Indexed OCR Text
Pages 1-20
البحر المحيط التجارية في شرح صَرَجُ الأمر مُسْلِم ◌ُ الحجار لَجَامِعِهِ الْفَقِيُ المِصَوْلَه الغَنّالْقَدِرُ مُقَدَابر الشَُّ الْعُلَّمَ بَلِّنْ آدَمُ بنُمُوسَ الإِنْيُوُبِالُلْويُ مُحْوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكَّة عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَنْهُ وَالدِيُّه آمين المَجَلّد الواحِد وَالعُشرون كتَابُ الصِّيَامُ رقم الأحاديث (٢٥٨٩ - ٢٧٧٩) دارابن الجوزي 7 3 السحر الخيط التجاري في شرح بِيجِ الأمُّ مُسْلِمُ الحَجَار جِقُوق الطّبْع محفوظة لِدَارِابْ الجَوزي الطّبَعَة الأولى صَفَرٌ ١٤٣٢هـ حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٢ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. دار ابن للنشر والتوزيع دارابن الجوزي لِلِنَّشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com ٥ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌّ - حديث رقم (٢٥٨٩) براسه الرحمن الرحيم ليلة الجمعة المباركة ١٤٢٨/٨/٤ هـ أول الجزء الواحد والعشرين من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. (١٣) - (بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨٩] (١١٠٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَحْبَی بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكَ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِّي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَ﴿بَهِ يَقُصُّ، يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُباً فَلَا يَصُمْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، لِأَبِيهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ بُصْبِحُ جُنُباً، مِنْ غَيْرِ حُلُم، ثُمَّ يَصُومُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَّنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَجِثْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو بَكْرِ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ◌ِ، قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ، قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَقَالَتَا(١) فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمْ، ثُمَّ يَصُومُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ حافظٌ إمام قدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام) الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهير، عَمِيَ فتَّغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ يرسل ويدلّس [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام المخزوميّ المدنيّ، ثقةٌ [٥] مات في أول خلافة هشام (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦. ٦ - (أَبُو بَكْرٍ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَذُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: فالأول انفرد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. (١) وفي نسخة: ((أو قالتا)). ٧ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبُّ - حديث رقم (٢٥٨٩) ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، عن صحابيّتين. ٥ - (ومنها): أن فيه صحابيتين من أمهات المؤمنين، ومن أفقه الصحابيّات رضي الله عنهنَّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن عبد الرحمن بن الحارث أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ظُهُ يَقُصُّ) أي يُحدّث، يقال: قَصَصتُ الخبرَ قَصّاً، من باب نصر: حدّث به على وجهه، والاسم الْقَصَصُ بفتحتين(١). (يَقُولُ فِي قَصَصِهِ) بفتحتین، كما مرّ آنفاً (مَنْ أَدْرَكَهُ) أي طلع عليه (الْفَجْرُ) وقوله: (جُنُباً) منصوب على الحال، والجنب ـ بضمّتين - يُطلق على الذكر، والأنثى، والمفرد، والتثنية، والجمع، وربما طابق على قلّة، فيقال: أَجْنابٌ، وجُنُبُون، ونساءٌ جُنُبات، ورجلٌ جُنُبٌ (٢). (فَلَا يَصُمْ) وفي رواية مالك، عن سُمَيّ، عن أبي بكر: أن أبا هريرة قال: ((من أصبح جنباً، أفطر ذلك اليوم))، وللنسائي من طريق المقبريّ: ((كان أبو هريرة يفتي الناس أنه من أصبح جنباً، فلا يصوم ذلك اليوم))، وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أنه سمع أبا هريرة يقول: ((من احتَلَم من الليل، أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر، ولم يغتسل فلا يصم))، ومن طريق أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن الحارث، أن أبا هريرة، كان يقول: ((من أصبح جنباً، فليُفْطِر))، فاتفقت هذه الروايات على أنه كان يفتي بذلك، وسيأتي بيان مَن روى ذلك عنه مرفوعاً قريباً(٣) - إن شاء الله تعالى -. (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي ما قاله أبو هريرة (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ) وقوله: (لِأَبِيهِ) بدل من (لعبد الرحمن))، قال النوويّ تَظُّهُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((فذكرتُ ذلك لعبد الرحمن بن الحارث، لأبيه))، وهو صحيحٌ مَلِيحٌ، ومعناه: ذكره أبو بكر لأبيه عبد الرحمن، فقوله: ((لأبيه)) بدل من ((عبد الرحمن)) بإعادة حرف الجرّ. (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٥. (٣) راجع: ((الفتح)) ٢٧٧/٥ - ٢٧٨. (٢) ((المصباح المنير)) ١١١/١. ٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال القاضي عياض تَخُّْ: ووقع في رواية ابن ماهان: ((فَذَكَرَ ذلك عبدُ الرحمن لأبيه))، وهذا غلطٌ فاحشٌ؛ لأنه تصريح بأن الحارث والد عبد الرحمن هو المخاطب بذلك، وهو باطلٌ؛ لأن هذه القصّة كانت في ولاية مروان على المدينة، في خلافة معاوية ﴿ه، والحارث تُؤُفّي في طاعون عَمَوَاس، في خلافة عمر بن الخطاب له سنة ثمان عشرة. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (فَأَنْكَرَ) أي عبد الرحمن (ذَلِكَ) أي ما قاله أبو هريرة ◌َظُبه؛ لأن عنده علماً بأن من أصبح جنباً لا يبطل صومه، ولعله أخذه من عائشة، وأم سلمة، أو من أحدهما (فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن الحارث؛ ليتأكّد مما لديه من عدم فطر من أصبح جنباً، قال أبو بكر (وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ رُهَا، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ) أي عن حكم من أصبح جنباً (قَالَ) أبو بكر (فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ) أفرد الضمير؛ نظراً للفظ ((كلتا))، والقاعدة في (كلا))، و(كلتا)) أنه يجوز فيهما مراعاة اللفظ، ومراعاة المعنى، والأكثر مراعاة اللفظ، كما في هذا الحديث، وبه جاء القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كِنَا الْجَنََّيْنِ مَانَتْ أُكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: ٣٣]، وقد تقدّم البحث فيه قريباً. [تنبيه]: ظاهر رواية المصنّف أنهما سمعا كلام عائشة، وأم سلمة لكن في رواية النسائيّ أن عبد الرحمن بن الحارث إنما سمعه من ذكوان مولى عائشة عنها، ومن نافع مولى أم سلمة عنها، فأخرج من طريق عبد ربه بن سعيد، عن أبي عياض، عن عبد الرحمن بن الحارث، قال: أرسلني مروان إلى عائشة، فأتيتها، فلقيت غلامها ذكوان، فأرسلته إليها، فسألها عن ذلك، فقالت، فذكر الحديث مرفوعاً، قال: فأتيت مروان، فحدثته بذلك، فأرسلني إلى أم سلمة، فأتيتها، فلقيت غلامها نافعاً، فأرسلته إليها، فسألها عن ذلك، فذكر مثله، وفي إسناده نظرٌ؛ لأن أبا عياض مجهول، فإن كان محفوظاً، فيُجْمَع بأن كلاً من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن، وبين كل منهما في السؤال، كما في هذه الرواية، وسمع عبد الرحمن وابنه أبو بكر كلاهما من وراء الحجاب، كما في رواية المصنف وغيره. (١) (شرح النوويّ)) ٢٢٠/٧. ٩ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبُّ - حديث رقم (٢٥٨٩) وفي رواية أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عند النسائيّ، أن عبد الرحمن جاء إلى عائشة، فسلّم على الباب، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن ... الحديث، أفاده في ((الفتح)) (١). (كَانَ النَّبِيُّ ◌ِهِ يُصْبِحُ جُنُباً، مِنْ غَيْرِ حُلُم) بضمّ الحاء المهملة، واللام، ويجوز إسكانها؛ تخفيفاً، يقال: حَلَمَ يَخْلُمُ، من باب نصر، حُلْماً بضمّتين، وإسكان الثاني تخفيفاً، واحتَلَم: رأى في منامه رُؤيا (٢). (ثُمَّ يَصُومُ) وفي الرواية التالية من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن عائشة: ((كان يدركه الفجر في رمضان جنباً من غير حُلُم))، وفي رواية البخاريّ: ((كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله، ثم يغتسل، ويصوم))، وفي رواية مالك: ((كان يصبح جنباً من جماع، غير احتلام))، وللنسائيّ من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنهما: ((كان يصبح جنباً من غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم))، وله من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: اذهب إلى أم سلمة، فسلها، فقالت: ((كان رسول الله وَل﴿ يصبح جنباً مني، فيصوم، ويأمرني بالصيام)). قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: في هذا فائدتان: [إحداهما]: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخِّر الغسل إلى بعد طلوع الفجر؛ بياناً للجواز. [والثانية]: أن ذلك كان من جماع، لا من احتلام؛ لأنه كان لا يحتلم؛ إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره في قولها: ((من غير احتلام))؛ إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى. ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه(٣). (١) راجع: ((الفتح)) ٢٧٦/٥. (٢) ((المصباح)) ١٤٨/١. (٣) وقال النوويّ كَلَفُ في ((شرحه)): وفيه دليل لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء - * - وفيه خلاف قدّمناه، والأشهر امتناعه، قالوا: لأنه من تلاعب الشيطان، وهم منزهون عنه، ويتأولون هذا الحديث على أن المراد: يُصبح جنباً من جماع، ولا يجنب من احتلام؛ لامتناعه منه، ويكون قريباً من معنى قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحقّ. انتهى. ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وأجيب بأن الاحتلام يُطلَق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الردّ على من زعم أن فاعل ذلك عمداً يُفْطِرُ، وإذا كان فاعل ذلك عمداً لا يُفطِر، فالذي يَنْسَى الاغتسال، أو ينام عنه أولى بذلك. قال ابن دقيق العيد كَّهُ: لَمّا كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره، فقد يتمسك به من يُرَخِّص لغير المتعمد الجماع، فبيّن في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع؛ لإزالة هذا الاحتمال. (قَالَ) أبو بكر (فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ الأمويّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم، أمه آمنة بنت علقمة بن صفوان الكنانيّ، وتُكنى أم عثمان المدنيّ، وُلِد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، ورَوَى عن النبيّ ◌َِّ، ولا يصح له منه سماع، ورَوَى عن عثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وبُسْرة بنت صفوان، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وروى عنه ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد الساعديّ، وهو أكبر منه، وسعيد بن المسيِّب، وعلي بن الحسين، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وغيرهم. كتب لعثمان، وولي إمرة المدينة أيام معاوية، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية، وكان الضحاك بن قيس غلب على دمشق، ودعا لابن الزبير، ثم دعا لنفسه، فواقعه مروان بِمَرْج راهط، فقُتل الضحاك، وغَلَب مروان على دمشق، ثم على مصر، ومات في رمضان سنة خمس وستين، وكانت ولا يته تسعة أشهر. قال البخاريّ: لم ير النبيّ وَّر، وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): وُلد يوم الخندق، وعن مالك أنه وُلد یوم أُحُد. أخرج له البخاريّ(١)، والأربعة، وليست له رواية عند المصنّف، وإنما له ذكر فقط . (١) وقد عاب الإسماعيليّ على البخاريّ تخريج حديثه، وعَدّ من موبقاته أنه رَمَى طلحة أحد العشرة يوم الجمل، وهما جميعاً مع عائشة، فقتله، ثم وثب على الخلافة = ١١ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌّ - حديث رقم (٢٥٨٩) (فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) أي لمروان (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن الحارث، أي حديث عائشة، وأم سلمة ﴿ي المذكور، وفي رواية البخاريّ: ((فقال أبو بكر: فكره ذلك عبد الرحمن، ثم قُدّر لنا أن نجتمع بذي الحليفة، وكانت لأبي هريرة هنالك أرض)). وقوله: ((فكره ذلك عبد الرحمن)) سبب كراهته ما سيأتي أنه قال: إنه لَجاري، وإني لأكره أن استقبله بما يكره، ويَحْتَمِل أن يكون كَرِه أيضاً أن يخالف مروان؛ لكونه كان أميراً واجب الطاعة في المعروف، وبيَّن أبو حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، سبب تشديد مروان في ذلك، فعند النسائيّ من هذا الوجه قال: كنت عند مروان، مع عبد الرحمن، فذكروا قول أبي هريرة، فقال: اذهب، فاسأل أزواج النبيّ وَّر، قال: فذهبنا إلى عائشة، فقالت: يا عبد الرحمن، أما لكم في رسول الله أسوة حسنة؟ فذكرت الحديث، ثم أتينا أم سلمة كذلك، ثم أتينا مروان، فاشتَدّ عليه اختلافهم تخوّفاً أن يكون أبو هريرة يحدث بذلك عن رسول الله وَله، فقال مروان لعبد الرحمن: عَزَمُت عليك لما أتيته، فحدثته. وقوله: ((ثم قُدِّر لنا أن نجتمع بذي الحليفة))، أي المكان المعروف، وهو ميقات أهل المدينة، وقوله: ((وكان لأبي هريرة هناك أرض))، فيه رفع توهُّم من يظن أنهما اجتمعا في سفر، وظاهره أنهما اجتمعا من غير قصد، لكن في رواية مالك: ((فقال مروان لعبد الرحمن: أقسمت عليك، لتركبن دابتي، فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبي هريرة، فإنه بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه، قال: فركب عبد الرحمن، وركبت معه))، فهذا ظاهر في أنه قَصَد أبا هريرة لذلك، فيُحْمَل قوله: ((ثم قُدِّر لنا أن نجتمع معه)) على المعنى الأعم من التقدير، لا على معنى الاتّفاق، ولا تخالف بين قوله: ((بذي الحليفة))، وبين قوله: ((بأرضه بالعقيق))؛ لاحتمال أن يكونا قصداه إلى العقيق، فلم يجداه، ثم وجداه بذي الحليفة، وكان له أيضاً بها أرض. = بالسيف، واعتذر عنه الحافظ في ((هدي الساري)) بأن ما أخرجه البخاري إنما هو من حدّث عنه لما كان أميراً بالمدينة قبل أن يبدو منه شيء، وأما قتله طلحة، فكان متأولاً فيه، كما قرّره الإسماعيليّ وغيره. انتهى باختصار (١١٨٩/٢) نسخة البراك. ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ووقع في رواية معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر: فقال مروان: عَزَمتُ عليكما لَمَّا ذهبتما إلى أبي هريرة، قال: فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد، والظاهر أن المراد بالمسجد هنا مسجد أبي هريرة بالعقيق، لا المسجد النبويّ؛ جمعاً بين الروايتين، أو يُجمع بأنهما التقيا بالعقيق، فذكر له عبد الرحمن القصة مجملةً، أو لم يذكرها، بل شَرَع فيها، ثم لم يتهيأ له ذكر تفصيلها، وسماع جواب أبي هريرة إلا بعد أن رجعا إلى المدينة، وأراد دخول المسجد النبويّ، قاله في ((الفتح)). (فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ) أي أمرتك أمراً جازماً عزيمةً مُحتّمةً، وأمر وُلاة الأمور تجب طاعته في غير معصية. وفي رواية البخاريّ: ((وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أُقْسِم بالله لتُفْزِعَنّ(١) بها أبا هريرة، وكان مروان يومئذ على المدينة))، وفي رواية النسائيّ من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: فقال مروان لعبد الرحمن: ((الْقَ أبا هريرة، فحدِّثه بهذا، فقال: إنه لَجاري، وإني لأكره أن استقبله بما يكره، فقال: أَعْزِمُ عليك، لَتَلْقَيَنْه))، ومن طريق عُمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه: فقال عبد الرحمن لمروان: ((غفر الله لك إنه لي صديق، ولا أحبّ أن أَرُدّ عليه قولَهُ». (فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ) أي الذي يقوله (إِلَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) . أبو هريرة، من أن من أدرك الفجر جُنُباً فلا يصم (قَالَ) أبو بكر (فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ) ﴿به، وقوله: (وَأَبُو بَكْرٍ) أي ابن عبد الرحمن راوي الحديث (حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ) أي ما تقدّم من سماع كلام عائشة وأم سلمة، والدخول على مروان، وتحديثه بذلك، فقوله: ((وأبو بكر حاضر)) ذكره تأكيداً، وإلا فهو معلوم من قوله: ((وانطلقت معه، ودخلنا))، وقوله: ((فانطلقنا حتى دخلنا على مروان)) (قَالَ) أبو بكر (فَذَكَرَ لَهُ) أي لأبي هريرة ◌َّهِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أي ذكر عبد الرحمن لأبي (١) قوله: ((لَتُفْزِعَنَّ)) كذا للأكثر بالفاء، والزاي، من الفزع، وهو الخوف، أي لَتُخِيفنّه بهذه القصة التي تخالف فتواه، وللكشميهنيّ: ((لَتَقْرَعَنّ)) بفتح التاء، فقاف، وراء مفتوحة: أي تقرع بهذه القصة سمعه، يقال: قَرَعت بكذا سمع فلان: إذا أعلمته به إعلاماً صريحاً، قاله في ((الفتح)). ١٣ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ - حديث رقم (٢٥٨٩) هريرة ما قالت عائشة، وأم سلمة ﴿ه، وفي رواية البخاريّ: ((فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمراً، ولولا مروان أقسم عليّ فيه لم أذكره لك)). وقوله: ((ولولا مروان ... إلخ)): فيه حسن الأدب مع الأكابر، وتقديم الاعتذار قبل تبليغ ما يَظُنّ المبلِّغ أن المبلَّغ يكرهه. (أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟) إنما قال ذلك؛ لاحتمال أن (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) يسمع قولهما بواسطة، فلا يحصل اليقين (قَالَ) عبد الرحمن (نَعَمْ) قالتاه (قَالَ) أبو هريرة ربه (هُمَا أَعْلَمُ) أي من غيرهما، ممن حدّثه أن من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، وإنما كانتا أعلم بذلك؛ لأنهما لازمتا النبيّ وَّ حتى وفاته، فلا يكون ذلك منسوخاً، وأما ذاك، فقد يكون سابقاً، ثم نُسخ، كما رأى بعض من جمع بين الحديثين، وهو الذي اختاره ابن المنذر تَخْلَفُ، كما سيأتي قريباً ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِك) أي الحديث الذي كان يُحدّث به من عدم صحة صوم من أصبح جنباً (إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ) بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عمّ النبيّ وَ﴿ أبي عبد الله، ويقال: أبو العباس، ويقال: أبو محمد المدنيّ، وأمه أم الفضل لُبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية، أردفه رسول الله وله في حجة الوداع، وحَضَر غسل رسول الله وَّل، روى عن النبيّ وَّ، وعنه أخواه: عبد الله، وقثم، وابن أخيه عباس بن عبيد الله بن عباس، وابن عمه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعمير مولى أم الفضل، وأبو معبد، وكريب موليا ابن عباس، وأبو هريرة، وسليمان بن يسار، والشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، وقيل: إنه لم يسمع منه سوى أخيه عبد الله، وأبي هريرة، ورواية باقي من ذُكِر هنا عنه مرسلة، قال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: قُتِل يوم اليرموك، وعليه درع النبيّ وَله، وقال أبو داود: قُتل بدمشق، وقال الواقديّ: مات بطاعون عَمَوَاس سنة ثمان عشرة، وقال ابن سعد: كان أسنّ ولد العباس، وثبت يوم حُنين، ومات بناحية الأُرْدُنّ في خلافة عمر. قال الحافظ: رواية ربيعة بن الحارث عنه ممكنةٌ، لا أعلم مَن نَصَّ على أنه لم يسمع منه، وأما رواية الباقين عنه فظاهرة الإرسال؛ لقدم موته. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١١٠٩) و(١٢٨١) وأعاده بعده و(١٢٨٢) و(١٣٣٥). ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام (وَلَمْ (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ) بن العبّاسِ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ وََّ) وفي رواية البخاريّ: ((فقال: كذلك حدّثني الفضل))، أراد أن الفضل حدّثه بالقول الذي يقوله، وهو: ((من أدركه الفجر جنباً فلا يصم)) وفي رواية مالك، عن سميّ: فقال أبو هريرة: ((لا علم لي بذلك))، وفي رواية معمر، عن ابن شهاب: فتَلَوَّن وجه أبي هريرة، ثم قال: ((هكذا حدّثني الفضل)). (قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ) وكذلك وقع في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان عند النسائيّ أنه رجع، ورَوَى ابن أبي شيبة، من طريق قتادة، عن سعيد بن المسيِّب أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنباً فلا صوم له، وللنسائيّ من طريق عكرمة بن خالد، ويعلى بن عقبة، وعِرَاك بن مالك، كلهم عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس، لكن عنده من طريق عُمر بن أبي بكر، عن أبيه، أن أبا هريرة قال في هذه القصة: إنما كان أسامة بن زيد حدّثني، فَيُحْمَل على أنه كان عنده عن كل منهما، ويؤيِّده رواية أخرى عند النسائيّ من طريق أخرى، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، قال فيها: إنما حَدَّثني فلان، وفلان، وفي رواية مالك: أخبرنيه مخبر. قال الحافظ تَذْتُ: والظاهر أن هذا من تصرف الرواة، منهم من أبهم الرجلين، ومنهم من اقتصر على أحدهما، تارةً مبهماً، وتارةً مفسراً، ومنهم من لم يذكر عن أبي هريرة أحداً، وهو عند النسائي أيضاً من طريق أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن الحارث، ففي آخره: ((فقال أبو هريرة: هكذا كنت أحسب)). انتهى(١). وقال النوويّ كََّثُ ما حاصله: أن أبا هريرة ظُه حين بلغه قول عائشة وأم سلمة ﴿ّ هذا رجع عن قوله، مع أنه كان رواه عن الفضل، عن النبيّ وَّ، فلعل سبب رجوعه أنه تعارض عنده الحديثان، فَجَمَع بينهما، وتأول أحدهما، وهو قوله: ((من أدركه الفجر جنباً فلا يصم))، وفي رواية مالك: ((أفطر))، فتأوله على ما سنذكره من الأوجه في تأويله - إن شاء الله تعالى - فلما ثبت عنده أن حديث عائشة وأم سلمة على ظاهره، وهذا مُتَأَوَّل رجع عنه، وكان حديث (١) ((الفتح)) ٢٧٩/٥. ١٥ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبُّ - حديث رقم (٢٥٨٩) عائشة وأم سلمة أولى بالاعتماد؛ لأنهما أعلم بمثل هذا من غيرهما، ولأنه موافق للقرآن، فإن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، قال الله تعالى: ﴿فَلْثَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمراد بالمباشرة الجماع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومعلوم أنه اذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنباً، ويصح صومه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُوْ اْلْضِيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وإذا دلّ القرآن، وفعل رسول الله ﴿ على جواز الصوم لمن أصبح جنباً، وجب الجواب عن حديث أبي هريرة عن الفضل ها، عن النبيّ وَّر، وجوابه من ثلاثة أوجه: [أحدها]: أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، وهذا مذهب أصحابنا، وجوابهم عن الحديث. [فإن قيل]: كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل، وقد ثبت عن النبيّ وَّل خلافه؟. [فالجواب]: أنه ◌َّ فعله؛ لبيان الجواز، ويكون في حقّه حينئذ أفضل؛ لأنه يتضمن البيان للناس، وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرّةً مَرّةً في بعض الأوقات؛ بياناً للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وهو الذي واظب عليه وَ﴿، وتظاهرت به الأحاديث، وطاف على البعير؛ لبيان الجواز، ومعلوم أن الطواف ساعياً أفضل، وهو الذي تكرر منه وَله، ونظائره كثيرة. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعْد هذا الجواب مع إنكاره بَّ على من راجعه، فقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي))، فلو كان الأفضل في خلاف فعله لأرشده إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [والجواب الثاني]: لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعاً، فاستدام بعد طلوع الفجر، عالِماً، فانه يفطر، ولا صوم له. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعْد هذا الجواب أيضاً؛ إذ لو كان كذلك لَمَا جاز لأبي هريرة الرجوع عن فتواه، ولا أن عائشة وأم سلمة ممن يعارض ذلك، فإن من استدام الجماع بعد طلوع الفجر، وهو عالمٌ بطل صومه بلا خلاف، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام [والثالث]: جواب ابن المنذر فيما رواه عنه البيهقيّ أن حديث أبي هريرة ﴿ه منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرَّماً في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب محرَّماً، ثم نُسِخَ ذلك، ولم يعلمه أبو هريرة ، فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ، فرجع إليه، قال ابن المنذر: هذا أحسن ما سمعت فيه، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استحسنه ابن المنذر تَّثُ أشبه الأجوبة، وأرجحها، وسيأتي أنه قول المحقّقين، والله تعالى أعلم. قال ابن ◌ُريج: (قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَقَالَتَا) وفي نسخة: ((أَوَ قالتا)) (فِي رَمَضَانَ؟) يعني أن عائشة وأم سلمة ◌ًّا هل قالتا في حديثهما: ((كان النبيّ وَّلـ يُصبح جنباً من غير حلُم في رمضان، ثم يصوم))؟ (قَالَ) عبد الملك (كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمِ، ثُمَّ يَصُومُ) أراد أنه ليس في روايته ذكر ((في رمضان))، وهذا لا ينافي ما سيأتي من رواية عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أنهما قالتا: ((إن كان رسول الله وَ ل* ليصبح جنباً من جماع، من غير احتلام في رمضان، ثم يصوم))؛ لاحتمال أن يكون أبو بكر حين حدّث به عبد الملك لم يذكره، وذكره حين حدّث عبد ربه بن سعيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة وأم سلمة به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥٨٩/١٣ و٢٥٩٠ و٢٥٩١ و٢٥٩٢] (١١٠٩)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٢٥ و١٩٢٦ و١٩٣١)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٣٨٨)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٧٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ١٨٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٩٠/١)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٢٥٩/١ - ٢٦٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٨٠/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/٧. ١٧ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبُّ - حديث رقم (٢٥٨٩) (٣٢٩/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤/١ و٣٦ و٢٠٣ و٢١١ و٢٨٩ و٢٩٠ و٣٠٨ و٣١٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠١١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٤٨٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٢/٢) و ((مشكل الآثار)) (٥٣٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٨٨/٢٣) (٥٣٥) و((مسند الشاميين)) (٤/ ٢٢٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٥/٣ - ١٨٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٤/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صحّة صوم من طلع عليه الفجر، وهو جنبٌ. ٢ - (ومنها): بيان دخول العلماء على الأمراء، ومذاكرتهم إياهم بالعلم. ٣ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لمروان بن الحكم؛ لِما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم، ومسائل الدين. ٤ - (ومنها): الاستثبات في النقل، والرجوع في المعاني إلى الأعلم، فإن الشيء إذا نوزع فيه رُدّ إلى من عنده علمه. ٥ - (ومنها): ترجيح مرويّ النساء فيما لهنّ عليه الاطلاع دون الرجال على مرويّ الرجال، کعكسه. ٦ - (ومنها): أن المباشِرَ للأمر أعلم به من المخبر عنه. ٧ - (ومنها): الائتساء بالنبيّ وَّله في أفعاله ما لم يَقُم دليل الخصوصية. ٨ - (ومنها): أن للمفضول إذا سمع من الأفضل خلافَ ما عنده من العلم أن يبحث عنه، حتى يَقِف على وجهه. ٩ - (ومنها): أن الحجة عند الاختلاف في المصير إلى الكتاب والسنة. ١٠ - (ومنها): أن فيه الحجةَ بخبر الواحد، وأن المرأة فيه كالرجل. ١١ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لأبي هريرة ◌ُه؛ لاعترافه بالحقّ، ورجوعه إليه. ١٢ - (ومنها): أن فيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول من غير نكير بينهم؛ لأن أبا هريرة ◌ٌ به اعتَرَف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبيّ وَلّ مع أنه كان يمكنه أن يرويه عنه بلا واسطة، وإنما بيّنها لَمّا وقع من الاختلاف. ١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ١٣ - (ومنها): أن فيه الأدبَ مع العلماء، والمبادرة لامتثال أمر ذي الأمر، إذا كان طاعة، ولو كان فيه مشقّةٌ على المأمور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في صوم من أدركه الفجر، وهو جنب: قال النوويّ تَخْتُ: أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام، أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة، والتابعين، وحُكِي عن الحسن بن صالح إبطاله، وكان عليه أبو هريرة، والصحيح أنه رجع عنه، كما صُرِّح به هنا في رواية مسلم، وقيل: لم يرجع عنه، وليس بشيء، وحُكِي عن طاوس، وعروة، والنخعيّ: إن علم بجنابته لم يصحّ، وإلا فيصحّ، وحُكِي مثله عن أبي هريرة، وحُكِي أيضاً عن الحسن البصريّ، والنخعيّ أنه يجزيه في صوم التطوع دون الفرض، وحُكِي عن سالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، والحسن بن صالح: يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف، وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته، كما قدمناه، وفي صحة الإجماع بعد الخلاف خلافٌ مشهورٌ لأهل الأصول، وحديثُ عائشة وأم سلمة ظّ حجة على كل مخالف. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وقد بقي على مقالة أبي هريرة هذه بعض التابعين، كما نقله الترمذيّ، ثم ارتفع ذلك الخلاف، واستقرّ الإجماع على خلافه، كما جزم به النوويّ، وأما ابن دقيق العيد، فقال: صار ذلك إجماعاً، أو كالإجماع، لكن من الآخذين بحديث أبي هريرة مَن فَرَّق بين من تعمّد الجنابة، وبين من احتلم، كما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وكذا حكاه ابن المنذر، عن طاوس أيضاً، قال ابن بطال: وهو أحد قولي أبي هريرة، قال الحافظ: ولم يصح عنه، فقد أخرج ذلك ابن المنذر من طريق أبي الْمُهَزِّم(٢)، وهو ضعيف، عن أبي هريرة. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٢/٧. (٢) قال في ((التقريب)): أبو الْمُهَزِّم)) بتشديد الزاي المكسورة التميميّ البصريّ، اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، متروك من الثالثة. انتهى. ١٩ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبُّ - حديث رقم (٢٥٨٩) ومنهم من قال: يتم صومه ذلك اليوم، ويقضيه، حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج، أنه سأل عطاء عن ذلك، فقال: اختَلَف أبو هريرة وعائشة، فأرى أن يتم صومه ويقضي. انتهى، وكأنه لم يثبت عنده رجوع أبي هريرة عن ذلك، وليس ما ذكره صريحاً في إيجاب القضاء. ونَقَل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حيّ إيجاب القضاء أيضاً، والذي نقله الطحاويّ عنه استحبابه. ونقل ابن عبد البر عنه، وعن النخعيّ إيجاب القضاء في الفرض، والإجزاء في التطوع. قال الحافظ: ووقع لابن بطال، وابن التين، والنوويّ، والفاكهيّ، وغير واحد في نقل هذه المذاهب مغايرات، في نسبتها لقائلها، والمعتمد ما حررته. ونَقَل الماورديّ أن هذا الاختلاف كلّه، إنما هو في حقّ الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزئه، وهذا النقل مُعْتَرض بما رواه النسائيّ بإسناد صحيح، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، أنه احتَلَم ليلاً في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثم نام قبل أن يغتسل، فلم يستيقظ حتى أصبح، قال: فاستفتيت أبا هريرة، فقال: أَفْطِر، وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أنه سمع أبا هريرة يقول: من احتَلَم من الليل، أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر، ولم يغتسل فلا يصم، وهذا صريح في عدم التفرقة. وحَمَلَ القائلون بفساد صيام الجنب حديث عائشة ها على أنه من الخصائص النبوية، أشار إلى ذلك الطحاويّ بقوله: وقال آخرون: يكون حكم النبيّ وَّر على ما ذكرت عائشة، وحكم الناس على ما حَكَى أبو هريرة. وأجاب الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحاً ما يدل على عدمها، وترجم بذلك ابن حبان في ((صحيحه))، حيث قال: ((ذِكْرُ الخبر الدالّ على أن إباحة هذا الفعل المزجور عنه لم يكن المصطفى ◌َ ﴿ مخصوصاً به دون أمته، وإنما هي إباحة له ولهم))، ثم أورد ما أخرجه هو ومسلم، والنسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهم من طريق أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة: أن رجلاً جاء إلى النبيّ وَّلم يستفتيه، وهي تسمع من وراء ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة، أي صلاة الصبح، وأنا جنبٌ، أفاصوم؟ فقال النبيّ وَّه: ((وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم))، فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ((والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أنَّقِي)). وذكر ابن خزيمة أن بعض العلماء توهّم أن أبا هريرة غَلِطَ في هذا الحديث، ثم رَدَّ عليه بأنه لم يَغْلَط، بل أحال على رواية صادق، إلا أن الخبر منسوخ؛ لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام، كان منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم، قال: فَيَحْتَمِل أن يكون خبر الفضل كان حينئذ، ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمرّ إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدَلَّ على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل ، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة ﴿ الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. قال الحافظ: ويُقَوِّيه أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية؛ لقوله فيها: قد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ستّ، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، وإلى دعوى النسخ فيه ذهب ابن المنذر، والخطابيّ، وغير واحد، وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَيِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر، فيلزم إباحة الجماع فيه، ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنباً، ولا يفسد صومه، فإن إباحة التسبب للشيء إباحة لذلك الشيء. قال الحافظ: وهذا أولى من سلوك الترجيح بين الخبرين كما تقدم من قول البخاريّ: والأول أسند، وكذا قال بعضهم: إن حديث عائشة أرجح؛ لموافقة أم سلمة لها على ذلك، وروايةُ اثنين تُقَدَّم على رواية واحد، ولا سيما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأن روايتهما توافق المنقول، وهو ما تقدم من مدلول الآية، والمعقول وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يَحرُم على صائم، فقد يَحتلم بالنهار، فيجب عليه الغسل،