصُصْ رُوِيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] الآية. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٧٠] (.) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َهِ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ))، وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئاً (٢) طِيناً وَمَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. (١) ((الفتح)) ٢٨٦/٤. (٢) وفي نسخة: ((وجبينه ممتلىءٌ)). ٥٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. والباقون ذكروا قبله، و(یزید)): هو ابن الهاد. وقوله: (فَلْيَقْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ) أي: بالثاء المثلّثة. وقوله: (وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئاً طِيناً وَمَاءً) قال النوويّ تَخْتُ: كذا هو في معظم النسخ ((ممتلئاً)) بالنصب، وفي بعضها: ((ممتلىء))، ويُقدّر للمنصوب فعل محذوف، أي: وجبينه رأيته ممتلئاً. قال: ولا يخالف ما تأوّلناه؛ لأن الجبين غير الجبهة، فالجبين في جانب الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء (١) الجبهة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أنه لا حاجة للتأويل المذكور؛ لأن الحقّ جواز السجود على الحائل؛ للأدلة الصحيحة على ذلك، فلا تغفل. [تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن يزيد بن الهاد هذه ساقها البخاريّ ◌َاتُهُ في (صحيحه)) مقروناً بابن أبي حازم، فقال: (٢٠١٨) - حدّثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدّثني ابن أبي حازم، والدَّراورديّ، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه: كان رسول الله وَ﴿ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حينَ يُمسي من عشرين ليلةً تمضي، ويَستَقْبِل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: ((كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتَكَفَ معي، فليثبت في مُعْتَكَفه، وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتني أَسْجُد في ماء وطين))، فاستَهَلَّت السماء في تلك الليلة، فَأَمْطَرت، فوَكَف المسجد في مُصَلَّى (١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٦١. ٥٧٩ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٧١) النبيّ وَّ﴿ ليلة إحدى وعشرين، فَبَصُرَتْ عيني رسول الله وَّة، ونظرت إليه انصَرَف من الصبح، ووجهه ممتلئٌ طيناً وماءً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧١] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَبِهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ، فَتَخَّاهَا فِي نَاحِبَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ، فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ اَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلْيَعْتَكِفْ))، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: ((وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ))، فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا(١) الطِّينُ وَالْمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالظُفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. (١) وفي نسخة ((فيها)). ٥٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ١٢/ ٥٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ ... إلخ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في جميع النسخ، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر، كما قال في أكثر الأحاديث: ((العشر الأواخر))، وتذكيره أيضاً لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو باعتبار الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبيّ وَّ﴾. انتهى (١). وقال الطيبيّ نَّثُهُ: فإن قلت: لم خولف بين الأوصاف، فوصَفَ العشر الأول، والعشر الأوسط بالمفرد، والآخر بالجمع؟. [قلت]: تصوّر في كلّ ليلة من الليالي العشر الأخير ليلة القدر، فَجَمَعَهُ، ولا كذلك في العشرين. انتهى(٢). وقوله: (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) أي: قبّة صغيرة من لبود، قاله النوويّ تَّقُ(٣). وقوله: (عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ) قال المجد نَُّهُ: ((السُّدّة)) بالضمّ: باب الدار، جمعه سُدَدٌ. انتهى (٤) . وقال ابن الأثير تَظَثُ: ((السُّدّة)): كالظلّة على الباب؛ لتقي الباب من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: هي الساحة بين يديه. انتهى(٥). وقال الفيّوميّ تَخْقُ: ((السُّدّة)) بالضم في كلام العرب: الْفِناء لبيت الشعر، وما أشبهه، وقيل: السدة: كالصُّفّة، أو كالسَّقِيفة فوق باب الدار، ومنهم من أنكر هذا، وقال: الذين تكلموا بالسُّدّة لم يكونوا أصحاب أَبْنِية، ولا مَدَر، والذين جعلوا السدة كالصفة، أو كالسقيفة، فإنما فَسَّروها على مذهب أهل (١) ((شرح النوويّ)) ٦١/٨ - ٦٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٢٣/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٦٢. (٥) ((النهاية)) ٣٥٣/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ٣٠٠/١.