Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (٣٣) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٢٧١١) المقبريّ، كذلك أخرجه النسائيّ من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد، عن أنس بن عياض، عن سهيل، قاله في ((الفتح))(١). (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َهُ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا) نافية، وهي تعمل عمل ((ليس)) عند الحجازيين(٢)، كما قال في ((الخلاصة)): مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ إِعْمَالَ (لَيْسَ)) أُعْمِلَتْ (مَا)) دُونَ ((إِنْ)) بِي أَنْتَ مَعْنِيّاً)) أَجَازَ الْعُلَمَا وَسَبْقَ حَرْفِ جَرِّ اوْ ظَرْفٍ كَامَا (مِنْ) زائدة كما قال في ((الخلاصة)) أيضاً: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـمَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ)) وقوله: (عَبْدٍ) اسم ((ما)) مرفوع بضمّة مقدّرة؛ لاشتغالَ المحلّ بحركة حرف الجرّ الزائد، وخبرها ((إلا باعد الله ... إلخ))، ويَحْتَمِل أن تكون ((ما)) تميميّة، فلا عمل لها، ويكون ما بعدها مبتدأ وخبراً. وقوله: (يَصُومُ يَوْماً) جملة في محلّ النعت لـ((عبد)) (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في الجهاد، أو في أعمّ منه، قال في ((النهاية)): السبيل في الأصل الطريق، ويذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيلُ الله عامّ يقع على كلّ عمل خالص لله، سُلِك به طريقُ التقرّب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع الطاعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال، كأنه مقصور عليه. انتهى(٣). وقال ابن الجوزيّ كَُّهُ: إذا أُطلق ذِكر سبيل الله، فالمراد به الجهاد، وقال القرطبيّ كَثِّتُهُ: سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصداً وجه الله، (١) ((الفتح)) ٤٨/٦ كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٤٠). (٢) [تنبيه]: إعمال ((ما)) مع انتقاض خبرها بـ((إلا)) مذهب بعض النحويين، وذهب إليه ابن مالك في ((التسهيل)) وغيره، لوروده في قول الشاعر: وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مَنْجَنُوناً بِأَهْلِهِ وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إِلَّا مُعَذَّبًا وغير ذلك، ومنعه الجمهور، راجع: ما كتبه شرّاح ((الخلاصة)) في هذا الباب. (٣) ((النهاية)) ٣٣٨/٢ - ٣٣٩. ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال الحافظ تَُّ: ويَحْتَمِل أن يكون ما هو أعمّ من ذلك، ثم وجدته في ((فوائد أبي الطاهر الذَّهْليّ)) من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثيّ، عن المقبريّ، عن أبي هريرة ظه، بلفظ: ((ما من مرابط يُرابط في سبيل الله، فيصوم يوماً في سبيل الله ... )) الحديث. وقال ابن دقيق العيد تَّتُهُ: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حُمِل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويَحْتَمِل أن يراد بسبيل الله طاعته کیف کانت، والأول أقرب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد كَّهُ من ترجيح كون المراد بسبيل الله هو الجهاد هو الظاهر عندي، والله تعالى أعلم. قال: ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى؛ لأن الصائم يَضْعُف عن اللقاء؛ لأن الفضل المذكور محمول على من لم يَخْشَ ضعفاً، ولا سيّما من اعتاد به، فصار ذلك من الأمور النسبيّة، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد، فالصوم في حقّه أفضل؛ ليجمع بين الفضيلتين. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق حكم الصيام في السفر، واختلاف أهل العلم فيه، فراجعه في بابه. (إِلَّا بَاعَدَ) أي أبعد، فليست المفاعلة مرادةً (اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْم) أي بسبب صوم ذلك اليوم (وَجْهَه) أي ذاته، وإنما عبّر به؛ لأن الإنسان أوَّل ما يواجه الشيء يكون بوجهه، فإذا أبعد الله وجهه عن مواجهة النار، فبالأحرى إبعاد سائر أجزائه عنها، والله تعالى أعلم (عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً))) قال في ((النهاية)): أن نحّاه، وباعده عن النار مسافةً تُقطّع في سبعين سنة؛ لأنه كلما مرّ خريف، فقد انقضت سنة. وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((باعد الله وجهه عن النار ... إلخ)): معناه المباعدة عن النار، والمعافاة منها، والخريف السنة، والمراد سبعين سنةً. (٢) انتھی وقال التُّوربشتيّ: كانت العرب تؤرّخ أعوامها بالخريف؛ لأنه كان أوان (١) ((الفتح)) ٦/ ١٣٣ - ١٣٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٣/٨. ٣٨٣ (٣٣) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٢٧١١) رضىعنه جِدَادهم، وقِطَافهم، وإدراك غلّاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرّخ عمر (١) بسنة الهجرة. انتهى وقال في ((الفتح)): الخريف زمان معلوم من السنة، والمراد هنا العامُ، وتخصيص الخريف بالذكر، دون بقية الفصول - الصيف، والشتاء، والربيع - لأن الخريف أزكى الفصول؛ لكونه تُجنَى فيه الثمار، ونقل الفاكهيّ أن الخريف تجتمع فيه الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، دون غيره، ورُدّ بأن الربيع كذلك، قال القرطبيّ: وَرَدَ ذكرُ السبعين لإرادة التكثير كثيراً. انتهى. ويؤيّده - كما قال الحافظ - ما رواه النسائيّ من حديث عقبة بن عامر ظُه، وما رواه الطبرانيّ عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس، فقالوا جميعاً في رواياتهم: ((مائة عام))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما تقدّم أن قوله: ((سبعين خريفاً)) ليس للتحديد، وإنما هو للتكثير بدليل روايته بلفظ: ((مائة عام)). والحاصل أنه لا تعارض بين رواية ((سبعين))، ورواية ((مائة))؛ لكون المراد التكثير، لا التحدید. ويُحتَمَل أن الله تعالى وعد الصائم في سبيل الله بإبعاد جهنّم عنه مسيرة سبعين خريفاً، ثم تفضّل الله تعالى بالزيادة على ذلك، حتى كان مسيرة مائة عام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُهُ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧١١/٣٣ و٢٧١٢ و٢٧١٣] (١١٥٣)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨٤٠)، و(الترمذيّ) في ((كتاب فضائل الجهاد)) (١٦٢٣)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٧٣/٤ - ١٧٤)، و(ابن ماجه) في (١) انظر: ((زهر الربى)) ١٧٢/٤. (٢) المصدر السابق. ٣٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام (الصوم)) (١٧١٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٠٢/٥)، و(أحمد) في «مسنده)) (٢٦/٣ و٥٩)، و(الدارميّ) في («سننه» (٢٦٧/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢١١٢ و٢١١٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٢/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٩/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٤٨/٢ و٤٥٨)، و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (٣٠١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٦/٤) و(٩/ ١٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة الصيام في سبيل الله. ٢ - (ومنها): جواز الصوم في السفر، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يُفَوِّت به حقّاً، ولا يَختلّ به قتاله، ولا غيره من مهمات غزوه؛ وإنما حملناه على هذا؛ جمعاً بينه وبين حديث: ((ليس من البرّ الصيام في السفر))، متّفقٌ عليه، وحديث: ((أولئك العُصاة، أولئك العصاة))، رواه مسلم. ٣ - (ومنها): بيان سعة فضل الله تعالى ورحمته، حيث يُعطي على العمل قليل الأجر الجزيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧١٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: ابن محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. و«سُهيل)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية الدراوريّ، عن سُهيل هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٨٥ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ التَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عِّيَّاشِ الزُّرَقِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َّبُهُ ((قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٠) أو بعدها تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٥ - (يَحْيَى بْنُّ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٤) - (بَابُ جَوَازِ صَوْم النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَجَوَازٍ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلاً مِنْ غَيْرِ عُذٍْ). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٤] (١١٥٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْتَى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، ء ٣٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ ذَاتَ يَوْم: ((يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٍ؟(١))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: ((فَإِنِّي صَائِمٌ))، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ، وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئاً، قَالَ: ((مَا هُوَ؟) قُلْتُ: حَيْسُ، قَالَ: ((هَاتِهِ))، فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِماً))، قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِداً بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: ذَالَكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ) الْجَحْدريّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْوَّاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطىء [٦] (١٤٨) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨. ٤ - (عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّة، أم عمران المدنيّة، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، كانت فائقة الجمال، وكانت ثقةً حجّة [٣]. رَوَت عن خالتها عائشة، وعنها ابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وحبيب بن أبي عمرو، وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة، وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق، وابن أخيها موسى بن عبيد الله بن إسحاق، والمنهال بن عمرو، وفضيل بن عمرو، وعطاء بن أبي رَبَاح وعمر بن سعيد، وغيرهم. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: مدنيةٌ تابعيةٌ ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حَدَّث عنها الناس؛ لفضلها وأدبها، وذكرها ابن حبان في ((الثقات)). (١) وفي نسخة: ((هل عندكم من شيء؟)). ٣٨٧ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٥٣) وأعاده بعده، و(٢٤٥٢) و(٢٦٦٢) وأعاده بعده. ٥ - (عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) ◌َّا، تقدّمت قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - ((ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فعلّق له البخاريّ، وما أخرج له ابن ماجه، وطلحة ما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه فبصريّان، وطلحة مدنيّ، ثم كوفيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ينا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ◌ِ﴿ّ) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَإِ ذَاتَ يَوْم) أي يوماً من الأيّامِ، أو ساعةَ يوم، أو أوقاتَ يوم، أو في نهار، قاله في ((الْمُرقاة))(١). ((يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟))) وفي نسخة: ((من شيء))، أي مما يُؤكل من الطعام، وفي رواية لأبي داود: ((هل عندكم طعام؟))، وفي رواية للنسائيّ: ((هل عندكم غداء؟))، وفي رواية للترمذيّ: ((هل عندك غداءٌ؟)) و((الْغَداء)) - بفتح الغين المعجمة، والدال المهملة - هو ما يؤكل قبل الزوال (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: ((فَإِنِّي صَائِمٌ؟))) وفي الرواية التالية: ((فإني إذن صائم))، وفي رواية للنسائيّ: ((إذن أصوم))، وهذا يدلّ على جواز نية النفل في النهار، وبه قال الأكثرون، وقال مالك، وداود: يجب التبييت كما في الفرض؛ لعموم قوله وَله: ((لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل))، والجواب أنه عامّ خصّ منه صوم التطوّع؛ للأدلّة الواردة في ذلك، كحديث الباب وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٩٩/٤. ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وقال النوويّ تَخّْتُهُ: وفيه دليل لمذهب الجمهور، أن صوم النافلة يجوز بنيّة في النهار قبل زوال الشمس، ويتأوله الآخرون على أن سؤاله وَله: هل عندكم شيءٌ؟؛ لكونه ضَعُف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد، وتكلف بعيد. انتهى(١). (قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ) بتشديد التحتانيّة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي مُهداةٌ، قال الفيّوميّ تَظْلَهُ: يقال: أهديتُ للرجل كذا بالألف: بَعَثتُ به إليه إكراماً، فهو هدِيّةٌ بالتثقيل لا غيرُ. انتهى(٢). وقال في ((القاموس)): الْهَديّةُ كغنيّة: ما أُتْحِفَ به، جمعه هَدَايَا، وهَدَاوَى، وتُكسر الواو، وهَدَاوٍ، وأهدى الْهَدِيّةَ، وهَذَّاهَا. انتهى(٣). (أَوْ) للشك من الراوي، أي أو قالت: (جَاءَنَا زَوْرٌ) - بفتح الزاي، وسكون الواو، آخره راء ــ: الزُّوَّار، ويقع الزَّوْر على الواحد، والجماعة القليلة، والكثيرة، قاله النوويّ تَظّفُ(٤). وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: زار زيارةً وزَوْراً: قصَدَه، فهو زائر، وزَوْرٌ، وقومٌ زَوْرٌ، وزُوّارٌ، مثلٌ سافر، وسَفْرٍ، وسُفّارٍ، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضاً، وزُوَّارٌ، وزائراتٌ، والْمَزَارُ يكون مصدراً، وموضعَ الزيارة، والزيارةُ في الْعُرف: قَصْدُ المزور؛ إكراماً له، واستئناساً به. انتهى(٥). (قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﴿) أي من المكان الذي خرج إليه (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ، أَوْ) للشكّ من الراوي (جَاءَنَا زَوْرٌ، وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئاً) أي أفردت لك بعضه، وتركته مستوراً عن أعين الناس (قَالَ) وَ («مَا هُوَ؟))) ((ما)) استفهامية: أي أَيُّ شيء هو، أي المخبوء لي (قُلْتُ: حَيْسٌ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، آخره سين مهملة -: شيءٌ يُتّخذ من تمر، وسَمْن، وأَقِطِ، وقال القاري تَُّ: هو تمرٌ مخلوطٌ بسمن، وأَقِطِ، وقيل: (١) ((شرح النوويّ)) ٣٥/٨. (٣) ((القاموس المحيط)) ٤٠٣/٤. (٥) ((المصباح المنير)) ٢٦٠/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٣٤/٨. ٣٨٩ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) طعامٌ يُتَّخَذ من الزُّبْد، والتمر، والأقط، وقد يُبْدَل الأقط بالدقيق، والزبدُ بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت. انتهى. وقال الفيّوميّ: تمر يُنزَعِ نواه، ويُدَقّ مع أَقِطِ، ويُعجنان بالسمن، ثم يُدْلَكُ باليد حتى يبقى كالثريد، وربّما جُعل معه سَوِيقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاسَ الرجلُ حَيْساً، من باب باع: إذا اتخذ ذلك. انتهى. وقال محمد المرتضى تَخُْ في ((شرح القاموس)): ((الحَيْس)): الخَلْطُ، ومنه سُمِّيَ الحَيْسُ هو تَمْرٌ يُخلَطُ بسَمنٍ، وأقِطِ، فيُعجَن، وفي ((اللِّسان)): هو الثَّمرُ البَرْنِيُّ، والأَقِطُ، يُدَقَّانِ، ويُعجَنانِ بالسَّمنِ عَجْنَاً شديداً، ثم يُندَرُ النَّوى عنه نواةً نَواةً، ثمّ يُسَوَّى كالثَّريدِ، وهي الوَطيئَةُ، وربّما جُعِلَ فيه سَويقٌ، أو فَتَيتُ عِوَضَ الأَقِط، قال: وقد حاسَهُ يَحِيسُه اتَّخَذَهُ، قال الراجز: الثَّمرُ والسَّمنُ معاً ثمَّ الأَقِظْ الحَيْسُ إلّا أنّه لم يَخْتَلِطْ وقال هُنَيُّ بن أَحْمَرَ الكنانيُّ، وقيل: هو لزَرافَةَ الباهِلِيِّ [من الكامل]: وأَمِنْتُمُ فأنا البَعيدُ الأَجْنَبُ هل في القَضيَّةِ أنْ إذا اسْتَغنَيْتُمُ حَجَرَتْكُمُ فأنا الحبيبُ الأَقربُ وإذا الكتائبُ بالشَّدائدِ مَرَّةً ولِيَ المِلاحُ وحَزْنُهُنَّ المُجدِبُ ولجُندَبِ سَهْلُ البلادِ وعَذْبُها وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعی جُنْدَبُ وإذا تكون كريهةٌ أُدعى لها فيكم على تلكَ القضيّةِ أَعْجَبُ عَجَبَاً لتلكَ قَضِيَّةً وإِقامَتي لا أمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أَبُّ هذا لَعَمْرُكم الصَّغارُ بعَيْنِه انتهى ما قاله المرتضى تَخْذَلُهُ باختصار(١). (قَالَ) وَّرِ ((هَاتِيهِ))) أي أحضري عندي ذلك الحیس حتى آكل منه. [تنبيه]: قال السمين الحلبيّ تَخّْثُ: اختلف في ((هات)) على ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه فعلٌ، وهذا هو الصحيح؛ لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة، نحو هاتوا، وهاتي، وهاتیا، وهاتين. [الثاني]: أنه اسم فعل، بمعنى أَخْضِرْ. (١) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٥٦٨/١٥ - ٥٦٩. ٣٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام [والثالث] : - وبه قال الزمخشريّ - أنه اسم صوتٍ، بمعنى ها التي بمعنى أَخْضِرْ. وإذا قيل: بأنه فعلٌ، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال أيضاً: [أصحّها]: أن هاءه أصل بنفسها، وأن أصله هاتَى يُهاتي مُهاتاةً، مثلُ رامَى يُرامِي مُراماةً، فوزنه فاعَلَ، فتقول: هاتِ يا زيدُ، وهاتي يا هندُ، وهاتوا يا قومُ، وهاتين يا هنداتُ، كما تقول: رام، رامي، راميا، راموا، رامين، وزعم ابن عطيّة أن تصريفه مهجورٌ، لا يُقال فيه إلا الأمر، وليس كذلك. [الثاني]: أن الهاء بدلٌ من الهمزة، وأن الأصل: أَأْتَى وزنه أَفْعَلَ، مثلُ أَكْرَمَ، وهذا ليس بجيّد؛ لوجهين: أحدهما: أن آتى يتعدّى لاثنين، وهاتى يتعدّى لواحد فقط. والثاني من الوجهين: أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها؛ لزوال موجب قلبها، وهو الهمزة الأولى، ولم يُسمَع ذلك. [الثالث]: أن هذه ((ها)) للتنبيه دخلت على ((أتى))، ولزمتها، وحُذفت همزة ((أتى)) لزوماً، وهذا مردود، فإن معنى ((هات)) أَحْضِرْ كذا، ومعنى ((ائت)): احْضُرْ أنت، فاختلاف المعنى يدلّ على اختلاف المادّة. فتحصّل في ((هاتوا)) سبعة أقوال: فعلٌ، أو اسمُ فعلٍ، أو اسم صوتٍ، والفعل هل يتصرّف، أو لا يتصرّف؟ وهل هاؤه أصليّةٌ، أو بدلٌ من همزة، أو هي ها التنبيه زيدت، وحُذفت همزته؟ وأصل ((هاتوا)) هاتيوا، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحُذف أولهما، وضُمّ ما قبله؛ لمجانسة الواو، فصار هاتوا. انتهى كلام السمين الحلبيّ نَّفُ(١). وفي الرواية التالية: ((أرنيه))، من الإراءة، وفي رواية أبي داود والنسائيّ: ((أدنيه)) من الإدناء، وهو التقريب. (فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ) زاد في رواية النسائيّ: ((وكان يُحبّ الْحَيْسَ)) (ثُمَّ (١) ((الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٧١/٢ - ٧٢ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤] الآية. ٣٩١ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) قَالَ) ◌ِ ((قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِماً)) أي مريداً للصوم، وفي رواية النسائيّ: ((إني قد أصبحتُ أريد الصوم)). قال النوويّ كَّلُ: وهاتان الروايتان - يعني هذا الحديث، والذي بعده - هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومُبَيِّنةٌ أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم واحد، كذا قاله القاضي وغيره، وهو ظاهرٌ. قال: وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه، في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم؛ لأنه نفلٌ، فهو إلى خِيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام، وممن قال بهذا جماعة من الصحابة، وأحمد، وإسحاق، وآخرون، ولكنهم كلهم، والشافعيّ معهم متفقون على استحباب إتمامه، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصريّ، ومكحول، والنخعيّ، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر، قال ابن عبد البرّ: وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ طَلْحَةُ) بن يحيى الراوي عن عائشة بنت طلحة (فَحَدَّثْتُ مُجَاهِداً) أي ابن جبر، أبا الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الإمام الحجة المشهور المتوفّى سنة (١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٢١/٤. (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بما حدّثته عائشة بنت طلحة (فَقَالَ) مجاهد ◌َّقُ (ذَاكَ) أي الصائم المتطوّع المفطر بعد شروعه في الصوم (بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ) أي ناوياً الصدقة بها (فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا) أي أنفذ الصدقة، ودفعها للفقير (وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) أي ترك التصدّق بها . وحاصل ما أشار إليه مجاهد تَخُّ أن إفطار الصائم المتطوّع جائز، وهذا الذي قاله يدلّ عليه ما أخرجه الترمذيّ عن أم هانئ صُّا: أن رسول الله وَله دخل عليها، فدَعًا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، فقالت: يا رسول الله، (١) سيأتي تعقّب الحافظ تَُّ لدعوى ابن عبد البرّ تَّفُ الإجماع المذكور، فتنبّه. ٣٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام أما إني كنت صائمةً، فقال رسول الله وَله: (الصائم المتطوع أمين نفسه، وفي رواية: أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر))، صححه الشيخ الألبانيّ كَُّ، وفيه نظر، سيأتي. [تنبيه]: رواية المصنّف صريحة في أن هذا الكلام موقوف على مجاهد، ووقع في رواية النسائيّ ما يدلّ على أنه مرفوعٌ، ولفظه: ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ، يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا))، فظاهره يدلّ على أن قوله: ((إنما مثل صوم المتطوّع إلخ)) من كلام النبيّ ◌َّر، لكن الذي في ((صحيح مسلم)) أصحّ، فهو من كلام مجاهد، لا من كلام النبيّ ◌َآلآت. وقد صحح الشيخ الألبانيّ تَظُّ رفع هذه الزيادة(١)، وقال: إن الرواي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى، فإذا صحّ السند بالرفع بدون شذوذ كما هنا، فالحكم له، ولذلك قالوا: زيادة الثقة مقبولة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا الحديث فيه نظر لا يخفى، والذي يظهر أنه من كلام مجاهد(٢)، كما هو في ((صحيح مسلم))، فتأملّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ضوّها هذا من أفراد المصنّف وَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه :. أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧١٤/٣٤ و٢٧١٥] (١١٥٤)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٥٥)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٣٣ و٧٣٤) و((الشمائل)) (١٨٢)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٩٤/٤ - ١٩٥) و((الكبرى)) (١١٤/٢ - ١١٦)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٠١)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١/ ٧٠٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٧٩٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١/ (١) راجع: ((إرواء الغليل)) ١٣٦/٤. (٢) كنت وافقت الشيخ الألبانيّ تَّتُهُ في ((شرح النسائي))، ثم ظهر لي هنا خلافه، فتراجعت، فتنبّه، والله تعالى ولي التوفيق. ٣٩٣ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) ٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩/٦ و٢٠٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢١٤١ و٢١٤٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٢٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٩/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٦٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٣٣/٧)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٥٢/٢ - ٤٥٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٩٩/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/ ٢٣٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٧٦/٢ - ١٧٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٣/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صوم التطوّع بنيّة من النهار. ٢ - (ومنها): جواز الفطر للمتطوّع متى شاء، ولو بلا عذر. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَ﴿ من التقلّل من الدنيا زهداً في ملذّات الدنيا الفانية، وإيثاراً لما عند الله، من نعيم الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمُ يَنْفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. من مواساة رسول الله صل بما ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة عندهم من طيبات الطعام. ٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلهو من قبول الهدية. ٦ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب إلى الأذهان. ٧ - (ومنها): أن من أخرج شيئاً من ماله للتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدّق، فله ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم فطر الصائم المتطوّع: ذهبت طائفة إلى جواز الفطر لمن كان صائماً تطوعاً، ولا قضاء عليه، وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو الدرداء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتجّوا بحديث الباب، لأنه لم يُذكر فيه القضاء. وأجيب عنه بأنه زاد فيه بعضهم: ((فأكل، ثم قال: أصوم يوماً مكانه))، أخرجه النسائيّ في ((الكبرى))، والدارقطنيّ، والشافعيّ، والبيهقيّ في ((المعرفة))، ٣٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام و((السنن الكبرى))، والطحاويّ، كلّهم من رواية ابن عُيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمّته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين، قد صحّح هذه الزيادة أبو محمد عبد الحقّ، وقال ابن التركمانيّ: هذه زيادة من ثقة أصرّ عليها، فهي مقبولة. قال صاحب ((المرعاة)): في كون هذه الزيادة محفوظة صحيحة نظرٌ؛ فإنها قد ضعّفها الأئمة الحفّاظ، كالشافعيّ، والنسائيّ، والدار قطنيّ، والبيهقيّ، قال النسائيّ: هذا خطأ، يعني من ابن عيينة، ونَسَب الدار قطنيّ الوهم فيها لمحمد بن عمرو الباهليّ الراوي عنده عن ابن عيينة، لكن رواها النسائيّ عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، وكذا رواها الشافعيّ عن ابن عيينة، لكن قال: سمعت سفيان بن عيينة عامّة مجالسه لا يذكر فيه: ((سأصوم يوماً مكانه))، ثم عرضته عليه قبل موته بسنة، فذكره فيه. وقال في ((التلخيص الحبير)): ذكر الشافعيّ أن ابن عيينة زادها قبل موته بسنة. انتهى. وابن عيينة كان في الآخر قد تغيّر، قال في ((تهذيب التهذيب)): قال ابن عمّار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء، قال الحافظ: وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئاً يصلح أن يكون سبباً لما نقله عنه ابن عمّار في حقّ ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعد ابن السمعانيّ في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن من ((ذيل تاريخ بغداد)) بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم، وتزيد في إسناده، أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سَمِنتُ، وقد ذكر أبو معين الرازيّ في زيادة ((كتاب الإيمان)) لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره. انتهى. وهذا كلّه يدلّ على أن الشافعيّ قد بيّن علّة الحديث بقوله: سمعت سفيان بن عيينة عامّة مجالسه لا يذكر فيه ... إلخ. وقال البيهقيّ في ((المعرفة)): وقد رواه جماعة عن سفيان دون هذه ٣٩٥ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنَّةٍ مِنِ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) اللفظة، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون هذه اللفظة، منهم سفيان الثوريّ، وشعبة، ووكيعٌ، ويحيى القطّان، وغيرهم، وقال في ((السنن)) بعد ذكر كلام الشافعيّ المذكور: ورواية ابن عيينة عامّة دهره لهذا الحديث لا يذكر فيه هذا اللفظ مع رواية الجماعة عن طلحة لا يذكره أحد، منهم الثوريّ، وشعبة، وعبد الواحد بن زياد، ووكيع، ويحيى القطّان، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم تدلّ على خطأ هذه اللفظة، وقد روي من وجه آخر عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة. انتھی . واجتماع هؤلاء الحفّاظ على تضعيف هذه الزيادة مقدّم على تصحيح عبد الحقّ، وليس كلّ زيادة من الثقة تُقبل، بل لكلّ زيادة حكم يخصّها، كما ذكره الزيلعيّ(١)، وها هنا قد وُجدت قرينة تدلّ على كون هذه الزيادة وَهَماً (١) وحاصل عبارة الزيلعيّ كَّلُ في ((نصب الراية)) (٣٣٦/١ - ٣٣٧): [فإن قيل]: قد رواها نعيم المجمر، وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. [قلنا]: ليس ذلك مجمعاً عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقةً حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: ((من المسلمين)) في صدقه الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومَن حَكّمَ في ذلك حكماً عاماً فقد غَلِطَ، بل كل زيادة لها حكم يخصها . ففي موضع يجزم بصحتها، كزيادة مالك، وفي موضع يَغْلِب على الظن صحتها، كزيادة سعد بن طارق في حديث: ((جُعِلت الأرضُ مسجداً، وجُعِلت تربتها لنا طهوراً))، وكزيادة سليمان التيميّ في حديث أبي موسى: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، وفي موضع يُجْزَم بخطأ الزيادة، كزيادة معمر ومن وافقه قوله: ((وإن كان مائعاً فلا تقربوه))، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث: ((قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))، وإن كان معمر ثقة، وعبد الله بن زياد ضعيفاً، فإن الثقة قد يَغْلَط. وفي موضع يغلب على الظنّ خطؤها، كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاريّ في ((صحيحه))، وسئل: هل رواها غير معمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: ((ولم يصلِّ عليه))، فقد اختُلِف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضاً، = ٣٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ومُدرجةً، فالحكم بكونها مقبولة مردود، وعلى تقدير أن تكون محفوظة يُحمَل القضاء على الندب. قال البيهقيّ: وحَمَلَ الشافعيّ قوله: ((سأصوم يوماً مكانه))، أي تطوّعاً، وجعله بمثابة قضائه ﴾ الركعتين اللتين بعد الظهر حين شغله عنهما الوفد. انتهى ما كتبه صاحب ((المرعاة)) وَّتُهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً. وحاصله أن زيادة: ((أصوم يوماً مكانه)) غير صحيحة؛ لما سبق من الأدلّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. واحتجّوا أيضاً بما رواه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق أبي العُمَيس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبيِ وَلِّ، بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصلّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبيّ وَّ، فذكر ذلك له، فقال النبيّ وَلّى: ((صدق سلمان)). وأجاب القرطبيّ عن هذا بأن إفطار أبي الدرداء كان لقسَم سلمان، ولعذر الضيافة. وتُعُقّب بأن هذا يتوقّف على أن هذا العذر من الأعذار التي تُبيح الإفطار، وقد نَقَل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا يُفطر لضيف نَزَل به، ولا لمن حلف عليه بالطلاق والْعَتَاق(٢). والصواب أنه قال: ((ولم يصلّ عليه))، وفي موضع يُتوقَّف في الزيادة، كما في = أحاديث كثيرة. انتهى كلام الزيلعيّ كَّفُ، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) ((المرعاة شرح المشكاة)) ١٠٥/٧ - ١٠٦. (٢) ((المرعاة)) ١٠٥/٧. ٣٩٧ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) واحتجّوا أيضاً بما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، والدار قطنيّ، والبيهقيّ، عن أم هانىء ◌َثّ، قالت: قال رسول الله وَله: الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر))، قال النوويّ في ((شرح المهذّب)): ألفاظ رواياتهم متقاربة المعنى، وإسنادها جيّد(١)، وقال الترمذيّ: في إسناده مقال. ومن حجتهم حديث أم هانىء: أنها دخلت على النبيّ وَّر، وهي صائمة، فدعا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، ثم سألته عن ذلك، فقال: ((أكنت تقضين يوماً من رمضان؟))، قالت: لا، قال: ((فلا بأس))، وفي رواية: ((إن كان من قضاء، فصومي مكانه، وإن كان تطوعاً، فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضه))، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وفي إسناده هارون ابن ابنة أم هانىء، لا يعرف. ويشهد له ما أخرجه البيهقيّ، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن أبي سعيد الخدريّ ◌ُه، قال: صنعتُ للنبيّ وَله طعاماً، فلما وُضع، قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله وَلا ين: ((دعاك أخوك، وتكلّف لك، أَفطِر، وصُمْ مكانه إن شئت)). قال الحافظ: وإسناده حسن، وهو صريح في عدم وجوب القضاء. وبما رواه البيهقيّ عن ابن مسعود، قال: ((إذا أصبحت، وأنت ناوي الصوم، فأنت بخير النظرين، إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت))، وبما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن جابر رَُّّه أنه لم يكن يرى بإفطار المتطوّع بأساً، وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن ابن عباس مثله. وبهذا قالت الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إذا دخل في صوم التطوّع استحبّ له إتمامه، وإذا أفطر بعذر، أو بغير عذر، فلا إثم عليه، ولا يجب عليه القضاء، لكن يكره له الفطر بدون عذر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. (١) هذا ليس بجيّد، بل الصحيح ما قاله الترمذيّ من أن في إسناده مقالاً؛ لأن في إسناده جعدة المخزوميّ، قال فيه البخاريّ: فيه نظر، وضعفه ابن عديّ، وقد صحح الشيخ الألباني الحديث، انظر: ((صحيح الجامع)) ٢/ ٧١٧. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الاستدلال بهذه الآية لهذه المسألة نظر لا يخفى؛ لأن هذا الفطر بإذن من الشارع، وما كان بإذنه ليس إبطالاً، وأيضاً إن الآية عامة، والأحاديث الدالة على جواز الفطر - كحديث الباب، وكحديث سلمان ربه المذكور - خاصّة والخاصّ يقضي على العامّ، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. قالوا: وخروجاً من خلاف من أوجب الإتمام، وإذا أفطر بعذر فلا كراهة، وعلى كلّ فيستحبّ قضاؤه. وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية، ومالك إلى أنه يجب إتمام ما شَرَع فيه من نفل الصوم، ولا يجوز فطره بلا عذر؛ للآية المتقدمة، فإن أفطر بلا عذر أَثِمَ، وعليه القضاء، وإن أفطر بعذر فلا إثم عليه، ولا قضاء عند المالكية، وأوجبه الحنفيّة. قال الحافظ: وأغرب ابن عبد البرّ، فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر. واحتجّ من أوجب القضاء بما رَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق جعفر بن بُرقان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﴿ا، قالت: كنت أنا، وحفصة صائمتين، فعَرَضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله مَّر، فبدرتني إليه حفصة، وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله ... فذكرت ذلك، فقال: ((اقضيا يوماً آخر مكانه)). قال الترمذيّ: رواه ابن أبي حفصة، وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ مثل هذا، ورواه مالك، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن عيينة، وغيرهم من الحفّاظ عن الزهريّ، عن عائشة مرسلاً، وهو أصحّ؛ لأن ابن جريج ذكر أنه سأل الزهريّ عنه، فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئاً، ولكن سمعت من ناس عن بعض من سأل عائشة، فذكره، ثم أسنده كذلك. وقال النسائيّ: هذا خطأ، وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهريّ عنه، أهو عن عروة؟ فقال: لا، وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذّ من وصله، وتواردَ الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولاً، ذكره الدارقطني في ((غرائب ٣٩٩ (٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٤) مالك))، وبيّن مالك في روايته، فقال: إن صيامهما كان تطوعاً. وله طريق آخر عن أبي داود، من طريق زُميل مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله وَ﴾، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها، فأفطرنا، فقال رسول الله وَله: ((لا عليكما، صوما مكانه يوماً آخر))، وهو حديث ضعيف؛ لأن زميلاً مجهول، وقال البخاريّ: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد سماع من زميل، ولا تقوم به الحجة. قال في ((الفتح)): وضعّفه أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ بجهالة حال زُميل(١). وقال في ((المرعاة)): واحتجّوا أيضاً لذلك، ولتحريم الأكل من غير عذر بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِقُوْ اْلْضِيَامَ إِلَى أَلَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يعمّ الفرض والنفل، وبقوله تعالى: ﴿أَوَقُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا قد عَقَد الصوم، فوجب أن يفي به، وبقوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَلَّهُ رِضْوَنِ اُللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآيةُ سيقت في معرض ذمّهم على عدم رعاية ما التزموه من الْقُرَب التي لم تُكتب عليهم، والقدر المؤدَّى عَمَلٌ كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه؛ تفادياً، أي تبعّداً عن الإبطال. وأجيب بأن هذه النصوص كلّها من الأدلّة العامّة، وقد تقرّر في موضعه أن الخاصّ يُقدّم على العامّ. قال ابن الْمُنَيِّر: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلّة العامّة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلا أن الخاصّ يُقدَّم على العامّ، كحديث سلمان ونحوه. وقال ابن عبد البرّ: من احتَجَّ في هذا بقوله تعالى: ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثرين على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، لأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أخلصوها لله، وقال آخرون: (١) ((الفتح)) ٧٣٠/٤. ٤٠٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، أو بالكفر والنفاق، أو بالمنّ والأذى، ونحوها، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يَفْرِضه الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر وغيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما أبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان مذاهب العلماء، وأدلّتهم أن الأرجح هو ما ذهب إليه القائلون بجواز الفطر للمتطوّع دون إيجاب القضاء عليه؛ لقوّة أدلّته. والحاصل أنه يجوز للصائم المتطوّع الفطر مطلقاً، ولا قضاء عليه إلا أن يشاء؛ إذ لم يصحّ دليل على وجوبه، وقد عرفت ضعف الأحاديث التي احتجّ بها الموجبون، وعلى تقدير صحتها، يحمل الأمر فيها بالقضاء على الندب؛ جمعاً بين الأدلة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظّفُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧١٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َهِ ذَاتَ يَوْم، فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟))، فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: ((فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ))، ثُمَّ أَتَانَا يَوَّماً آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: ((أَرِينِهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِماً))، فَأَكَلَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب أيضاً. والباقونه ذُكروا قبله. وقوله: (فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ) هذا ظاهر في كونه ◌َّ أنشأ الصوم في ذلك (١) ((المرعاة)) ١٠٧/٧.