Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) ١٤ - (ومنها): ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل، والنَّهم فيه. ١٥ - (ومنها): أن اكتساب المال من غير حلّه، وكذا إمساكه عن إخراج الحقّ منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِبَواْ وَيُرْبِىِ الضَدَقَتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في بيان التمثيل الذي ورد في هذا الحدیث : قال في ((الفتح)): يؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف؛ لأن الماشية إذا رَعَت الخَضِر للتغذية، إما أن تقتصر منه على الكفاية، وإما أن تستكثر، الأول الزهّاد، والثاني، إما أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ، واستمرّ النفع، وإما أن يُهمل ذلك، الأول العاملون في جمع الدنيا بما يجب من إمساك وبذل، والثاني العاملون في ذلك بخلاف ذلك. وقال الطيبيّ تَّقُهُ: يؤخذ منه أربعة أصناف: فمن أكل منه أَكْلَ مُستَلِذٌ، مُفرِط، منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يُقلع، فيسرع إليه الهلاك. ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم، فغلبه، فأهلكه. ومن أكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضرّه، وتحيّل في دفعه، حتى انهضم، فیسلم. ومن أكل غير مفرط، ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته، ويُمسك رَمَقَه . فالأول: مثال الكافر، والثاني: مثال العاصي الغافل عن الإقلاع، والتوبة، إلا عند فواتها، والثالث: مثل للمخلّط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة، والرابع: مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، وبعضها لم يُصرَّح به في الحديث، وأخذُهُ منه مُحْتَمِل. وقال الزين ابن الْمُنَيِّرِ تَخْتُهُ: في هذا الحديث وجوه من التشبيه بديعةٌ: (أولها): تشبيه المال، ونموّه بالنبات وظهوره. ٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (ثانيها): تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب، بالبهائم المنهمكة في الأعشاب. (ثالثها): تشبيه الاستكثار منه، والادّخار به بالشَّرَه في الأكل، والامتلاء منه . (رابعها): تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدّى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السَّلْح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعاً . (خامسها): تشبيه المتقاعد عن جمعه، وضمّه بالشاة إذا استراحت، وحظّت جانبها، مستقبلة عين الشمس، فإنها من أحسن حالاتها سكوناً، وسكينةً، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها . (سادسها): تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرّها . (سابعها): تشبيه المال بالصاحب الذي لا يُؤمن أن ينقلب عدوّاً، فإن المال من شأنه أن يُحرَز، ويُشدّ وَثَاقه حبّاً له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سبباً لعقاب مقتنیه. (ثامنها): تشبيه آخذه بغير حقّ بالذي يأكل، ولا يشبع. انتهى. وقال الغزاليّ ◌َّتُهُ: مثَلُ المال مَثَلُ الحيّة التي فيها ترياقٌ نافعٌ، وسمّ ناقع، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة، وإن أصابها الغبيّ، فقد لقي البلاء المهلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٢٢] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١) راجع: ((الفتح)) ٢٦/١٣ - ٢٧. ٨٣ (٤١) - بَابُ النَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢٢) الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ، مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا))، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((بَرَكَاتُ الْأَرْضِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: ((لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّ بِالْخَيْرِ، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا تَأْكُلُ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، وَبَالَتْ، وَثَلَطَتْ، ثُمَّ عَادَتْ، فَأَكَلَتْ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسِّ) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الفقيه الحجة المشهور، إمام المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٤ - (َزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في «الإیمان)» ٢٥٠/٣٦. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) مولى ميمونة ﴿ُها المدنيّ، ثقةٌ فاضل عابدٌ، من صغار [٢] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. و((أبو سعيد)) ، ذُكر قبله. وقوله: (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) أي حسنها وبهجتها، وكثرة خيرها. وقوله: (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ) قال التوربشتيّ: هكذا على التأنيث، وقد روي أيضاً: ((خَضِرٌ حُلْوٌ))، والوجه فيه أن يقال: إنما أُنّث على معنى تأنيث المشبّه به، أي إن هذا المال شيء كالخَضِرة، وقيل: معناه كالبَقْلة الخَضِرة، أو يكون على معنى فائدة المال، أي إن الحياة به، أو المعيشة خَضِرة. قال الطيبيّ: ويُمكن أن يعبّر عن المال بالدنيا؛ لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَأُ﴾ الآية [الكهف: ٤٦]، ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة فيوافق حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُه: ((الدنيا حلوة خضرة، وإن الله (١) مستخلفكم))(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٢٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ (٢)، أَخْبَرَنَا(٣) إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنَّ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ(٤) مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، وَلَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ بُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا السَّائِلُ))، وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُثْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، وَبَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ، حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِم هُوَ، لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلَ - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). (١) أشار به إلى ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن أبي سعيد الخدريّ ظُه، عن النبيِ وَ ﴿ قال: ((إن الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)). (٢) وفي نسخة: ((ابن حجر السعديّ)). (٤) وفي نسخة: ((ما يفتح الله عليكم)). (٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٨٥ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢٣) رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فاضلٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (هِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيّ) هو: ابن أبي عبد الله سَنْبَر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٦. ٤ - (يَحْبَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل البصريّ، ثم الياميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس ويُرسِل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٥ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةً) هو: هلال بن عليّ بن أسامة العامريّ المدنيّ، ثقة [٥] مات سنهُ بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)» ١٢٠٤/٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: ((إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) ((ما) يَحْتَمِل أن تكون موصولة، أي من الذي أخاف عليكم، وأن تكون مصدريّة، أي من خوفي عليكم. وقوله: (مَا يُقْتَحُ عَلَيْكُمْ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: ((ما يَفْتَح الله عليكم))، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، و((ما)) تَحْتَمل الوجهين أيضاً، وهي في محل النصب؛ لأنه اسم ((إنّ)، و((مما أخاف)) خبرها مقدماً. وقوله: (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا))) أي من حسنها وبهجتها، فقوله: ((وَزِينَتِهَا)) عطف تفسير . وقوله: (فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِ) أي انتظاراً للوحي. وقوله: (وَرَأَيْنَا) من الرؤية، ولفظ البخاريّ: ((فرَأَينا))، وفي رواية الكشميهنيّ: ((فأُرِينا)) بضم الهمزة، وكسر الراء، ويُرْوَى ((فرُإينا)) بضم الراء، أي ظننا وكلُّ ما جاء من هذا اللفظ بمعنى رؤية العين فهو مفتوح الأول، وما كان من الظن والحسبان، فهو أُرِيَ، وأُرِيتُ بضم الهمزة، قاله في ((العمدة))(١). وقوله: (يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بالبناء للمجهول، يعني الوحي. (١) ((عمدة القاري)) ٣٩/٩. ٨٦ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقوله: (يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ) - بضم الراء، وفتح الحاء المهملة، والضاد المعجمة -: هو عَرَقْ يغسل الجلد لكثرته، وكثيراً ما يُستَعْمَل في عرق الْحُمَّى والمرضى، وقال الأصمعيّ: الرُّحَضاء: الْعَرَق حتى كأنه رُحِضَ جَسَدُه من العَرَق: أي غسل، ووزنه فُعَلاء - بضم الفاء، وفتح العين - وجاءت أمثلة على هذا الوزن منها الْعُدَواء: الشغل، والْعُرَواء: الرِّعْدة، والخيلاء، من الاختيال والتكبر، والصُّعَداء، من قولهم: هو يتنفس الصُّعَداء من غم، أي يصاعد نفسه، قاله في ((العمدة)). وقوله: ((إِنَّ هَذَا السَّائِلُ))) قال النوويّ ◌َخَذُهُ: هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها ((أَيْنَ))، وفي بعضها ((أَنَّى))، وفي بعضها ((أي)) وكله صحيح، فمن قال: (أنَّى))، أو ((أين)) فهما بمعنى، ومن قال: ((إنّ)) فمعناه - والله أعلم - إن هذا هو السائلُ الممدوحُ الحاذقُ الفَطِنُ، ولهذا قال: ((وكأنه حمده))، ومن قال: ((أيّ)) فمعناه أيكم، فحذف الكاف والميم، والله أعلم. انتهى كلام النووي تَخذَلُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر قول النوويّ كَّتُهُ: ((إن هذا هو السائل ... إلخ)) أن ((السائل)) مرفوع، على الخبريةٌ لـ((إنّ))، واسمها اسم الإشارة، ويَحْتَمِلُ أن يكون ((السائل)) بالنصب نعتاً لاسم الإشارة، وخبر ((إنّ)) محذوف، أي ممدوح، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ) أي وكأن النبيّ وَّ حَمِدَ السائل، وكان الناس ظَنُّوا أنه وَلِّ أنكر مسألته، فلما رأوه يَسأل عنه سُؤال راضٍ عَلِمُوا أنه حمده. وقوله: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) أي إن ما قضى الله أن يكون خيراً يكون خيراً، وما قضاه أن يكون شرّاً يكون شرّاً، وإن الذي خِفْتُ عليكم تضييعُكُم نعم الله، وصرفُكُم إياها في غير ما أمر الله، ولا يتعلق ذلك بنفس النعمة، ولا يُنسَب إليها، ثم ضَرَب لذلك مثلاً، فقال: ((وإن مما يُنبت الربيع ... )) إلخ. وقوله: (يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ) هكذا هو في هذه الرواية، فلا بدّ من تقدير ((ما)) (١) (شرح النوويّ)) ١٤٤/٧. ٨٧ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢٣) لأن قوله: ((ينبت الربيع)) فعلٌ وفاعلٌ، ولا يصلح أن يكون لفظ ((يقتُلُ)) مفعولاً إلَّا بتقدير ((ما))، وتقدّم بلفظ: ((إن كلّ ما يُنبت الربيع يقتُل حَبَطاً، أو يُلمّ))، أفاده في ((العمدة)). وقيل في توجيهه: إمّا أن تكون ((مِنْ)) في قوله: ((مما ينبت)) تبعيضيّة، وهي اسم عند بعض النحاة، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢] فأعربوا ((من الثمرات)) مفعولَ ((أخرج))، ورزقاً مفعولاً لأجله(١)، فتكون ((من)) هنا اسم ((إنّ))، و((يَقْتُل)) خبرها . ويَحْتَمِل أن كلمة ((ما)) مقدّرة، والموصول مع صلته اسم ((إنّ))، وحَذفُ الموصول، وإبقاء صلته جائز في كلام العرب، كقول حسّان ظ ◌ُه [من الطويل]: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَنْصْرُهُ سَوَاءُ إذا تقديره: ومن يمدحه إلخ(٢)، والجارّ والمجرور في قوله: ((مما يُنبت)) خبر مقدّم، والله تعالى أعلم. وقوله: ((حَبَطاً)) - بفتح الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة - وانتصابه على التمييز، وهو داءٌ يصيب الإبل، وقال ابن سِيدَهْ: هو وَجَعٌ يأخذ البعير في بطنه، من کلا یستوبله. انتھی. وقوله: ((أو يُلِمّ)) من الإلمام، أي: أو يَقْرُب ويدنو من الهلاك. وقوله: (حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا) أي امتلأت شِبَعاً، وعَظَم جَنْبَاها، والخاصرة الجنب. وقوله: (ثُمَّ رَتَعَتْ) أي رَعَتْ. وقوله: (خَضِرٌ، حُلْوٌ) - بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين - وإنما سُمّي الخضر خَضِراً؛ لحسنه، ولإشراق وجهه، والْخضر عبارة عن الحسن، وهي من أحسن الألوان، ويروى خَضِرَة بتاء التأنيث، وتقدّم توجيهه. (وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِم هُوَ ... إلخ) يقول: إن من أُعطي مالاً، وسُلِّط على هَلَكته في الحقّ، فأعطى مِنَ فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه. (١) راجع: ((همع الهوامع)) للسيوطي في النحو في باب المجرورات ٣٨٢/٢. (٢) راجع: حاشية الخضري على ابن عقيل في باب الموصول ١/ ١٠٤. ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿) شكّ من يحيى، وعند البخاريّ في ((الجهاد)) من طريق فُليح، عن هلال بلفظ: ((فجعله في سبيل الله، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل))، قاله في ((الفتح)) (١). وقوله: (وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يَحْتَمِل البقاء على ظاهره، وهو أنه يُجاء بماله يوم القيامة، فَيَنطِق الصامت منه ما فَعَل به، أو يُمَثَّل له بمثال حيوان، أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والأنفاق، وقيل: معنى قوله: ((ويكون عليه شهيداً)): أي حجةً عليه يوم القيامة، يشهد على صرفه وإسرافه، وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى، ولم يؤدِّ حقه(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٢) - (بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٤] (١٠٥٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاساً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: ((مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَغْفِفْ يُعِقَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرُهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. (١) ((الفتح)) ٣٠٤/٤ ((كتاب الزكاة)) رقم (١٤٦٥). (٢) ((عمدة القاري)) ٩/ ٤١. ٨٩ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٤) ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥ أو ١٠٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﴿هًا، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَذُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن المكثرين السبعة، كما تقدّم قريباً . شرح الحديث: (أَنَّ نَاساً مِنَ الْأَنْصَارِ) قال الحافظ وَّهُ : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) لم يتعيّن لي أسماؤهم، إلا أن النسائيّ رَوَى من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه ما يدلّ على أن أبا سعيد راوي الحديث خوطب بشيء من ذلك، ففي حديثه: سَرَّحَتني أمي إلى النبيّ وَّهِ يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته، وقعدت، فاستقبلني، فقال: ((من استغنى أغناه الله ... )) الحديث، وزاد فيه: ((ومن سأل، وله أوقيّةٌ، فقد ألحف))، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت، ولم أسأله. وتعقّبه العينيّ بأنه ليس فيه شيء يدلّ على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبيّ ◌َل ـ وعند الطبرانيّ من حديث حَكِيم بن حِزَام أنه ممن خوطب ببعض ذلك، ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ولكنّه ليس أنصاريّاً، إلا بالمعنى الأعمّ(١). (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَّةِ﴾ أي شيئاً من المال (فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ) بتكرير السؤال، والإعطاء مرّتين (حَتَّى إِذَا نَفِدَ) بكسر الفاء، وإهمال الدال، من باب تَعِبَ، نَفَاداً: أي فَنِيَ، وانقطع (مَا عِنْدَهُ) ((ما)) موصولة مفعول (نَفِدَ)) (قَالَ) بَّهِ ((مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) ((ما)) هنا شرطيّة، ولذا جُزم الفعل بعدها، وهي مبتدأ، وجوابها، وهو الخبر قوله: ((فلن أدّخره))، أي كلّ شيء، من مال، موجودٍ عندي (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدال المهملة، بعدها خاء معجمة، أي فلن أحبسه، وأخبأه، وأمنعكم إياه منفرداً به عنكم، أو لن أجعله ذخيرةً لغيركم، مُعْرِضاً عنكم. وقال في ((العمدة)): والفصيح فيه - يعني في ((أدّخره)) - إهمال الدال، وجاء بإعجامها، مُدْغَماً، وغير مدغم، لكن تقلب التاء دالاً مهملة، ففيه ثلاث لغات، ويقال: معناه لن أحبسه عنكم. انتهى(٢). (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) ((من)) هنا شرطيّة، ولذا جُزم الفعلان بعدها، و(يستعفف)) بفاءين، وكذا عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ، ووقع عند البخاريّ في رواية الحمويّ، والمستملي ((يَسْتَعِفّ)) بفاء واحدة مشدّدة. والمعنى: من يَطلُبْ من نفسه العفّة عن السؤال، قال الطيبيّ: أو يطلب العفّة من الله تعالى، فليست السين لمجرّد التأكيد، وقال الجزريّ: الاستعفاف طلب العَفَاف، والتعفّف، وهو الكفّ من الحرام، والسؤال من الناس، أي مَن طَلَب العفّة، وتكلّفها أعطاه الله إياها، وقيل: الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء، يقال: عَفّ يعِفّ عِقّةً، فهو عفيف. انتهى. (يُعِفَّهُ اللهُ) بضمّ التحتانيّة، وكسر المهملة، وتشديد الفاء المفتوحة للتخلّص من التقاء الساكنين، إذ هو مجزوم على أنه جواب الشرط، ويجوز ضم فائه إتباعاً لضم الهاء. والمعنى: يرزقه الله تعالى العفّة، أي الكفّ عن السؤال والحرام، وقال القاري: يعفّه الله: أي يجعله عفيفاً، من الإعفاف، وهو إعطاء العفّة، وهي (١) راجع: ((الفتح)) ٩٨/٤. (٢) ((عمدة القاري)) ٤٩/٩. ٩١ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَقُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٤) الحفظ عن المناهي، يعني أن مَن قنع بأدنى قوت، وترك السؤال تَسهُل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى. انتهى. وقال ابن التين: معناه إما أن يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال، وإما أن يرزقه القناعة. انتهى(١). وقال القرطبيّ: ((ومن يستعفف)) أي عن السؤال للخلق، ((يُعفّه الله)) أي یُجازه على استعفافه بصيانة وجهه، ورفع فاقته. انتهى(٢). (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ) أي من يَستغن بالله تعالى عمن سواه، أو يُظهِر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفّف عن السؤال، حتى يحبسه الجاهل بحاله غنيّاً من التعفّف، يرزقه الله غنى القلب، كما في الحديث الماضي: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النفس))، ولو حُمل على غنى المال لما بَعُد، أي يعطيه الله تعالى ما يُغنيه عن سؤال الناس، والله تعالى أعلم. (وَمَنْ يَصْبِرْ) ((من)) شرطيّة أيضاً كسابقتها، و((يصبر)) بفتح الياء، وكسر الباء ثلاثيّاً، من باب ضرب، وفي رواية: ((يتصبّر)) بفتح الفوقيّة، وتشديد الموحّدة المفتوحة: أي يعالج الصبر على ضيق العيش وغيره، من مكاره الدنيا . وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: ((ومن يتصبّر)) أي يستعمل الصبر، ((يُصبّره)) أي يقوّه، ويُمكّنه من نفسه حتى تنقاد له، وتُذعن لتحمّل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه، فيُظفّره بمطلوبه، ويوصله إلى مرغوبه. انتهى(٣). وقال السنديّ: أي يتكلّف في تحمّل مشاقّ الصبر، وفي التعبير بباب التكلّف إشارة إلى أنّ مَلَكَة الصبر تحتاج في الحصول إلى الاعتبار، وتحمّل المشاقّ من الإنسان. وقال القاري: أي يَظْلُب توفيق الصبر من الله تعالى؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، أو يأمر نفسه بالصبر، ويتكلّف في (١) راجع: ((المرعاة)) ٢٦٢/٦. (٣) («المفهم)» ٩٩/٣. (٢) («المفهم)) ٣/ ٩٩. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة التحمّل عن مشاقّه، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة، والمعصية، والبليّة، أو من يتصبّر عن السؤال، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرّع مرارة ذلك، ولا يشكو حاله لغير ربّه (يُصَبِّرْهُ اللهُ) - بضمّ أوّله، وتشديد الموحّدة المكسورة - من التصبير: أي يُسَهِّل عليه الصبر، فتكون الجمل مؤكّدات، ويؤيّد إرادة معنى العموم قوله: ((وما أعطي أحد إلخ))، وقال الباجيّ: معناه من يتصدّ للصبر، ويؤثره يعينه الله تعالى عليه، ويوفّقه. انتھی . (وَمَا أُعْطِيَ) ((ما)) هنا نافية، والفعل مبنيّ للمفعول، و(أَحَدٌ) نائب فاعله، وهو المفعول الأول (مِنْ عَطَاءٍ) ((من)) زائدة، و((عطاء)) هو المفعول الثاني، وقوله: (خَيْرٌ) هكذا هو في جميع نسخ ((صحيح مسلم)) بالرفع، وهو صحيح، وتقديره: هو خير، كما هو عند النسائيّ: ولفظه: ((وما أُعطي أحد عطاءً، هو خير ... إلخ))، أي أفضل، والجملة في محلّ نصب صفة لـ((عطاء))، وفي رواية البخاريّ ((خيراً)) بالنصب، وإسقاط لفظ ((هو))، فيكون صفة لـ((عطاءً)) أيضاً. وقوله: (وَأَوْسَعُ) بالرفع عطفاً على ((خيرٌ))، وقوله: (مِنَ الصَّبْرِ) تنازعاه ((خير))، و((أوسع))، ثم إن الكلام على تقدير ((مِنْ)): أي الصبرُ من أفضل ما يعطاه أحد، وأوسعه؛ لأن الإيمان أفضل الجميع، حيث إنه لا اعتداد بالصبر وغيره إلا بالإيمان، أو يقدّر ((هو خير، وأوسع بعد الإيمان))، والله تعالى أعلم. قال الطيبيّ كَّلُهُ: يريد أن من طلب من نفسه العفّة عن السؤال، ولم يُظهر الاستغناء يعفّه الله، أي يصيّره عفيفاً، ومن ترقّى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى، من إظهار الاستغناء عن الخلق، لكن إذا أُعطي شيئاً لم يردّه، يملأ الله تعالى قلبه غنى، ومن فاز بالقَدَح المعَلَّى، وتصبّر، ولم يسأل، وإن أُعطي لم يقبل، فهذا هو الصبر الجامع لمكارم الأخلاق. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((وإن أُعطِي لم يقبل)) فيه نظر؛ إذ فيه مخالفة أمر النبيّ وَله بقوله: ((ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، (١) ((شرح الزرقاني على الموطأ» ٤٢٢/٤. ٩٣ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَقُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٤) ولا سائل، فخذه، فتموّله، وتصدّق به))، فكيف يكون من ردّ ما أُمر بأخذه أعلى مرتبة؟، هذا غريب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال ابن الجوزيّ تَخْذَلُ: إنما جُعل الصبر خيرَ العطاء؛ لأنه حَبْسُ النفس عن فعل ما تحبّه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل مما لو فعله، أو تركه لتأذّى به في الآجل. وقال القاريّ تَخْتُهُ: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قُدّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ومعنى كونه أوسع أنه تتّسع به المعارف، والمشاهد، والأعمال، والمقاصد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفق عليه . أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢٤/٤٢ و٢٤٢٥] (١٠٥٣) وسيعيده في ((كتاب الزهد والرقائق)) (١٠٥٣)، (والبخاريّ) في (الزكاة)) (١٤٦٩) و((الرقاق)) (٦٤٧٠)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦٤٤)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (٢٠٢٤)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٨٨) وفي ((الكبرى)) (٢٣٦٩)، و(مالك) في ((الموطّأ)) (١٨٨٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٠١٤)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٢/٣ و٤٧ و٩٣)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٩٣/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٨٧/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٤٠٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣١/٩)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٥٠٥/٢)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١١٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٦١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) راجع: ((المرعاة)) ٢٦٢/٦ - ٢٦٣. ٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ١ - (منها): بيان فضل الاستعفاف عن مسألة الناس أموالَهُم. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َلو من السخاء والجود والكرم وإنفاذ أمر الله تعالى، حيث قال له: ﴿وَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ ( [الضحى: ١٠]. وقال ابن عبد البرّ كَخَّلهُ: وفي هذا الحديث ما كان عليه رسول الله ولايهم من السخاء، والكرم، هذا إن كان عطاؤه ذلك من سهم ما أفاء الله عليه، وإن يكن من مال الله فحسبك ما عليه من إنفاذ أمر الله، وإيثار طاعته، وقسمة مال الله بين عباده، وقد فاز من اقتدى به فوزاً عظيماً. انتهى(١). ٣ - (ومنها): إعطاء السائل مرّتين. ٤ - (ومنها): الاعتذار إلى السائل. ٥ - (ومنها): الحضّ على التعفّف. ٦ - (ومنها): جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه، والصبر على الفاقة حتى يرزقه الله تعالى بغير مسألة. ٧ - (ومنها): الحضّ على الصبر، على ضيق العيش وغيره، من مكاره الدنيا، وأنه أفضل ما يُعطاه المرءُ؛ لكون الجزاء عليه غير مقدّر، ولا محدود، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ٨ - (ومنها): بيان أن الاستغناء، والعفّة، والصبر بفعل الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. (١) ((التمهيد لابن عبد البر)) ١٣٢/١٠ - ١٣٣. ٩٥ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٦) ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، تغيّر بآخره، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. و((الزهريّ)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه)) (١١/ ٩٢) فقال: (٢٠٠١٤) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: جاء ناس من الأنصار، فسألوا رسول الله ور، فأعطاهم، قال: فجعل لا يسأله أحد منهم إلا أعطاه، حتى نَفِدَ ما عنده، ثم قال لهم حين أنفق كل شيء عنده: ((ما يكن عندنا من خير، فلن نَدَّخِره عنكم، وإنه من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ولن تعطوا عطاءً خيراً وأوسع من الصبر)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٦] (١٠٥٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدٍ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ، وَهُوَ ابْنُ شَرِيكِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله قَالَ: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ) عبد الله بن يزيد المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ فاضل، أقرأ القرآن نيّفاً وسبعين سنةً [٩] (ت٢١٣) وقد قارب المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤. ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤. ٤ - (شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيِكٍ) ويقال: شُرَحبيل بن عمرو بن شريك المعافريّ، أبو محمد المصريّ، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن أبي عبد الرحمن الْحُبلّي، وعبد الرحمن بن رافع التَّنُوخِيّ، وعُليّ بن رَبَاح، والنعمان بن عامر. ورَوى عنه حَيْوَة بن شُريح، وسعيد بن أبي أيوب، وأبو هانئ الخولانيّ، والليث، وابن لَهِيعة. قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو الفتح الأزديّ: شُرحبيل بن شَرِيك ضعيف، وقال ابن يونس: شُرَحبيل بن عمرو بن شَرِيك. [تنبيه]: سمّى أبو داود في روايته شُرحبيل هذا بشُرَحبيل بن يزيد، قاله في حديثه عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً: ((ما أُبالي ما أتيتُ إن أنا شَرِبتُ تِرْيَاقاً ... )) الحديث، قاله أبو داود، عن عبيد الله القواريريّ، عن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عنه، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وغير واحد عن المقرئ، فقالوا: شُرحبيل بن شَريك على الصواب. قال الحافظ تَّتُهُ: أخشى أن يكون شرحبيل بن يزيد تصحيفاً من شَراحيل بن يزيد؛ لأنه أيضاً معافريّ، ويَروِي عن عبد الرحمن بن رافع وغيره، ويروي عنه سعيد بن أبي أيوب وغيره، ومن الجائز أن يكون الحديث عندهما جميعاً، فأما شُرحبيل بن يزيد، فإن كان محفوظاً فلا يُدْرَى من هو؟. انتهى (١). أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠٥٤)، وحديث (١٤٦٧): ((الدنيا متاع، وخير متاعها الدنيا المرأة الصالحة))، و(١٨٨٣): ((غدوة في سبيل الله، أو رَوْحة خير مما طلعت عليه الشمس، وغربت)). (١) (تهذيب التهذيب)) ٢٨٤/٤. ٩٧ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٦) ٥ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) - بضم المهملة، والموحّدة _(١) عبد الله بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (بخ م ٤). رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عُمَر، وعقبة بن عامر، وأبي ذرّ، وفَضَالة بن عُبيد، وعُمارة بن شَبيب، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو هانئ حميد بن هانئ، وشُرَحبيل بن شَريك، وعقبة بن مسلم، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، وربيعة بن سيف، ويزيد بن عَمْرو الْمَعَافري، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال ابن يونس: يقال: تُوُفّي بإفريقية سنة مائة، وكان صالِحاً فاضلاً، وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة، وقال ابن خلفون: يقال: إنه تُؤُنّي بقرطبة، وقال أبو بكر المالكي في ((تاريخ القيروان)): بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية؛ لِيُفَقِّههم، فَبَثَّ فيها علماً كثيراً، ومات بها، ودُفِن بباب تونس. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿هَا، مات ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من سعيد بن أبي أيوب. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿هَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((قَدْ (١) قال النوويّ كَّلُ في ((شرحه)) (١٤٥/٧): هو منسوب إلى بنى الْحُبُل، والمشهور في استعمال المحدثين ضم الباء منه، والمشهور عند أهل العربية فتحها، ومنهم من سگّنها . انتهى. ٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة أَفْلَحَ) أي فاز بالبغية (مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً) - بفتح الكاف، وتخفيف الفاء ـ: هو الكفاية بلا زيادة ولا نقص، أي رزقه الله تعالى ما يَكُفّ من الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يُلْحِقه بأهل التَّرَقُّهات (وَقَنَّعَهُ) بتشديد النون (اللهُ بِمَا آتَاهُ) بمد الهمزة: أي جعله قانعاً بما أعطاه إياه، ولم يطلب الزيادة؛ لمعرفته بأن رزقه مقسوم، لن يَعْدُو ما قُدِّر له. قال الطيبيّ تَُّهُ: الفلاح الفوز بالبغية في الدارين، والحديث قد جَمَعَ بينهما، والمراد بالرزق الحلال منه، فإن النبيّ وَّ مَدَح المرزوق، وأثبت له الفلاح، وذكر أمرين، وقيد الثاني بـ((قَنَّعَهُ))، أي رُزِق كفافاً، وقَتَّعه الله بالكفاف، فلم يطلب الزيادة، وأطلق الأول؛ ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام، كما قال الله تعالى لإبراهيم عليَّ: ﴿أَسْلِمٌّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. قال الراغب تَخّْثهُ: والإسلام على ضربين: [أحدهما]: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقَن الدم، حَصَلَ معه الاعتقاد، أو لم يَحْصُل. [والثاني]: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله تعالى في جميع ما قَضَى وقدَّرَ، كما ذكره عن إبراهيم عليّ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ، أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ١٣١ [البقرة: ١٣١]، والحديث كما ترى جامع للحسنيين، حاوٍ لنعمة الدارين، فحقيقٌ بأن يقال: إنه من جوامع الكلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حتها هذا من أفراد المصنّف نَظَلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٧٩/١٠ - ٣٢٨٠. ٩٩ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَقُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٧) أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢٦/٤٢] (١٠٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٨/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٣٧/٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٨/٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٣٦/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل القناعة، والحثّ عليها. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذه الأوصاف، وقد يُحْتَجّ به لمذهب من يقول: الْكَفَاف أفضل من الفقر ومن الغنى، قاله النوويّ رَُّهُ. ٣ - (ومنها): أن من اتّصف بهذه الأمور، فقد حصل على مطلوبه، وظَفِرَ بمرغوبه في الدنيا والآخرة. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث من جوامع كلمه وَلّر، كما تقدّم عن الطيبيّ تَخْثُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٧] (١٠٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتً)). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) ذُكر قبله. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ الکوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاحِ الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٥ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٢٩٧. ٦ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة(١)، رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٨ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزْوَان(٢) بن جرير الضَّبّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٥/٧٨. ٩ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضّبّيّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٨/١. ١٠ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، اسمه هَرِم، أو عمرو، أو غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١. ١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء، كما أوضحناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأما شيخه أبو سعيد، فإنه من المشايخ التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى عمرو وزهير، فبغداديّان، وأبي هريرة ◌َالله، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظبه أحفظ من روى الحديث في دهره. (١) قال في ((التقريب)): صدوق، والحقّ أنه ثقةٌ، فقد وثّقه الأئمة، كما في ((تهذيب التهذیب)). (٢) بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي.