Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((أَرَى) بفتح الهمزة الظاهر أنه بمعنى أعلم،
ويَحْتَمِل أنه من الرؤية البصرية مجازاً، قاله وليّ الدين تَّهُ(١).
(رُؤْيَاكُمْ) أي في المنام، قال وليّ الدين تخلُّ: والمشهور اختصاص
الرؤيا بالمنام، فلا تُستَعْمَل في غيره، وذكر بعضهم أنها تُستعمل مصدراً لـ((رَأَى))
مطلقاً، ولو كانت في اليقظة، وهي هنا للمنام قطعاً. انتهى.
وقال في ((الفتح): قوله: ((رؤياكم)) قال عياض: كذا جاء بإفراد الرؤيا،
والمراد مرائيكم؛ لأنها لم تكن رؤيا واحدة، وإنما أراد الجنس، وقال ابن
التين: كذا روي بتوحيد الرؤيا، وهو جائز؛ لأنها مصدر، قال: وأفصح منه
رُؤَاکم: جمع رؤیا؛ لیکون جمعاً في مقابلة جمع. انتهى(٢).
(قَدْ تَوَاطَأَتْ) أي توافقت، والمواطأةُ: الموافقة، كأن كُلّاً منهما وَطِئ ما
وَطِئْه الآخر، ورُوي (تَوَاطَتْ)) بترك الهمز، قاله وليّ الدين(٣).
وقال النوويّ ◌َخْذُ: قوله: ((قد تواطأت)): أي توافقت، وهكذا هو في
النسخ بطاء، ثم تاء، وهو مهموز، وكان ينبغي أن يكتب بألف بين الطاء والتاء
صورة للهمزة، ولا بدّ من قراءته مهموزاً، قال الله تعالى: ﴿لَيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا
حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((تواطأت)) بالهمزة: أي توافقت وزناً ومعنى،
وقال ابن التين: رُوي بغير همز، والصواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرجل
برجله مكان وطء صاحبه، وفي هذا الحديث دلالة على عِظَم قدر الرؤيا،
وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف
القواعد الشرعية. انتهى(٥).
(فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) أي عليها، وهو متعلّق بـ((تواطأت))، قال
التوربشتيّ تَخَّثُهُ: السبع الأواخر يَحْتَمِل أن يراد بها السبع التي تلي آخر الشهر،
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٢/٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٤/٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٥٨/٨.
(٣) ((طرح التثريب)) ١٤٩/٤.
(٥) ((الفتح)) ٤٥٤/٥.

٥٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وأن يراد بها السبع بعد العشرين، وحمله على هذا أمثل؛ لتناوله إحدى
وعشرين، وثلاثاً وعشرين. انتهى.
(فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي طالباً لليلة القدر، وقاصدها، أو مريداً طلبها في
أحرى الأوقات بالطلب، من تَحَرّى الشيءَ: إذا قصده، أو تحرّى في الأمر:
إذا طلب أحرى الأمرين، وهو أولاهما، أفاده الفيّوميّ كَّتُهُ(١).
(فَلْيَتَحَرَّهَا) أي فليتعمد طلبها والتحري القصد والاجتهاد في الطلب،
والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول(٢). (فِي السَّبْع الْأَوَاخِرِ))) قال
الطيبيّ كَّثُ: هذا لا ينافي قوله: ((فالتمسوها في العشر الأواخر))، لأنه وَّو لم
يُحَدِّث بميقاتها مجزوماً، فذهب كل واحد من الصحابة بما سمعه، ورآه هو.
وقال الشافعيّ كَثُّهُ: والذي عندي - والله أعلم - أن النبيّ وَّ كان يجيب
على نحو ما يسأل عنه، يقال له: نلتمسها في ليلة كذا، فيقول: التمسوها في
ليلة كذا، فعلى هذا نوع اختيار كل فريق من أهل العلم، والذاهبون إلى سبع
وعشرين هم الأكثرون، ويَحْتَمِل أن فريقاً منهم عَلِم بالتوقيت، ولم يؤذن له في
الكشف عنه؛ لما كان في حكمة الله تعالى البالغة في تعميتها على العموم؛ لئلا
يتكلوا، وليزدادوا جدّاً واجتهاداً في طلبها، ولهذا السرّ أُري رسول الله وَلّل، ثم
أُنسي. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظا﴾
! هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢ / ٢٧٦١ و٢٧٦٢ و ٢٧٦٣ و٢٧٦٤ و٢٧٦٥
و٢٧٦٦ و٢٧٦٧] (١١٦٥)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)» (١١٥٨) و((فضل ليلة
القدر)) (٢٠١٥) و((التعبير)) (٦٩٩١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٢/٢)،
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٣٣/١.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٢١/٥.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٤٩/٤.

٥٤٣
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
و(مالك) في ((الموطأ)) (٣٢١/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٦٨٨)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩١٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٥/٣)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٧/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨/٢)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٢١٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٧٥)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٤٤/٣ - ٢٤٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٧)
٢٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٦٨/٩ و٤٠١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٣١٠/٤ - ٣١١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل ليلة القدر، والحثّ على طلبها، وبيان محلّها،
وأرجى أوقاتها .
٢ - (ومنها): الأمر بطلبها في العشر الأواخر من رمضان.
قال القسطلانيّ كَّتُهُ: ظاهر الحديث أن طلبها في السبع مستنده الرؤيا،
وهو مشكلٌ؛ لأنه إن كان المعنى إنه قيل لكلّ واحدٍ: هي في السبع، فشرط
التحمّل التمييز، وهم كانوا نياماً، وإن كان معناه: إن كل واحد رأى الحوادث
التي تكون فيها في منامه في السبع، فلا يلزم منه أن تكون هي في السبع، كما
لو رؤيت حوادث القيامة في المنام في ليلة، فإنه لا تكون تلك الليلة محلاً
لقيامها .
وأجيب بأن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر
وجوديّ غير مخالف لقاعدة الاستدلال.
والحاصل أن الاستناد إلى الرؤيا هنا في أمر ثبت استحبابه مطلقاً، وهو
طلب ليلة القدر، وإنما ترجّح السبع الأواخر بسبب الرؤيا الدالة على كونها في
السبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجوديّ لزمه استحباب شرعيّ
مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي، لا أنها ثبت بها حكم، أو أن
الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره *** لها، كأحد ما قيل في رؤيا
الأذان. انتهى (١).
(١) راجع: ((المرعاة)» ١٢٤/٧.

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الأخير هو العمدة، وحاصله أنه إنما اعتمد
على الرؤيا من أجل أن النبيّ وَّه أقرّه، وأمر بالاعتماد عليها، فيكون من
الأمور الثابتة بالنصّ، فلا إشكال، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دالّ على صدقها
وصحتها، كما تستفاد قوّة الخبر من التوارد على الإخبار من جماعة.
٤ - (ومنها): أن قوله: ((من كان متحريها)) يدلّ على أن قيام ليلة القدر
نافلة، غير واجب، لكنها فضل(١).
٥ - (ومنها): أن فيه من وجوه العلم أن ليلة القدر لم يُعْطَها إلا محمد نَّه
وأمته .
٦ - (ومنها): أن فيه أن أعمار من مضى كانت أطول من أعمارنا.
٧ - (ومنها): بيان بقاء ليلة القدر، واستمرارها، وأنها لم تُرْفَع، قال
النوويّ: وأجمع من يُعْتَدّ به على وجودها، ودوامها إلى آخر الدهر؛ للأحاديث
الصحيحة المشهورة، قال القاضي عياض: وشذّ قوم، فقالوا: رُفِعت؛ لقوله وَ له
حين تلاحى الرجلان: ((فرُفِعت))، وهذا غلطٌ من هؤلاء الشاذين؛ لأن آخر
الحديث يَرُدّ عليهم، فإنه وَّ قال: ((وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في
السبع والتسع))، هكذا هو في أول ((صحيح البخاريّ، وفيه تصريح بأن المراد
برفعها رفع بيان علم عينها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها .
انتھی.
وقال في ((شرح المهذب)): وكذا حكى أصحابنا هذا القول عن قوم لم
يسمّهم الجمهور، وسماهم صاحب ((التتمة))، فقال: هو قول الروافض.
(٢) .
انتھی
٨ - (ومنها): أن فيه فضل ليلة القدر، وذلك من اسمها، ومن الأمر
بتحريها وطلبها، وقد أفصح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ
اٌلْقَدْرِ ﴾﴾ [القدر: ١] الآية، وهو مُجْمَعٌ عليه، وقد خَصّ الله تعالى بها هذه
الأمة، فلم تكن لمن قبلهم على الصحيح المشهور، واختُلِف في سبب ذلك،
(١) ((الاستذكار)) ٤١٧/٣.
٠
(٢) ((طرح التثريب)) ١٥١/٤.

٥٤٥
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
فرَوَى الترمذيّ عن الحسن بن علي ◌َّ أن النبي وَل ◌ِ أَرِي بني أمية على منبره،
فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ [الكوثر: ١] يا محمد يعني
نهراً في الجنة، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرِ ﴾﴾ [القدر: ١ - ٣] يملكها بعدك بنو أمية یا
محمد، قال القاسم بن الفضل الحرانيّ أحد رواته: فعددنا، فإذا هي ألف
شهر، لا تنقص يوماً، ولا تزيد يوماً(١).
ورَوَى مالك في ((الموطأ)) أنه سَمِع مَن يَثِق به من أهل العلم يقول: إن
رسول الله لم أُري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر
أعمار أمته، أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر،
فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر.
ورَوَى البيهقيّ في ((سننه)) عن مجاهد مرسلاً أن رسول الله وَ ل* ذكر رجلاً
من بني إسرائيل لَبِسَ السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعَجِب المسلمون من
﴿ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿ لَيْلَةُ
ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ اُلْقَدْرِ
[القدر: ١ - ٣] التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح
اُلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
في سبيل الله ألف شهر.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ بعد ذكره حديث الترمذيّ الذي بدأنا
به: وهذا لا يصحّ، والذي رَوَى مالك من أن النبيّ ◌َ* تقاصر أعمار أمته
أصحّ منه، وأولى، ولذلك أدخله ليبيّن بذلك الفائدة فيه، ويدلّ على بطلان هذا
الحديث. انتهى.
قال وليّ الدين: وفيه نظر؛ فإن البلاغ الذي ذكره مالك لا يُعْرَف له
إسناد، قال ابن عبد البرّ: لا أعلم هذا الحديث يروى مسنداً، ولا مرسلاً من
وجه من الوجوه إلا ما في ((الموطأ))، وهو أحد الأربعة الأحاديث التي لا
توجد في غير ((الموطأ))، قال: وليس منها حديث منكرٌ، ولا ما يدفعه أصل،
(١) في سنده يوسف بن سعد قال الترمذيّ: رجل مجهول، ووثقه غيره، وضعفه الشيخ
الألبانى، وقال: ضعيف الإسناد، مضطرب، ومتنه منكر، انتهى.

٥٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال وليّ الدين: حتى يثبت له أصل، نعم المرسل الذي ذكرناه من عند البيهقيّ
(١)
یشهد له. انتهى(١).
٩ - (ومنها): ما قال الشيخ ابن دقيق العيد كّثُ في ((شرح العمدة)): فیه دلیل
على عِظَم الرؤيا، والاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديات، وعلى
ما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها، وقد تكلم الفقهاء فيما لو رأى النبيّ وَله
في المنام، وأمره بأمر، هل يلزم ذلك؟ وقيل فيه: إن ذلك إما أن يكون مخالفاً لما
ثبت عنه * من الأحكام في اليقظة، أو لا، فإن كان مخالفاً عَمِل بما ثبت في
اليقظة؛ لأنا وإن قلنا إن من رأى النبيّ وَلقر على الوجه المنقول من صفته، فرؤياه
حقٌّ، فهذا من قبيل تعارض الدليلين، والعمل بأرجحهما، وما ثبت في اليقظة،
فهو أرجح، وإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة، ففيه خلاف، والاستناد إلى
الرؤيا هنا في أمر ثبت استحبابه مطلقاً، وهو طلب ليلة القدر، وإنما ترجح السبع
الأواخر بسبب المرائي الدالة على كونها في السبع الأواخر، وهو استدلال على
أمر وجوديّ لزمه استحباب شرعيّ مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي، مع
كونه غير مناف للقاعدة الكلية الثابتة من استحباب طلب ليلة القدر. انتهى.
ونقل ابن الصلاح في ((فوائد الرحلة))، عن كتاب ((آداب الجدل)) لأبي
إسحاق الإسفرايينيّ وجهين فيما إذا رأى شخص النبيّ ◌َّ في النوم، وقال له:
غداً من رمضان، هل يَعْمَل به أم لا؟ وحكى القاضي عياض الإجماع على أنه
لا يَعْمَلُ به، ذكره وليّ الدين تَخْذُ(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
١٠ - (ومنها): ما قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: الحكمة في إخفاء
ليلة القدر؛ أن يحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عُيِّنت لها ليلة
لاقتصر عليها، كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة، وهذه الحكمة مُطَّردة عند من
يقول: إنها في جميع السنة، وفي جميع رمضان، أو في جميع العشر الأخير،
أو في أوتاره خاصّةً، إلا أن الأول، ثم الثاني أليق به، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٠/٤ - ١٥١.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٥٢/٤.
(٣) ((الفتح)) ٤٦٩/٥.

٥٤٧
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
١١ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي هذه الأحاديث ردٌّ لقول أبي
الحسن الحوليّ المغربيّ: إنه اعتبر ليلة القدر، فلم تفته طول عمره، وإنها تكون
دائماً ليلة الأحد، فإن كان أول الشهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين، وهُلُمّ
جَرّاً، ولزم من ذلك أن تكون في ليلتين من العشر الوسط؛ لضرورة أن أوتار
العشر خمسة، وعارضه بعض من تأخر عنه، فقال: إنها تكون دائماً ليلة الجمعة،
وذكر نحو قول أبي الحسن، وكلاهما لا أصل له، بل هو مخالف لإجماع
الصحابة ◌ّ في عهد عمر ظه، وهذا كاف في الردّ، وبالله التوفيق. انتهى(١).
١٢ - (ومنها): أنه ورد لليلة القدر علامات، أكثرها لا تظهر إلا بعد أن
تمضي :
منها ما يأتي في ((صحيح مسلم)) عن أبي بن كعب ظله: ((إن الشمس
تطلع في صبيحتها لا شعاع لها))، وفي رواية لأحمد من حديثه: ((مثل
الطست))، ونحوه لأحمد من طريق أبي عون، عن ابن مسعود، وزاد:
((صافية))، ومن حديث ابن عباس نحوه، ولابن خزيمة من حديثه مرفوعاً: ((ليلة
القدر طَلْقَةٌ، لا حارّة، ولا باردة، تُصبح الشمس يومها حمراء، ضعيفةً))،
ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت ◌ُه مرفوعاً: ((إنها صافية، بَلْجَةٌ(٢)،
كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة، صاحية، لا حرّ فيها، ولا برد، ولا يَحِلّ
لکو کب یُرمَی به فیھا».
ومن أماراتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع،
مثل القمر ليلة البدر، ولا يَحِلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذ.
ولابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود وته أيضاً: ((إن الشمس تطلع كل
يوم بين قرني شيطان، إلا صبيحة ليلة القدر)).
وله من حديث جابر بن سمرة رظُه مرفوعاً: ((ليلة القدر ليلةُ مطر،
، مرفوعاً في ليلة القدر: ((وهي ليلة
وریح))، ولا بن خزيمة من حديث جابر
طَلْقة بَلْجَةٌ، لا حارّةٌ، ولا باردةٌ، تتضح كواكبها، ولا يخرج شيطانها، حتى
يضيء فجرها)).
(١) ((الفتح)) ٤٧٠/٥.
(٢) أي: مشرقة.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
ومن طريق قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة ظُبه مرفوعاً: ((وإن
الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى)).
وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد: ((لا يُرْسَل فيها شيطان، ولا
يَحْدُث فيها داء)).
ومن طريق الضحاك: ((يَقْبَل الله التوبة فيها من كل تائب، وتفتح فيها
أبواب السماء، وهي من غروب الشمس إلى طلوعها)).
وذكر الطبريّ عن قوم: أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض،
ثم تعود إلى منابتها، وأن كل شيء يسجد فيها .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا يحتاج إلى دليل مرفوع، فتنبّه.
وروى البيهقي في ((فضائل الأوقات)) من طريق الأوزاعيّ، عن عبدة بن
أبي لبابة، أنه سمعه يقول: ((إن المياه المالحة تعذُب تلك الليلة))، وروى ابن
عبد البر من طريق زهرة بن معبد نحوه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول عبدة هذا يحتاج إلى دليل مرفوع، فلْيُتَنَبَّه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان أقوال أهل العلم في تسمية ليلة القدر،
واشتقاقها ومعناها :
قال النوويّ ◌َلَتُهُ: قال العلماء: وسُمّيت ليلة القدر؛ لما يُكتَب فيها
للملائكة من الأقدار، والأرزاق، والآجال التي تكون في تلك السنة، كقوله
تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾﴾ [الدخان: ٤]، وقوله تعالى: ﴿فَزَّلُ
﴾ [القدر: ٤]، ومعناه يُظْهَر للملائكة
الْمَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمٍْ
ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله
تعالى به، وتقديره له، وقيل: سُمِّيت ليلة القدر؛ لعظم قدرها وشرفها.
انتھی(٢).
وقال في ((الفتح)): واختُلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة،
فقيل: المراد به التعظيم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الزمر: ٦٧]،
(١) ((الفتح)) ٤٥٩/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٥٧/٨.

٥٤٩
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
والمعنى أنها ذات قدر؛ لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزّل الملائكة،
أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يُحييها يصير ذا
قدر، وقيل: القدر هنا التضييق، كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:
٧]، ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها
عن الملائكة، وقيل: القدر هنا بمعنى القدَر - بفتح الدال ــ الذي هو مؤاخي
القضاء، والمعنى أنه يُقَدَّر فيها أحكام تلك السنة؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ
أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ [الدخان: ٤]، وبه صدَّر النووي كلامه السابق، ورواه عبد الرزاق
وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم.
وقال التوربشتيّ: إنما جاء القدر - بسكون الدال - وإن كان الشائع في
القدَر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال؛ ليعلم أنه لم يُرَد به ذلك، وإنما أريد
به تفصيل ما جَرى به القضاء، وإظهاره، وتحديده في تلك السنة؛ لتحصيل ما
يُلقى إليهم فيها مقداراً بمقدار. انتهى(١).
وقال وليّ الدين تَخّْثُهُ: ليلة القدر - بفتح القاف، وإسكان الدال، ويجوز
فتحها كما سأبيّنه - سُمّيت بذلك؛ لعظم قدرها؛ لما لها من الفضائل، أي ذات
القدر العظيم، أو لما يَحْصُل لمحييها بالعبادة من القدر العظيم، أو لأن
الأشياء تقدَّر فيها، وتُقْضَى، أقوال.
قال: ويؤيد الأوَّلَين قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
[القدر: ٣]، ويؤيد الأخير قوله: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ
أمٍّ ﴾﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ [الدخان: ٤]،
وإنما جَوَّزت فتح الدال؛ لأنها إن كانت سميت بذلك لعظم قدرها، فقد قال
في ((الصحاح))(٢): قَدْرُ الشيءِ مَبْلَغُهُ، وقَدَرُ اللهِ، وقَدْرُه بمعنى، وهو في الأصل
مصدر، وقال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِةٍ﴾ [الحجّ: ٧٤]، أي ما
عظموا الله حق تعظيمه، وإن كان من التقدير، فقد قال في ((الصحاح)) عقبه:
والقَدَرُ والقَدْرُ أيضاً ما يُقَدِّره الله من القضاء، وأنشد الأخفش [من الطويل]:
وَلِلأَمْرِ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي
أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالْقَدْرِ
(١) ((الفتح)) ٤٥١/٥ - ٤٥٢.
(٢) ((الصحاح)) ٦٧٢/٢.

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وكذا قال في ((المحكم)): القَدَر والْقَدْر: القضاء. انتهى.
وقال ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ)): هي ليلة القَدْر والقَدَر، فأما الأول
فالمراد به الشرف، كقولهم: لفلان قَدْرٌ في الناس، يَعْنُون بذلك مزيةً وشرفاً،
والثاني القَدَر بمعنى التقدير، قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
،
قال علماؤنا: يُلقي الله فيها لملائكته ديوان العام. انتهى.
وهو يوهم أنه لا يجوز مع تسكين الدال إرادة التقدير، وليس كذلك،
كما علمتَ، وقد جَوَّز المفسرون في الآية إرادة الشرف والتقدير، مع كونه لم
يُقْرَأ إلا بالإسكان، وجزم الهرويّ، وابن الأثير في تفسيرها بالتقدير، فقالا:
وهي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق، وتُقْضَى، وصححه النوويّ، فقال في ((شرح
المهذب)»: سُمِّيت ليلة القدر، أي ليلة الحكم والفصل، هذا هو الصحيح
المشهور، وحكاه في ((شرح مسلم)) عن العلماء. انتهى كلام وليّ الدين تَخْدَتْهُ(١)،
وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محلّ ليلة القدر:
قال في ((الفتح)): قد اختَلَف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً،
وتحصّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً، كما وقع لنا نظير ذلك
في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كل منهما؛ ليقع الجدّ في طلبهما:
[القول الأول]: أنها رُفِعت أصلاً ورأساً، حكاه المتولي في ((الَّتِمّة)) عن
الروافض، والفاكهانيّ في ((شرح العمدة)) عن الحنفية، وهو خطأ منه، والذي
حكاه السروجيّ أنه قول الشيعة، وقد رَوَى عبد الرزاق، من طريق داود بن أبي
عاصم، عن عبد الله بن يُحَنَّس، قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رُفعت،
قال: كَذَب من قال ذلك، ومن طريق عبد الله بن شريك قال: ذَكَر الحجاج ليلة
القدر، فكأنه أنكرها، فأراد زِرّ بن حُبيش أن يحصبه فمنعه قومه.
[الثاني]: أنها خاصة بسنة واحدة، وقعت في زمن رسول الله وَلقول، حكاه
الفاكهانيّ أيضاً.
[الثالث]: أنها خاصّة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٤/٤.

٥٥١
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
حبيب وغيره من المالكية، ونقله عن الجمهور، وحكاه صاحب ((العدّة)) من
الشافعية، ورجّحه، وهو مُعْتَرض بحديث أبي ذرّ ◌َظُه عند النسائيّ، حيث قال
فيه: قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء، فإذا ماتوا رُفعت؟ قال: ((لا بل
هي باقية))، وعُمدتهم قول مالك في ((الموطأ)): بلغني أن رسول الله وَليقو تقاصر
أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية، فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا يَحْتَمِل
التأويل، فلا يدفع التصريح في حديث أبي ذرّ.
[الرابع]: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية،
حكاه قاضيخان، وأبو بكر الرازيّ منهم، ورُوي مثله عن ابن مسعود، وابن
عباس، وعكرمة، وغيرهم، وزَيَّف المهلَّب هذا القول، وقال: لعل صاحبه بناه
على دوران الزمان؛ لنقصان الأهلة، وهو فاسد؛ لأن ذلك لم يعتبر في صيام
رمضان، فلا يعتبر في غيره، حتى تنقل ليلة القدر عن رمضان. انتهى.
ومأخذ ابن مسعود، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أَبيّ بن كعب، أنه
أراد أن لا يتكل الناس.
[الخامس]: أنها مختصة برمضان، ممكنة في جميع لياليه، وهو قول ابن
عمر. رواه ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح عنه، ورُوي مرفوعاً عنه، أخرجه أبو
داود، وفي ((شرح الهداية)): الجزم به، عن أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر،
والمحامليّ، وبعض الشافعية، ورجحه السبكيّ في ((شرح المنهاج))، وحكاه ابن
الحاجب روايةً، وقال السروجيّ في ((شرح الهداية)): قول أبي حنيفة أنها تنتقل
في جميع رمضان، وقال صاحباه: إنها في ليلة معينة منه مبهمة، وكذا قال
النسفيّ في ((المنظومة)):
وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ بِكُلِّ الشَّهْرِ دَائِرَةٌ وَعَيَّنَاهَا فَادْرِ. اهـ.
وهذا القول حكاه ابن العربيّ عن قوم، وهو [السادس].
[السابع]: أنها أول ليلة من رمضان، حُكِي عن أبي رَزِين الْعُقَيليّ
الصحابيّ ◌َبه، ورَوى ابن أبي عاصم من حديث أنس ◌َظُه قال: ((ليلة القدر
أول ليلة من رمضان))، قال ابن أبي عاصم: لا نعلم أحداً قال ذلك غيره.
[الثامن]: أنها ليلة النصف من رمضان، حكاه سراج الدين ابن الْمُلَفِّن
في ((شرح العمدة))، قال الحافظ: والذي رأيت في ((المفهم)) للقرطبيّ حكاية

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قول أنها ليلة النصف من شعبان، وكذا نقله السروجيّ عن صاحب ((الطراز))،
فإن كانا محفوظين، فهو: [القول التاسع]، ثم رأيت في ((شرح السروجيّ)) عن
((المحيط)) أنها في النصف الأخير.
[العاشر]: أنها ليلة سبع عشرة من رمضان، رَوَى ابن أبي شيبة،
والطبرانيّ من حديث زيد بن أرقم ظ ◌ُبه قال: ما أشكّ، ولا أمتري أنها ليلة
سبع عشرة من رمضان، ليلة أُنزل القرآن، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود
أيضاً .
[القول الحادي عشر]: أنها مبهمة في العشر الأوسط، حكاه النوويّ،
وعزاه الطبريّ لعثمان بن أبي العاص، والحسن البصريّ، وقال به بعض
الشافعية.
[القول الثاني عشر]: أنها ليلة ثمان عشرة، قال الحافظ: قرأته بخط
القطب الحلبيّ في ((شرحه))، وذكره ابن الجوزيّ في ((مشكله)).
[القول الثالث عشر]: أنها ليلة تسع عشرة، رواه عبد الرزاق، عن عليّ،
وعزاه الطبريّ لزيد بن ثابت، وابن مسعود، ووصله الطحاويّ عن ابن مسعود.
[القول الرابع عشر]: أنها أول ليلة من العشر الأخير، واليه مال
الشافعيّ، وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكيّ: إنه ليس مجزوماً
به عندهم؛ لاتّفاقهم على عدم حنث مَن عَلَّق يوم العشرين عتق عبده في ليلة
القدر أنه لا يَعْتَق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح؛ بناءً على أنها
في العشر الأخير، وقيل: بانقضاء السنة؛ بناء على أنها لا تختص بالعشر
الأخير، بل هي في رمضان.
[القول الخامس عشر]: مثل الذي قبله، إلا أنه إن كان الشهر تامّاً، فهي
ليلة العشرين، وإن كان ناقصاً فهي ليلة إحدى وعشرين، وهكذا في جميع
الشهر، وهو قول ابن حزم، وزعم أنه يجمع بين الأخبار بذلك، ويدلّ له ما
رواه أحمد، والطحاويّ، من حديث عبد الله بن أنيس قال: سمعت
رسول الله صل* يقول: ((التمسوها الليلة))، قال: وكانت تلك الليلة ليلة ثلاث
وعشرين، فقال رجل: هذه أولى بثمان بقين، قال: بل أولى بسبع بقين، فإن
هذا الشهر لا يتم.

٥٥٣
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
[القول السادس عشر]: أنها ليلة اثنين وعشرين، وسيأتي حكايته بعدُ،
وروى أحمد من حديث عبد الله بن أنيس، أنه سأل رسول الله صل﴿ عن ليلة
القدر، وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال: ((كم الليلة؟)) قلت: ليلة اثنين
وعشرين، فقال: ((هي الليلة، أو القابلة)).
[القول السابع عشر]: أنها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن
أنيس مرفوعاً: ((أريت ليلة القدر، ثم نسيتها))، فذكر مثل حديث أبي سعيد،
لكنه قال فيه: ليلة ثلاث وعشرين، بدل إحدى وعشرين، وعنه قال: قلت: يا
رسول الله إن لي باديةً أكون فيها، فمرني بليلة القدر، قال: ((انزل ليلة ثلاث
وعشرين))، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن معاوية، قال: ليلة القدر ليلة
ثلاث وعشرين، ورواه إسحاق في ((مسنده) من طريق أبي حازم، عن رجل من
بني بياضة له صحبة مرفوعاً، وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: ((من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعة))، وكان
أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويَمَسّ الطيب، وعن ابن جريج، عن
عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين،
وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف، سمع سعيد بن المسيب يقول:
استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين، ومن طريق إبراهيم، عن
الأسود، عن عائشة ثا، ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث
وعشرین.
[القول الثامن عشر]: أنها ليلة أربع وعشرين، وفي ((صحيح البخاريّ)) من
حديث ابن عباس ربه: ((التمسوا في أربع وعشرين))، وروى الطيالسيّ من
طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعاً: ((ليلة القدر ليلة أربع وعشرين))،
ورُوي ذلك عن ابن مسعود، والشعبيّ، والحسن، وقتادة، وحجتهم حديث
واثلة: أن القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان، ورَوَى أحمد من طريق ابن
لَهِيعة، عن يزيد بن أبي الخير الصنابحيّ، عن بلال مرفوعاً: ((التمسوا ليلة
القدر ليلة أربع وعشرين))، وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه، فقد رواه عمرو بن
الحارث، عن يزيد بهذا الإسناد موقوفاً بلفظ: ((ليلة القدر أول السبع من العشر
الأواخر)).

٥٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
[القول التاسع عشر]: أنها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن العربيّ في
(العارضة))، وعزاه ابن الجوزيّ في ((المشكل)) لأبي بكرة.
[القول العشرون]: أنها ليلة ست وعشرين، قال الحافظ: وهو قول لم
أره صريحاً إلا أن عياضاً قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخير إلا وقد
قيل: إنها فيه .
[القول الحادي والعشرون]: أنها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادة من
مذهب أحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وبه جزم أُبَيّ بن كعب، وحَلَف عليه كما
أخرجه مسلم، وروى مسلم أيضاً من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة قال:
تذاكرنا ليلة القدر، فقال عمر: ((أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شق جَفْنة؟))،
قال أبو الحسن الفارسيّ: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك
الصفة، وروى الطبرانيّ من حديث ابن مسعود، سئل رسول الله وَلو عن ليلة
القدر، فقال: ((أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟)) قلت: أنا، وذلك ليلة سبع
وعشرين، ورواه ابن أبي شيبة عن عمر، وحذيفة، وناس من الصحابة، وفي
الباب عن ابن عمر عند مسلم: رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين،
ولأحمد من حديثه مرفوعاً: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين))، ولابن المنذر: ((من
كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين))، وعن جابر بن سَمُرة نحوه، أخرجه
الطبراني في «أوسطه))، وعن معاوية نحوه، أخرجه أبو داود، وحكاه صاحب
((الحلية)) من الشافعية عن أكثر العلماء، وقد تقدّم استنباط ابن عباس عند عمر
فیه، وموافقته له(١).
(١) أشار به إلى ما رواه عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة وعاصم، أنهما سمعا
عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر أصحاب رسول الله صل*، فسألهم عن ليلة
القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني
لأعلم، أو أظن أيّ ليلة هي. قال عمر: أيّ ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي، أو
سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال: من أين علمت ذلك؟ قلت: خلق الله سبع
سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خُلق من
سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف والجمار، وأشياء ذكرها،
فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فَطِنّا له.
=

٥٥٥
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
وزعم ابن قدامة أن ابن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة، وقد
وافق قوله فيها: ﴿هِىَ﴾ سابع كلمة بعد العشرين، وهذا نقله ابن حزم عن بعض
المالكية، وبالغ في إنكاره، ونقله ابن عطية في ((تفسيره))، وقال: إنه من مُلَح
التفاسير، وليس من متين العلم، واستنبط بعضهم ذلك في جهة أخرى، فقال:
ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في السورة ثلاث مرات، فذلك سبع
وعشرون.
وقال صاحب ((الكافي)) من الحنفية، وكذا ((المحيط)): من قال لزوجته:
أنت طالق ليلة القدر طلقت ليلة سبع وعشرين؛ لأن العامة تعتقد أنها ليلة القدر.
[القول الثاني والعشرون]: أنها ليلة ثمان وعشرين، وقد تقدم توجيهه قبلُ
بقول.
[القول الثالث والعشرون]: أنها ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربيّ.
[القول الرابع والعشرون]: أنها ليلة ثلاثين، حكاه عياض، والسروجيّ
في ((شرح الهداية))، ورواه محمد بن نصر، والطبريّ عن معاوية، وأحمد من
طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة حظ لته.
[القول الخامس والعشرون]: أنها في أوتار العشر الأخير، وعليه يدلّ
حديث عائشة وغيرها، في هذا الباب، وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو
ثور، والمزنيّ، وابن خزيمة، وجماعة من علماء المذاهب.
وأخرجه إسحاق ابن راهويه في ((مسنده))، والحاكم من طريق عاصم بن كليب، عن
=
أبيه، عن ابن عباس، وأوله: إن عمر كان إذا دعا الأشياخ من الصحابة قال لابن
عباس: لا تتكلم حتى يتكلموا، فقال ذات يوم: إن رسول الله وسلم قال: ((التمسوا
ليلة القدر في العشر الأواخر وتراً))، أيّ الوتر هي؟ فقال رجل برأيه: تاسعة،
سابعة، خامسة، ثالثة، فقال لي: ما لك لا تتكلم يا ابن عباس؟ قلت: أتكلم
برأي؟ قال: عن رأيك أسألك، قلت، فذكر نحوه، وفي آخره: فقال عمر:
أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام الذي ما استوت شئون رأسه.
ورواه محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من هذا الوجه، وزاد فيه: وأن الله جعل
النسب في سبع، والصهر في سبع، ثم تلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ﴾ [النساء:
٢٣]، وفي رواية الحاكم: إني لأرى القول كما قلت. انتهى.

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
[القول السادس والعشرون]: مثله بزيادة الليلة الأخيرة، رواه الترمذيّ من
حديث أبي بكرة، وأحمد من حديث عبادة بن الصامت.
[القول السابع والعشرون]: تنتقل في العشر الأخير كله، قاله أبو قلابة،
ونَصّ عليه مالك، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وزعم الماورديّ أنه مُتَّفق
عليه، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر
الأخير، ثم اختلفوا في تعيينها منه، ويؤيد كونها في العشر الأخير حديث أبي
سعيد الصحيح: أن جبريل قال للنبيّ وَّهَ ـ لَمّا اعتكف العشر الأوسط -: ((إن
الذي تطلب أمامك))، وقد ثبت ذكر اعتكافه ليه العشر الأخير في طلب ليلة
القدر، واعتكاف أزواجه بعده، والاجتهاد فيه.
واختَلَف القائلون به، فمنهم من قال: هي فيه مُحْتَمِلة على حدّ سواء،
نقله الرافعيّ عن مالك، وضعّفه ابن الحاجب، ومنهم من قال: بعض لياليه
أرجى من بعض، فقال الشافعيّ: أرجاه ليلة إحدى وعشرين، وهو [القول
الثامن والعشرون]، وقيل: أرجاه ليلة ثلاث وعشرين، وهو [القول التاسع
والعشرون]، وقيل: أرجاه ليلة سبع وعشرين، وهو [القول الثلاثون].
[القول الحادي والثلاثون]: أنها تنتقل في السبع الأواخر، وقد تقدم بيان
المراد منه في حديث ابن عمر، هل المراد ليالي السبع من آخر الشهر، أو آخر
سبعة تُعَدّ من الشهر؟ ويخرّج من ذلك [القول الثاني والثلاثون].
[القول الثالث والثلاثون]: أنها تنتقل في النصف الأخير، ذكره صاحب
((المحيط)) عن أبي يوسف ومحمد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب
((التقریب)).
[القول الرابع والثلاثون]: أنها ليلة ست عشرة، أو سبع عشرة، رواه
الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزبير.
[القول الخامس والثلاثون]: أنها ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو
إحدى وعشرين، رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بإسناد ضعيف.
[القول السادس والثلاثون]: أنها في أول ليلة من رمضان، أو آخر ليلة،
رواه ابن أبي عاصم من حديث أنس بإسناد ضعيف.
[القول السابع والثلاثون]: أنها أول ليلة، أو تاسع ليلة، أو سابع عشرة،

٥٥٧
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
أو إحدى وعشرين، أو آخر ليلة، رواه ابن مردويه في ((تفسيره))، عن أنس
پإسناد ضعيف.
[القول الثامن والثلاثون]: أنها ليلة تسع عشرة، أو إحدى عشرة، أو
ثلاث وعشرين، رواه أبو داود من حديث ابن مسعود بإسناد فيه مقال،
وعبد الرزاق من حديث عليّ بإسناد منقطع، وسعيد بن منصور من حديث
عائشة بإسناد منقطع أيضاً.
[القول التاسع والثلاثون]: ليلة ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو
مأخوذ من حديث ابن عباس عند البخاريّ، حيث قال: ((سبع يبقين، أو سبع
يمضين))، ولأحمد من حديث النعمان بن بشير: ((سابعة تمضي، أو سابعة
تَبْقَى))، قال النعمان: فنحن نقول: ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث
وعشرین.
[القول الأربعون]: ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس
وعشرين، كما في ((صحيح البخاريّ)) من حديث عبادة بن الصامت ظاه: أن
رسول الله وَ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال:
((إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى
أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع، والتسع، والخمس)).
ولأبي داود من حديثه بلفظ: ((تاسعة تبقى، سابعة تبقى، خامسة تبقى))،
قال مالك في ((المدونة)): قوله: ((تاسعة تبقى)) ليلة إحدى وعشرين إلخ.
[القول الحادي والأربعون]: أنها منحصرة في السبع الأواخر من رمضان؛
لحديث ابن عمر في الباب.
[القول الثاني والأربعون]: أنها ليلة اثنتين وعشرين، أو ثلاث وعشرين؛
لحديث عبد الله بن أنيس عند أحمد.
[القول الثالث والأربعون]: أنها في أشفاع العشر الوسط، والعشر
الأخير، قال الحافظ: قرأته بخط مغلطاي.
[القول الرابع والأربعون]: أنها ليلة الثالثة من العشر الأخير، أو الخامسة
منه، رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل عظته، والفرق بينه وبين ما تقدم أن
الثالثة تَحْتَمِل ليلة ثلاث وعشرين، وتَحْتَمل ليلة سبع وعشرين، وتحتمل إلى

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
أنها ليلة ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، وبهذا يتغاير
هذا القول مما مضى.
[القول الخامس والأربعون]: أنها في سبع، أو ثمان من أول النصف
الثاني، روى الطحاوي من طريق عطية بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، أنه سأل
النبيّ ◌َ﴿ عن ليلة القدر، فقال: ((تحرَّها في النصف الأخير))، ثم عاد، فسأله،
فقال: ((إلى ثلاث وعشرين))، قال: وكان عبد الله يحيي ليلة ست عشرة إلى ليلة
ثلاث وعشرين، ثم يقصر.
[القول السادس والأربعون]: أنها في أول ليلة، أو آخر ليلة، أو الوتر من
الليل، أخرجه أبو داود في ((كتاب المراسيل)) عن مسلم بن إبراهيم، عن أبي
خَلْدة، عن أبي العالية: أن أعرابياً أتى النبيّ وَّ، وهو يصلي، فقال له: متى
ليلة القدر؟ فقال: ((اطلبوها في أول ليلة، وآخر ليلة، والوتر من الليل))، وهذا
مرسل رجاله ثقات.
قال الحافظ: وجميع هذه الأقوال التي حكيناها بعد الثالث، فَهَلُمّ جَرّاً
متفقة على إمكان حصولها، والحثّ على التماسها .
وقال ابن العربيّ: الصحيح أنها لا تُعْلَم، وهذا يصلح أن يكون قولاً
آخر، وأنكر هذا القول النوويّ، وقال: قد تظاهرت الأحاديث بإمكان العلم
بها، وأخبر به جماعة من الصالحين، فلا معنى لإنكار ذلك.
ونَقَل الطحاوي عن أبي يوسف قولاً جَوَّز فيه أنه يرى أنها ليلة أربع
وعشرين، أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك عنه، فهو قول آخر. قال: هذا آخر
ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن ردّه إلى بعض، وإن كان ظاهرها
التغاير، وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، كما يفهم
من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند
الشافعية ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، على ما في حديث أبي
سعيد، وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين، وقد
(١)
تقدمت أدلة ذلك. انتهى
(١) ((الفتح)) ٥/ ٤٦٣ - ٤٦٩.

٥٥٩
(٤٢) - بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، .... إلخ - حديث رقم (٢٧٦١)
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ تَظُّ وأفاد في جمع هذه
الأقوال، وبيان أدلّتها، ثم رجّح أخيراً ما رآه راجحاً بدليله، والذي أراه راجحاً
عندي هو ما ذهب إليه الجمهور من أن أرجاها ليلة سبع وعشرين؛ لقوّة حجته،
فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم هل لليلة القدر علامة أم
لا؟ :
(اعلم): أنهم اختلفوا هل لها علامة تَظْهَر لمن وُفِّقت له أم لا؟ فقيل:
يُرَى كل شيء ساجداً، وقيل: الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع
المظلمة، وقيل: يَسمع سلاماً أو خطاباً من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة
دعاء من وُفِّقت له، واختار الطبريّ أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط
لحصولها رؤية شيء، ولا سماعه.
واختلفوا أيضاً، هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتَّفَق له أنه قامها،
وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها له؟ وإلى الأول ذهب
الطبريّ، والمهلب، وابن العربيّ، وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثر، ويدلّ له
ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة به بلفظ: ((من يقم ليلة القدر،
فيوافقها))، وفي حديث عبادة عند أحمد: ((من قامها إيماناً واحتساباً، ثم وُفِّقت
له))، قال النوويّ: معنى يوافقها: أي يعلم أنها ليلة القدر، فيوافقها. ويَحْتَمِل
أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأظهر، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
وفي حديث زِرّ بن حُبيش عن ابن مسعود قال: من يقم الحول يصب ليلة
القدر، قال الحافظ: وهو مُحْتَمِل للقولين أيضاً، وقال النوويّ أيضاً في
حديث: ((من قام رمضان))، وفي حديث: ((من قام ليلة القدر)): معناه من قامه،
ولو لم يوافق ليلة القدر حصل له ذلك، ومن قام ليلة القدر فوافقها حصل له،
وهو جار على ما اختاره من تفسير الموافقة بالعلم بها، قال الحافظ: وهو الذي
يترجح في نظري، ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر،
وإن لم يعلم بها، ولو لم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين

٥٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
الموعود به، وفرّعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون
شخص، فيُكْشَف لواحد، ولا يكشف لآخر، ولو كانا معاً في بيت واحد.
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير ((يوافقها)) بالعلم محلّ نظر، بل الأقرب
أنه الموافقة بمعنى كون الشخص موفّقاً لقيامها، فتأمل.
وقال الطبريّ كَّثُ: في إخفاء ليلة القدر دليل على كَذِب من زعم أنه
يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السنة؛ إذ لو كان ذلك حقّاً لم
يْفَ على كل من قام ليالي السنة فضلاً عن ليالي رمضان.
وتعقبه ابن الْمُنَيِّر كَظُّهُ في ((الحاشية)) بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب
لذلك، بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده،
فيختص بها قوم دون قوم، والنبيّ ◌َّي لم يحصر العلامة، ولم ينف الكرامة،
وقد كانت العلامة في السنة التي حكاها أبو سعيد نزول المطر، ونحن نَرَى
كثيراً من السنين ينقضي رمضان دون مطر، مع اعتقادنا أنه لا يخلو رمضان من
ليلة القدر، قال: ومع ذلك فلا نعتقد أن ليلة القدر لا ينالها إلا من رأى
الخوارق، بل فضل الله واسع، ورب قائم تلك الليلة لم يحصل منها إلا على
العبادة، من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخارق من غير عبادة، والذي حصل
على العبادة أفضل، والعبرة إنما هي بالاستقامة، فإنها تستحيل أن تكون إلا
كرامة، بخلاف الخارق، فقد يقع كرامة، وقد يقع فتنة، والله أعلم. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿َ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي
السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.