Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٣)
نُطفاً منه وتفضّلاً. انتهى(١).
(قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: ما يتصدّق به، وفي رواية البخاريّ:
((قالوا: يا نبيّ الله، فمن لم يجد))، قال في ((الفتح)): كأنهم فَهِمُوا من لفظ
الصدقة العطيّة، فسألوا عمن ليس عنده شيء من المال، فبيّن لهم أن المراد
بالصدقة ما هو أعمّ من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، وهل
تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوّع التي تُحْسَب يوم القيامة من الفرض الذي
أخلّ به؟ فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها؛ لما تبيّن من حديث عائشة
الماضي أنها شُرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث:
((فإنه يُمسي يومئذ، وقد زَحْزَح نفسه عن النار)). انتهى (٢).
(قَالَ) وَلِ ((يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ) افتعال من العمل، للمبالغة، وفي رواية
البخاريّ: ((فيعمل)) (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) أي: بما يكتسبه من صناعة، وتجارة،
ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته، ويستغني بذلك عن ذل السؤال لغيره
(وَيَتَصَدَّقُ))) أي: ينفع غيره بإعطاء الصدقة، ويكتسب الأجر.
قال القسطلانيّ: وقوله: ((فيعتملُ، فينفعُ، ويتصدّقُ)) برفع الثلاثة خبر
بمعنى الأمر، قاله ابن مالك.
(قَالَ) أبو موسى ◌َظُبه (قِيلَ) أي: قال قائل للنبيّ بَّه، ولا يُعرف من
هو؟ (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟) أي: الاعتمال بيديه (قَالَ) وَهـ
(يُعِينُ) أي: بالفعل، أو بالقول، أو بهما (ذَا الْحَاجَةِ) أي: صاحب الاحتياج
إلى المعونة (الْمَلْهُوفَ))) بالنصب نعت ل((ذا الملهوف)). أي: المستغيثَ، وهو
أعمّ من أن يكون مظلوماً، أو عاجزاً، قاله في ((الفتح)).
وقال النوويّ كَُّهُ: الملهوف عند أهل اللغة يُطلق على المتحسّر، وعلى
المضطرّ، وعلى المظلوم، وقولهم: يا لَهْفَ نفسي على كذا كلمة يُتحسّر بها
على ما فات، ويقال: لَهِفَ - بكسر الهاء - يَلْهَفُ - بفتحها - لَهْفاً - بإسكانها -:
أي: حَزِن، وتحسّر، وكذلك التلهّف. انتهى(٣).
(١) ((المفهم)) ٥٤/٣.
(٣) شرح مسلم ٧/ ٩٥ - ٩٦.
(٢) راجع: الفتح ٦٣/٤.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقال القرطبيّ تَظّلهُ: ((ذو الحاجة الملهوف)) أي: صاحب الحاجة
المضطرّ إليها الذي قد شغله همّه بحاجته عن كلّ ما سواها، ولا شكّ في أن
قضاء حاجة من كانت هذه حاله يتعدّد فيها الأجر، ويكفُر بحسب ما كَشَفَ من
کربة صاحبها .
قال: ومقصود هذه الأحاديث الترغيبُ في أعمال البرّ والخير بطريق
إظهار وجه الاستحقاق واللطف، والحمد لله. انتهى(١).
(قَالَ) أبو موسى رَبُهُ (قِيلَ لَهُ) أي: للنبيّ وَّهِ (أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟) ما
ذُكر من إعانة ذي الحاجة (قَالَ) وَّرِ ((يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ) (أَوِ) للشكّ (الْخَيْرِ)))
يَشْمَلُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإفادة العلميّة، والإفادة العمليّة،
والنصيحة العمليّة، وللبخاريّ: ((فليعمل بالمعروف)) (قَالَ) الراوي (أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ
يَفْعَلْ؟) أي: لم يتيسّر له ذلك (قَالَ) وَِّ ((يُمْسِلُكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ))) وفي
نسخة: ((فإنها له صدقةٌ))، قال في ((الفتح)): كذا وقع بضمير المؤنّث، وهو
باعتبار الخصلة من الخير، وهو الإمساك، ووقع في رواية ((الأدب)): ((فإنه))
أي: الإمساك ((له)) أي: للممسك.
وقال النوويّ كَُّهُ: قوله: ((تمسك عن الشرّ، فإنها صدقةٌ)) معناه: صدقةٌ
على نفسه، كما في غير هذه الرواية، والمراد أنه إذا أمسك عن الشرّ الله تعالى
كان له أجرٌ على ذلك كما أن للمتصدّق بالمال أجراً. انتهى(٢).
وقال الزين ابن المنيّر: إنما يَحْصُل ذلك للممسك عن الشرّ، إذا نوى
بالإمساك القربة، بخلاف محض الترك، والإمساك أعمّ من أن يكون عن غيره،
فكأنه تصدّق عليه بالسلامة منه، فإن كان شرّه لا يتعدّى نفسه، فقد تصدّق على
نفسه بأن منعها من الإثم، قال: وليس ما تضمّنه الخبر من قوله: ((فإن لم يجد)»
ترتيباً، وإنما هو للإيضاح لما يفعله مَنْ عجز عن خصلة من الخصال المذكورة،
فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده، فيتصدّق، وأن يُغيث
الملهوف، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشرّ، فليفعل
الجميع.
(١) ((المفهم)) ٥٤/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩٤/٧.

٣٤٣
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٣)
ومحصّل ما ذُكر في حديث الباب أنه لا بدّ من الشفقة على خلق الله
تعالى، وهي إما بالمال، أو غيره، والمال إما حاصلٌ، أو مكتسبٌ، وغير
المال إما فعلٌ، وهو الإغاثة، وإما تردٌ، وهو الإمساك.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة تَظُّهُ: ترتيب هذا الحديث أنه نَدَبَ
إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرُب منها، أو يقوم مقامها، وهو
العمل، والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه، وهو
الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف؛ أي: مِن سوى ما تقدّم
كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فإن لم يُطِق، فترك الشرّ،
وذلك آخر المراتب، قال: ومعنى الشرّ هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز
عن فعل المندوبات، إذا كان عجزه عن ذلك من غير اختيار. انتهى.
قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ عند
مسلم: ((ويُجزىء عن ذلك كلّه ركعتا الضّحى))، وهو يؤيّد ما قدّمناه أن هذه
الصدقة لا يكمّل منها ما يختلّ من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمّل بالصلاة، ولا
العكس، فدلّ على افتراق الصدقتين.
واستُشْكِل الحديث مع تقدّم ذكر الأمر بالمعروف، وهو من فروض
الكفاية، فكيف تجزىء عنه صلاة الضّحى، وهي من التطوّعات؟.
وأجيب بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره، فسقط به الفرض،
وكأن في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضّحى.
قال الحافظ: كذا قيل. وفيه نظرٌ، والذي يظهر أن المراد أن صلاة
الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستّين حسنةً التي يُستحبّ للمرء أن يسعى في
تحصيلها كلّ يوم؛ لِيُعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أنّ المراد أن صلاة
الضحى تغني عن الأمر بالمعروف، وما ذُكر معه، وإنما كان كذلك؛ لأن
الصلاة عملٌ بجميع الجسد، فتتحرّك المفاصل كلّها فيها بالعبادة.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لكون الركعتين تشتملان على ثلاثمائة وستين ما
بين قول وفعل، إذا جعلت كلّ حرف من القراءة مثلاً صدقةً، وكأنّ صلاة
الضحى خُصّت بالذكر؛ لكونها أوّل تطوّعات النهار بعد الفرض، وراتبته، وقد
أشار في حديث أبي ذرّ إلى أن صدقة السُّلامَى نهاريّة؛ لقوله: ((يصبح على كلّ

٣٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
سُلامَى من أحدكم))، وفي حديث أبي هريرة: ((كلّ يوم تطلع فيه الشمس))، وفي
حديث عائشة طيًا: ((فيمسي، وقد زحزح نفسه عن النار)). انتهى كلام
الحافظ تَّتُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٣/١٦] (١٠٠٨)، و(البخاريّ) في ((الزكاة))
(١٤٤٥)، و((الأدب)) (٦٠٢٢)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٣٨)، وفي
((الكبرى)) (٢٣١٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٦٧/١)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٦/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٥/٤ و٤١١)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٤٧)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٠٢/٨)، و(عبد بن
حُميد) في («مسنده)) (١٩٧/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٧/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٨/٤ و٩٤/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أنواع الصدقة لا يُقتصر فيها على الأموال فقط، بل
كلّ ما كان فيه نفعٌ يُعَدّ صدقة.
٢ - (ومنها): أن الأحكام تجري على الغالب؛ لأن في المسلمين من
يأخذ الصدقة المأمور بصرفها، وقد قال: ((على كلّ مسلم صدقة)).
٣ - (ومنها): أن فيه مراجعة العالم في تفسير المجمل، وتخصيص العامّ.
٤ - (ومنها): أن فيه فضل التكسب؛ لما فيه من الإعانة.
٥ - (ومنها): أن فيه التنبيه على العمل، والتكسّب؛ ليجد المرء ما ينفق
على نفسه، ويتصدّق به، ويُغنيه عن ذلّ السؤال.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٤/٤.

٣٤٥
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٤)
٦ - (ومنها): أنّ فيه الحثَّ على فعل الخير، مهما أمكن، وأنّ من قصد
شيئاً منها، فتعسّر عليه، انتقل إلى غيره، مما يسهل عليه.
٧ - (ومنها): أن فيه تقديم النفس على الغير في الإحسان، والمراد
بالنفس ذات الشخص، وما يلزمه.
٨ - (ومنها): بيان جواز صدقة العبد؛ لقوله: ((على كلّ مسلم صدقة))،
ووجه ذلك أن العبد داخلٌ في عموم ((كلّ مسلم))، فهو مأمور بأن يتصدّق، كما
أُمر غيره من عموم المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩]
(ت١٩٨) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨.
و (شعبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه ساقها الإمام
أحمد نَخْذَتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(١٩٠٣٧) - حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة،
عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله وَّ﴿ قال: ((على كل مسلم صدقةٌ))، قال:
أفرأيت إن لم يجد؟ قال: ((يعمل بيده، فينفع نفسه، ويتصدق))، قال: أفرأيت
إن لم يستطع أن يفعل؟ قال: ((يُعِين ذا الحاجة الملهوفَ))، قال: أرأيت إن لم
يفعل؟ قال: ((يأمر بالخير، أو بالعدل))، قال: أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل؟
قال: ((يُمسك عن الشرّ، فإنه له صدقة)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٣٥] (١٠٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ
هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبٍِّ، قَالَ: هَذَا مَا خَّدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
رَسُوَّلِ اللهِنَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيَثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((كُلُّ سُلَامَى مِنَ
النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، قَالَ: تَعْدِلُ(١) بَيْنَ الِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ،
وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَّحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ:
وَالْكَلِمَةُ الطََِّّةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام) الصنعانيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنٍِّ) تقدّم قريباً أيضاً.
٥ - (أَبُو هُرَيْرة) ◌َبه، تقدّم قريباً أيضاً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن
ماجه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالیمنیین، سوی شيخه، فنیسابوريّ، وقد دخل
اليمن.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره.
(١) وفي نسخة: ((يعدل)) بالياء، وكذا الأفعال الباقية.

٣٤٧
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٥)
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كُلُّ سُلَامَى) مبتدأ
أول خبره جملة ((عليه صدقة))، وهو - بضم السين المهملة، وتخفيف اللام،
وفتح الميم، مقصوراً -: جمع سُلامية، وقيل: واحده وجمعه سواءٌ، ويُجْمَع
على سُلامَيَات، واختُلِف في معناها، فقيل السُّلامية الأَنْمَلة من أنامل الأصابع،
وقيل: السُّلامَى كلُّ عظم مُجَوَّف من صغار العظام، وقال أبو عبيد: هو عظم
يكون في فِرْسِن البعير.
قال في ((الطرح)): والصواب أن السُّلامَى هي المفاصل، وأنها ثلاثمائة
وستون مَفْصِلاً، كما ثبت ذلك مبيناً في ((صحيح مسلم)) من حديث عائشة رشّ
أن النبيّ وَّ قال: ((إنه خُلِقَ كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة
مفصل ... )) الحديث المذكور قبل حديث. انتهى(١)، وقد مرّ البحث فيه قريباً.
وقوله: (مِنَ النَّاسِ) أي: من كلّ واحد منهم، وهو متعلّق بصفة
((سُلامى)) (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) جملة من مبتدأ وخبر خبرٌ للمبتدأ الأول، والراجع إلى
المبتدأ الضمير المجرور في الخبر.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عليه)) مُشكِلٌ، قال ابن مالك تَظُّ: المعهود
في ((كُلّ)) إذا أضيفت إلى نكرة، من خبر، وتمييز، وغيرهما، أن تجيء على
وفق المضاف، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٥]،
وقوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: ٤]، وهنا جاء على وفق ((كلّ))
في قوله: ((كلُّ سلامى عليه صدقة))، وكان القياس أن يقول: عليها صدقة؛ لأن
السُّلامَى مؤنثة، لكن دلّ مجيئها في هذا الحديث على الجواز، ويَحْتَمِل أن
يكون ضَمَّنَ ((السُّلامَى)) معنى العظم، أو الْمَفْصِل، فأعاد الضمير عليه كذلك.
والمعنى: على كل مسلم مكلّف بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله
تعالى على سبيل الشكر له، بأن جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض
(١) ((طرح التثريب)) ٢/ ٢٦٧.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
والبسط، وخُصَّت بالذكر؛ لما في التصرف بها من دقائق الصنائع التي اختص
بها الآدمي.
وقال في ((الطرح)): معنى هذا الحديث أن كل عظم، أو مَفْصِل من ابن
آدم عليه صدقةٌ، وإذا كان كذلك، فظاهر التعبير بقوله: ((عليه)» أن ذلك من
الواجبات؛ لأن السنن لا توصف بأنها على المكلف.
والجواب أن هذا قد يُظْلَق في الفعل المتأكد، وإن لم يكن واجباً،
كقوله وديجر: ((للمسلم على المسلم ستُّ خصال، يسلم عليه إذا لقيه ... ))
الحديث، ومعلوم أن البداءة بالسلام سنةٌ، وإنما لم يُجعَل مجموع هذه الخصال
واجبةً، وإن كان بعضها من فروض الكفايات؛ لما ورد في ((صحيح مسلم)) من
حديث أبي ذرّ رُْ مرفوعاً: ((يصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل
تسبيحة صدقةٌ ... ))، فذكر الحديث، وقال في آخره: ((ويُجزىء من ذلك
ركعتان يركعهما من الضحى))، ومعلوم أن النوافل لا تُجزي عن الواجبات، مع
الاتفاق على عدم وجوب صلاة الضحى على عموم الناس، والله أعلم.
على أنه يمكن أن تؤول هذه الأفعال المذكورة في الباب على الوجوب،
كما سيأتي. انتهى (١).
(كُلِّ يَوْم) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ(صدقةٌ))، وقوله: (تَطْلُعُ فِيهِ
الشَّمْسُ) جملةً في محلّ جرّ صفة ل((يوم))، وهي صفة تخصّص اليوم عن مطلق
الوقت بمعنى النهار، وقال السنديّ وصف اليوم بذلك؛ لإفادة التنصيص، كما
قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآَبَّةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بَنَاحَّيْهِ﴾ الآية
[الأنعام: ٣٨].
والحاصل أن الشيء إذا وُصف بوصف يعمّ جميع أفراده يصير نصّاً في
التعميم. انتهى (٢)
(قَالَ) وَلِّ (تَعْدِلُ) وفي بعض النسخ ((يعدل)) بالياء التحتانيّة، وكذا باقي
الأفعال؛ أي: تصلح (بَيْنَ الِاثْنَيْنِ) متحاكمين، أو متخاصمين، أو متهاجرين
(صَدَقَةٌ) أي: أجره كأجر الصدقة، وقال الطيبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((تعدل إلخ)) أي:
(١) ((طرح التثريب)) ٢٦٨/٢.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٣٣١/٦.

٣٤٩
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٥)
تُصلح بين المتخاصمين، وتدفع ظلم الظالم، وهو مبتدأ خبره ((صدقةٌ)) على
تأويل ((أن تعدل))، فحُذف ((أن)) فارتفع الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ
ءَيَئِ يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ونحو: ((تَسْمَعُ بالمعيديّ خيرٌ من أن
تراه))، ويؤيّده عطف قوله: ((والكلمة الطيّبة صدقةٌ)) عليه، وكذا: ((وكلُّ خطوة
إلخ)(١).
وقال في ((الطرح)): قوله: ((تَعْدِل بين اثنين)) يَحْتَمِل أن يراد به العدل في
الأحكام من القضاة والأمراء، ويَحْتَمِل أن يراد به الإصلاح بين الناس، وإن
كان من غير من له ولاية على ذلك، ولا تسليط، وهو الظاهر؛ لأن عدل
القضاة والأمراء واجب لا تطوُّع، وقد أدخله البخاريّ في ((صحيحه)) في (باب
الإصلاح بين الناس))، وإن أريد حمله على الواجب حقيقةً، فيُحْمَل على عدل
الحكام. انتهى.
(وَتُعِينُ الرَّجُلَ) أي: تساعده (فِي دَابَّتِهِ) أي: دابّة الرجل، أو دابّة المعين
(فَتَحْمِلُهُ) بفتح حرف المضارعة، وسكون السين المهملة، وكسر الميم؛ أي:
تحمل الرجل (عَلَيْهَا) أي: على الدابة بأن تعينه في الركوب، أو تَحْمِله كما
هو، وقوله: (أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) ((أو)) هنا للتنويع، وذكر في ((الفتح))
احتمال كونها للشكّ، والأول هو الظاهر، والله تعالى أعلم (صَدَقَةٌ) أي: له
أجر الصدقة بالمال.
وقال في ((الطرح)): قوله: ((وتعين الرجل في دابته، تحمله عليها)) هو أن
تُرْكِب العاجز عن الركوب على دابته، وهكذا أن تَحْمِل معه على دابته متاعه،
ويَوَّب عليه البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب فضل من حَمَلَ متاعٍ صاحبه في
السفر))، ويمكن أن يُجعل على الوجوب في المكاري، فإنه يجب عليه إركاب
الشيخ؛ لعجزه عن الركوب وحده، ويجب عليه إبراك الجمل للمرأة؛ لعجزها
أو المشقة عليها في ركوب البعير قائماً، والله أعلم. انتهى.
(قَالَ) وَهِ (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) يَحْتَمِل أن يراد بها المخاطبة للناس،
كأن يجيب السائل بكلمة طيبة من غير إفحاش، ونحو ذلك، وهو الظاهر، كما
(١) راجع: ((الكاشف)) ١٥٤٥/٥.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال في حديث آخر: ((تَبَسُّمُك في وجه أخيك صدقة))، وفي حديث آخر: ((ولو
أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه))، ويَحْتَمِل أن يراد بها الكلمة من الأذكار،
كالتهليل، والتسبيح، والتحميد، كما هو مصرح به في حديث عائشة
المتقدم في ذكر السُّلامَى: ((فمن كبّر الله، وحمد الله، وهلل الله،
وسبح الله ... )) الحديث، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤] أن المراد ((لا إله إلا الله))، وكذا قيل في قوله
تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الَّيْبُ﴾ الآية [فاطر: ١٠]. انتهى(١).
(وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا) ((الخَطْوَة) بفتح الخاء المعجمة: المرّة الواحدة من
الْخَطْوِ، وهو المشيُّ، مثل ضَرْب وضرَبة، والْخُطوة بالضمّ: ما بين الرجلين،
وجمع المفتوح خَطَوَاتٌ على لفظه، مثلُ شَهْوة وشَهَوَات، وجمع المضموم
خُطَى، وخُطُوَات، مثلُ غُرَفٍ وغُرُفات في وجوهها(٢).
وقال في ((الطرح)): في قوله: ((كلُّ خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ)) ما
يقتضي أن ثواب الْخُطَا إنما هو الذهاب إلى المسجد دون الرجوع، وهو
مُحْتَمِل، لكن قد ورد التصريح في مسند أحمد بقوله: ((ذاهباً وراجعاً))، قال:
وإن حملناه على الوجوب فيُمْكِن أن يُحْمَل على السعي الواجب، كالسعي
للجمعة، إلا أنه يَرُدُّه قوله: ((كل يوم تطلع الشمس))، فإنما يجب السعي مرة في
الجمعة، نعم يُحْمَل على قول من أوجب الجماعة في كل صلاة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في أبواب الجماعة أن الصحيح قول
من أوجب صلاة الجماعة على الرجال البالغين دون عذر، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(إِلَى الصَّلَاةِ) يَحْتَمِل أن تكون الألف واللام للعهد، وهو الظاهر، فيكون
المراد منه الصلوات المكتوبة، ويَحْتَمِل أن تكون للجنس، وعليه يدخل فيه كل
صلاة يُشْرَع المشي إليها، كالعيد، والجنازة، واستبعد هذا الاحتمال في
((الطرح))(٣). (صَدَقَةٌ) أي: أجر صدقة المال.
(١) ((طرح التثريب)) ٢٦٨/٢.
(٣) راجع: ((طرح التثريب)) ٢٦٨/٢.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٧٤/١.

٣٥١
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٥)
(وَتُمِيطُ) بضمّ أوله، من الإماطة، والإزالة، والتنحية، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ:
ماط مَيْطاً، من باب باع: تباعد، ويتعدّى بالهمزة، والحرف، فيقال: أماطه
غيرُهُ إماطةً، ومنه إماطة الأذى عن الطريق، وهي التنحية؛ لأنها إبعاد، وماط
به مثلُ ذَهَبَ به، وأذهبته، وذهبتُ به، ومنهم من يقول: الثلاثيّ والرباعيّ
يُستعمَلان لازمين، ومتعدّيين، وأنكره الأصمعيّ، وقال: الكلام ما تقدّم.
انتھی(١).
(الْأَذَى) بفتحتين مقصوراً؛ أي: كلَّ ما يؤذي المارّة (عَنِ الطَّرِيقِ) متعلّق
بـ«تُميط)) (صَدَقَةٌ))) أي: له أجر صدقة.
والمعنى: أن إزالة كلّ ما يؤذي المارّة، من نحو شوك، أو عظم، أو
حجر، وكذا قطع الأحجار من الأماكن الْوَعْرَة، كما يُفْعَل في طريق، وكذا
كنس الطريق من التراب الذي يتأذى به المارُّ، ورَدْمُ ما فيه من حُفْرة، أو
وهَدَّة، وقطع شجرة تكون في الطريق له أجر صدقة المال.
وفي معنى ما ذُكر توسيعُ الطرق التي تضيق على المارة، وإقامة مَن يبيع،
أو يشتري في وسط الطرق العامّة، كمحل السعي بين الصفا والمروة، ونحو
ذلك، فكله من باب إماطة الأذى عن الطريق.
ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب، كالبئر التي في وسط الطريق التي
يُخْشَى أن يسقط فيها الأعمى، والصغير، والدابة، فإنه يجب طَمُّها، أو
التحويط عليها، إن لم يضر ذلك بالمارّة، قاله في ((الطرح))(٢).
[تنبيه]: وحَكَى ابن بطال عن بعض من تقدمه أن قوله: ((وتميط الأذى
عن الطريق)) من قول أبي هريرة ربه موقوف، وتعقّبه بأن الفضائل لا تُدرك
بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفاً من النبيّ وَلي، قاله في (الفتح))(٣).
[تنبيه آخر]: وزاد البخاريّ كَّلُ في هذا الحديث: ((ودَلُّ الطريقِ صدقةٌ))،
وهو أن يدل مَن لا يَعْرِف الطريق عليها، قاله في ((الطرح)) (٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٧.
(٣) ((الفتح)) ٦/ ١٣٣.
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٦٨/٢.
(٤) ((طرح التثريب)) ٢٦٨/٢.

٣٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٥/١٦] (١٠٠٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)»
(٢٧٠٧ و٢٨٩١ و٢٩٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٢/٢ و٣١٦)، و(ابن
خُزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٩٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٣٨١)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٧/٤ و١٨٨)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٦٤٥)، وأما فوائده فقد سبقت في المسائل
المذكورة في الأحاديث الماضية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٧) - (بَابٌ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِكِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٣٦] (١٠١٠) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ،
إِلَّا مَلَكَانٍ يَنْزِلَانٍ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ
أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ البجليّ مولاهم، أبو الْهَيْئم الكوفيّ،
صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.

٣٥٣
(١٧) - بَابٌ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِك - حديث رقم (٢٣٣٦)
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٤ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) - بضمّ الميم، وفتح الزاي، وتشديد الراء
المكسورة - واسمه عبد الرحمن بن يسار، مولى بني هاشم المدنيّ، ليس به
بأسٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعمه سعيد بن يسار أبي الْحُباب، ويزيد بن رُومان،
وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وزياد بن أبي زياد المخزوميّ، وجماعة.
ورَوى عنه يزيد بن الهاد، وهو من أقرانه، وسليمان بن بلال، وابن
المبارك، وحاتم بن إسماعيل، ووكيع، وجعفر بن عون، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالحٌ، قال أبو زرعة: لا
بأس به، وقال أبو حاتم: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، هذا برقم (١٠١٠)، وحديث (٢٥٥٤): ((أما ترضين أن أصل من
وصلك؟ ... ))، و(٢٥٥٥): ((الرحم معلّقةٌ بالعرش ... )).
٥ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقةٌ مُتقنٌّ [٣] (ت١١٧) أو
قبلها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٦١٤/٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه تقدم في ((المقدمة)) ٢/
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وخالد، فكوفیّان.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ) وهو عم معاوية بن مُزَرِّد الراوي عنه (عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ) ◌َ بهَ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَفِيهِ: ((مَا مِنْ يَوْم) يعني: ليس من يوم،

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وكلمة ((مِنْ)) زائدة؛ لتأكيد الاستغراق، و(يوم)) اسم ((ما)) الحجازيّة، وقوله:
(يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ) صفة ل((يوم)).
وفي حديث أبي الدرداء تظله: ((ما من يومٍ طَلَعَتْ فيه الشمسُ إلا
وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس
هَلُمُّوا إلى ربكم، إن ما قَلَّ وكَفَى خيرٌ مما كَثُر وألهى، ولا غربت شمسه إلا
وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهم أَعْطِ منفقاً خَلَفاً، وأعط ممسكاً مالاً تلفاً))،
رواه أحمد.
(إِلَّا مَلَكَانٍ) مبتدأ، خبره قوله: (يَْزِلَانِ) أي: فيه، وهذه الجملة مع ما
يتعلّق بها في محلّ الخبر (((ما)).
وقال الطيبيّ كَّلُ: قوله: ((ملكان)) مُسْتَثْنَى من متعلّق محذوف، هو خبر
((ما))، والمعنى ليس يومٌ موصوف بهذا الوصف، ينزل فيه أحدٌ، إلَّا ملكان
يقولان: كيت وكيت، فحُذِف المستثنى منه، ودُلَّ عليه بوصف الملكين، وهو
(ينزلان))، ونظيره في مجيء الموصوف مع الصفة بعد ((إلَّا)) في الاستثناء المفرَّغ
قولك: ما اخترتُ إلا رفيقاً منكم، التقدير: ما اخترتُ منكم أحداً إلَّا رفيقاً.
(١)
انتھی
.
وفي حديث أبي الدرداء تَظُه: ((إلا وبجنبتيها ملكان))، والجنبة بسكون
النون: الناحيةُ (فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا) قال السنديّ نَُّ: لا يقال: لا فائدة في هذا
القول على تقدير عدم سماع الناس له؛ إذ لا يحصل به ترغيب، ولا ترهيبٌ
بدون السماع؛ لأنا نقول تبليغ الصادق يقوم مقام السماع، فينبغي للعاقل أن
يلاحظ كلّ يوم هذا الدعاء كأنه يسمعه من الملكين، فيفعل بسبب ذلك ما لو
سمع من الملكين لفعل، وهذه فائدة إخبار النبيّ ◌َ ﴿ بذلك، على أن المقصود
بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا، سواءٌ عَلِموا به أم لا؟. انتهى(٢).
(اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع الهمزة، من الإعطاء رباعيّاً (مُنْفِقاً) أي: منفق مال
(خَلَفاً) - بفتح اللام - أي: عِوَضاً عظيماً، وهو العوض الصالح، أو عِوَضاً في
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٢٣/٥.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٢٨٣/٦.

٣٥٥
(١٧) - بَابٌ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِك - حديث رقم (٢٣٣٦)
الدنيا، وبدلاً في العقبى، قيل: أبهم الخلف؛ ليتناول المال والثواب وغيرهما،
فكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف الماليّ، فيكون خلفه الثواب المعدّ له
في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السوء ما يقابل ذلك(١).
قال الطيبيّ كَُّ: يقال: خَلَف الله لك خَلَفاً بخير، وأخلف عليك خيراً؛
أي: أبدلك بما ذهب منك، وعوّضك منه(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْذُ: وأخلف عليك بالألف: رَدّ عليك مثل ما ذَهَبَ
منك، وأخلف الله عليك مالك، وأخلف لك مالك، وأخلف لك بخير، وقد
يُحذف الحرف، فيقال: أخلف الله عليك، ولك خيراً، قاله الأصمعيّ، والاسم
الْخَلَفُ بفتحتين، قال أبو زيد: وتقول العرب أيضاً: خَلَف الله لك بخير،
وخَلَفَ عليك بخير يَخْلُفُ بغير ألف. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن خَلَف ثلاثيّاً، وأخلف
رباعيّاً يُستعملان لمعنى عوّض، وأبدل، ولكن أخلف أكثرُ استعمالاً، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً) أي: من يُمسك خيره عن غيره (تَلَفاً)))
بفتح اللام: أي: هلاكاً وضياعاً .
قال في ((الفتح)): التعبير بالعطية في هذا للمشاكلة؛ لأن التلف ليس
أن الكلام المذكور مُوَزَّع بينهما،
بعطيّة، وأفاد حديث أبي هريرة
به نسبة المجموع إلى المجموع،
فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء
وتضمنت الآية - يعني: قوله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَ ﴾﴾ الآية [الليل:
٥] - الوعد بالتيسير لمن يُنفق في وجوه البرّ، والوعيد بالتعسير لعكسه،
والتيسير المذكور أعمّ من أن يكون لأحوال الدنيا، أو الأحوال الآخرة،
وكذا دعاء الملك بالخَلَف يَحْتَمِل الأمرين، وأما الدعاء بالتَّلَف فيَحْتَمِلِ تَلَف
ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال
البرّ بالتشاغل بغيرها .
(١) ((المرعاة)) ٢٨٣/٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٧٩/١.
(٢) ((الكاشف)) ١٥٢٣/٥.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال النوويّ ◌َخْلَثُهُ: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال،
والضيفان، والتطوعات.
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وهو يعمّ الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن
المندوبات لا يستحقّ هذا الدعاء، إلا أن يَغْلِب عليه البخل المذموم، بحيث لا
تطيب نفسه بإخراج الحقّ الذي عليه ولو أخرجه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك
في قوله في حديث أبي موسى: ((طَيِّبَةً بها نفسه)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٦/١٧] (١٠١٠)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)»
(١٤٤٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٦٥٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٩١٧٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/
٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ﴾
الآية [سبأ: ٣٩]، ولقوله: ((ابن آدم أَنْفِق أُنْفِق عليك))، وهذا يعم الواجب
والمندوب.
٢ - (ومنها): بيان أن الممسك يستحقّ تَلَفَ ماله، ويراد به الإمساك عن
الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا يستحقّ هذا الدعاء، اللهم إلَّا أن يغلب
عليه البخل بها، وإن قَّت في نفسها، كالحبة واللقمة، ونحوهما، فهذا قد
يتناوله هذا الدعاء؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة علیه،
وقلّما يكون كذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات، أو لا يطيبُ نفساً بها، قاله
القرطبيّ تَظّهُ(٢).
(١) ((الفتح)) ٢٦٩/٤ - ٢٦٧، و((عمدة القاري)) ٣٠٧/٨.
(٢) ((المفهم)) ٥٥/٣.

٣٥٧
(١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٣٧)
٣ - (ومنها): أن فيه الحضَّ على الإنفاق في الواجبات، كالنفقة على
الأهل، وصلة الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض.
٤ - (ومنها): أن فيه دعاء الملائكة، ومعلوم أنه مجاب بدليل قوله وقلت :
((من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه))، قاله في ((العمدة))(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكُلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(١٨) - (بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٣٧] (١٠١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالًا:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ،
فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا(٢)، فَأَمَّا الْآنَ(٣) فَلَا حَاجَةَ لِي
بِهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) بن مُزَين، ويقال: ابن مُرَي - مصغّراً - ابن حارثة بن
ناصرة بن عمرو بن سعيد بن علي بن رُهْم بن رَبَاحِ بن يَشْكُر بن عدوان بن
عَمرو بن قيس عَيْلان بن مُضر بن نِزار الْجَدَليّ - بجيم، ومهملة مفتوحتين -
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٧/٨.
(٣) وفي نسخة: ((وأما الآن)).
(٢) وفي نسخة: ((قبلتها منك)).

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الْقَيْسيّ العابد، أبو القاسم الكوفيّ القاصّ، وجَدِيلة هي أم يَشْكُر، وهي بنت
مُرّ بن أُدّ بن طابخة، ثقةٌ عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الخزاعيّ،
والمستورد بن شَدّاد الفِهْريّ، وزيد بن عقبة الفزاري، ومسروق، والنعمان بن
بشير، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وعاصم بن بَهْدلة، ومغيرة بن مقسم، ومسعر،
وشعبة، والثوريّ، وأبو شيبة، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: قالوا: كان ثقةً إن شاء الله
تعالى، قليل الحديث، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ،
وقال ابن عديّ، والعجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال
النسائيّ: ثقةٌ، وذكره يعقوب بن سفيان مع جماعة، وقال: وكل هؤلاء
كوفيون ثقات، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان عابداً صابراً على
التهجد، يصلي الغداة والعشاء بوضوء واحد، وقال ابن معين: هو من أقدم
شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لَمّا قَدِم الكوفة بعد
قتل مصعب بن الزبير، جلس يَعْرِض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد
الجَدَليّ، وكان قصيراً دميماً، فذكر قصة له مع عبد الملك دالّةً على معرفته
وفهمه .
قال محمد بن سعد، وأحمد بن حنبل، عن طلق بن غَنّام: مات في
ولاية خالد على العراق، زاد ابن سعد: سنة ثمان عشرة ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم
(١٠١١) و(٢١٩٥) وأعاده بعده، و(٢٢٩٨) و(٢٨٥٣) وأعاده بعده.
٥ - (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ) الْخُزَاعِيّ الصحابيّ، نزل الكوفة، وكان عمر زوج
أمه (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٥٩٨/٣.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َخّلُهُ.

٣٥٩
(١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٣٧)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي شيبة، فما
أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون سوى ابن المثنّى، وابن جعفر، وشعبة.
٤ - (ومنها): أن صحابيه من المقلِّين من الرواية، فليس له في الكتب
الستة إلا خمسة أحاديث فقط، انظر: ((تحفة الأشراف)) (١٢/١٠/٣)، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ) الْجَدَليّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ)
(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا) أَمرٌ بالصدقة، ثم عَلّل الأمر بها
بالفاء التعليليّة، فقال (فَيُوشِكُ) مضارع أوشك، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: يُوشك أن
يكون كذا من أفعال المقاربة، والمعنى الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ:
الإيشاك: الإسراع، وفي ((التهذيب)) في ((باب الحاء)): وقال قتادة: كان
أصحاب رسول الله وَّ* يقولون: إن لنا يوماً أوشك أن نستريح فيه، ونَنْعَمَ،
لكن قال النحاةُ: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل
منها قليلٌ، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضياً ثلاثيّاً، فقالوا: وَشُكَ، مثلُ
قَرُبَ وُشْكاً. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): وَشُكَ الأمر، ككَرُمَ: سَرُعَ، كوَشَّكَ، وأوشك:
أسرع السير، كواشك، ويوشِكُ الأمر أن يكون، وأن يكون الأمر، ولا تُفْتَحُ
شينه، أو لغة ردية. انتهى(٢).
(يُوشِكُ الرَّجُلُ) أي: يَقْرُب (يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ) أي: طالباً للمحتاج حتى
يدفعها إليه، وفي رواية النسائيّ: ((فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ
بِصَدَقَتِهِ)) (فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا) أي: عُرضت عليه، وهو بالبناء للمفعول،
والنائب عن الفاعل ضمير الموصول، والمنصوب يعود إلى الصدقة، والمعنى:
يقول الذي يُراد أن يُعطَى الصدقة؛ أي: يريد المتصدّق إعطاءه إيّاها (لَوْ جِئْتَنَا
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٢٣/٣.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا) وفي نسخة: ((قبلتها منك))؛ أي: لاحتياجي إليها فيه (فَأَمَّا)
وفي نسخة: ((وأما)) (الآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) قال القرطبيّ تَُّ: يعني: أنه قد
استغنى عنها بما أخرجت الأرض، كما قال في الحديث الآتي: ((تقيء الأرض
أفلاذ كَبِدها أمثال الأسطوانة من الذهب))، وهذا كناية عما تُخرج الأرض من
الكنوز والنَّدَرَات(١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
[الزلزلة: ٢] أي: كنوزها على أحد التفسيرين، وقيل: موتاها. انتهى (٢).
(فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا))) والظاهر أنّ ذلك يقع في آخر الزمان، حين يَفيض
المال، كثرةً، عند قرب الساعة، ومن ثمّ أورده البخاريّ تَكْثُ في ((كتاب
الفتن))؛ لأن كثرة المال من الفتن، ويدلّ عليه حديث أبي هريرة ﴿به، قال:
قال النبيّ وَّر: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فَيَفِيضَ، حتى يُهِمّ ربَّ
المال، من يقبل صدقته، وحتى يَعرِضَه، فيقول الذي يَعرِضه عليه: لا أرب
لي»، متّفق علیه.
وحديثُ أبي موسى ◌ُه، عن النبيّ وَّ، قال: ((ليأتينّ على الناس
زمان، يطوف الرجل فيه بالصدقة، من الذهب، ثم لا يجد أحداً يأخذها منه،
ويُرَى الرجلُ الواحد، يتبعه أربعون امرأة، يَلُذْنَ به، من قِلَّةِ الرجال، وكثرة
النساء)). متّفق عليه.
وقال ابن التين تَّثُ: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى ظلّلا، حين تُخرِجُ
الأرض بركاتها، حتّى تُشبع الرُّمّانةُ أهلَ البيت، ولا يبقى في الأرض كافر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن التين كَّتُ محتملٌ،
ويَحْتَمِل أن يكون قبل ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حارثة بن وهب ظلاله هذا متّفق عليه.
(١) جمع نَذْرة بفتح فسكون، وهي القطعة من الذهب توجد في المعدن.
(٢) راجع: ((المفهم)) ٥٦/٣.