Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ ١٣ - كتاب الصيام ورجل صائم، وصَوَّامٌ - بالفتح - مبالغة، وقوم صُوَّامٌ، وصُيَّمٌ، وَصَوْمٌ على لفظ الواحد، وصِيَام. انتهى من ((المصباح)) بزيادة من غيره. وقال في ((التهذيب)): الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن الْمَطعَم، والْمَشْرَب، والْمَنكَحِ. وقيل للصامت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العَلَف مع قيامه. وقال في ((الفتح)): والصوم، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة. انتهى. وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه. انتهى. وقال الراغب الأصفهاني: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، مَطعماً كان، أو كلاماً، أو مشياً؛ ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم. وقيل للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار: صوم؛ تصوّراً لوقوف الشمس في كبد السماء، ولذلك قيل: قام قائم الظهيرة، ومَصَامُ الفرس، ومَصَامَتُهُ: موقفه. والصوم في الشرع: إمساك المكلّف بالنيّة من الخيط الأبيض، إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاء. (١) انتھی قال الطيبيّ: فهو وصف سلبيّ، وإطلاق العمل عليه تجوّز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقةً، أو حكماً، في وقت مخصوص، من شخص مخصوص مع النيّة. وقال الأمير الصنعانيّ: الصوم في الشرع إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، والجماع، وغيرهما، مما ورد به الشرع، في النهار، على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو، والرفَث، وغيرهما، من الكلام المحرّم، والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي (١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص ٥٠٠. ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام عنها في الصوم، زيادة على غيره، في وقت مخصوص، بشروط مخصوصة، تفصّلها الأحادیث. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التعاريف كلها متقاربة المعنى، وأخصرها، أنه إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائطه، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في بيان أدلّة وجوب الصيام: (اعلم): أن صوم رمضان واجبٌ، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع، فمن جحد فرضيته، فقد كفر. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما السنة فقول النبيّ وَّر: ((بني الإسلام على خمس ... )) فذكر منها صوم رمضان، متّفقٌ عليه. به أن رجلاً جاء إلى النبيّ وَّ ثائر الرأس، وعن طلحة بن عبيد الله فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟، قال: ((شهر رمضان))، قال: هل عليّ غيره؟ قال: ((لا إلا أن تطوع شيئا ... )) الحديث، متفقٌ عليه. وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان(١). (المسألة الرابعة): متى فُرض الصيام؟ : (اعلم): أنه فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان (٢)، فصام النبيّ وَلل تسع رمضانات، ثماني نواقص، وواحد كامل على المعتمد، وقيل غير ذلك. (١) راجع: ((المغني)) لابن قدامة كَذَثمُ ٣/٣. (٢) ذكره الطحطاويّ في حاشية ((مراقي الفلاح)) من كتب الحنفية ص ٤٣٠. ٣٦٣ ١٣ - كتاب الصيام وقد نظم الأجهوريّ كَّلُ الاختلاف في أشهر الصيام التامّة والناقصة في حياته وَّاهُ، فقال [من الرجز]: فَصَامَ تِسْعَةً نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَفُرِضَ الصِّيَامُ ثَانِي الْهِجْرَةِ زَادَ عَلَى ذَا بِالْكَمَالِ اتَّسَمَا فَأَرْبَعاً تِسْعَاً وِعِشْرِينَ وَمَا مَا صَامَ كَامِلاً سِوَى شَهْرِ اعْلَم كَذَا لِبَعْضِهِمْ وَقَالَ الْهَيْتَمِي وَنَاقِصٌ سِوَاهُ خَذْ بَيَانِي(١) وِلِلذَّمِيرِي أَنَّهُ شَهْرَانِ [تنبيه]: لا فرق بين الشهر الكامل والناقص بالنسبة للثواب المترتّب على صوم رمضان، وأما ما يترتّب على يوم الثلاثين من ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره، وفطوره، فهو زيادة يفوق بها الكامل الناقص(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في بيان حكمة مشروعية الصيام: (اعلم): أن من حكمة مشروعيّة الصيام كونه موجباً لسكون النفس، وكسر سَوْرتها في الفضول المتعلّقة بجميع الجوارح، من العين، واللسان، والأذن، والفرج، فبالصوم تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت، تذكّر حال المساكين في سائر الأوقات، فيسارع إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من الله تعالى. قال الزرقانيّ ◌َُّ: شُرع الصيام لفوائد، أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشِّبَعُ نَهْرٌ في النفس يَرِدُهُ الشيطان، والجوع نهر في الروح تَرِده الملائكة . ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثيراً من الفقراء، من فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقّة له بذلك يتذكّر به من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه (١) راجع: ((حاشية الطحطاويّ على مراقي الفلاح)) من كتب الحنفيّة (ص٦٤٧). (٢) راجع: ((تحفة الحبيب على شرح الخطيب)) ٣٧١/٢. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك. انتهى (١). [تنبيه]: نُقِل عن بعض الصوفيّة أن آدم لما تاب من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذرّيّته صيام ثلاثين يوماً. انتهى. وهذا مما لا دليل عليه، فقد قال الحافظ تََّتُهُ بعد ذكره: هذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يُقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٩٥] (١٠٧٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضُه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ١٥٢/٢ - ١٥٣. (٢) انظر: المصدر السابق ١٥٣/٢. ٣٦٥ (١) - بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٤٩٥) ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقِيّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٥ - (أَبُو سُهَيْلٍ) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٩/٢. ٦ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٩/٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَظْلَتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حُجر، كما أسلفته آنفاً . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفاً أيضاً. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظُله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانَ) وفي رواية النسائيّ: ((شهر رمضان))، وهو مأخوذ من الرمضاء، يقال: رَمِضَ النهارُ، كفرح: اشتدّ حره، وقدمه احترقت من الرمضاء، أي الأرض الشديدة الحرارة، وسُمِّيَ شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من حرّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحرّ وشدّة وقوعه فيه حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمَض الحرّ، أي شدّته. وقال الفيّوميّ: الرمضاء: الحجارة الحامية من حر الشمس، ورَمِضَ يومنا رَمَضاً، من باب تَعِب: اشتدّ حرّه، ورَمِضت قَدَمُهُ: احترقت من الرمضاء، ورمِضت الفِصَال: إذا وَجَدت حرّ الرمضاء، فاحترقت أخفافها، ورمضان اسم للشهر، قيل: سمّي بذلك لأن وضعه وافق الرمَضَ، وهو شدّة الحرّ، وجمعه رمضانات، وأَرْمِضَاء، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِين، مثلُ شَعَابين. انتهى(١). (فُقِّحَتْ) بالبناء للمجهول، وبتخفيف التاء، وروي بتشديدها، وقال الزرقانيّ: بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها، وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر كما في التنزيل، وبالتشديد لتكثير المفعول. انتهى. (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي تقريباً للرحمة للعباد، ولهذا جاء في الرواية التالية: (أبواب الرحمة))، وفي رواية أخرى: ((أبواب السماء))، وهذا يدلّ على أن أبواب الجنة كانت مُغْلَقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةٌ لَُّ الْأَبْوَبُ الآية [ص: ٥٠]؛ لأن ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتّحة (وَغُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول، وبتشديد اللام (أَبْوَابُ النَّارِ) أي تبعيداً للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أيضاً أن أبواب النار كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا جَهُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ الآية [الزمر: ٧١]؛ لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان، وتعذيبهم بالنار فيه، إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار، أفاده السنديّ. (وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ))) بالبناء للمفعول أيضاً، ويتشديد الفاء: أي شددت، وأوثقت بالأغلال، و((الصَّفَدُ)) بفتح الفاء: الْغُلّ بضمّ الغين، وفي الرواية التالية: ((وسُلسلت))، وهو بمعناه، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس، وخبائتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكلّ شيطان شيطان، ويتسلسل، وأيضاً معلوم أنه ما سبق (١) المصباح في مادة رمض. ٣٦٧ (١) - بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٤٩٥) إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه، والله تعالى أعلم (١). وقال في ((الفتح)): قال الْحَلِيميّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في ((صحيحه))، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضيه بلفظ: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجنّ))، وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ: ((وتُغلّ فيه مردة الشياطين))، زاد أبو صالح في روايته: ((وغُلُّقَت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، ونادى مُنادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلّ ليلة))، لفظ ابن خُزيمة. وقوله: ((صُفّدت)) بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة مكسورة: أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى ((سُلسلت))، ونحوه للبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وقال فيه: ((فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها بابُ الشهرَ کلّه)). قال عياض: يَحْتَمِل أنه على ظاهره، وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويَحْتَمِل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم، فيصيرون كالمصفّدين، قال: ويؤيّد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم: ((فتحت أبواب الرحمة))، قال: ويَحْتَمِل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك أسباب (١) انظر: ((شرح السنديّ)) ١٢٦/٤ - ١٢٧. ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات. قال الزين ابن المنيّر: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها: ((أبواب الرحمة))، و((أبواب السماء)) فمن تصرّف الرواة، والأصل أبواب الجنّة بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار، واستُدِلّ به على أن الجنّة في السماء؛ لإقامة هذا مقام هذه الرواية، وفيه نظر. وجزم التوربشتيّ شارح ((المصابيح)) بالاحتمال الأخير، وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزّل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش، والتخلّص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات. وقال الطيبيّ: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلّف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقّاه بأريحيّة. وقال القرطبيّ ◌َّهُ بعد أن مال إلى ترجيح حمله على ظاهره: [فإن قيل]: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً؟ فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك. [فالجواب]: أنها إنما تُغَلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أما من لم يُحافظ عليه فلا يُغلّ عن فاعله الشيطان. أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره؛ إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسباباً غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة. وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر ٣٦٩ (١) - بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٤٩٥) المكلّف، كأنه يقال له: قد كفّت الشياطين عنك، فلا تعتلّ بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة حُ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٩٥/١ و٢٤٩٦ و٢٤٩٧] (١٠٧٩)، و(البخاريّ) في («الصوم)» (١٧٦٥ و١٧٦٦ و٣٠٣٥)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٦١٨)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (٢٠٩٧ و٢٠٩٨ و٢٠٩٩ و٢١٠٠ و٢١٠١ و٢١٠٢) وفي («الكبرى» (٢٤٠٧ و٢٤٠٨)، و(ابن ماجه) في ((الصوم)) (١٦٣٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٦٠٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨١/٢ و٣٧٨ و٤٠١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٨٨/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٦/٢)، و(الطبرانيّ) في (الأوسط)) (١٥٦/٢) و((الكبير)) (١٣٢/١٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/ ١٤٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٢/٤ و٣٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل شهر رمضان. ٢ - (ومنها): إثبات الجنة، والنار، وأنهما الآن موجودتان، وأن لهما أبواباً تُفْتَح، وتُغْلَق. قال الإمام ابن عبد البرّ كَّتُهُ: الذي عليه جماعةُ أهلُ السنة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، إحداهما رحمة الله لمن شاء من خلقه، والأخرى عذابه ونقمته لمن شاء أن يعذبه، قال: والدلائل على أنهما مخلوقتان الآن كثيرة، فمن ذلك قوله وَله: ((إذا مات أحدكم عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، (١) ((الفتح)) ٦٠٧/٤ - ٦٠٨ كتاب الصوم. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة))، متّفقٌ عليه. وقول الله رَك في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]. وقوله وَله: ((اطّلعت في الجنّة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء))، متّفقٌ عليه. وقوله : ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة ... )) الحديث، متّفقٌ عليه. وقوله وَله: ((اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فَأَذِن لها بِنَفَسين: نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فهو أشدُّ ما تجدون من الحرّ، وأشدّ ما تجدون من الزمهرير))، متّفقٌ عليه. قال: فقوله: ((اشتكت النار إلى ربها)) أبين شيء في أنها قد خُلِقت، وأنها باقية شتاءً وصيفاً. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَُّهُ بتصرّف(١)، وهو كلام نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): إثبات وجود الشياطين، وأنهم أجسام يمكن شدّها بالأغلال، وأن منهم مَرَدَةً يُغَلَّون بالأغلال في شهر رمضان؛ لئلا يبطلوا أعمال الصائمين. ٤ - (ومنها): بيان عظمة لطف الله ◌ُعَل، وكثرة كرمه وإحسانه على عباده، حيث يَحْفَظ لهم صيامهم، ويدفع عنهم أذى المردة من الشياطين؛ لئلا يفسدوا عليهم عبادتهم في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاريّ، والمحققون أنه يجوز أن يقال: ((رمضان)) من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: قالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، هذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فلا يُطْلَق على غيره إلا بقيد. (١) راجع: ((التمهيد)) لابن عبد البر ١١٢/١٩. ٣٧١ (١) - بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٤٩٦) وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلانيّ: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره، قالوا: فيقال: صمنا رمضان، قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر رمضان، وأُحِبّ رمضان، ونحو ذلك. والمذهب الثالث: مذهب البخاريّ، والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يَثْبُت فيه نهيٍّ، وقولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يَصِحَّ فيه شيءٌ، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الردّ على المذهبين، ولهذا الحديث نظائر كثيرة في ((الصحيح)) في إطلاق ((رمضان)) على الشهر من غير ذكر الشهر، وقد سبق التنبيه على كثير منها في ((كتاب الإيمان)) وغيره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن ابْنِ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا كَانَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. (١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ١٨٧. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريباً. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكرواَ قبله، و(ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) هو: أبو سُهيل المذكور، و((أبوه)) هو: مالك بن أبي عامر. وقوله: (وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) بالبناء للمفعول، كسابقيه، أي شُدّت بالسلاسل، وهو بمعنى ((صُفّدت)) في الرواية السابقة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٩٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَالْحُلْوَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرِّيْرَةَ ◌َهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ ... )) بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (٥ أو٢٣٦) (مَ د) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣٧٣ (٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْرَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨) ٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ وَّتُهُ في ((المجتبى)) (١٢٧/٤) فقال: (٢٠٩٩) - أخبرنا عُبيد اللهِ بن سَعْدٍ بن إبراهيم، قال: حدّثنا عَمِّي، قال: حدثنا أبي، عن صَالِحٍ، عن ابن شِهَابٍ، قال: أخبرني نَافِعُ بن أبي أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حدّثه، أَنَّهُ سمعٌ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قال رسول اللهِ وَّ: ((إذا دخل رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢) - (بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةٍ الْهِلَالِ، وَأَنَّهُ إِذَا غُمَّ فِيَ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ، أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ يَوْماً) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٨] (١٠٨٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿هَا، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوََّ الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الحجة الثبت المشهور [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب الصحابيّ ابن الصحابيّ هَا، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف كَّلُهُ، وهو (١٥٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنیین، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة . ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقاً - مالك، عن نافع، عن ابن عمر ها - على ما رُوي عن الإمام البخاريّ نَّثُهُ، وقد تقدّم غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظه صحابيّ ابن صحابيّ، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا . شرح الحديث: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِ﴿َ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ) أي كيفيّة دخوله لأداء الصوم الواجب فيه (فَقَالَ: ((لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ) أي هلال شهر رمضان. و((الهلال)) بالكسر قال الفيّومي: وأما الهلال فالأكثر أنه القمر في حالة خاصّة، قال الأزهريّ: ويُسمّى القمر لليلتين من أول الشهر هلالاً، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضاً هلالاً، وما بين ذلك يُسمَّى قمراً، وقال الفارابيّ، وتَبِعه في ((الصحاح)): الهلال لثلاث ليالٍ من أول الشهر، ثمّ هو قمرٌ بعد ذلك، وقيل: الهلال هو الشهر بعينه. انتهى (١). والحديث فيه النهي عن صوم رمضان إلا بثبت، وهو أن يرى الشخص هلاله بنفسه، أو من يثق به. (١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢. ٣٧٥ (٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨) (وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أي هلال شوّال، قال النوويّ تَخْتُ: المراد رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميعَ الناس رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصحّ، هذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّزه بعدل. (١) انتھی (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ) أي غُطّ عليكم، وسُتر أولُهُ، أو آخره، وفي الرواية التالية: ((فإن غُمَّ عليكم))، قال الطيبيّ: أي غُطّ الهلالُ بغيم، من غَمَمتُ الشيءَ: إذا غطيته، وفيه ضمير الهلال، ويجوز أن يكون مسنداً إلى الجار والمجرور، بمعنى إن كنتم مغموماً عليكم، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه. (٢) انتھی وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((فإن أُغمي عليكم)) في ((أُغْمي)) ضمير يعود إلى الهلال، فهو الْمُغْمَى عليه، لا الناظرون، وتقديره: فإن أُغمي الهلال عليكم، وأصلُ الإغماء: التغطيةُ، والغمّ، ومنه الْمُغْمَى عليه، لأنه غُطّي عقله عن مصالحه، ويقال: أُغمي الهلال، وغُمِّي - مشدّد الميم - وكلاهما مبنيّ لما لم يُسمَّ فاعله، ويقال أيضاً: غُمّ مبنيّاً لما لم يُسمّ فاعله مُشدّداً، وكذلك جاءت رواية أبي هريرة به، فعلى هذا يقال: أُغمي، وغُمي - مخفّفاً، ومشدّداً - رباعيّاً وثلاثيّاً، وغُمّ، فهي أربع لغات، ويقال: غامت السماءُ تَغيم غيمومةً، فهي غائمة، وغَيْمَةٌ، وأغامت، وتغيَّمَت، وغَيَّمَتْ، وأَغْمَتْ، وَغَمَتْ. وفي حديث أبي هريرة عنه: ((فإن غُمِي)) أي خَفِيَ، يقال: غُمِي عليّ الخبرُ: أي خَفِيَ، وقيل: مأخوذ من الغَمَاء، وهو السحاب الرقيق، وقد وقع للبخاريّ: ((غَبِيَ)) بالباء، وفتح الغين: أي خفي، ومنه الغَبَاوة. انتهى(٣). وقال النوويّ تَخُّْهُ: معناه: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غُمَّ، وأُغْمِيَ، وغُمِيَ، وغُمِّيَ بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما، ويقال: غَبِيَ (١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ١٩٠. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٧٩/٥. (٣) ((المفهم)) ١٣٨/٣ - ١٤٧. ٣٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام بفتح الغين، وكسر الباء، وكلها صحيحة، وقد غامت السماء، وغَيَّمَتْ، وأغامت، وتَغَيَّمَتْ، وأَغْمَت، وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان، إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم. انتهى(١). (فَاقْدُرُوا لَهُ))) بضم الدال وكسرها، يقال: قَدَرْتُ لأمر كذا: إذا نظرت فيه، ودَبَّرته(٢). وقال القرطبيّ تَظْتُ: أي قدّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يوماً، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أقدُره، وأقدِره - بالتخفيف - بمعنى قدّرته - بالتشديد - قال: وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث، وقد دلّ على صحّته ما رواه أبو هريرة به مكان ((فاقدروا له)): ((فأكملوا العدّة ثلاثين))، وهذا الحديث حجّةٌ على من حَمَلَ ((فاقدروا له)) على معنى تقدير المنازل القمريّة، واعتبار حسابها، وإليه صار ابن قتيبة من اللغويين، ومطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير من كبراء التابعين، ومن الحجة أيضاً على هؤلاء قوله وَله: ((إنّا أُمّةٌ أُمّيّةٌ لا نكتب، ولا نَحْسُبُ))، فألغى الحساب، ولم يجعله طريقاً لذلك. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخَذُهُ(٣)، وهو بحث نفيسٌ. وقال النوويّ كَُّ قوله: ((فاقدروا له)): قال أهل اللغة: يقال: قَدَرتُ الشيءَ أَقْدِرُهُ - بكسر الدال ـ وأَقْدُرُه - بضمّها - وقَدَّرتُهُ، وأقدرته، بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ (٣)﴾ [المرسلات: ٢٣]. اٌلْقَدِرُونَ وفي رواية: ((فاقدروا له ثلاثين))، وفي رواية: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له))، وفي رواية: ((فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً))، وفي رواية: ((فإن غُمّيَ عليكم فأكملوا العدد)»، وفي رواية: ((فإن غُمّيَ عليكم الشهر، فَعُدُّوا ثلاثين))، وفي رواية: «فإن أُغْمِي علیکم، فعدوا ثلاثین)). (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/٧ - ١٩٠. (٣) «المفهم)» ١٣٨/٣. (٢) ((عمدة القاري)) ١٠/ ٢٧١. ٣٧٧ (٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨) وهذه الروايات كلها عند المصنّف على هذا الترتيب. وفي رواية للبخاريّ: ((فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). واختلف العلماء في معنى ((فاقدروا له))، فقالت طائفة من العلماء: معناه ضَيِّقُوا له، وقدِّروه تحت السحاب، وممن قال بهذا أحمد بن حنبل، وغيره، ممن يُجَوِّز صوم يوم ليلة الغيم من رمضان، كما سنذكره - إن شاء الله تعالى - وقال ابن سُرَيج وجماعة، منهم مطرف بن عبد الله، وابن قتيبة، وآخرون: معناه: قَدِّروه بحساب المنازل، وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً. واحتَجَّ الجمهور بالروايات المذكورة: ((فأكملوا العدة ثلاثين))، وهو تفسير لـ((اقدروا له))، ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يُذْكَر هذا، وتارة يُذْكَر هذا، وتؤكده الرواية السابقة بلفظ: ((فاقدروا له ثلاثين)). قال المازريّ كَّلُهُ: حَمَلَ جمهور الفقهاء قوله وَله: ((فاقدروا له)) على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فَسَّره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حسابَ المنجمين؛ لأن الناس لو كُلِّفُوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يُعَرِّف الناس بما يَعْرِفه جماهيرهم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، وأما القولان الآخران فضعيفان، كما سنحقّقه قريباً - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وأما حديث ابن عمر ظه، فاتفق الرواة عن مالك، عن نافع، فيه على قوله: ((فاقدروا له))، وجاء من وجه آخر عن نافع، بلفظ: ((فاقدروا ثلاثين))، كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع به، وقال: ((فَعُدُّوا ثلاثین». واتفَقَ الرواة عن مالك، عن عبد الله بن دينار أيضاً فيه على قوله: ((فاقدروا له))، وكذلك رواه الزعفرانيّ وغيره عن الشافعيّ، وكذا رواه إسحاق (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٨٩/٧. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام الحربيّ وغيره في ((الموطأ)) عن القعنبيّ، وأخرجه الربيع بن سليمان، والْمُزَنِيّ، عن الشافعيّ، فقال فيه كما قاله البخاريّ عن القعنبيّ: ((فإن غُمَّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثین)). قال البيهقيّ في ((المعرفة)): إن كانت رواية الشافعيّ والقعنبيّ من هذين الوجهين محفوظةً، فيكون مالك قد رواه على الوجهين. قال الحافظ: ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه، فله متابعاتٌ: منها: ما رواه الشافعيّ أيضاً من طريق سالم، عن ابن عمر بتعيين الثلاثين. ومنها: ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر بلفظ: ((فإن غُمّ عليكم، فكَمِّلوا ثلاثين)). وله شواهد من حديث حُذيفة به عند ابن خزيمة، وأبي هريرة، وابن عباس عند أبي داود، والنسائيّ، وغيرهما، وعن أبي بكرة، وطلق بن عليّ ◌َّ عند البيهقيّ، وأخرجه من طرق أخرى عنهم، وعن غيرهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٩٨/٢ و٢٤٩٩ و٢٥٠٠ و٢٥٠١ و ٢٥٠٢ و٢٥٠٣ و٢٥٠٤ و٢٥٠٥ و٢٥٠٦ و٢٠٠٧ و٢٥٠٨ و٢٥٠٩ و٢٥١٠ و٢٥١١ و٢٥١٢ و٢٥١٣] (١٠٨٠)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٠٠ و١٩٠٦ و١٩٠٧)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٩٧/٢)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (٤/ ١٣٤) و((الكبرى)) (٧٠/٢)، و(ابن ماجه) في ((الصوم)) (٥٢٩/١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٨٦/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٦/٤)، و(ابن أبي شيبة) (١) ((الفتح)) ٢٤٠/٥ - ٢٤١. ٣٧٩ (٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨) في ((مصنّفه)) (٢٨٤/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٨٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/٢ و١٣ و٦٣ و١٤٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٨٤/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٦/٣ و١٤٧ و١٤٨)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٩/ ٣٣٧)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٠١/٣ و٣٠٢ و٣٠٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٦/٨ و٢٢٩ و٣٥٩ و٣٦٢)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٣٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٤/٤ و٢٠٥)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٦١/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن وجوب الصوم متعلّق برؤية الهلال. ٢ - (ومنها): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب. واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعيّ وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفيّة على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعاً. أفاده وليّ الدين ركآتُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لظاهر قوله وَّل: ((لا تصوموا حتى تروه))؛ إذ النهي يقتضي الفساد، والفاسد لا يكون مُسقطاً لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعاً؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لحديث أبي هريرة عظته، مرفوعاً: ((ألا لا تقدّموا الشهر بیوم، أو اثنین؛ إلا رجل كان يصوم صياماً، فليصمه))، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن مقتضى الحديث أيضاً منع صومه عن غير رمضان، واختلف في ذلك أيضاً، فجوّزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعاً إذا وافق وِرْده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه ٣٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقاً، قضاءً، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة به المتقدم، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين ◌َّثُ: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا - يعني الشافعية -: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تُحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة، وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة. انتهى(١). ٤ - (ومنها): بيان أن النهي عن صوم يوم الشكّ؛ لعدم رؤية الهلال، وقد أخرج أبو داود والترمذيّ، والنسائيّ، وصحّحه ابن خزيمة عن عمّار بن ياسر ﴿مّ قال: ((من صام يوم الشكّ، فقد عَصَى أبا القاسم ◌َّ)). ٥ - (ومنها): أن قوله: ((حتى تروا الهلال)) فيه إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجِدت ليلاً أو نهاراً، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فَرَّق بين ما قبل الزوال وبعده، وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقاً، قاله في ((الفتح))(٢). ٦ - (ومنها): أن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم، وغيرها، قال في ((الفتح)): ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة - يعني قوله: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال)) - لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: ((فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له))، فاحتَمَلَ أن يكون المراد التفرقةَ بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقاً بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويَحْتَمِل أن لا تفرقةَ، ويكون الثاني مؤكّداً للأول، وإلى الأول (١) ((طرح التثريب)) ١١٤/٤. (٢) ((الفتح)) ٢٤١/٥.