Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) في ((الكفارات)): ((فجاء رجل من الأنصار))، وعند الدارقطنيّ من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيِّب مرسلاً: ((فأتى رجل من ثقيف))، فإن لم يُحْمَل على أنه كان حليفاً للأنصار، أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعمّ، وإلا فرواية ((الصحيح)) أصحّ. ووقع في رواية ابن إسحاق: ((فجاء رجل بصدقته يحملها))، وفي مرسل الحسن عند سعيد بن منصور: ((بتمر من تمر الصدقة)). انتهى. (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) - بفتح العين والراء - قال النوويّ نَّتُهُ: هذا هو الصواب المشهور في الرواية واللغة، وكذا حكاه القاضي عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثير من شيوخنا وغيرهم بإسكان الراء، قال: والصواب الفتح، ويقال للعرق: ((الزَّبِيل)) - بفتح الزاي، من غير نون -، و((الزِّنْبِيل)) - بكسر الزاي، وزيادة نون - ويقال له: الْقُفَّة))، و((الْمِكْتَل)) - بكسر الميم، وفتح التاء المثناة - فوقُ، و((السَّفِيفة)) - بفتح السين المهملة، وبالفائين - قال القاضي: قال ابن دُريد: سُمِّي زَبِيلاً؛ لأنه يُحْمَل فيه الزبل، والعَرَق عند الفقهاء: ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مُدّاً لستين مسكيناً، لكل مسكين مدٌّ. انتهى. وقال في ((الفتح)): ((الْعَرَقُ)) - بفتح المهملة والراء، بعدها قاف - قال ابن التين: كذا لأكثر الرواة، وفي رواية أبي الحسن - يعني القابسيّ - بإسكان الراء، قال عياض: والصواب الفتح، وقال ابن التين: أنكر بعضهم الإسكان؛ لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم. قال الحافظ: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم، فليُنْكَر الفتح؛ لأنه يشترك مع الماء الذي يتحَلَّب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية الفتح، ومن حيث اللغة أيضاً، إلا أن الإسكان ليس بمنكر، بل أثبته بعض أهل اللغة، كالقزاز. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَُّ: ((الْعَرَق)) بفتح الراء لا غير، وسُمّي بذلك؛ لأنه جمع عَرَقَة، وهي الضَّفِيرة من الْخُوص، وهو الزِّنْبِيلُ بكسر الزاي على رواية الطبريّ، وبفتح الزاي(٢) لغيره، وهما صَحِيحان، وسُمّ بذلك؛ لأنه يُحمل فيه (١) ((الفتح)) ٣١٦/٥. (٢) أي: مع حذف النون. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام الزبل، ذكره ابن دُريد، وهذا العرق تقديره عندهم خمسة عشر صاعاً، وهو مفسّر في الحديث، وقد تقدّم أن الصاع أربعة أمداد، فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مُدّاً، ولهذا قال الجمهور: إن مقدار ما يُدفع لكلّ مسكين من الستين مدٌّ، وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة والثوريّ؛ إذ قالا: لا يُجزئ أقلّ من نصف صاع لكلّ مسكين. انتهى(١). [تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ تفسير العرق، فقال: ((والْعَرَقُ)): ((الْمِكْتَل)) - بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح المثناة، بعدها لام - قال في ((الفتح)): زاد ابن عيينة عند الإسماعيليّ، وابن خزيمة: ((الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ))، قال الأخفش: سُمِّي المكتل عَرَقاً؛ لأنه يُضَفَّر عَرَقَةً عَرَقَةً، فالعَرَق جمع عَرَقة، كَعَلَق وعَلَقَة، والعَرَقة الضَّفِيرة من الْخُوص. وقوله: ((والْعَرَقُ: الْمِكْتَل)) تفسير من أحد رواته، وظاهر هذه الرواية أنه الصحابيّ، لكن في رواية ابن عيينة ما يُشعر بأنه الزهريّ، وفي رواية منصور عند البخاريّ: ((فَأَتِي بعرق فيه تمر، وهو الزَّبِيل))، وفي رواية ابن أبي حفصة: ((فأتي بزَبيل، وهو المكتل))، والزَّبِيل - بفتح الزاي، وتخفيف الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام، بوزن رغيف -: هو المكتل، قال ابن دُريد: سُمّي زَبيلاً؛ لحمل الزبل فيه، وفيه لغة أخرى: زنبيل - بكسر الزاي أوله، وزيادة نون ساكنة، وقد تدغم النون، فتشدَّد الباء، مع بقاء وزنه، وجمعه على اللغات الثلاث زَنابیل. [تنبيه آخر]: سيأتي في حديث عائشة ها الآتي في الباب: ((فجاءه عَرَقَان)) بالتثنية، والمشهور في غيرها عَرَق، ورجحه البيهقيّ، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة، قال الحافظ: وهو جمع لا نرضاه؛ لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد، والذي يظهر أن التمر كان قدر عَرَق، لكنه كان في عَرَقين في حال التحميل على الدابة؛ ليكون أسهل في الحمل، فَيَحْتَمِل أن الآتي به لَمّا وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرقٌ أراد ما آل إليه، والله أعلم. انتهى. (١) ((المفهم)) ١٧١/٣. ٤٣ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) (فَقَالَ) وَِّ (تَصَدَّقْ بِهَذَ))) وفي رواية البخاريّ: ((خُذّ هذا، فتصدق به))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، ومنهم من ذكره بمعناه، وزاد ابن إسحاق: ((فتصدق به عن نفسك))، ويؤيده رواية منصور عند البخاريّ بلفظ: ((أطعم هذا عنك))، ونحوه في مرسل سعيد بن المسيِّب، من رواية داود بن أبي هند عنه، عند الدارقطنيّ، وعنده من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة: ((نحن نتصدق به عنك))، واستُدلّ بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده، دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة: ((هل تستطيع))، و((هل تجد))، وغير ذلك(١)، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -. وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((تصدّق بهذا)) يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه؛ ليتصدّق به عن كفارته، ويكون هذا كقول القائل: أعتقت عبدي عن فلان، فإنه يتضمّن سبقيّة الملك عند قوم، وأباه أصحابنا مع الاتفاق على أن الولاء للمُعْتَق عنه، وأن الكفّارة تسقط بذلك. انتهى (٢). (قَالَ) الرجل (أَفْقَرَ مِنَّا؟) قال النوويّ تَخْذُ: كذا ضبطناه ((أَفْقَرَ)) بالنصب، وكذا نَقَل القاضي عياض أن الرواية فيه بالنصب، على إضمار فعل، تقديره: أَتَجِد أفقر منا، أو أتعطي، قال: ويصح رفعه على تقدير: هل أحدٌ أفقرُ منا؟، كما قال في الحديث الآخر بعده: ((أغيرُنا))، كذا ضبطناه بالرفع، ويصح النصب على ما سبق، قال النوويّ: وقد ضبطنا الثاني بالنصب أيضاً، فهما جائزان، كما سبق توجيههما. انتهى. وفي رواية البخاريّ: ((فقال الرجل: على أفقر مني))، أي أتصدق به على شخص أفقر مني، وهذا يشعر بأنه فَهِمَ الإذن له في التصدق على من يتصف بالفقر، وقد بيّن ابن عمر في حديثه ذلك، فزاد فيه: ((إلى من أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم))، أخرجه البزار، والطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي رواية إبراهيم بن سعد: ((أعَلى أفقر من أهلي؟))، ولابن مسافر: ((أعلى أهل بيتٍ أفقر مني؟))، وللأوزاعيّ: ((أعَلى غير أهلي؟))، ولمنصور: ((أعَلى أحوج منّا؟))، ولابن إسحاق: ((وهل الصدقة إلا لي، وعليّ؟)). (١) ((الفتح)) ٣١٨/٥. (٢) ((المفهم)) ١٧١/٣. ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام (فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تثنية ((لابة))، والضمير للمدينة، قال النوويّ كَّتُهُ: (اللابتان)): هما الْحَرّتان، والمدينة بين حرتين، والْحَرَّة: هي الأرض الْمُلَبَّسة حجارةً سُوداً، ويقال: لابةٌ، ولُوبةٌ، ونُوبةٌ، بالنون، حكاهنّ أبو عبيد، والجوهريّ، ومن لا يُحصَى من أهل اللغة، قالوا: ومنه قيل للأسود: لُوبيّ، ونُوبِيّ، باللام والنون، قالوا: وجمع اللابة لُوْبٌ، ولابٌ، ولاباتٌ، وهي غير (١) مهموزة. انتهى(١). وقال الفيّوميّ رَّتُهُ: اللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وهي الأرض ذات الحجارة السُّود، والجمع لَابٌ، مثلُ ساعة وسَاعٍ. انتهى(٢). وفي رواية البخاريّ: ((فوالله ما بين لابتيها، يريد الحرتين))، وقوله: ((يريد الحرّتين)) من كلام بعض رواته، زاد في رواية ابن عيينة ومعمر: ((والذي بعثك بالحق))، ووقع في حديث ابن عمر: ((ما بين حرتيها))، وفي رواية الأوزاعيّ: ((والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة))، وهو تثنية طُنُب، وهو بضم الطاء المهملة، بعدها نون، والظُّنُبُ أحد أطناب الخيمة، فاستعاره للطّرَف. (أَهْلُ بَيْتٍ أَخْوَجُ إِلَيْهِ) أي إلى هذا الطعام، فقوله: ((أهلُ)) بالرفع على أنه اسم ((ما)) النافية الحجازيّة، و((أحوج)) بالنصب على أنه خبرها، ويَحْتَمِل أن تكون ((ما)) تميميّة، لا تعمل، فـ((أهلُ)) بالرفع على الابتداء، و((أحوجُ)) بالرفع على أنه خبر المبتدأ، أفاده الزركشيّ وغيره. وقال البدر الدمامينيّ: وكذا إن جُعلت ((ما)) حجازيّة ملغاة من عمل النصب، (مِنَّا) وفي رواية البخاريّ: ((أفقر من أهل بيتي))، وفي رواية عُقيل: ((ما أحدٌ أحقّ به من أهلي، ما أحد أحوج إليه مني))، وفي مرسل سعيد، من رواية داود عنه: ((والله ما لعيالي من طعام))، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ((ما لنا عشاءُ ليلة)). (فَضَحِكَ النَّبِيُّ وَِّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) بفتح الهمزة: جمع ناب، وهو السنّ الذي بعد الرَّبَاعية، وهي أربعة، وقال الفيّوميّ: الناب من الأسنان مذكّرٌ ما دام له هذا الاسم، والجمع أنيابٌ، وهو الذي يلي الرَّبَاعيات، قال ابن سينا: ولا (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٦/٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٠. ٤٥ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) يجتمع في حيوان نابٌ وقرنٌ. انتهى(١). وفي رواية ابن إسحاق: ((حتى بدت نواجذه))، ولأبي قُرّة في ((السنن))، عن ابن جريج: ((حتى بدت ثناياه))، قال الحافظ: ولعلها تصحيف من ((أنيابه))، فإن الثنايا تَبين بالتبسم غالباً، وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم، ويُحْمَل ما ورد في صفته وَلي أن ضحكه كان تبسماً على غالب أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة، فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم، قيل: وهذه القضية تَعْكُر عليه، وليس كذلك، فقد قيل: إن سبب ضحكه وَّل كان من تباين حال الرجل، حيث جاء خائفاً على نفسه، راغباً في فدائها، مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة، طَمِعَ في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة، وقيل: ضَحِكَ من حال الرجل في مقاطع كلامه، وحسن تأتّه، وتلطفه في الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. انتهى. (ثُمَّ قَالَ) ◌ِ ((اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ))) وفي رواية لابن عيينة: ((أطعمه عيالك))، ولإبراهيم بن سعد: ((فأنتم إذاً))، وقُدِّم على ذلك ذكر الضحك، ولأبي قرة، عن ابن جريج: ((ثم قال: كله))، ونحوه ليحيى بن سعيد، وعِراك، وجمع بينهما ابن إسحاق، ولفظه: ((خذها، وكلها، وأنفقها على عيالك))، ونحوه في رواية عبد الجبار، وحجاج، وهشام بن سعد، كلهم عن الزهريّ، ولابن خزيمة في حديث عائشة ◌ُّ: ((عُدْ به عليك، وعلى أهلك))، قاله في (الفتح))(٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فأطعمه أهلك)) تخيّل قوم من هذا الكلام سقوط الكفّارة عن هذا الرجل، فقالوا: هو خاصّ به، وليس فيه ما يدلّ على ذلك، بل نقول: إن النبيّ ◌َ ﴿ لَمَّا بَيّن له ما يترتّب على جنايته من الكفّارة لزم الحكم، وتقرّر في الذمّة، ثم لَمّا تبيّن من حاله هذا أنه عاجزٌ عن الكفّارة سقط عنه القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال، وبقي الحكم في الذمّة على ما رتّبه أوّلاً، فبقيت الكفّارة عليه إلى أن يستطيع شيئاً من خصالها، وهذا مذهب الجمهور، وأئمة الفتوى، وقد ذهب الأوزاعيّ، وأحمد إلى أن حكم من لم يجد الكفّارة من سائر الناس سقوطها عنه. (١) ((المصباح المنير)) ٦٣٢/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٢٠/٥. ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور عندي أرجح؛ لأنه وَّي لم يقل له: سقطت عنك الكفّارة، بل أمره بالجلوس فدلّ على أنها باقية؛ لأن أمره به؛ لكي يساعده عليها، فهذا دليل بقائها، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: ولم يتعرّض النبيّ ◌َّ في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم، ولذلك قال بسقوط القضاء عنه طائفة من أهل العلم، وأنه ليس عليه الكفّارة، والجمهور على لزوم القضاء مع الكفّارة؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله، فهو باق عليه، كالصلوات وغيرها إذا لم تُفعل بشروطها. انتهى كلام القرطبيّ كَخَذُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي قريباً أنه ◌َلجر أمره بقضاء يوم، والحديث بمجموع طرقه يصلح للاحتاج به - كما أشار إليه الحافظ - فقول الجمهور بوجوب القضاء هو الحقّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َ به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥٩٥/١٤ و٢٥٩٦ و٢٥٩٧ و ٢٥٩٨ و٢٥٩٩ و٢٦٠٠] (١١١١)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٣٦ و١٩٣٧) و((الهبة)» (٢٦٠٠) و((الأدب)) (٦٠٨٧ و٦١٦٤) و((الكفّارات)) (٦٧٠٩ و٦٧١٠ و٦٧١١) و((الحدود)) (٦٨٢١)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٣٩٠)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٢٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢١٣/٢)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٦٧١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٦/٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٠٨)، و(أحمد) في (مسنده)) (٢٤١/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٩٤٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥٢٥)، و(الطبرانيّ) في (١) ((المفهم)) ١٧٢/٣. ٤٧ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) ((الأوسط)) (٣٦٤/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨١/١١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٦١/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٣٨٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٠٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢١/٤ و٢٢٢ و٢٢٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الكفّارة على من جامع في نهار رمضان. ٢ - (ومنها): السؤال عن حكم ما يفعله المرء مخالفاً للشرع، والتحدث بذلك لمصلحة معرفة الحكم. ٣ - (ومنها): استعمال الكناية فيما يُستقبح ظهوره بصريح لفظه؛ لقوله: ((واقعت، أو أصبت))، على أنه قد ورد في بعض طرقه كما تقدم: ((وَطِئت))، قال الحافظ تَّتُهُ: والذي يظهر أنه من تصرف الرواة. ٤ - (ومنها): أن فيه الرفقَ بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتألّف على الدین. ٥ - (ومنها): الندم على المعصية، واستشعار الخوف. ٦ - (ومنها): جواز الجلوس في المسجد لغير الصلاة، من المصالح الدينية، كنشر العلم. ٧ - (ومنها): جواز الضحك عند وجود سببه. ٨ - (ومنها): إخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة. ٩ - (ومنها): جواز الحلف؛ لتأكيد الكلام. ١٠ - (ومنها): قبول قول المكلَّف مما لا يُطَلَع عليه إلا من قبله؛ لقوله في جواب قوله: ((على أفقرَ منا؟)): ((أطعمه أهلك))، ويَحْتَمِل أن يكون هناك قرينة لصدقه. ١١ - (ومنها): أن فيه التعاونَ على العبادة، والسعي في إخلاص المسلم، واعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة، وإعطاء الكفارة أهل بيت واحد. ١٢ - (ومنها): أن المضطرّ إلى ما بيده لا يجب عليه أن يعطيه، أو بعضه ٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام لمضطرّ آخر، قاله في ((الفتح))(١). ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إعطاء الصدقة جميعها في صنف واحد، وفيه نظرٌ؛ لأنه لم يتعيّن أن ذلك القدر هو جميع ما يجب على ذلك الرجل الذي أحضر التمر. ١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع اكتفاءً بالكفارة؛ إذ لم يقع التصريح في ((الصحيحين)) بقضائه، وهو مَحكيّ في مذهب الشافعيّ، وعن الأوزاعيّ: يقضي إن كفّر بغير الصوم، وهو وجه للشافعية أيضاً، قال ابن العربيّ: إسقاط القضاء لا يشبه مَنْصِب الشافعيّ؛ إذ لا كلام في القضاء؛ لكونه أفسد العبادة، وأما الكفارة فإنما هي لما اقترف من الإثم، قال: وأما كلام الأوزاعيّ، فليس بشيء. قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث، في رواية أبي أويس، وعبد الجبار، وهشام بن سعد، كلهم عن الزهريّ، وأخرجه البيهقيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الليث، عن الزهريّ، وحديث إبراهيم بن سعد في ((الصحيح))، عن الزهريّ نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهريّ في ((الصحيحين)) بدونها، ووقعت الزيادة أيضاً في مرسل سعيد بن المسيِّب، ونافع بن جبير، والحسن، ومحمد بن كعب، وبمجموع هذه الطرق يُعرف أن لهذه الزيادة أصلاً، ويؤخذ من قوله: ((صم يوماً)) عدم اشتراط الفورية؛ للتفكير في قوله: ((يوماً)). انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب القضاء هو مذهب الجمهور كما تقدّم قريباً، وهو الحقّ؛ للزيادة المذكورة؛ لأنها صالحة للاحتجاج بها، كما أشار إلى ذلك الحافظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [فائدة]: قال الحافظ تَُّ: وقد اعتنى بعض المتأخّرين ممن أدركه شيوخنا، فتكلم على هذا الحديث في مجلّدين، جَمَع فيهما ألف فائدة وفائدةً، ومحصّله - إن شاء الله تعالى - فيما لخّصته مع زيادات كثيرة عليه، فلله الحمد على ما أنعم. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٣٢٢/٥ كتاب ((الصوم)) رقم (١٩٣٦). (٢) ((الفتح)) ٣٢٣/٥. ٤٩ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضاً تتبّعت ما لخّصه الحافظ وَّلُهُ، فأوردته في هذا الشرح، ولله تعالى الحمد والمنّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم كفّارة من جامع في نهار رمضان (١) : قال النوويّ كََّثُهُ: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة وجوب الكفارة عليه، إذا جامع عامداً جماعاً أفسد به صوم يوم من رمضان، والكفارة عتق رقبة مؤمنة، سليمة من العيوب التي تضرّ بالعمل إضراراً بَيّناً، فإن عجز عنها فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز، فإطعام ستين مسكيناً، كل مسكين مُدّ من طعام، وهو رطل وثلث بالبغداديّ، فإن عجز عن الخصال الثلاث، فللشافعي قولان: [أحدهما]: لا شيء عليه، وإن استطاع بعد ذلك فلا شيء عليه، واحتُجّ لهذا القول بأن حديث هذا المجامع ظاهر بأنه لم يستقرّ في ذمته شيء؛ لأنه أخبر بعجزه، ولم يقل له رسول الله وّل﴿ أن الكفارة ثابتة في ذمته، بل أَذِن له في إطعام عياله. [والقول الثاني]: وهو الصحيح عند أصحابنا، وهو المختار أن الكفارة لا تسقط، بل تستقرّ في ذمته، حتى يُمَكَّن؛ قياساً على سائر الديون والحقوق، والمؤاخذات، كجزاء الصيد، وغيره، وأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة، بل فيه دليلٌ لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبيّ وَّ في الكفارة بأنه عاجز عن الخصال الثلاث، ثم أُتي النبيّ وَ له بعرق التمر، فأمره بإخراجه، فلو كانت تسقط بالعجز، لم يكن عليه شيء، ولم يأمره بإخراجه، فدل على ثبوتها في ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله؛ لأنه كان محتاجاً، ومضطرّاً إلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي، فأذن له في أكله، وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته، وإنما لم يُبَيِّن له بقاءها في ذمته؛ لأن تأخير (١) قال في ((الفتح)): الحديث دليل على إيجاب الكفارة بالجماع خلافاً لمن شذّ، فقال: لا تجب؛ مستنداً إلى أنه لو كان واجباً لما سقط بالإعسار، وتُعُقّب بمنع الإسقاط كما سيأتي البحث فيه. ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام البيان إلى وقت الحاجة جائز، عند جماهير الأصوليين، وهذا هو الصواب في معنى الحديث، وحكم المسألة، وفيها أقوال، وتأويلات أُخَرُ ضعيفة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ضعّف النوويّ القول بأن المحتاج له إنفاق كفّارته على عياله، كما أمره و # بذلك، وأن كفّارته تسقط بذلك، مع أن هذا هو الموافق لظاهر النصّ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقال ابن دقيق العيد كَّلُهُ: تباينت في هذه القصة المذاهب، فقيل: إنه دلّ على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها؛ لأن الكفارة لا تُصْرَف إلى النفس، ولا إلى العيال، ولم يُبَيِّن النبيّ ◌َّ﴿ استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعية، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، وقال الأوزاعيّ: يستغفر الله، ولا يعود، ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها، وهو هلال الفطر، لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمدٌ تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها، فتستقر في الذمة، وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها، بل فيه ما يدلّ على استمرارها على العاجز. وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة، ثم اختلفوا، فقال الزهريّ: هو خاصّ بهذا الرجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورُدّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم یبیّن قائله ناسخه. وقيل: المراد بالأهل الذين أُمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وهو قول بعض الشافعية، وضُعِّف بالرواية الأخرى التي فيها: ((عيالك))، وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك. وقيل: لما كان عاجزاً عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الذي حَمَل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه بأن المرء لا يأكل من كفارة نفسه. قال الشيخ ابن دقيق العيد: وأقوى من ذلك أن يُجعل الإعطاء، لا على جهة الكفارة، بل على جهة التصدق عليه، وعلى أهله بتلك الصدقة؛ لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته ٥١ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) مأخوذاً من هذا الحديث، وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدّم، ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه، ثم أمره بإخراج العَرَق دلّ على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخّر البيان إلى وقت الحاجة، وهو القدرة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله ابن دقيق العيد من التكلّف البعيد عن ظاهر الحديث، وأن من تأمّل بالإنصاف تبيّن له أن القول بأن المكفّر إذا كان محتاجاً يجوز له أن ينفق كفّارته على نفسه، وعلى عياله، كما هو ظاهر الحديث هو الأرجح. وقال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وقد ورد ما يدلّ على إسقاط الكفارة، أو على إجزائها عنه بإنفاقه إياها على عياله، وهو قوله في حديث عليّ ◌َظُهُ: ((وكُلْه أنت وعيالك، فقد كفَّر الله عنك))، ولكنه حديث ضعيف، لا يُحتج بما انفرد به. قال: والحقّ أنه لما قال له ◌َله: ((خذ هذا، فتصدق به))، لم يقبضه، بل اعتذر بأنه أحوج إليه من غيره، فأَذِنَ له حينئذ في أكله، فلو كان قبضه لملكه ملكاً مشروطاً بصفة، وهو إخراجه عنه في كفارته، فينبني على الخلاف المشهور في التمليك المقيد بشرط، لكنه لما لم يقبضه لم يملكه، فلما أذن له وَّ في إطعامه لأهله، وأكلِه منه كان تمليكاً مطلقاً بالنسبة إليه، وإلى أهله، وأخذهم إياه بصفة الفقر المشروحة، وقد تقدم أنه كان من مال الصدقة، وتصرّف النبي ◌ّ فيه تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة، واحتَمَلَ أنه كان تمليكاً بالشرط الأول، ومن ثم نشأ الإشكال، والأول أظهر، فلا يكون فيه إسقاط، ولا أكل المرء من كفارة نفسه، ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد كلام الحافظ هذا من ظاهر النصّ، فلو كان ما ذكره مراداً للنبيّ وَّ لَمَا أهمله، بل بيّن له، وفضَّل له الأمر تفصيلاً لا غموض فيه، فلما قال له بعد أن بيّن له أنه أعطاه ليكفّر به: ((اذهب به، فأطعمه أهلك))، وفي رواية ابن إسحاق: ((خذها، وكلها، وأنفقها على عيالك))، دلّ على أنه إذا كان محتاجاً إليها أنفقها على نفسه، وعياله، وتكون كفّارته، فليس على ذمته شيء، والله تعالى أعلم. ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال: وأما ترجمة البخاريّ بقوله: ((باب المجامع في رمضان، هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج؟»، فليس فيه تصريح بما تضمنه حكم الترجمة، وإنما أشار إلى الاحتمالين المذكورين بإتيانه بصيغة الاستفهام. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن صنيع البخاريّ تَظُّ ظاهر في ترجيحه هذا القول من الاحتمالين؛ لأنه أورد فيه الحديث المذكور، ودلالته على هذا القول ظاهرة. والحاصل أن القول بجواز إطعام المكفّر كفّارته أهله هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم المجامع ناسياً: قال النوويّ تَخْتُ: وأما المجامع ناسياً فلا يفطر، ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ولأصحاب مالك خلاف في وجوبها عليه، وقال أحمد: يفطر، وتجب به الكفارة، وقال عطاء، وربيعة، والأوزاعيّ، والليث، والثوريّ: يجب القضاء، ولا كفارة، قال: دليلنا أن الحديث صحّ أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه، وأما الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع، فإنما هي في جماع العامد، ولهذا قال في بعضها: ((هلكتُ))، وفي بعضها: ((احترقتُ احترقتُ))، وهذا لا يكون إلا في عامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: استَدَلّ الجمهور بهذا الحديث على أنه كان متعمّداً، وقصروا الكفّارة على المتعمّد دون الناسي، وهو مشهور قول مالك، وأصحابه، وذهب أحمد، وبعض أهل الظاهر، وعبد الملك، وابن حبيب إلى إيجابها على الناسي، ورُوي ذلك عن عطاء، ومالك، متمسّكين بترك استفسار النبيّ السائل، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال، وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزّل منزلة العموم في المقال، قال القرطبيّ: وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه ترك استفصاله لأنه قد تبيّن (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٤/٧ - ٢٢٥. ٥٣ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) حاله، وهو أنه كان عامداً، كما يدلّ عليه ظاهر قوله: ((هلكت))، و((احترقت). (١) . انتھی قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم وجوب الكفّارة على الناسي هو الأرجح عندي؛ لأن الحديث ظاهر في كونه عامداً، فإن دلالة قوله: ((هلكت))، و((احترقت)) على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم ظاهرٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في أنواع الكفارة: قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: ذهب الجمهور إلى أن الكفّارة ثلاثة أنواع، كما جاء في هذا الحديث، وذهب الحسن وعطاء إلى أن المكفّر إن لم يجد رقبةً أهدى بدنة إلى مكة، وقال عطاء: أو بقرةً، وتمسّكوا بما رواه مالك في ((الموطأ)) من مرسل سعيد بن المسيّب أن النبيّ وَّ قال له: ((هل تستطيع أن تُعتق رقبةً؟)) قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تُهدي بدنةً؟)) قال: لا، والصحيح المسند من الأحاديث، ليس فيه شيء من ذلك. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): في الحديث أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة، وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة، وربما أيده بعضهم بإلحاق إفساد الصيام بإفساد الحجّ، وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيِّب، عند مالك في ((الموطأ)»، عن عطاء الخرسانيّ عنه، وهو مع إرساله قد ردّه سعيد بن المسيِّب، وکذب من نقله عنه، كما روى سعيد بن منصور، عن ابن عُلَيّة، عن خالد الحذّاء، عن القاسم بن عاصم، قلت لسعيد بن المسيِّب: ما حديث حدّثناه عطاء الخرسانيّ عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يُعتق رقبةً، أو يُهدي بدنة؟ فقال: كَذَبَ، فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث، عن عمرو بن الحارث، عن أيوب، عن القاسم بن عاصم، وتابعه همام، عن قتادة، عن سعيد، وذكر ابن عبد البرّ أن عطاء لم ينفرد بذلك، فقد ورد من طريق مجاهد، عن أبي هريرة، موصولاً، ثم ساقه بإسناده، لكنه من رواية ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، وليث ضعيفٌ، وقد اضْطَرَب في روايته سنداً ومتناً، فلا حجة فيه. انتهى. (١) ((المفهم)) ١٦٩/٣. (٢) ((المفهم)) ١٧٣/٣ - ١٧٤. ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ أن كفّارة الجماع في نهار رمضان هو المذكور في حديث الباب، وهو عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكيناً، وأما غير ذلك من البدنة، أو غيرها فلا يُجزئ؛ لضعف دليله، مع مخالفته للحديث الصحيح المذكور في الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في ترتيب الكفّارة كما ذُكر في هذا الحديث: قال القرطبيّ تَخّْتُهُ: إن قوله: ((هل تجد؟))، وبعده: ((فهل تستطيع؟))، وبعده: ((فهل تجد ما تُطعم؟)) ظاهر في ترتيب هذه الخصال، بدليل عطف الْجُمَلِ بالفاء المرتِبة الْمُعَقِّبة، وإليه ذهب الشافعيّ، والكوفيّون، وابن حبيب من أصحابنا، وذهب مالك وأصحابه إلى التخيير في ذلك، إلا أنه استَحَبّ الإطعام؛ لشدّة الحاجة إليه، وخصوصاً بالحجاز، واستَدَلّ أصحابنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة به الآتي بعد هذا، وهو أنه قال: أفطر رجلٌ في رمضان، فأمره النبيّ وَّرِ أن يُعتق رقبةً، أو يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكيناً، فخَيَّره بـ((أو)) التي هي موضوعة للتخيير. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وفي الحديث أيضاً أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور، قال ابن العربيّ: لأن النبيّ وَّ نقله مِن أمرٍ بعد عدمه الأمر آخر، وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك، فقال: إن مثل هذا السؤال قد يُستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن الْمُنَيِّر في ((الحاشية)) بأن شخصاً لو حَنِث فاستفتى، فقال له المفتي: أعتق رقبةً، فقال: لا أجد، فقال: صم ثلاثة أيام إلخ لم يكن مخالفاً لحقيقة التخيير، بل يُحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة، وقال البيضاويّ: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني، يدل على عدم التخيير، مع كونها في معرض البيان، وجواب السؤال، فينزّل منزلة الشرط للحكم. (١) ((المفهم)) ١٧٣/٣. ٥٥ (١٤) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهريّ أكثر ممن روى التخيير. وتعقبه ابن التين بأن الذين رووا الترتيب: ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعيّ، والذين رووا التخيير: مالك، وابن جريج، وفُليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان المخزوميّ، قال الحافظ: وهو كما قال في الثاني دون الأول، فالذين رووا الترتيب في البخاريّ الذي نحن في شرحه أيضاً: إبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وشعيب بن أبي حمزة، ومنصور، ورواية هذين في هذا الباب الذي نشرحه، وفي الذي يليه، فكيف غفل ابن التين عن ذلك، وهو ينظر فيه؟ بل روى الترتيب عن الزهريّ كذلك تمام ثلاثين نفساً، أو أزيد. ورُجّح الترتيب أيضاً بأن راويه حَكَى لفظ القصة على وجهها، فمعه زيادة علم، من صورة الواقعة، وراوي التخيير حَكَى لفظ راوي الحديث، فدلّ على أنه من تصرّف بعض الرواة، إما لقصد الاختصار، أو لغير ذلك. ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط؛ لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا، بخلاف العكس. وجمع بعضهم بين الروايتين كالمهلَّب والقرطبيّ بالحمل على التعدد، وهو بعيد؛ لأن القصة واحدة، والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد. وبعضهم حمل الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم، فقال: ((أو)) في الرواية الأخرى ليست للتخيير، وإنما هي للتفسير، والتقدير: أَمَرَ رجلاً أن يعتق رقبة، أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عنهما . وذكر الطحاويّ أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير، أن الزهريّ راوي الحديث قال في آخر حديثه: فصارت الكفارة إلى عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو الإطعام، قال: فرواه بعضهم مختصراً مقتصراً على ما ذكر الزهريّ أنه آل إليه الأمر، قال: وقد قَصّ عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهريّ القصة على وجهها، ثم ساقه من طريقه، مثل حديث الباب إلى قوله: ((أطعمه أهلك))، قال: فصارت الكفارة إلى عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً . ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وكذلك رواه الدارقطنيّ في ((العلل)) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، وقال في آخره: فصارت سنة عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً، قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو القول بكون الكفارة على الترتيب المذكور في هذا الحديث؛ لظاهر النصّ. وأما حديث أبي هريرة الآتي الذي احتجّ به المالكيّة؛ لكونه بـ((أو))، فإن ((أو)) فيه للتقسيم، لا للتخيير؛ جمعاً بين الروايات، قال النوويّ كَُّهُ: لفظة ((أو)) فيه للتقسيم، لا للتخيير، تقديره: أن يُعتق، أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يُطعم إن عجز عنهما، وتبيّنه الروايات الباقية. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم، هل على المرأة كفّارة أم لا؟ : قال القرطبيّ تَخُّْ: إن هذه الكفّارة هل هي على الجاني وحده؟ وهذا كما هو مذهب الجمهور، أو عنه وعن موطوءته؟ كما صار إليه الشافعيّ، وأهل الظاهر، وليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، لكن الحديث إنما تعرّض للرجل، وسكت عن المرأة، فيؤخذ حكمها من دليل آخر، ولعله إنما سكت عنها؛ لأنها كانت غير صائمة؛ لأنها طهرت من حيضتها في أضعاف اليوم، أو كتابيّة، وعلى الجملة فحالها مجهولٌ، ولا سبيل إلى التحكّم بأنها كانت مكرهةً، أو مختارةً، أو غير ذلك، ومشهور مذهب مالك في المكرهة أن مكرِهها يكفّر عنها؛ لأنه هَتَكَ صومين بالنسبة إليها وإليه، فكأنه هتك یومین، قال سحنون: لا شيء عليه لها، ولا عليها، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر(٣)، ولم يختلف المذهب في أن عليها القضاء. انتهى (٤). (١) ((الفتح)) ٣١٤/٥ - ٣١٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٢٢٧. (٣) سيأتي في عبارة ((الفتح)) أن أبا ثور، وابن المنذر من القائلين بالوجوب على المرأة، فليُحرّر. (٤) ((المفهم)) ١٧٢/٣ - ١٧٣. ٥٧ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه القائلون بعدم وجوب الكفّارة على المرأة هو الأقرب؛ لأنه يدلّ عليه ظاهر الحديث، وأما القول بالوجوب، فيحتاج إلى دليل، ولذا قال في (الفتح)): واستُدِلّ بإفراد الرجل بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة: ((هل تستطيع))، و((هل تجد)) وغير ذلك، وهو الأصح من قولي الشافعية، وبه قال الأوزاعيّ، وقال الجمهور، وأبو ثور، وابن المنذر: تجب الكفارة على المرأة أيضاً، على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرّة والأمة، والمطاوِعة والمكرَهة، وهل هي عليها، أو على الرجل عنها . واستَدلّ الشافعية بسكوته وَله عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك؛ لأنها لم تَعترف، ولم تُسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف، وبأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدلّ على الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة؛ لعذر من الأعذار، ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقّها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصوم، كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حقّ بعض المكلفين كافٍ عن ذكره في حقّ الباقين. ويَحْتَمِل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. واستدلّ بعضهم بقوله في بعض طرق هذا الحديث: ((هلكت، وأهلكت)) وهي زيادة فيها مقال، فقال ابن الجوزي في قوله: ((وأهلكت)) تنبيه على أنه أكرهها، ولولا ذلك لم يكن مُهلكاً لها . قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: ((وأهلكت)) إيجاب الكفارة عليها، بل يَحتمل أن يريد بقوله: ((هلكت)): أَثِمت، وأهلكت: أي كنت سبباً في تأثيم من طاوعتني فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيها، أو المعنى: ((هلكتُ)): أي حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته، ((وأهلكتُ)): أي نفسي بفعلي الذي جرّ عليّ الإثم. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة، وقد ذكر البيهقيّ أن للحاكم في بطلانها ثلاثةَ أجزاء، ومُحَصَّل القول فيها أنها وردت من طريق الأوزاعيّ، ومن طريق ابن عيينة. أما الأوزاعيّ: فتفرد بها محمد بن المسيب، عن عبد السلام بن عبد الحميد، عن عمر بن عبد الواحد، والوليد بن مسلم، وعن محمد بن عقبة، عن علقمة، عن أبيه، ثلاثتهم عن الأوزاعيّ، قال البيهقيّ: رواه جميع أصحاب الأوزاعيّ بدونها، وكذلك جميع الرواة عن الوليد، وعقبة، وعمر، ومحمد بن المسيب كان حافظاً مكثراً إلا أنه كان في آخر أمره عَمِي، فلعل هذه اللفظة أُدخلت عليه، وقد رواه أبو عليّ النيسابوريّ عنه بدونها، ويدلّ على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد، عن أبيه، قال: سئل الأوزاعيّ عن رجل جامع امرأته في رمضان؟، قال: عليهما كفارة واحدةٌ إلا الصيام، قيل له: فإن استكرهها؟ قال: عليه الصيام وحده. وأما ابن عيينة: فتفرد بها أبو ثور، عن معلى بن منصور، عنه، قال الخطابيّ: المعلى ليس بذاك الحافظ. وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يَعرف أحداً طعن في المعلى، وغفل عن قول الإمام أحمد: إنه كان يخطئ كل يوم في حديثين أو ثلاثة، فلعله حدَّث من حفظه بهذا، فوهم، وقد قال الحاكم: وقفت على كتاب الصيام للمعلى بخط موثوق به، وليست هذه اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزيّ أن الدارقطنيّ أخرجه من طريق عُقيل أيضاً، وهو غلطٌ منه، فإن الدارقطنيّ لم يخرج طريق عُقيل في ((السنن))، وقد ساقه في ((العلل)) بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزيّ بدونها. [تنبيه]: القائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته، يقول: يُعتبر حالهما، فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبةٌ، وإن كانا من أهل الإطعام، أطعم ما سبق، وإن كانا من أهل الصيام صاما جميعاً، فإن اختلف حالهما، ففيه تفريع، محله كتب الفروع. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٣١٨/٥ - ٣١٩. ٥٩ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن زيادة: ((وأهلكت)) لا تصحّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): لم يُعَيَّن في هذه الرواية مقدار ما في الْمِكْتَل من التمر، بل ولا في شيء من طرق ((الصحيحين)) في حديث أبي هريرة نظره، ووقع في رواية ابن أبي حفصة: «فيه خمسة عشر صاعاً))، وفي رواية مؤمَّل، عن سفيان: ((فيه خمسة عشر، أو نحو ذلك))، وفي رواية مِهران بن أبي عمر، عن الثوريّ، عند ابن خزيمة: ((فيه خمسة عشر، أو عشرون))، وكذا هو عند مالك، وعبد الرزاق، في مرسل سعيد بن المسيِّب، وفي مرسله عند الدارقطنيّ الجزم بعشرين صاعاً، ووقع في حديث عائشة، عند ابن خزيمة: ((فَأُتي بعَرَق فيه عشرون صاعاً))، قال البيهقيّ: قوله: ((عشرون صاعاً))، بلاغٌ بلغ محمد بن جعفر، يعني بعض رواته، وقد بيّن ذلك محمد بن إسحاق عنه، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال محمد بن جعفر: فحُدِّثتُ بعدُ أنه كان عشرين صاعاً من تمر. قال الحافظ: ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره، عند مسدد: ((فأمر له ببعضه))، وهذا يَجْمَع الروايات، فمن قال: إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، ويُبَيِّن ذلك حديث عليّ عند الدارقطنيّ: ((تطعم ستين مسكيناً، لكل مسكين مدٌّ)، وفيه: ((فأُتي بخمسة عشر صاعاً، فقال: أطعمه ستين مسكيناً))، وكذا في رواية حجاج، عن الزهريّ عند الدارقطنيّ، في حديث أبي هريرة. وفيه رَدِّ على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من الْقَمْح ثلاثون صاعاً، ومن غيره ستون صاعاً، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعاً، وعلى أشهب في قوله: لو غدّاهم، أو عشّاهم كفى تصدق الإطعام(١)، ولقول الحسن: يُطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً، أو بالجماع: أطعم خمسة عشر. وفيه رد على الجوهريّ حيث قال في ((الصحاح)): المكتل يشبه الزَّبِيل يسع خمسة عشر صاعاً؛ لأنه لا حصر في ذلك، وروى عن مالك أنه قال: (١) كذا النسخة، ولعله: ((كفى عن تصدّق الإطعام))، فليُحرّر. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام يسع خمسة عشر، أو عشرين، ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصّة، فيوافق رواية مِهْران، وإلا فالظاهر أنه لا حصر في ذلك، والله أعلم. وأما ما وقع في رواية عطاء، ومجاهد، عن أبي هريرة عند الطبرانيّ في ((الأوسط)): أنه أَتِي بمكتل فيه عشرون صاعاً فقال: ((تصدق بهذا))، وقال قبل ذلك: ((تصدق بعشرين صاعاً، أو بتسع عشرة، أو بإحدى وعشرين))، فلا حجة فيه؛ لما فيه من الشكّ، ولأنه من رواية ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيف، وقد اضطَرَب فيه، وفي الإسناد إليه مع ذلك مَن لا يُحتَجّ به، ذكره في ((الفتح))، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، وَقَالَ: بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَهُوَ اَلْزِّئْبِيلُ (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضاً قبل باب. و((الزهريّ) ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ المذكور قبل هذا، وهو: عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة نظرائه. وقوله: (وَقَالَ: بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) فاعل ((قال)) ضمير منصور. وقوله: (وَهُوَ الزِّنْبِيلُ) تقدّم أنه بكسر الزاي، بعدها نون، وفي نسخة: ((وهو الزَّبِيل)) بإسقاط النون، وعليه فتكون الزاي مفتوحة. [تنبيه]: رواية منصور، عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (١) وفي نسخة: ((وهو الزَّبِيلُ)).