Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
٣ - (ومنها): أن فيه بياناً لمعنى قوله في الحديث الماضي: ((صوموا
لرؤيته))، فإن اللام فيه للتأقيت، لا للتعليل، قال ابن دقيق العيد: ومع كونها
محمولةً على التأقيت، فلا بُدّ من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية، وهو
الليل، لا يكون محل الصوم، وتعقبه الفاكهيّ بأن المراد بقوله: ((صوموا)) انووا
الصيام، والليل كله ظرف للنية.
قال الحافظ: فوقع في المجاز الذي فَرّ منه؛ لأن الناوي ليس صائماً
حقيقةً، بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر.
٤ - (ومنها): أن فيه منعَ إنشاء الصوم قبل رمضان، إذا كان لأجل
الاحتياط، فإن زاد على ذلك، فمفهومه الجواز، وقيل: يمتدّ المنع لما قبل
ذلك، وبه قطع كثير من الشافعية، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدُّم
بالصوم، فحيث وُجِد مُنِع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين؛ لأنه الغالب ممن
يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة به، مرفوعاً: ((إذا انتصف
شعبان، فلا تصوموا)). أخرجه أصحاب ((السنن))، وصححه ابن حبّان، وغيره.
وقال الرويانيّ من الشافعيّة: يحرم التقدّم بيوم، أو بيومين؛ لحديث
الباب، ويكره التقدّم من نصف شعبان للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوّعاً بعد النصف من شعبان،
وضعّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد، وابن معين: إنه منكر، واستدلّ
البيهقيّ بحديث الباب على ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصحّ من
حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاويّ، واستظهر بحديث ثابت، عن
أنسٍ ﴿ه مرفوعاً: ((أفضل الصيام بعد رمضان شعبان))، لكن إسناده ضعيف،
واستظهره أيضاً بحديث عمران بن حُصين ﴿به: أن رسول الله وَله قال الرجل:
((أصمت من سَرَر شعبان شيئاً؟))، قال: لا، قال: ((فإذا أفطرت من رمضان،
فصم يومين))، متّفقٌ عليه.
ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم،
وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، قال الحافظ: وهو جمع

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
حسن. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأحسن أن الصوم بعد نصف
شعبان منهيّ عنه؛ لحديث العلاء بن عبد الرحمن المذكور، وهو صحيح،
ويشتدّ النهي في التقدّم بيوم، أو يومين، وأما حديث عمران څخه، فلا يدخل
في النهي، لأنه قاله لرجل اعتاد الصوم، فلما سمع النهي عن التقدّم ترك عادته
فأمره النبيّ ◌َل بأن يصوم مكان صومه الذي تركه، فتأمله بالإنصاف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صوم يوم الشك:
(اعلم): قال النوويّ تَخُّْهُ: قال أصحابنا: يوم الشك هو يوم الثلاثين من
شعبان، إذا وقع في ألسنة الناس أنه رؤي، ولم يَقُل عدل: إنه رآه، أو قاله
وقلنا: لا تقبل شهادة الواحد، أو قاله عدد من النساء، أو الصبيان، أو العبيد،
أو الفساق، وهذا الحدّ لا خلاف فيه عند أصحابنا، قالوا: فأما إذا لم يَتَحَدَّث
برؤيته أحد، فليس بيوم شك، سواء كانت السماء مُصْحية، أو أَطْبق الغيم هذا
هو المذهب، وبه قطع الجمهور. انتهى كلام النوويّ كَّتُ باختصار(٢).
قال: لا يصح صوم يوم الشكّ بنية رمضان عندنا، وحكاه ابن المنذر عن
عمر بن الخطاب، وعليّ، وابن عباس، وابن مسعود، وعمار، وحُذيفة،
وأنس، وأبي هريرة، وأبي وائل، وعكرمة، وابن المسيِّب، والشعبيّ،
والنخعيّ، وابن جريج، والأوزاعيّ، قال: وقال مالك: سمعتُ أهل العلم
ینْهَون عنه. هذا كلام ابن المنذر.
وممن قال به أيضاً عثمان بن عفان، وداود الظاهريّ، قال ابن المنذر:
وبه أقول.
وقالت عائشة، وأختها أسماء: نصومه من رمضان، وكانت عائشة تقول:
لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أُفطر يوماً من رمضان، وروي هذا
عن عليّ أيضاً، قال العبدريّ: ولا يصح عنه، وقال الحسن، وابن سيرين: إن
صام الإمام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وقال ابن عمر، وأحمد بن حنبل: إن
(١) ((الفتح)) ٦٢٥/٤ - ٦٢٦.
(٢) ((المجموع)) ٦/ ٤٥٤.

٤٢٣
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
كانت السماء مصحية لم يجز صومه، وإن كانت مُغيمة وجب صومه عن
رمضان، وعن أحمد روايتان، كمذهبنا ومذهب الجمهور، وعنه رواية ثالثة
كمذهب الحسن، هذا بيان مذاهبهم في صوم يوم الشك عن رمضان.
فلو صامه تطوعاً بلا عادة، ولا وصله فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز،
وبه قال الجمهور، وحكاه العبدريّ عن عثمان، وعليّ، وعبد الله بن مسعود،
وحذيفة، وعمار، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، والأوزاعيّ، ومحمد بن
مسلمة المالكيّ، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا يكره صومه تطوعاً، ويحرم صومه عن رمضان.
واحتُجَّ لمن قال بصومه عن رمضان بقوله وَّي: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فاقدِروا له))، رواه البخاريّ، ومسلم، من رواية ابن
عمر ظُه، وزعموا أن معناه: ضَيِّقُوا عدَّة شعبان بصوم رمضان، وبأن عائشة،
وأسماء، وابن عمر كانوا يصومونه، فروى البيهقيّ، عن عائشة ظُّ أنها سئلت
عن صوم يوم الشكّ، فقالت: لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر
يوماً من رمضان، وعن أسماء ﴿ّا أنها كانت تصوم اليوم الذي يُشَكّ فيه من
رمضان، وعن أبي هريرة: لأن أصوم اليوم الذي يُشَكّ فيه من شعبان أحبّ إلي
من أن أفطر يوماً من رمضان، قال البيهقي: ورواية أبي هريرة
النبيّ وَّ في النهي عن تقدم الشهر بصوم إلا أن يوافق صوماً كان يصومه أصحّ
من هذا، قال البيهقيّ: وأما قول عليّ ◌َظُبه في ذلك فإنما قاله عند شهادة رجل
على رؤية الهلال، فلا حجة فيه، قال: وأما مذهب ابن عمر في ذلك فقد رَوَینا
عنه أنه قال: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يُشَكّ فيه، وفي رواية
عن عبد العزيز بن حكيم الحضرميّ قال: رأيت ابن عمر يأمر رجلاً يُفطر في
اليوم الذي يُشَكّ فيه، قال: ورواية يزيد بن هارون تدل على أن مذهب عائشة
في ذلك كمذهب ابن عمر في الصوم، إذا غُمّ الشهر دون أن يكون صَحْواً،
قال البيهقيّ: ومتابعة السنة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل المدينة
أولى بنا، وهو منع صوم يوم الشكّ. هذا كلام البيهقيّ نَخْتُهُ، وهو تحقيق
حسنٌ جدّاً.
قال النوويّ: واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر ظًا قال: سمعت

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
رسول الله ◌َي﴿ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ
عليكم فاقدِروا له)) رواه البخاريّ ومسلم، وفي رواية لهما عن ابن عمر :
أن النبيّ وَّ قال: ((الشهر تسع وعشرون ليلةً، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ
عليكم فأكملوا العدة ثلاثين))، وفي رواية لمسلم: أن رسول الله وَ ل ذكر
رمضان، فضرب بيديه، فقال: ((الشهر هكذا، وهكذا))، ثم عقد إبهامه في
الثالثة، وقال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فاقدِروا
ثلاثين))، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح زيادة: قال: وكان ابن عمر إذا
كان شعبان تسعاً وعشرين نُظِرَ له، فإن رُؤي فذاك، وإن لم ير ولم يَحُلْ دون
منظره سحابٌ، ولا قَتَرَةٌ، أصبح مفطراً، فإن حال دون منظره سحابٌ، أو قترة
أصبح صائماً، قال: وكان ابن عمر يُفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
وعن أبي هريرة مظ انه قال: قال النبيّ وَله: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، فإن غَبِيَ عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، رواه البخاريّ، وعنه
قال: قال رسول الله صلى: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا،
فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً))، رواه مسلم، وفي رواية له: ((فإن غُمّ
عليكم فأكملوا العدّة))، وفي رواية: ((فإن غُمِّي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين)).
وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما ذكرناه، قال أهل اللغة: يقال:
قَدَرْتُ الشيءَ أقدُره، وأقدِره بضم الدال وكسرها، وقَدَّرته، وأقدرته بمعنى
واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَّدَرْنَا فَنِعْمَ
:[المرسلات: ٢٣].
اُلْقَدِرُونَ
قال: واحتَجَّ أصحابنا بالرواية السابقة: ((فأكملوا العدّة ثلاثين))، وهو
تفسير ((اقدروا له))، ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يُذْكَر هذا، وتارة يُذْكَر
هذا، وتؤيده الرواية السابقة: ((فاقدروا ثلاثين)).
قال الإمام أبو عبد الله الماورديّ: حَمَلَ جمهور الفقهاء قوله وَل:
((فاقدِروا له)) على أن المراد إكمال العدّة ثلاثين، كما فَسَّره في حديث آخر،
قالوا: ويوضحه، ويَقْطَع كل احتمال وتأويل فيه روايةُ البخاريّ: ((فأكملوا عدّة
شعبان ثلاثين يوماً))، وعن أبي هريرة ﴿ه، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((لا يتقدَّمَنّ

٤٢٥
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ بَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه،
فليصم ذلك اليوم))، رواه البخاريّ، ومسلم.
وعن أبي الْبَخْتَريّ قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات عِرْق، فأرسلنا
رجلاً إلى ابن عباس يسأله، فقال ابن عباس: قال النبيّ وَ له: ((إن الله قد أمدَّه
لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدّة))، رواه مسلم.
وعن ابن عباس ها أيضاً قال: قال رسول الله وَال: ((لا تصوموا قبل
رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامة، فأكملوا
شعبان ثلاثين يوماً))، رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح.
وعنه عن النبيّ ◌َّر: ((صوموا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ،
فكمِّلوا ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً))، رواه النسائيّ بإسناد صحيح.
وعنه قال: قال رسول الله وَثور: ((لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين،
إلا أن يكون شيء كان يصومه أحدكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى
تروه، فإن حالت دونه غمامة، فأتموا العدة ثلاثين، ثم أفطروا))، .
وعن أبي هريرة وبه قال: قال رسول الله وَل: («أحصوا هلال شعبان
لرمضان»، رواه الترمذيّ.
وعن مسلم بن الحجاج صاحب ((الصحيح)) عن يحيى بن يحيى، عن أبي
معاوية بإسناده الصحيح قال: لا نعرف مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية،
قال: والصحيح رواية أبي هريرة السابقة: ((لا تقدموا شهر رمضان بيوم ولا
یومین)». هذا كلام الترمذي.
وهذا الذي قاله ليس بقادح في الحديث؛ لأن أبا معاوية ثقة حافظ،
فزيادته مقبولة.
وعن عائشة رضيّا قالت: ((كان رسول الله وهل يتحفظ من شعبان ما لا
يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمّ عليه عَدَّ ثلاثين يوماً، ثم
صام))، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والدارقطنيّ، وقال: إسناده صحيح.
وعن حذيفة ظبه قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقدموا الشهر حتى تروا
الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة))،
رواه أبو داود، والنسائيّ، بإسناد على شرط البخاريّ ومسلم.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وعن عمار ظُه قال: ((من صام اليوم الذي يُشَكّ فيه فقد عصى أبا
القاسم ﴿﴿))، رواه أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وقال: حديث حسن
صحیح.
والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة، والجواب عما احتج به
المخالفون سبق بيانه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْذُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال العلماء،
وبيان أدلّتهم أن الحقّ أنه لا يجوز صوم يوم الشكّ، كما هو رأي الجمهور، لا
عن رمضان، ولا عن غيره، إلا من كان معتاداً صوم يوم معيّن، فصادف ذلك،
فليصمه، وأدلّة رجحان هذا القول واضحة مما سبق، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه قد ألّف أبو يعلى ابن الفرّاء الحنبليّ رسالة في
وجوب صوم يوم الشكّ، وألّف الخطيب البغداديّ رسالة في الردّ عليها
وتفنيدها، ونِعم ما فعل، وكلتا الرسالتين ساقهما النوويّ كَُّهُ في ((شرح
المهذّب)) أحببت إيرادهما تبعاً له؛ تتميماً للفائدة، وتكميلاً للعائدة.
قال: (اعلم): أن القاضي أبا يعلى محمد بن الحسين بن محمد ابن
الفراء الحنبليّ صَنَّف جزءاً في وجوب صوم يوم الشكّ، وهو يوم الثلاثين من
شعبان، إذا حال دون مطلع الهلال غيم، ثم صَنَّف الخطيب الحافظ أبو بكر بن
أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الشافعيّ جزءاً في الردّ على ابن الفراء،
والشناعة عليه في الخطأ في المسألة، ونسبته إلى مخالفة السنة، وما عليه
جماهير الأمة، وقد حَصَلَ الجزءان عندي - ولله الحمد - وأنا أذكر إن شاء الله
تعالى مقاصديهما، ولا أُخِلّ بشيء يُحتاج إليه مما فيهما - مضموماً إلى ما
قدمته في الفرع قبله، وبالله التوفيق.
قال القاضي ابن الفراء: جاء عن الإمام أحمد: فيما إذا حال دون مطلع
الهلال غيم ليلة الثلاثين من شعبان ثلاث روايات:
[إحداها]: وجوب صيامه عن رمضان، رواها عنه الأثرم، والمروزيّ،
(١) ((المجموع شرح المهذب)) ٦/ ٤٥٢ - ٤٥٨.

٤٢٧
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
ومُهَنّا، وصالح، والفضل بن زياد، قال: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن
عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن العاص، وأنس، ومعاوية، وأبي
هريرة، وعائشة، وأسماء، وبكر بن عبد الله الْمُزَنِيّ، وأبي عثمان، وابن أبي
مريم، وطاوس، ومُطَرِّف، ومجاهد، فهؤلاء ثمانية من الصحابة، وسبعة من
التابعين.
[والثانية]: لا یجب صومه، بل یکره إن لم يوافق عادته.
[والثالثة]: إن صام الإمام صاموا، وإلا أفطروا، وبه قال الحسن، وابن
سيرين، قال ابن الفراء: وعلى الرواية الأولى عَوَّلَ شيوخنا، أبو القاسم
الْخَرَقِيّ، وأبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، وغيرهم.
واحتَجَّ بحديث ابن عمر السابق: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن
غُمّ عليكم فاقدِروا له))، وقد سبق بيانه، وأنه في ((الصحيحين))، وفي رواية
لأبي داود زيادة عن ابن عمر: أنه إذا كان دون منظره سحابٌ صام، قال:
والدلالة في الحدیث من وجهين:
[أحدهما]: أن راويه ابن عمر كان يصبح في الغيم صائماً، ولا يفعل
ذلك إلا وهو يعتقد أنه معنى الحديث وتفسيره، قال: [فإن قيل]: فقد رُوي عن
ابن عمر أنه قال: لو صمت السنة لأفطرت هذا اليوم، يعني يوم الشك، ورُوي
عنه: صوموا مع الجماعة، وأفطروا مع الجماعة، [قلنا]: المراد: لأفطرت يوم
الشك الذي في الصحو، وكذا الرواية الأخرى عنه، قال: [فإن قيل]: يَحْتَمِل
أنه كان يصبح ممسكاً احتياطاً؛ لاحتمال قيام بيّنة في أثناء النهار بأنه من
رمضان، فنُسَمِّي إمساكه صوماً، [قلنا]: الإمساك ليس بصوم شرعيّ، فلا يصح
الحمل عليه، ولأنه لو كان للاحتياط لأمسك في يوم الصحو؛ لاحتمال قيام
بيّنة بالرؤية.
[الوجه الثاني]: أن معنى ((اقدروا له)): ضَيِّقوا عدة شعبان بصوم رمضان،
كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ الآية [الطلاق: ٧] أي ضُيِّق عليه
رزقه، قال: وإنما قلنا: إن التضييق بأن يُجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً أولى
من جعله ثلاثین؛ لأوجه:
أحدها: أنه تأويل ابن عمر راوي الحديث.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
والثاني: أن هذا المعنى متكرر في القرآن.
والثالث: أن فيه احتياطاً للصيام.
فإن قيل: فقد روى مسلم عن ابن عمر، عن النبيّ وَ لِّ أنه قال: ((فإن غُمّ
عليكم، فاقدروا له ثلاثين))، فيُحْمَل المطلق على المقيد.
قلنا: ليس هذا بصريح؛ لأنه يَحْتَمِل رجوعه إلى هلال شوال؛ لأنه سُبِقَ
بقوله: ((وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم))، يعني هلال شوال، فنستعمل اللفظين
على موضعين، وإنما يُحْمَل المطلق على المقيد إذا لم يكن المقيَّد مُحْتَمِلاً،
ويدل عليه رواية أبي هريرة، عن النبيّ وَ له: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته،
فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوماً، ثم أفطروا))، ويستنبط من الحديث دليل
آخر، وهو أن معناه: اقدروا له زماناً يطلع في مثله الهلال، وهذا الزمان يصلح
وجود الهلال فيه، ولأن في المسألة إجماع الصحابة، رُوي ذلك عن عمر،
وابنه، وأبي هريرة، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وأنس، وعائشة، وأسماء،
ولم يُعْرَف لهم مخالف في الصحابة.
وعن سالم بن عبد الله، قال: كان أبي إذا أشكل عليه شأن الهلال تقدم
قبله بصيام يوم، وعن أبي هريرة: لأن أتعجل في صوم رمضان بيوم أحب إلي
من أن أتأخر؛ لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني.
وعن عمرو بن العاص: أنه كان يصوم اليوم الذي يُشَكّ فيه من رمضان.
وعن معاوية أنه كان يقول: إن رمضان يوم كذا وكذا، ونحن متقدمون،
فمن أحب أن يتقدم فليتقدم، ولأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن
أفطر يوماً من رمضان.
وعن عائشة، وقد سئلت عن اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقالت: لأن أصوم
يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان، قال الراوي: فسألت
ابن عمر، وأبا هريرة، فقالا: أزواج رسول الله وَليز أعلم بذلك منا.
وعن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يُشَكّ فيه من رمضان.
قال: [فإن قيل]: كيف يُدَّعَى الإجماع، وفي المسألة خلاف ظاهر
للصحابة، فقد رُوي منع صومه عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وعمار،
وحذيفة، وابن عباس، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، ثم ذكر ذلك بأسانيده

٤٢٩
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
عنهم من طُرُق، وفي الرواية عن عليّ قال: إن نبيكم وَّ كان ينهى عن صيام
ستة أيام من السنة، يوم الشك، والنحر، والفطر، وأيام التشريق.
وعن عمر وعليّ أنهما كانا ينهيان عن صوم اليوم الذي يُشَك فيه من
رمضان، وعن ابن مسعود: لأن أفطر يوماً من رمضان، ثم أقضيه، أحب إليّ
من أن أزيد فيه ما ليس منه، وعن ابن عباس: لا تصوموا اليوم الذي يُشَكّ
فيه، لا يسبق فيه الإمام، وعن أبي سعيد: إذا رأيت هلال رمضان فصم، وإذا
لم تره فصم مع جملة الناس، وأفطر مع جملة الناس، ونهى حذيفة عن صوم
يوم الشك، فهذا كله يخالف ما رويتموه عن الصحابة من صومه.
[قلنا]: يُجْمَع بينهما بأن مَن نَهَى عن الصيام أراد إذا كان الشك بلا
حائل سحاب، وكان صيامهم مع وجود الغيم، ويَحْتَمِل أنهم نَهَوا عن صومه
تطوعاً وتقدماً على الشهر، ومن صام منهم صام على أنه من رمضان.
قال: [فإن قيل]: فنحن أيضاً نتأول ما رويتموه عن الصحابة، أن من
صام منهم صام مع وجود شهادة شاهد واحد، وقد رُوي ذلك مسنداً عن فاطمة
بنت الحسين أن رجلاً شهد عند عليّ ◌َُّبه برؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه
قال: وأمر الناس بالصيام، وقال: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن
أفطر يوماً من رمضان.
[قلنا]: لا يصح هذا التأويل؛ لأنه إذا شهد واحد خرج عن أن يكون من
شعبان، وصار يوماً من رمضان يصومه الناس كلهم، وفيما سبق عن الصحابة
أنهم قالوا: لأن نصوم يوماً من شعبان، وهذا إنما يقال في يوم شكّ، ولأن
ابن عمر كان ينظر الهلال، فإن كان هناك غيم أصبح صائماً، وإلا أفطر، وهذا
يقتضي العمل باجتهاده، لا بشهادة، ولأنهم سَمَّوْه يوم الشك، ولو كان في
الشهادة لم یکن یوم شك.
قال: [فإن قيل]: ليس فيما ذكرتم أنهم كانوا يصومونه من رمضان،
فلعلهم صاموه تطوعاً، وهذا هو الظاهر؛ لأنهم قالوا: لأن نصوم يوماً من
شعبان، فسَمَّوه شعبان، وشعبان ليس بفرض.
[قلنا]: هذا لا يصحّ؛ لأن ابن عمر كان يفرّق بين الصحو والغيم، ولأن
ظاهر كلامهم أنهم قصدوا الاحتياط؛ لاحتمال كونه من رمضان، وهذا

٤٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
المقصود لا يحصل بنية التطوع، وإنما يحصل بنية رمضان، ومن القياس إنه يوم
يسوغ الاجتهاد في صومه عن رمضان، فوجب صيامه، كما لو شهد بالهلال
واحد، واحترزنا بسوغ الاجتهاد عن يوم الصحو، ولهذا يتناول ما أطلقه
الصحابة على الصحو؛ لأنه رُوي صريحاً عن ابن عمر، ولأنه عبادة بدنية
مقصودة، فوجبت مع الشكّ، كمن نسي صلاة من صلاتين، واحترزنا ببدنية عن
الزكاة والحج، وبمقصودة عمن شك هل أحدث أم لا؟ فلا شيء عليه في كل
ذلك.
قال: واحتَجَّ المخالف بحديث أبي هريرة ظُه: ((أن النبيّ بَّ نَهَى عن
صيام ستة أيام: اليوم الذي يُشَكّ فيه من رمضان، ويوم النحر، ويوم الفطر،
وأيام التشريق)).
وجوابه من وجھین:
[أحدهما]: حمله على من صامه تطوعاً، أو من نذر، أو قضاء.
[والثاني]: حمله على الشك إذا لم يكن غيم.
قال: واحتَجَّ أيضاً بحديث حذيفة ظه، عن النبيّ وَّو قال: ((لا تقدموا
الشهر بيوم، ولا بيومين، حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة قبله، ثم صوموا
حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة)).
وجوابه أنه محمول على ما إذا لم يكن غیم.
واحتَجّ بحديث ابن عباس، وابن عمر ﴿ه: أن النبيّ وَلّ قال: ((صوموا
لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غمامة، فأكملوا العدة ثلاثين)).
وجوابه أن معناه: أكملوا رمضان، ودليل هذا التأويل أنه جاء في حديث
أبي هريرة : ((فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين))، ويعود الضمير في رؤيته إلى
هلال شوال؛ لأنه أقرب مذكور، وفي رواية عن أبي هريرة: ((فأتموا العدة
ثلاثين، ثم أفطروا))، ومثله من رواية ابن عباس، وهكذا الجواب عن حديث
ابن عمر في ((صحيح مسلم)): ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم
فاقدروا له ثلاثین))، معناه: غم هلال شوال.
قال: واحتج بحديث أبي الْبَخْتَرِيّ السابق قال: أهللنا هلال رمضان،
فشككنا فيه، فبعثنا إلى ابن عباس رجلاً، فقال ابن عباس، عن النبيّ ◌َّ:

٤٣١
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
((إن الله ريك أمدّه لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، وفي
البخاريّ عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلهو: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن
غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
[قلنا]: هذا محمول على ما إذا كان الإغمام من الطرفين بأن يغم هلال
رمضان، فنعدّ شعبان تسعة وعشرين يوماً، ثم نصوم ثلاثين، فيحول دون مطلع
هلال شوال غيم ليلة الحادي والثلاثين، فإنا نعدّ شعبان من الآن ثلاثين، ونعدّ
رمضان ثلاثين، ونصوم يوماً، فيصير الصوم واحداً وثلاثين، كما إذا نسي صلاة
من يوم فاتته، فإنه يلزمه صلوات اليوم، وقد رُوي عن أنس أنه قال: هذا اليوم
يكمل إلى أحد وثلاثين يوماً .
قال: واحتج بحديث حذيفة ظن أن النبيّ وَلزر قال: ((صوموا لرؤيته،
وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا، فإن غم
عليكم فعدوا رمضان ثلاثين، ثم أفطروا، إلا أن تروه قبل ذلك)).
وجوابه ما سبق قبله أنه محمول على ما إذا كان الإغمام في طرفي
رمضان.
قال: [فإن قيل]: هذا التأويل باطل لوجهين:
أحدهما: أنه قال: ((فعدوا شعبان ثلاثين، ثم صوموا))، والصوم إنما هو
أول الشهر.
والثاني: أنه قال بعد ذلك: ((فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين، ثم
أفطروا))، فدل على أن الإغمام في أوله وفي آخره، والذي في أوله يقتضي
الاعتداد به في أول رمضان، وعلى هذا التأويل يقتضي أن الاعتداد به في آخر
رمضان.
[قلنا]: التأويل صحيح؛ لأنا نكمل عدة شعبان في آخر رمضان، ونصوم
يوماً آخر، فيكون قوله: ((ثم صوموا)) راجعاً إلى هذا اليوم، وأما قوله بعده:
((فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين، ثم أفطروا»، فمعناه: إذا غم في أوله،
وغم في آخره ليلة الثلاثين من رمضان، فإنا نَعُدّ شعبان ثلاثين، ثم نصوم يوماً،
وهو الحادي والثلاثين من رمضان، فنعدّ رمضان ثلاثين، ونصوم يوماً آخر،
فقد حصل العددان، أحدهما بعد الآخر، ويتخللها صوم يوم.

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال: واحتج بأنه لو عَلَّق طلاقاً أو عَتاقاً على رمضان لم يقع يوم الشكّ،
وكذا لا يحل فيه الدَّين المؤجل إلى رمضان، فكذا الصوم.
وجوابه أنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك، فيَحْتَمِل أن لا نسلم
ذلك، ونقول: يقع الطلاق والعتق، ويَحُلّ الدين، ويَحْتَمِل أن نسلمه، وهو
أشبه، ونفرق بين المسألة بوجهين: أحدهما: أنه قد يثبت الصوم بما لا يثبت
الطلاق والعتق والحلول، وهو شهادة عدل واحد. والثاني: إن في إيقاع
الطلاق والعتاق وحلول الدَّين إسقاط حقّ ثابت لمعيّن بالشكّ، وهذا لا يجوز
بخلاف الصوم، فإنه إيجاب عبادة مقصودة على البدن، فلا يمتنع وجوبها مع
الشكّ، كمن نسي صلاة من الخمس، وكذا الجواب عن قولهم: إذا تيقن
الطهارة، وشك في الحدث لا وضوء عليه؛ للأصل، ولو شك هل طلق لا
طلاق عليه؛ لأن الطلاق والبضع حقّ له، فلا يسقطان بالشكّ، وكذا الجواب
عن قولهم: لو تسحر الرجل، وهو شاكّ في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن
الأصل بقاء الليل، ولو وقف بعرفات شاكّاً في طلوع الفجر صح وقوفه؛ لأن
الأصل بقاء الليل، والفرق أن البناء على الأصل في هاتين المسألتين لم يسقط
العبادة؛ لأن الصوم والوقوف وُجدا، وأما في مسألتنا فالبناء على الأصل يسقط
الصوم.
وجواب آخر، وهو أن طلوع الفجر يَخْفَى على كثير من الناس، فلو
منعناهم السحور مع الشك لحقتهم المشقة؛ لأنه يتكرر ذلك، وليس كذلك في
إلزامهم صوم يوم الشكّ؛ لأنه إنما يجب لعارض يعرض في السماء، وهو
نادر، فلا مشقة فيه، وكذلك الحج لو منعناهم الوقوف مع الشكّ لفاتهم، وفيه
مشقة عظيمة.
قال: واحتج بأنه شك فلا يجب الصوم كالصحو.
وجوابه أنه يبطل بآخر رمضان إذا حال غيم، فإنه يجب الصوم، ولأنه إذا
كان صحوٌ ولم يروا الهلال، فالظاهر عدمه، بخلاف الغيم، فوجب صومه
احتياطاً .
قال: واحتج بأن كل يوم صامه في الصحو لا يجب في الغيم، كالثامن
والعشرين من شعبان.

٤٣٣
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
وجوابه أن الفرق بين الصحو والغيم ما سبق، ولأنا تحققنا في الثامن
والعشرين كونه من شعبان، بخلاف يوم الثلاثين، ولهذا لو حال الغيم في آخر
رمضان ليلة الثلاثين صمنا، ولو حال ليلة الحادي والثلاثين لم نصم.
قال: واحتج بأنها عبادة فلا يجب الدخول فيها حتى يُعلَم وقتها،
كالصلاة .
وجوابه أن هذا باطل في الأصل والفرع، أما الأصل فإنه يجب الدخول
في الصلاة مع الشكّ، وهو إذا نسي صلاة من الخمس، وأما الفرع فإن الأسير
إذا اشتبهت عليه الشهور صام بالتحري.
وجواب آخر، وهو أن اعتبار اليقين في الصلاة لا يؤدي إلى إسقاط
العبادة، بخلاف مسألتنا .
قال: واحتج أنه لا يصح الجزم بالنية مع الشك، ولا يصح الصوم إلا
بجزم النية .
وجوابه أنه لا يمتنع التردد في النية للحاجة، كما في الأسير إذا صام
بالاجتهاد، ومن نسي صلاة من الخمس فصلاهنّ.
[فإن قيل]: لو حلف أن الهلال تحت الغيم.
[قلنا]: لا يحنث للشك، مع أن الأصل بقاء النكاح، وكذا لو حلف أنه
لم يطلع، ولا هو تحت الغيم، كما لو طار طائر، فحلف أنه غراب، أو أنه
ليس بغراب، أو تجهلناه.
[فإن قيل]: لو وطىء في هذا اليوم.
[قلنا]: تجب الكفارة.
[فإن قيل]: هل يصلي التراويح هذه الليلة؟.
[قلنا]: اختلف أصحابنا، فقال أبو حفص العكبريّ: لا يصلي، وقال
غيره: يصلي، وهو ظاهر كلام أحمد، ولأنه من رمضان.
[فإن قيل]: لِمَ لَمْ يحكموا بالهلال تحت الغيم في سائر الشهور؟.
[قلنا]: لا فائدة فيه، بخلاف مسألتنا، فإن فيه احتياطاً للصوم، ولهذا
يثبت هلال رمضان بشاهد واحد، بخلاف غيره.
[فإن قيل]: لو حلف ليدخلن الدار في أول يوم من رمضان.

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
[قلنا]: لا يبر في يمينه حتى يدخلها في يومين يوم الشك والذي بعده،
كمن نسي صلاة من صلوات يوم وجهلها، فحلف ليدخلن الدار بعد أن
يصليها، فإنه لا يبر حتى يدخل بعد جميع صلوات اليوم، وإن كنا نعلم أن
الذي في ذمته واحدة. هذا آخر كلام القاضي أبي يعلى ابن الفراء تَخْذَلُ.
قال الخطيب الحافظ أبو بكر البغداديّ في الرد عليه: وقفت على كتاب
لبعض من ينتسب إليه الفقه من أهل هذا العصر، ذَكَر فيه أن يوم الشك المكمل
لعدة شعبان يجب صومه عن أول يوم من رمضان، قال الخطيب: واحتَجَّ في
ذلك بما ظهور اعتلاله يغني الناظر فيه عن إبطاله؛ إذ الحق لا يدفعه باطل
الشبهات، والسنن الثابتة لا يُسقطها فاسد التأويلات، ومع كون هذه المسألة
ليس فيها التباس، فربما خفي حكمها عن بعض الناس، ممن قصر فهمه، وقَلّ
بأحكام الشرع علمه، وقد أوجب الله على العلماء أن ينصحوا له فيما
استحفظهم، ويبذلوا الجهد فيما قَلَّدهم، وينهجوا للحق سبل نجاتهم، ويكشفوا
للعوام عن شبهاتهم، لا سيما فيما يعظم خطره، ويَبين في الدين ضرره، ومن
أعظم الضرر إثبات قول يخالف مذهب السلف، من أئمة المسلمين، في حكم
الصوم الذي هو أحد أركان الدين، وأنا بمشيئة الله تعالى أذكر من السنن
المأثورة، وأورد في ذلك من صحيح الأحاديث المشهورة عن رسول رب
العالمين، وصحابته الأخيار المرضيين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم
أجمعين، وعن خالفيهم من التابعين، ما يوضح منار الحقّ، ودليله، ويَرُدّ من
تنكب سبيله، ويبطل شبهة قول المخالف وتأويله.
ثم روى الخطيب بإسناده حديث أبي هريرة السابق في ((الصحيح)) عن
النبيّ ◌َيقول: ((لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوماً يصومه
رجل، فليصم ذلك الصوم))، ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق في (الصحيحين))
عن النبيّ وَّ: ((أنه نَهَى عن صوم ستة أيام: اليوم الذي يُشَكّ فيه، ويوم
الفطر، والنحر، وأيام التشريق))، ثم ذَكَر الأحاديث الصحيحة السابقة: ((لا
تصوموا حتى تروا الهلال))، وحديث حذيفة الصحيح السابق، عن النبيّ وتطور:
((لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة إذا غُمّ الهلال، ثم
صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة))، وحديث ابن عباس السابق في

٤٣٥
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
((صحيح مسلم)): أن النبيّ وَ﴿ قال: ((إن الله أمده للرؤية))، وحديث: ((أحصوا
عدة شعبان لرمضان))، وسبق بيانه.
ثم قال: [باب الأمر بإكمال العدة إذا غم الهلال] قال: رَوَى ذلك عن
النبيّ ◌َ﴿ عمرُ بن الخطاب(١)، وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس، وجابر بن
عبد الله، والبراء بن عازب، وأبي بكرة(٢)، وطلق بن عليّ، ورافع بن خَدِیج،
وغيرهم من الصحابة، ثم ذكر رواياتهم بأسانيده من طُرُق، وألفاظها كما سبق في
الفرع الأول، وفي جميع روايته: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم
فعُدُّوا ثلاثين))، ثم قال الخطيب: أجمع علماء السلف على أن صوم يوم الشكّ
ليس بواجب، وهو إذا كانت السماء متغيمة في آخر اليوم التاسع والعشرين من
شعبان، ولم یشهد عدل برؤية الهلال، فیوم الثلاثین یوم الشكّ، فگرِه جمهور
العلماء صيامه، إلا أن يكون له عادة بصوم فيصومه عن عادته، أو كان يَسْرُد
الصوم فيأتي ذلك في صيامه فيصومه، قال: فممن منع صوم يوم الشك عمر بن
الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن
اليمان، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة،
وعائشة، وتابعهم من التابعين سعيد بن المسيِّب، والقاسم بن محمد، وأبو وائل،
وعبد الله بن عُكيم الْجُهَنيّ، وعكرمة، والشعبيّ، والحسن، وابن سيرين،
والمسيَّب بن رافع، وعُمر بن عبد العزيز، ومسلم بن يسار، وأبو السَّوّار العدويّ،
وقتادة، والضحاك بن قيس، وإبراهيم النخعيّ، وتابعهم من الخالفين والفقهاء
المجتهدين ابن جريج، والأوزاعيّ، والليث، والشافعيّ، وإسحاق ابن راهويه،
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجوز عن رمضان، ويجوز تطوُّعاً، وأما أحمد بن
حنبل، فُرُوي عنه كمذهب الجماعة، أنه لا يجب صومه، ولا يستحبّ، وروي عنه
متابعة الإمام في صومه وفطره، ورُوي عنه أنه إن كان غيم صامه، وإلا أفطره.
(١) وقع في النسخة ((عن عمر بن الخطاب))، والظاهر أنه غلط، والصواب بحذف
((عن))، فيكون فاعل ((رَوَى))، فتأمل.
(٢) وقع في النسخة: ((وأبي بكرة)) بالياء، والظاهر أنه غلطٌ، والصواب: ((وأبو بكرة))
بالرفع عطفاً على الفاعل، فتأمل.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الخطيب: وزعم المخالف أن الرواية التي عليها التعويل عنده عن
أحمد وجوب صوم يوم الشكّ عن أول يوم من رمضان، وأُراه عَوَّل على قول
العامة: خَالِفْ تُعْرَف، واحتَجَّ لقوله بما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك حديث ابن عمر السابق: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن
غُم عليكم فاقدِروا له))، قال الخطيب: قال المخالف: ودلالته من وجهين،
فذكر الوجهين السابقين في كلام ابن الفراء، ومختصرهما: أن ابن عمر كان
يصوم يوم ليلة الغيم، وهو الراوي، فاعتماده أولى، والثاني: أن معنى ((اقدروا
له» ضَیِّقوا شعبان بصوم رمضان.
قال الخطيب: أما حديث ابن عمر فاختلفت الروايات عنه اختلافاً يؤول
إلى أن يكون حجة لنا، فإن بعض الرواة قال في حديثه عنه: ((فإن غم عليكم
فعُدُّوا ثلاثين يوماً))، ثم روى عنه: ((فأكملوا العدة ثلاثين))، وفي رواية عنه:
«فإن غم علیکم فاقدروا له ثلاثین)).
ثم ذكر الخطيب بأسانيده من طرق جميع هذه الألفاظ، وقد سبق بيانها،
وأنها صحيحة.
ثم قال الخطيب: لقد ثبت برواية ابن عمر، عن النبيّ وَّ ما فسّر
المجمل، وأوضح المشكل، وأبطل شبهة المخالف، وكشف عوار تأويله
الفاسد؛ لأن قوله وَّه: (فاقدروا له)) مجمل فسّره برواية: ((فعُدُّوا له ثلاثين
يوماً))، و((فأكملوا العدة ثلاثين))، و((فاقدروا له ثلاثين))، مع موافقة أبي هريرة
ابن عمر على روايته مثل هذه الألفاظ، عن رسول الله وَله .
ثم ذكر الخطيب رواية أبي هريرة من طريقين، في بعضها: ((صوموا
لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين))، وفي الثانية: ((فإن
غم علیکم، فاقدروا له)).
قال الخطيب: وأما تعلق المخالف بما رُوي عن ابن عمر أنه كان يصوم
إذا ثُمّ الهلال، فقد رُوي أنه كان يفعل، ويفتي بخلاف ذلك، وفتياه أصحّ من
فعله، يعني لتطرق التأويل إلى فعله.
ثم رَوَى الخطيب بإسناده عن عبد العزيز بن حكيم، قال: سألوا ابن
عمر، فقالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال ابن عمر: أُفّ

٤٣٧
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
أُفّ، صوموا مع الجماعة، وأفطروا مع الجماعة، إسناده صحيح، إلا
عبد العزيز بن حكيم، فقال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: ليس
بقويّ، يُکتب حديثه.
وعن ابن عمر قال: لا أتقدم قبل الإمام، ولا أصله بصيام، وعن
عبد العزيز بن حكيم قال: ذُكر عند ابن عمر يوم الشك، فقال: لو صمت السَّنة
كلها لأفطرته.
قال الخطيب: وهذا هو الأشبه بابن عمر؛ لأنه لا يجوز الظن به أنه
خالف النبيّ وَّ﴾، وترك قوله الذي رواه هو وغيره من العمل بالرؤية، أو إكمال
العدة، فيجب أن يُحْمَل ما رُوي عن ابن عمر من صوم يوم الشك على أنه كان
يُصبح مُمْسِكاً حتى يتبيّن بعد ارتفاع النهار، هل تقوم بينة بالرؤية، فظن الراوي
أنه كان صائماً، ويدل عليه أنه كان لا يحتسب به، ولا يفطر إلا مع الناس،
ويدل عليه أيضاً قوله: لا أتقدم قبل الإمام، وقوله: لو صمت السَّنة لأفطرته،
يعني يوم الشك.
قال الخطيب: وهذا تصريح منه بأنه كان لا يعتقد الصيام في ذلك، وإنما
كان ممسكاً .
[فإن قيل]: فما الفائدة في إمساكه بلا نية للصوم؛ لأنه لو ثبت كونه من
رمضان لم يجزه؟ .
[قلنا]: فائدته تعظيم حرمة رمضان، وكيف يظن بابن عمر مخالفة السنة،
وهو المجتهد في اقتفاء آثار رسول الله وَ له، والاقتداء بأفعاله، وطريقة ابن عمر
في ذلك مشهورة محفوظة.
قال الخطيب: وقد تأول المخالف قول ابن عمر: لو صمت السنة
لأفطرت في يوم الشك على أن معناه: لم أصمه تطوعاً، وإن تطوعت بجميع
السنة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون يوم الشك في الصحو، قال: وهكذا قوله:
صوموا مع الجماعة المراد مع الصحو.
قال الخطيب: وهذا تأويل باطل؛ لأن المفهوم من هذا الكلام في اللغة
والعرف أنه لا يصومه بحال، وكذا المعروف عندهم من يوم الشك، إنما هو
مع وجود السحاب، لا مع الصحو، مع أن ما تأوله على ابن عمر لو لم يكن

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
له وجه إلا ما قاله، لم يكن فيه حجة؛ لثبوت السنن الراتبة الصريحة بالأسانيد
الصحيحة، عن رسول الله ◌َ﴿ خلاف ما ادعى المخالف، ولا يجوز تركها
لفعل ابن عمر ولا غيره.
ثم روى بإسناده عن ابن عباس قال: ليس أحد من الناس إلا يؤخذ من
قوله ويترك، غير النبيّ وَلد.
قال الخطيب: وقد جعل المخالف العلة في تفسير الحديث المجمل الذي
رواه ابن عمر مجرد فعله مع احتماله غير ما ذهب إليه، وكان يلزمه ترك رأيه،
والأخذ بحديث ابن عباس، ثم ذكره بإسناده عن ابن عباس، قال: تمارى
الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غداً، فجاء
أعرابيّ إلى النبيّ وَّه، فذكر أنه رآه، فقال رسول الله وَله: ((تشهد أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟)) قال: نعم، فأمر النبيّ وَلّ بلالاً، فنادى في
الناس: صوموا، ثم قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم
فَعُدُّوا ثلاثين يوماً، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوماً)).
قال الخطيب: وهذا الحديث أولى أن يأخذ به المخالف من حديث ابن
عمر؛ لِما فيه من البيان الشافي باللفظ الواضح الذي لا يحتمل التأويل، ولأن
ابن عباس ساق السبب الذي خرج الكلام عليه.
قال الخطيب: والمراء في رؤية الهلال إنما يقع إذا كان في السماء غيم،
فلو كان الحكم ما ادعاه المخالف، لأمر النبيّ # الناس بالصوم، من غير
شهادة الأعرابي على الرؤية.
قال الخطيب: وقد رَوَى عن عبد الله بن جراد الْعُقَيليّ، عن النبيّ ◌ِّل
حديثاً فيه كفاية عما سواه، فذكره بإسناده عنه، ثم قال: أصبحنا يوم الاثنين
صياماً، وكان الشهر قد أُغمي علينا، فأتينا النبيّ وَلّر، فأصبناه مفطراً، فقلنا: يا
نبي الله صمنا اليوم، فقال: ((أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم، فليتم
صومه، لأن أُفطر يوماً من رمضان متمارياً فيه، أحب إليّ من أن أصوم يوماً
من شعبان، ليس منه))، يعني ليس من رمضان.
قال الخطيب: وأما ما ذكره المخالف أنه حجة له من جهة الاستنباط،
وقوله: إن معنى ((اقدروا له)) ضَيِّقوا شعبان لصوم رمضان، فهو خطأ واضح؛

٤٣٩
(٣) - بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ - حديث رقم (٢٥١٨)
لأن معناه قَدِّروا شعبان ثلاثين يوماً، ثم صوموا في الحادي والثلاثين، وقَدَرتُ
الشيءَ، وقَدَّرته بتخفيف الدال وتشديدها، بمعنى واحد، بإجماع أهل اللغة،
[المرسلات: ٢٣].
ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ
ثم رَوَى الخطيب بإسناده، عن يحيى بن زكريا الفراء الإمام المشهور،
فقال في قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ (٣)﴾: ذُكر عن عليّ، وأبي
عبد الرحمن السُّلَميّ أنهما شَدَّدا، وخففها الأعمش، وعاصم، قال الفراء: ولا
يبعد أن يكون معناهما واحداً؛ لأن العرب قد تقول قُدِر عليه الموت، وقُدِّر
عليه الموت، وقُدِر عليه رزقه، وقُدِّر عليه رزقه، بالتخفيف والتشديد، ثم رَوى
الخطيب، عن ابن قتيبة التشديد والتخفيف، ثم عن ابن عباس، ومقاتل بن
سليمان، وكان أوحد وقته في التفسير، ثم الفراء، ثم ثعلب، أنهم قالوا في
تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] معناه: أن لن نقدر
عليه عقوبةً، قال: وكذلك قاله غيرهم من النحاة، فهذا قول أئمة اللغة على أن
في الحديث ما لا يحتاج معه إلى غيره في وضوح الحجة، وإسقاط الشبهة،
وهو قوله وَّ: ((فاقدروا له ثلاثين))، أي فعُدُّوا له ثلاثين، وهو بمعنى عُدُّوا،
وكلّه راجع إلى معنى قوله رَله: ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
قال الخطيب: قال المخالف: وليس في قوله وَلفيه: ((فاقدروا له)) ما يدل
على وجوب تقدير شعبان بثلاثين؛ إذ ليس تقديره بثلاثين أولى من تقديره بتسعة
وعشرين؛ لأن كل واحد من العددين يكون قدراً للشهر؛ لقول وَ ل * حين نزل من
الغرفة، وقد آلى شهراً، فنزل لتسع وعشرين: ((إن الشهر تسع وعشرون))، وعن
ابن مسعود: ((ما صمنا تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين)).
قال الخطيب: ما أعظم غفلة هذا الرجل! ومَن الذي نازعه في أن الشهر
تارة يكون تسعاً وعشرين، وتارة يكون ثلاثين، وأيُّ حجة له في ذلك؟ وقوله:
ليس التقدير بثلاثين أولى من التقدير بتسع وعشرين باطلٌ ومحالٌ؛ لأن النبيّ وَله
نص على تقديره في هذه الحالة بتمام العدد والكمال، وهو قوله وَله: ((فاقدروا
له ثلاثين))، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الخطيب: قال المخالف: [فإن قيل]: لِم كان حمله على تسع
وعشرين أولى من حمله على ثلاثين؟ .
[قلنا]: لوجوه: أحدها أنه تأويل ابن عمر الراوي، وهو أعرف، والثاني
أنه مشهور في كتاب الله تعالى في غير موضع، الثالث: أن فيه احتياطاً للصوم.
قال الخطيب: أما تأويل ابن عمر فقد ذكرنا ما يفسده من معارضة ابن
عباس له بالرواية التي لا تَحْتَمِل تأويلاً، وذكرنا عن ابن عمر من الروايات ما
يوجب تأويل فعله على غير ما ذهب إليه المخالف، وكذلك تفسير ما ادعاه من
الآيات، فلا حاجة إلى إعادته، وأما قوله: إن فيه احتياطاً، فالاحتياط في اتباع
السنن، والاقتداء بها، دون الاعتراض عليها بالآراء، والحمل لها على
الأهواء، ومنزلة من زاد في الشرع، كمنزلة من نقص، لا فرق بينهما .
قال الخطيب: قال المخالف: [فإن قيل]: قد روى مسلم: ((فاقدروا له
ثلاثین)) من رواية ابن عمر.
[قلنا]: هذا التفسير ليس بصريح؛ لاحتمال رجوعه إلى هلال شوال، قال
الخطيب: لا يجوز لأحد أن يزيل الكلام عن أصله الموضوع، وظاهره
المستعمل المعروف، ويَعْدِل عن الحقيقة إلى المجاز، إلا بدليل، وحقيقة
قوله وثر: ((فإن غم عليكم، فاقدروا له ثلاثين)) راجع إلى الغيم في ابتداء
الصوم، وفي انتهائه، وقد بَيَّن النصُّ ما اقتضاه ظاهر هذا اللفظ، وعمومته
وحقيقته، وهو قوله وَالر في حديث ابن عباس: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غمامة، أو ضَبابة، فأكملوا شعبان ثلاثين، ولا
تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان)).
وعن ابن عباس أيضاً، عن النبيّ وَلهو: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته،
فإن غم عليكم، فعُدُّوا ثلاثين يوماً، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله بيوم))، وفي
رواية عنه: ((فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله بَّه: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، رواه البخاريّ في
(صحیحه)) .
قال الخطيب: واستدل المخالف على أنه قوله وَلير: ((فإن غم عليكم