Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ (٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢١) الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى، واشتغل ببعض أمره، قال الترمذيّ: كأن ابن المبارك جَمَعَ بين الحديثين بذلك(١). وحاصله أن الرواية الأولى مفسِّرة للثانية مخَصِّصةٌ لها، وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز، قليل الاستعمال. واستبعده الطيبيّ، قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوّز، فتفسيره بالبعض منافٍ له، قال: فَيُحْمَل على أنه كان يصوم شعبان كله تارةً، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يتوهم أنه واجبٌ كله کرمضان. وقيل: المراد بقولها: ((كله)) أنه كان يصوم من أوله تارةً، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طوراً، فلا يُخْلِي شيئاً منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. وقال الزين ابن الْمُنِّير: إما أن يُحْمَل قولُ عائشة ◌ًَّا على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يُجْمَع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه کان یصومه کله. انتھی. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﴿يّا عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائيّ، ولفظه: ((ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان))، وهو (١) وقال الحافظ العراقيّ تَّثُ متعقباً لهذا الجمع: هذا فيه ما فيه؛ لأنه قال فيه: ((إلَّا شعبان ورمضان)»، فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه، وإن مشى ذلك، فإنما يمشي على رأي من يقول: إن اللفظ الواحد يُحْمَل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول. انتهى. قال العينيّ كَّلُ: لا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضاً؛ لأن من قال ذلك، قال في اللفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان. انتهى. ((عمدة القاري)) (٨٣/١١). ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام مثل حديث ابن عباس يا الآتي بعد حديث عائشة طبقاً(١). [فائدة]: ((شعبان)): اسم من أسماء الشهور، غير منصرف؛ للعلميّة وزيادة الألف والنون، كرمّان، وجمعه شعبانات، وشَعَابين، أفاده في ((المصباح))(٢). وإنما سُمّي شعبان به؛ لتشعّبهم، أي تفرّقهم في طلب المياه، وقيل: في الغارات بعد أن يَخْرُج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل: إنما سُمّي شعبان؛ لأنه شَعَبَ، أي ظهر بين شهري رمضان ورَجَب، قاله في ((الفتح))، و((اللسان))(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٢١/٣٦ و٢٧٢٢ و٢٧٢٣] (١١٥٦) و(٧٨٢)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٦٩)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٣٢٤/٢)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٩٩/٤ - ٢٠٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣٠٩/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٤٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧/٦ و١٥٣ و٢٤٢) و((الكبرى)) (٨٣/٢ و١١٩ و١٧٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣/ ٣٠٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٤٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢/ ٢٢٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٢/٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٤٣٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٢/٤ و٢٩٩) و((المعرفة)) (٤٤٢/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان هدي النبيّ وَّر في صوم التطوّع. ٢ - (ومنها): بيان استحباب أن لا يخلو شهر من الشهور عن صوم التطوّع. (١) راجع: ((الفتح)) ٣٨٧/٥. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣١٤/١. (٣) ((الفتح)) ٣٨٦/٥، و((لسان العرب)) ٥٠٢/١. ٤٢٣ (٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢١) ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على فضل الصوم في شعبان. ٤ - (ومنها): بيان إكثاره وَطير من صوم شعبان. [فإن قلت]: كيف تجمع بين إكثاره وقليل الصوم في شعبان مع قوله وَلّى: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم))؟، رواه مسلم. [قلت]: أجاب النوويّ كَّلُ عنه بأنه يَحْتَمِل أن يكون ◌َِّ ما عَلِم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتَّفَق له فيه من الأعذار بالسفر، أو المرض مثلاً ما منعه من كثرة الصوم فيه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكمة إكثار النبيّ وَطقه من صوم شعبان، وتخصيصه بذلك من بين سائر الشهور: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: فقيل: سببه أنه وَ لو كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر، أو غيره، فتجتمع، فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطّال، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن عائشة ﴿يا: كان رسول الله وَل و يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أَخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان. وابن أبي ليلى ضعيف، وحديث الباب دالٌ على ضعف ما رواه. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر، أخرجه الترمذيّ من طريق صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس ظُبه، قال: سئل النبيّ وَّهِ: أَيُّ الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان لتعظيم رمضان))، قال الترمذيّ: حديث غريبٌ، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. قال الحافظ: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة تظيته مرفوعاً: ((أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم)). وقيل: الحكمة في إكثاره وّر من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كُنّ يقضين ما عليهنّ من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدم في الحكمة (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٣٧/٨. ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام في كونِهِنّ كُنّ يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهنّ كُنّ يشتغلن معه ◌َّر عن الصوم. وقيل: الحكمة في ذلك أنه يَعْقُبه رمضان وصومه مفترَضٌ وکان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان. قال الحافظ تَخّلُ: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصحّ مما مضى، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد ﴿ه قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ((ذلك شهر يَغْفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرْفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرْفَع عملي، وأنا صائم)). ونحوه من حديث عائشة ها عند أبي يعلى، لكن قال فيه: ((إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم)). قال: ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يُحْمَل النهي على من لم تَدخُل تلك الأيام في صيام اعتاده. انتهى كلام الحافظ تَُّ))(١)، وهو بحث نفيسٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَنْ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَن ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةً ﴿َّ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِماً مِنْ شَهْرٍ قَطَّ (١) ((الفتح)) ٣٨٨/٥. ٤٢٥ (٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَهِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢٣) أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً. ٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) - بفتح اللام - هو: عبد الله بن أبي لبيد، أبو المغيرة المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] مات سنة بضع و(١٣) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٥٦/٤٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً) قال القرطبيّ تَكْثُهُ: قيل: إن الكلام الأول يفسِّره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يوافق قولها هذا مع قولها: ((ما رأيته أكثر صوماً منه في شعبان))، وكذلك قال ابن عبَّاس ها: ((إنه وَّر ما صام شهراً غير رمضان))، وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة کله، ومرة ینقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه. وقيل في قولها: ((كان يصوم شعبان كله)): أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره، ولا يخص شيئاً منه، ولا يعمُّه بصيام، وهذا أبعدها، وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذَّهُ(١) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْشُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٢٣] (٧٨٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ خُنَا، قَالَتَّْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ (١) ((المفهم)) ٢٢٣/٣. ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام يَقُولُ: ((خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا))، وَكَانَ يَقُولُ: ((أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً . ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثَبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ) تقدّم شرح هذا الكلام في «كتاب صلاة المسافرين وقصرها)) [١٨٢٧/٣٢] (٧٨٢)، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وقال في ((الفتح)): مناسبة هذا الكلام للحديث الإشارة إلى أن صيامه وليه لا ينبغي أن يَتأسَّى به فيه إلا من أطاق ما كان يُطيقه وَلِّ، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خُشِي عليه أن يَمَلَّ فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قَلَّت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالباً، وقد تقدم الكلام على مداومته ◌َّ في على صلاة التطوع في بابها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((الفتح)) ٣٨٩/٥. ٤٢٧ (٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَلِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٤] (١١٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَن سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَا، قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ وَهـ شَهْراً كَامِلاً قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ إِذَا أَفْطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٢ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وَحْشيّة إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥] (٥ أو١٢٦) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿يَا، مات سنة (٦٨) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. و((أبو الربيع)) ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ◌ًَّا حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) وفي رواية أبي داود الطيالسيّ في ((مسنده)) من طريق شعبة، عن أبي بشر: حدَّثني سعيدٍ بن جُبير (عَن ابْنِ عَبَّاسِ ﴿ه) أنه (قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ شَهْراً كَامِلاً قَطَّ غَيْرَ رَمَضَانَ) قال الكرمَانِيّ تَُّهُ: تقدم أنه ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام كان يصوم شعبان كلّه، ثم قال: إما أنه أراد بالكل معظمه، وإما أنه ما رأى إلَّا رمضان فأخبر بذلك على حسب اعتقاده. انتهى(١). (وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ) ((لا)) الثانية مؤكّدة للأولى (وَيُفْطِرُ إِذَا أَفْطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ) في الحديث استحباب التنفل بالصوم في كل شهر، وأن صوم النفل المطلق لا يَخْتَصّ بزمان إلا ما نَهَى عنه وأنه ◌َّ لم يصم الدهر، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك؛ لئلا يُقْتَدَى به، فيشقّ على الأمة، وإن كان قد أُعْطي من القوّة ما لو التّزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوُسْطَى، فصام وأفطر، وقام ونام، أشار إلى ذلك المهلَّب تَُّهُ، وفيه الحلف على الشيء، وإن لم يكن هناك مَن ينكره مبالغةً في تأكيده في نفس السامع، قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٢٤/٣٦ و٢٧٢٥ و٢٧٢٦ و٢٧٢٧] (١١٥٧)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٧١)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٣٠)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣٠٠)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٩٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٧/١ و٢٤١ و٢٧١ و٣٠١ و٣٢١)، و(الدراميّ) في ((سننه)) (٣٠/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٣/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥١/١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: شَهْراً مُتَتَابِعاً مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ). (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٦/١١. (٢) ((الفتح)) ٣٩١/٥. ٤٢٩ (٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢٦) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار الْعبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ) محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٣ - (ُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، أبو عبد الله البصريّ، ربيب شعبة، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الناقد المشهور [٧] (١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. و((أبو بشر)) ذُكر قبله. وقوله: (وَقَالَ) فاعله ضمير ((شعبة)). [تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي بشر هذه ساقها أبو نعيم تَخّْثهُ في (مستخرجه)) (٢٣٣/٣) فقال: (٢٦٢٦) - أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن أبي بشر، سمع سعيد بن جبير، يحدّث عن ابن عباس (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا غندر، ويحيى بن سعيد، قالا: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله وسلم يصوم حتى نقول: لا يريد أن يفطر، ويفطر حتى ·نقول: ما يصوم، وما صام شهراً متتابعاً، غير رمضان، منذ قدم المدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٢٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي رَجَبٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ابْنَ عَبَّاسِ ﴿ مَا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَصُومُ، حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ الْأَنْصَارِيُّ) هو: عثمان بن حكيم بن عَبّاد بن حُنيف الأوسيّ، أبو سهل المُّدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ ﴿يَا ... إلخ) أي: قال سعيد بن جبير تَكْثُ: سمعت ابن عبّاس ﴿ ... إلخ، قال النوويّ كَّلُهُ: الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلالِ أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه لعينه، بل له حكم باقي الشهور، ولم يثبت في صوم رجب نهيٌّ ولا ندبٌ لعينه، ولكن أصل الصوم مندوب إليه، وفي ((سنن أبي داود)) أن رسول الله وَ ل﴿ نَدَبَ إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ). ء (١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٨ - ٣٩. ٤٣١ (٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ بَلِّ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢٨) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يلقَّب بالصغير، ثقةٌ حافظ [١٠] مات بعد (٢٢٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢١. ٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) تقدّم قريباً. و«عثمان)) ذُكر قبله. [تنبيه]: أما رواية عليّ بن مسهر، عن عثمان بن حكيم، فلم أر من ساقها، فليُنظر. وأما رواية عيسى بن يونس، عنه، فقد ساقها أبو داود تَّثُ في ((سننه)) (٣٢٣/٢) فقال: (٢٤٣٠) - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، ثنا عِيسَى، ثنا عُثْمَانُ، يَعْنِي ابن حَكِيم، قال: سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عن صِيَامِ رَجَبٍ، فقال: أخبرني ابن عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّه كان يَصُومُ حتى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حتى نَقُولَ: لَا يَصُومُ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٢٨] (١١٥٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالَا: (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ(١)، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍٍ بَكْرِ بْنُ نَافِع، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، حَدَّثَنَا(٢) ثَابِتُ، عَنْ أَنَسِ رَبِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهَ كَانَ يَصُومُ، حَتَّى يُقَالَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ، حَتَّى يُقَالَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ). (١) وفي نسخة: ((حدّثنا روحٌ، حدّثنا حماد)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خلف، تقدّم قريباً أيضاً . ٣ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦. ٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠)، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٥ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٦ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٧ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجي، الصحابيّ الخادم المشهور، مات سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. و(أبو بكر بن نافع))، وهو: محمد بن أحمد بن نافع ذُكر في الباب، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رضُته هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: روى البخاريّ تَخْلَثُ هذا الحديث من رواية حميد، لا من رواية ثابت، ولفظه : (١٩٧٢) - حدّثني عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدّثني محمد بن جعفر، عن حميد، أنه سمع أنساً وظبه يقول: كان رسول الله وَفيه يفطر من الشهر حتى نظنّ أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظنّ أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته)). (١٩٧٣) - حدّثني محمد - هو ابن سلام - أخبرنا أبو خالد الأحمر، ٤٣٣ (٣٧) - بَابُ الثَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩) أخبرنا حميد، قال: سألت أنساً ظ له عن صيام النبيّ وَّ﴾، فقال: ما كنت أحبُّ أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته، ولا مفطراً إلا رأيته، ولا من الليل قائماً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته، ولا مَسِسْتُ خَزَّةً، ولا حريرةً ألين من كَفّ رسول الله وَ﴾، ولا شَمِمْتُ مِسْكَةً، ولا عَبِيرةٌ أطيب رائحةً من رائحة رسول الله صلد. انتهى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٢٨/٣٦] (١١٥٨)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٧٢ و١٩٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٩/٣ و٢٠٨ و٢٥٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٣٢٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤٠/٦)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٨٧/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٤/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٧) - (بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ)(١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٢٩] (١١٥٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ وَهْبٍ، يُحَدِّثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو (١) عدلت عن ترجمة الشرّاح، كالنوويّ وغيره إلى هذه الترجمة؛ لكونها مختصرة، وبنحوها ترجم القرطبيّ ◌َُّ في ((مختصره))، فقال: ((كراهية سرد الصوم، وبيان أفصل الصوم))، وأيضاً في ترجمة الشراح زيادة: «لمن تضرَر به، أو فوّت به حقّاً، أو لم يُفطر العيدين والتشريق إلخ)»، وهذه الزيادات ليست في نصوصّ أحاديث الباب، وإنما هي من توجيهات العلماء في بيان سبب النهي، فلا يليق أن تذكر في الترجمة؛ لأن التراجم إنما تؤخذ من نصوصّ الأحاديث الواردة في الباب، فليُتنبّه لذلك. ٤٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ وَّ أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟)) فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (فَإِنََّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَثَمْ، وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ(١)، قَالَ: ((صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوَّمَيْنٍ))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَام))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ))، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ◌َهُ: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرٍ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيه عابد [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأموي مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الثبت الفقيه المشهور، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. (١) وفي نسخة: ((أكثر من ذلك)). ٤٣٥ (٣٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩) ٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ظ﴿ه، مات ليلة الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَلُ، وله فيه إسنادان فصل بينهما بكتابة (ح). ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني انفرد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وأبا سلمة منهم أيضاً على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ه، وهو أحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث : (عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) [تنبيه]: هذا الحديث رواه جماعة عن عبد الله بن عمرو ظًا، فقد أورده المصنّف في هذا الباب من رواية أبي سلمة، وابن المسيِّب، وأبي العبّاس الشاعر، وعمرو بن أوس، وأبي المليح، وأبي عياض، وسعيد بن ميناء، كلهم عن عبد الله بن عمرو ◌ًا. وأورده البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، وأبي العباس الشاعر، ومجاهد، وأبي المليح كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ تَّثُ: ورواه جماعة من الكوفيين، والبصريين، والشاميين، عن عبد الله بن عمرو مطولاً ومختصراً، فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة، ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ومنهم من اقتصر على قصة الصيام، ومنهم من ساق القصة كلها، قال: ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه، مع كثرة روايتهم عنه. انتهى (١). (قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿) ببناء الفعل للمفعول، والمخبر هو أبوه عمرو بن العاص ظ به، كما يأتي من رواية البخاريّ من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو. (أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلَأَصُومَنَّ الَّهَارَ مَا عِشْتُ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة عَيشي، وبقائي في الدنيا، وفي رواية عكرمة بن عمّار التالية: ((قال: كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كلَّ ليلة، قال: فإما ذُكِرتُ للنبيّ ◌ِ، وإما أرسل إليّ، فأتيته، فقال لي: ألم أُخْبَرْ أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كلّ ليلة؟ فقلت: بلى يا نبيّ الله، ولم أُرد بذلك إلا الخير)). وفي رواية للنسائيّ من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: ((قال لي عبد الله بن عمرو: يا ابن أخي إني قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهاداً شديداً، حتى قلت: لأصومنّ الدهر، ولأقرأنّ القرآن في كل ليلة)). وفي رواية للبخاريّ في ((فضائل القرآن))، من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: ((أنكحني أبي امرأةً ذات حَسَبٍ، وكان يتعاهدها، فسألها عن بعلها، فقالت: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فِراشاً، ولم يفتش لنا كَنَفاً منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي وَ ل﴿، فقال له: اِلْقَنِي به، فلقيته بعدُ ... ))، فذكر الحديث، زاد النسائيّ، وابن خزيمة، وسعيد بن منصور، من طريق أخرى عن مجاهد: ((فوقع عليّ أبي، فقال: زوّجتك امرأةً، فعضلتها، وفعلت وفعلت وفعلت، قال: فلم ألتفت إلى ذلك؛ لِمَا كانت لي من القوّة، فذكر ذلك للنبيّ وَل﴿، فقال: القني به، فأتيته معه))، ولأحمد من هذا الوجه: ((ثم انطلق إلى النبيّ ◌َّ، فشكاني)). وفي رواية أبي المليح، عن عبد الله بن عمرو الآتية قال: ذكر للنبيّ وَل صومي، فدخل عليّ، فألقيت له وسادةً. وفي رواية أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو الآتية: ((بلغ النبيّ ◌َّ أَني (١) راجع: ((الفتح)) ٣٩٢/٥. ٤٣٧ (٣٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩) أصوم أسرُد، وأُصلي الليل، فإما أرسل إليّ، وإما لقيته، فقال: ألم أُخبَرْ أنك تصوم، ولا تفطر ... )). قال في ((الفتح)): ويُجْمَع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النبيّ وَّ، فكلّمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثم أتاه إلى بيته زيادةً في التأكيد. انتھی(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أنْتَ) بمدّ الهمزة، أصله أأنت بهمزتين، أولاهما للاستفهام (الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟))) أي ما ذكر من قولك: لأقومنّ الليل، ولأصومنّ النهار ما عِشْتُ (فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد في الرواية التالية: ((ولم أرد إلا الخير)) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَإِنََّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) قال في ((الفتح)): يَحْتَمل أن يريد به الحالة الراهنة؛ لما عَلِمه النبيّ وَّ من أنه يتكلّف ذلك، ويُدخِل به على نفسه المشقّة، ويُفَوِّت به ما هو أهمّ من ذلك. ويَحْتَمِل أن يريد به ما سيأتي بعدُ إذا كَبِر وعَجِزَ، كما اتَّفق له سواءً، وكَرِهَ أن يوظّف على نفسه شيئاً من العبادة، ثم يعجز عنه، فيتركه؛ لما تقرَّر من ذمّ مَنْ فَعَلَ ذلك. انتهى(٢). وفي الرواية الآتية: ((فلا تفعل، فإن لعينك عليك حظّاً، ولنفسك حظاً، ولأهلك حظّاً))، وفي رواية: ((فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له عيناك، ونَفِهت نفسك))، وزاد في رواية ابن خزيمة: ((إن لكل عامل شِرَّةً(٣) ولكل شِرّة فترةً، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك)» . (فَصُمْ) أي في بعض الأيام، وقال القاري تَخُّْهُ: ((صُمْ)) وقتَ النشاط، وهو لا يكون إلا في بعض الأيام، أو وقت طُغْيان النفس؛ لتنكسر سَوْرتها . (٤) انتھی (٤). (وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة، أي في بعضها، وقال القاري تَُّهُ: ((وأَقْطِرْ)) وقتَ (١) ((الفتح)) ٣٩٣/٥ - ٣٩٤. (٣) بكسر المعجمة، وتشديد الراء: النشاط. (٤) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٨٤/٤. (٢) ((الفتح)) ٣٩٧/٥. ٤٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام السآمة والملالة، وخمود النفس، وكسر شهوتها، أو صُمْ أيام الفواضل؛ لإدراك الفضائل، وأفطر في غيرها؛ لتقوية البدن، وتحسين الأخلاق والشمائل. انتهى(١). (وَنَمْ) بفتح النون(٢)، أمر من نام ينام، من باب خاف، أي نَمْ بعض الليل (وَقُمْ) أي: بعضه، والمعنى: اجمع بين القيام والنوم في الليل الواحد، وقوله: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّام) بعد قوله: (فصم، وأفطر)) بيان لما أجمل من ذلك، وتقرير له على ظاهره؛ إَّذ الإطلاق يقتضي المساواة (٣). (فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إشارة إلى قوله رَّت: ﴿مَنْ جَءَ بِالَْنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية (وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ))) أي يكون ثوابه كثواب صيام الدهر، قال في ((الفتح)): هذا يقتضي أن المثليّة لا تستلزم التساوي من كلّ جهة؛ لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يَصْدُقُ على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازاً. انتهى (٤). (قَالَ) عبد الله بن عمرو ◌ِ﴿هَا (قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ(٥)، وفي نسخة: أكثر من ذلك)) (قَالَ) بَه ((صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنٍ))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً) وفي رواية أبي عياض الآتية: ((صم يوماً، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصيام صوم داود؛، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً)). وفي رواية أبي المليح عند البخاريّ: ((يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام، (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤ / ٤٨٤. (٢) [تنبيه]: ما اشتهر على الألسنة من ضم نون ((نَم))، وكذا في الماضي («نُمتُ))، وفي المضارع ((أنُوم)) فمن الأغلاط الشائعة، فليُحذَر. (٣) ((الفتح)) ٣٩٧/٥. (٥) وفي نسخة: ((أكثر من ذلك)). (٤) ((الفتح)) ٣٩٧/٥. ٤٣٩ (٣٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩) قلت: يا رسول الله، قال: خمساً، قلت: يا رسول الله، قال: سبعاً، قلت: يا رسول الله، قال: تسعاً، قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة)). واستَدَلّ به عياض على تقديم الوتر على جميع الأمور، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما في رواية مسلم من طريق أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو: ((صم يوماً - يعني من كل عشرة أيام - ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي ـ إلى أن قال -: قال: صم صوم داود)»، كما مرّ آنفاً . قال: وهذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وَصّله إلى خمسة عشر يوماً، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر. قال: ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عند أبي داود: ((فلم يزل يناقصني وأناقصه)). ووقع للنسائيّ في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة: ((صُمْ الاثنين والخميس من كل جمعة))، وهو فرد من أفراد ما تقدم ذكره. وقد استُشْكِل قوله: ((صم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر ما بقي))، مع قوله: ((صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي إلخ))؛ لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر، وبذلك ترجم له النسائيّ تَظُّهُ. وأجيب بأن المراد: لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف. وقال عياض: قال بعضهم: معنى ((صم يوماً، ولك أجر ما بقي)) أي من العشرة، وقوله: ((صم يومين، ولك أجر ما بقي))، أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحَمَله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلة الأجر. وتعقبه عياض بأن الأجر إنما اتَّحَد في كل ذلك؛ لأنه كان نيَّته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه وَّه من ذلك إبقاءً عليه لما ذُكِر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلاً أو كثيراً، كما تأوله في حديث: ((نية المؤمن خير ٤٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام من عمله))(١)، أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله. انتهى. قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيفٌ، وهو في ((مسند الشهاب))، والتأويل المذكور لا بأس به. ويَحْتَمِل أيضاً إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوتها مشقة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك، على أن قوله في نفس الخبر: ((صُمْ أربعة أيام، ولك أجر ما بقي))، يَرُدّ الحمل الأول، فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين، وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائيّ، من طريق ابن أبي ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، بلفظ: ((صُمْ من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تلك التسعة، ثم قال فيه: من كل تسعة أيام يوماً، ولك أجر تلك الثمانية، ثم قال: من كل ثمانية أيام يوماً، ولك أجر السبعة، قال: فلم يزل حتى قال: صُمْ يوماً، وأفطر يوماً)). وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جدّه بلفظ: ((صُمْ يوماً، ولك أجر عشرة، قلت: زدني، قال: صم يومين، ولك أجر تسعة، قلت: زدني، قال: صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية))، فهذا يدفع في صدر ذلك التأويل الأول، والله أعلم. انتهى(٢). (وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ؛، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَام))) أي أفضلها، كما بيّنه بقوله: ((لا أفضل من ذلك))، وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((وهو أعدل الصيام))، أي من جهة حفظ القوة، ووجدان صوم مشقة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب، ولا صوم فوقه أعدل في الفضل، كما جاءت هذه (١) حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد به، ولفظه: ((نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكلُّ يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملاً نار في قلبه نور)). (٢) ((الفتح)) ٣٩٥/٥ - ٣٩٦.