Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَّةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِبَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢٣ - ٢٣٢٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، كِلَاهُمَا
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرِ (ح) وَحَدَّثَنَاهِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةً، فِي
هَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْدِيّ البصريّ، صدوقٌ،
من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ في
((المجتبى))، فقال:
(٢٥٤٥) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا محمد، قال: حدّثنا
شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاريّ، يحدّث
عن أبي مسعود، عن النبيّ وَّه قال: ((إذا أنفق الرجل على أهله، وهو
یحتسبها، کانت له صدقةً)). انتهى.
وأما رواية وكيع، عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٤] (١٠٠٣) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَوْ رَاهِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ))).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) عن بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصّدّيق ﴿ه، ماتت سنة (٣ أو ٧٤) عن مائة
سنة (ع) تقدمت في ((الطهارة)) ٦٨١/٣٣.
والباقيان ذكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رواته من رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من هشام، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن أمه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّته ذات مناقب جمّة، فهي من السابقات إلى
الإسلام، وكانت تسمّى ذات النطاقين؛ لما شقّت نطاقها نصفين، فربطت
بأحدهما زاد النبيّ وَله، وأبيها حين هاجرا، والقصّة مشهورة.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن عيينة،
قال: أخبرني أَبَي)) (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق ﴿يَا، وفي رواية ابن
عيينة المذكورة: ((أخبرتني أسماء))، قال في ((الفتح)): كذا قال أكثر أصحاب
هشام، وقال بعض أصحاب ابن عيينة: عنه، عن هشام، عن فاطمة بنت
المنذر، عن أسماء، قال الدارقطنيّ: وهو خطأ .
قال الحافظ: قلت: حَكَى أبو نعيم أن عُمَر بن عليّ المقدميّ، ويعقوب
القارئ روياه عن هشام كذلك، فَيَحْتَمِل أن يكونا محفوظين، ورواه أبو معاوية،
وعبد الحميد بن جعفر، عن هشام، فقالا: عن عروة، عن عائشة، وكذا
٣٠٣
(١٤) - بَابُ الْحَضُّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢٤)
أخرجه ابن حبان من طريق الثوريّ، عن هشام، والأول أشهر، قال الْبَرْقانيّ:
وهو أثبت. انتهى.
قال الحافظ: ولا يبعد أن يكون عند عروة عن أمه وخالته، فقد أخرجه
ابن سعد، وأبو داود الطيالسيّ، والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير، قال:
قدمت قُتَيْلَةُ - بالقاف والمثناة، مصغرةً - بنت عبد العزى بن سعد من بني
مالك بن حِسْل - بكسر الحاء وسكون السين المهملتين - على ابنتها أسماء بنت
أبي بكر في الْهُدْنة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، بهدايا زبيب، وسَمْن،
وقَرَظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة:
سلي رسول الله صل*، فقال: ((لتدخلها ... )) الحديث، وعُرِف منه تسمية أم
أسماء، وأنها أمها حقيقةً، وأن من قال: إنها أمها من الرضاعة فقد وَهِمَ.
ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قَيْلَة، قال الحافظ: ورأيته في نسخة
مجردة منه بسكون التحتانية، وضبطه ابن ماكولا بسكون المثناة، فعلى هذا فمن
قال قُتَيلة صَغّرها، قال الزبير: أم أسماء وعبد الله ابني أبي بكر قَيْلة بنت
عبد العزى، وساق نسبها إلى حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ، وأما قول الداوديّ: إن
اسمها أم بكر، فقد قال ابن التين: لعله كنيتها. انتهى (١).
(قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ) زاد في رواية البخاريّ
من طريق الليث، عن هشام: ((مع ابنها))، وكذا في رواية حاتم بن إسماعيل،
عن هشام، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مُدرك بن عبيد بن
عُمَر بن مخزوم، قال الحافظ: ولم أر له ذكراً في الصحابة، فكأنه مات
مشركاً، وذكر بعض شيوخنا أنه وقع في بعض النسخ مع أبيها بموحدة ثم
تحتانية، وهو تصحيف. انتهى.
وفي الرواية التالية: ((عن أسماء بنت أبي بكر ﴿ها، قالت: قَدِمت عليّ
أمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله اليه،
فقلت: يا رسول الله قَدِمَت عليّ أمّي، وهي راغبةٌ، أفأصل أمي؟ قال: ((نعم،
صلي أمك)).
(١) ((الفتح)) ٤٧١/٦ - ٤٧٢ ((كتاب الهبة)) رقم (٢٦٢٠).
٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
ووقع في رواية حاتم بن إسماعيل عند البخاريّ بلفظ: ((في عهد قريش،
إذ عاهدوا رسول الله وَل9))، وأرادت بذلك ما بين الحديبية والفتح.
(وَهِيَ رَاغِبَةٌ) جملة حاليّة (أَوْ رَاهِبَةٌ) هكذا بالشك في رواية عبد الله بن
إدريس، عن هشام، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن إدريس المذكور: ((راغبةٌ،
وراهبةٌ)) بالواو، وفي حديث عائشة رضيّا عند ابن حبان: ((جاءتني راغبةً وراهبةً))
بالواو أيضاً، وهو يؤيد رواية الطبرانيّ.
والمعنى أنها قَدِمَت طالبة في بِرّ ابنتها لها، خائفةً من رَدّها إياها خائبةً،
هكذا فسره الجمهور، ونقل المستغفريّ أن بعضهم أوّله فقال: وهي راغبة في
الإسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، وردّه أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من
الروايات ما يدلّ على إسلامها، وقولها: ((راغبةٌ)) أي: في شيء تأخذه، وهي
على شركها، ولهذا استأذنت أسماء النبيّ وَ ر في أن تصلها، ولو كانت راغبة
في الإسلام لم تحتج إلى إذن. انتهى.
وقيل: معناه راغبةٌ عن ديني، أو راغبة في القرب مني، ومجاورتي،
والتودُّد إليّ؛ لأنها ابتدأت أسماء بالهدية التي أحضرتها، ورَغِبت منها في
المكافأة، ولو حُمِل قوله: ((راغبةٌ)) أي: في الإسلام لم يستلزم إسلامها.
ووقع في رواية عيسى بن يونس، عن هشام، عند أبي داود،
والإسماعيليّ: ((راغمةٌ)) بالميم؛ أي: كارهة للإسلام، ولم تَقْدُم مهاجرةً.
وقال ابن بطال: قيل: معناه هاربة من قومها، وردّه بأنه لو كان كذلك
لكان مراغمةً، قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يفسِّر قوله: ((مُرَاغَماً)) بالخروج
عن العدوّ على رغم أنفه، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا كذلك، قال: وراغبة بالموحدة
أظهر في معنى الحديث. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: قولها: ((راغبةٌ)) هل هو بالميم، أو
الموحدة؟ قال الطيبيّ: الذي تحرر أن قولها: ((راغبة)) إن كان بلا قيد، فالمراد
راغبة في الإسلام لا غير، وإذا قرنت بقولها: ((مشركةٌ))، أو ((في عهد قريش»،
فالمراد راغبة في صلتي، وإن كانت الرواية ((راغمة)) بالميم فمعناه: كارهةٌ للإسلام.
(١) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٢ ((كتاب الهبة)) رقم (٢٦٢٠).
٣٠٥
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢٤)
قال الحافظ: أما التي بالموحدة فيتعين حمل المطلق فيه على المقيد،
فإنه حديث واحد في قصة واحدة، ويتعين القيد من جهة أخرى، وهي أنها لو
جاءت راغبة في الإسلام لم تحتج أسماء أن تستأذن في صلتها؛ لشيوع التألف
على الإسلام من فعل النبيّ ◌َّر، وأمره فلا يحتاج إلى استئذانه في ذلك.
هى(١).
(أَفَأَصِلُهَا؟) أي: أحسن إليها بإعطاء ما طلبت من المال (قَالَ) ◌ِهـ
(نَعَمْ))) وفي الرواية التالية: ((نعم صلي أمك))، زاد في رواية البخاريّ في
((كتاب الأدب)) عقب حديثه عن الحميديّ، عن ابن عيينة: ((قال ابن عيينة:
فأنزل الله فيها ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨]))، وكذا
وقع في آخر حديث عبد الله بن الزبير، ولعل ابن عيينة تلقاه منه.
ورَوَى ابن أبي حاتم، عن السُّدّيّ أنها نزلت في ناس من المشركين،
كانوا ألين شيء جانباً للمسلمين، وأحسنه أخلاقاً، ولا منافاة بينهما، فإن
السبب خاصّ، واللفظ عامّ، فيتناول كلَّ من كان في معنى والدة أسماء.
وقيل: نَسَخَ ذلك آيةُ الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، قاله في
((الفتح)).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالنسخ مما لا يخفى بعده؛ لأن قوله
تعالى: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمِّ﴾ الآية [النساء: ٨٩] خاصّ بالمحاربين، لا
يتناول المسالمين، بدليل قوله رَ: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِئَؤُّ﴾
الآية [النساء: ٩٠]، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ اٌلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ﴾
الآية [التوبة: ٤]، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٢٤/١٤ و٢٣٢٥] (١٠٠٣)، و(البخاريّ) في
(١) ((الفتح)) ٤١٣/١٠ ((كتاب الأدب)).
٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
((الهبة)) (٢٦٢٠)، و((الجزية)) (٣١٨٣)، و((الأدب)) (٥٩٧٩)، و(أبو داود) في
(١٦٦٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٨/٦ و٣٥٣/١٠)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢٢٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٤/٦ و٣٤٧ و٣٥٥)،
و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير)) (٧٨/٢٤ - ٧٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٨٤/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩١/٤ و١٢٩/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صلة القريب المشرك، قال الخطابيّ نَّثُ: فيه أن
الرَّحِمَ الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة.
٢ - (ومنها): أن فيه مستدلاً لمن رأى وجوب النفقة للأب الكافر، والأم
الكافرة على الولد المسلم، ويؤيّده قوله رَّ: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِىِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
الآية [لقمان: ١٥].
٣ - (ومنها): بيان جواز موادعة أهل الحرب، ومعاملتهم في زمن الهدنة
والسفر في زيارة القريب.
حيث تحرّت في أمر دينها، وكيف لا
٤ - (ومنها): بيان فضل أسماء
ـّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
وهي بنت الصديق، وزوج الزبير
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ
مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أَّمِّي؟ قَالَ: ((نَعَمْ صِلِي أَمَِّكِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَهِيَ رَاغِبَةٌ ... إلخ) وقع في هذه الرواية ((راغبة)) بلا شكّ، قال
القاضي عياض تَكْثُهُ: الصحيح ((راغبة)) بلا شكّ، قال: قيل: معناه راغبة عن
٣٠٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولٍ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
الإسلام، وكارهة له، وقيل: معناه طامعةٌ فيما أعطيتها، حريصةٌ عليه، وفي
رواية أبي داود: («قَدِمت عليّ أمي، راغبةً في عهد قريش، وهي راغمةٌ
مشركةٌ))، فالأول ((راغبة)) بالباء: أي: طامعة طالبة صلتي، والثانية بالميم،
معناه: كارهة للإسلام، ساخطته، وفيه جواز صلة القريب المشرك، وأم أسماء
اسمها قَيْلة، وقيل: قُتَيلة بالقاف وتاء مثناة من فوقُ، وهي قَيلة بنت عبد العُزَّى
القرشية العامرية، واختَلَف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها؟
والأكثرون على موتها مشركة، قاله النوويّ كَّتُهُ(١)، وقد تقدّم البحث في هذا
مستوفّى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٥) - (بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٣٢٦] (١٠٠٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّيَ اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصٍ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا
أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْدي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿يَّا تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٩/٧.
٣٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه
عائشة فيها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّ رَجُلاً) هو سعد بن عبادة ◌َُّه؛ لما أخرجه النسائيّ
من طريق مالك، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة،
عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج سعد بن عبادة، مع النبيّ بِّر في بعض مغازيه،
وحضرت أمه الوفاةُ بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المال
مال سعد، فتُوفيت قبل أن يَقْدَم سعد، فلما قَدِمَ سعدٌ ذُكِر ذلك له، فقال: يا
رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال النبيّ وَلآية: ((نعم))، فقال سعد:
حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سماه.
(أَتَى النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّيَ) هي: عمرة بنت سعد بن
عمرو بن زيد مناة، وقيل: بنت سعد بن قيس، وقيل: بنت مسعود بن قيس بن
عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار، ماتت ﴿ّا في حياة
النبيّ وَّ سنة خمس، وقال ابن سعد: ماتت والنبيّ بَّه في غزوة دُومة الجندل،
في شهر ربيع الأول، فلما جاء النبيّ وَ ﴿ المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها.
(اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) - بضمّ المثنّاة، وكسر اللام -: أي: سُلِبَت، على ما لم
يُسمّ فاعله، و((نفسها)) بالرفع نائب الفاعل، يقال: اقْتُلِتَ فلانٌ: أي: مات
فجأةً، وافتُلتت نفسه كذلك، وضبطه بعضهم بفتح السين، إما على التمييز،
وإما على أنه مفعول ثان، والفَلْتَةُ، والإفلات: ما وقع بغتة، من غير رويّة،
وذكر ابن قتيبة بالقاف، وتقديم المثنّاة، وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحبّ،
ولمن مات فَجْأةً، والمشهور في الرواية بالفاء.
٣٠٩
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
وقال في ((النهاية)): ((افتُلتت نفسها)»: أي: ماتت فجأةً، وأُخذت نفسُها
فَلْتَةً، يقال: افتلته: إذا استلبه، وافتُلت فلان بكذا: إذا فُوجئ قبل أن يستعدّ
له، ويُروى بنصب ((النفس))، ورفعها، فمعنى النصب: افتلتها الله نفسها، مُعدّى
إلى مفعولين، كما تقول: اختلسه الشيءَ، واستلبه إياه، ثم بُني الفعل لما لم
يُسمّ فاعلُهُ، فتحوّل المفعول الأول مُضمراً، وبقي الثاني منصوباً، وتكون التاء
الأخيرة ضمير الأمّ: أي: افتُلِتت هي نفسَهَا. انتهى.
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((افتُلِتَتْ نفسُها)) ضبطناه ((نفسَها))، و((نفسُها))
بنصب السين ورفعها، فالرفع على أنه مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والنصب على
أنه مفعولٌ ثانٍ، قال القاضي عياضٌ: أكثر روايتنا فيه بالنصب، وقوله:
((افتُلِتت)) بالفاء، هذا هو الصواب الذي رواه أهل الحديث وغيرهم، ورواه ابن
قتيبة: ((اقتُتِلت نفسها)) بالقاف، قال: وهي كلمة تقال لمن مات فَجْأَةً، ويقال
أيضاً لمن قتلته الجنّ والعشق، والصواب الفاء، قالوا: ومعناه: ماتت فَجْأَةً،
وكلُّ شيء فُعِل بلا تَمَكّث، فقد اقْتَلَتَ، ويقال: اقْتَلَتَ الكلامَ، واقترحه،
(١) .
واقتضبه: إذا ارتجله. انتهى
(وَلَمْ تُوصٍ) قد سبق في رواية النسائيّ المذكورة سببٍ عدم وصيّتها، وهو
أنه لا مال لها، وإنما المال لولدها سعد (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ) أي: لو اتسّع
وقت مرضها، ولم يَفْجأها الموت (تَصَدَّقَتْ) أي: أوصت بالصدقة، وهذا لا
ينافي ما سبق آنفاً؛ لأنه يمكن أن يكون المعنى لأمرَته أن يتصدّق عنها، والله
تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ في ((الوصايا)) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك:
((وأُراها لو تكلّمت تصدّقت))، وهو بضمّ همزة ((أُراها)).
قال في ((الفتح)): وهو يُشعر بأن رواية ابن القاسم عن مالك، عند
النسائيّ، بلفظ: ((وإنها لو تكلّمت)) تصحيفٌ، وظاهره أنها لم تتكلّم، فلم
تتصدّق، لكن في ((الموظّأ)) عن سعيد بن عمرو بن شُرَحبيل بن سعيد بن سعد بن
عبادة، عن أبيه، عن جدّه، قال: ((خرج سعد بن عبادة مع النبيّ وَّ في بعض
(١) (شرح النوويّ)) ٨٩/٧ - ٩٠.
٣١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، قيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟
المال مال سعد، فتُوفّيت قبل أن يقدم سعد))، فذكر الحديث، فإن أمكن تأويل
رواية الباب بأن المراد أنها لم تتكلّم؛ أي: بالصدقة، ((ولو تكلّمت لتصدّقت))؛
أي: فكيف أُمْضِي ذلك؟، أو يُحْمَل على أن سعداً ما عَرَف بما وقع منها، فإن
الذي روى هذا الكلام في ((الموطأ)) هو سعيد بن سعد بن عبادة، أو ولده
شُرَحبيل مرسلاً، فعلى التقديرين لم يتّحد راوي الإثبات، وراوي النفي، فيمكن
الجمع بينهما بذلك، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية ((الموطأ)» التي ذكرها هي رواية
النسائيّ أيضاً.
وحاصل الجواب أن المراد أنها لم تتكلّم بصدقة شيء معيّن، وإنها لما
قيل لها: أوصي، قالت: الوصيّة تعتمد على المال الموصى به، وليس لي
ذلك، وإنما هو لسعد، فلما جاء سعد ظ له بعد موتها، وأُخبر بما قالت: أراد
أن يتصدّق عنها، فسأل رسول الله وَ ل فر عن ذلك، فأمره به.
والحاصل أن دعوى التصحيف في رواية النسائيّ المذكورة غير صحيحة؛
للجمع بين الروايتين بما ذكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) قال القرطبيّ تَخْلُ: الرواية الصحيحة بكسر
الهمزة من ((إِنْ)) على الشرطيّة، ولا يصحّ قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عمّا
لم یفعله. انتھی(١).
وفي الرواية الآتية في ((الوصايا)) من طريق يحيى القطّان، عن هشام: ((فَلِي
أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عنها؟))، وفي رواية النسائيّ: ((هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟))،
ووقع في بعض الروايات بلفظ: ((أتصدّق عليها، أو أصرفه على مصلحتها؟))
(قَالَ) بَِّ (نَعَمْ))) زاد في رواية النسائيّ: (فَتَصَدَّقَ عَنْهَا))، وفي رواية له: ((فقال
سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سمّاه))، وفي رواية ابن عبّاس رهـ
عنده: ((قال: فإن لي مَخْرَفاً، فأشهدك أني قد تصدّقت به عنها))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المفهم)) ٤٩/٣.
۔۔
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
٣١١
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٢٦/١٥ و٢٣٢٧] (١٠٠٤)، وفي ((الوصايا))
(٣٦٥٠)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٨٨)، و((الوصايا)) (٢٧٦٠)، و(أبو
داود) في ((الوصايا)) (٢٨٨١)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٣٦٧٦)، وفي
((الكبرى)) (٦٤٧٦)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٢٧١٧)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٧١/٧ و٦٠/٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٨/٣)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٥١/٦)، و(مالك) في ((الموطأ)) في ((الأقضية)) (٧٦٠/٢)،
و(الحميديّ) في («مسنده)) (١١٩/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤١٠/٧)،
و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٢/ ٢٥٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٩٩)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٤/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢١٧/١)،
و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٤٢٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٨/٦)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الصدقة لمن مات فَجْأة.
٢ - (ومنها): جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب
الصدقة إليه، ولا سيّما إن كان من الولد، وهو مخصّص لعموم قوله تعالى:
[النجم: ٣٩]، ويلتحق بالصدقة العتق عنه.
(٣٩)
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى
وقال في ((العمدة)): دل الحديث على أن تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ
لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾﴾ [النجم: ٣٩] على الخصوص.
قال ابن المنذر: أما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبراً ثبت عن
رسول الله ﴿، وقد ثبت عن عائشة ثنا أنها أعتقت عبداً عن أخيها
عبد الرحمن، وكان مات ولم يوص، وأجاز ذلك الشافعي، قال بعض
أصحابه: لمّا جاز أن يتطوع بالنفقة، وهي مال، فكذا العتق، وفَرَّق غيره
بينهما، فقال: إنما أجزناها للأخبار الثابتة، والعتق لا خير فيه، بل في
٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قوله {وَل: ((الولاء لمن أعتق)) دلالة على منعه؛ لأن الحيّ هو المعتق بغير أمر
الميت، فله الولاء، إذا ثبت له الولاء فليس للميت منه شيء.
وتعُقّب قوله: ((والعتق لا خير فيه)) بأنه ليس بصحيح؛ لأنه قد روي في
حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبيّ وَج9: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أُعتق
عنها؟ قال: (نعم))، فدل على أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل
عائشة ظّا الذي سبق. انتهى(١)، وهو بحث جيّد، وسيأتي تمام البحث في
هذه المسألة مستوفّى في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): أن ترك الوصيّة جائزٌ؛ لأنه وَ ﴿ لم يذُمّ أم سعد على ترك
الوصيّة، قاله ابن المنذر.
وتُعُقّب بأن الإنكار عليها قد تعذّر لموتها، وسقط عنها التكليف.
وأجيب بأن فائدة إنكار ذلك لو كان منكراً ليتّعظ غيرها ممن سمعه، فلما
أقرّ على ذلك دلّ على الجواز.
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ه من استشارة النبيّ وَّل في أمور
الدین.
٥ - (ومنها): العمل بالظنّ الغالب؛ لقوله: ((وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت)).
٦ - (ومنها): مشروعيّة الجهاد في حياة الأمّ، وهو محمول على أنه
استأذنها؛ لأن أم سعد ماتت وهو مع النبيّ 38َّ في غزوة دومة الجندل، كما
سبق قريباً.
٧ - (ومنها): السؤال عن التحمّل، والمسارعة إلى عمل البرّ، والمبادرة
إلى برّ الوالدين.
٨ - (ومنها): أن إظهار الصدقة قد يكون خيراً من إخفائها، وهو عند
اغتنام صدق النيّة فيه.
٩ - (ومنها): أن للحاكم تحمّل الشهادة في غير مجلس الحكم، نبّه على
ذلك أبو محمد بن أبي جمرة تَظُّ، ونقله الحافظ في ((الفتح))، وقال: وفي
بعضه نظرٌ لا يخفى، وكلامه على أصل الحديث، وهو في حديث ابن
(١) ((عمدة القاري)) ١٤ /٥٥ - ٥٦.
٣١٣
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
عباس(١) أبسط من حديث عائشة
المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وصول ثواب الصدقة
وغيرها إلى الميت:
قال الإمام ابن عبد البرّ تَُّهُ: وهذا الحديث مُجْمَع على القول بمعناه،
ولا خلاف بين العلماء أن صدقة الحي عن الميت جائزة، مَرْجُوٌّ نفعُها وقبولها،
إذا كانت من طَيِّب، فإن الله لا يقبل إلا الطيب، وليس الصدقة عندهم من باب
عمل البدن في شيء، فلا يجوز لأحد أن يصلي عن أحد، وجائز له أن يتصدق
عن وليّه، وعن غيره، وهذا مما ثبتت به السنة، ولم تختلف فيه الأمة.
انتھی(٢) .
وقال النوويّ كَّتُهُ: في هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت،
ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء،
وقضاء الدَّين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصحّ الحج عن الميت إذا كان
حج الإسلام، وكذا إذا وصّى بحجّ التطوع على الأصح عندنا، واختَلَف
العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه؛ للأحاديث
الصحيحة فيه، والمشهور في مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها، وقال
جماعة من أصحابنا: يصله ثوابها، وبه قال أحمد بن حنبل. وأما الصلاة،
وسائر الطاعات، فلا تصله عندنا، ولا عند الجمهور، وقال أحمد: يصله
ثواب الجميع، کالحج. انتهى(٣).
(١) حديث ابن عباس ﴿يًّا هو ما أخرجه النسائيّ بسند صحيح من طريق مالك، عن
سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، قال:
خرج سعد بن عبادة مع النبيّ ◌َ﴿ في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة،
فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أُوصِي؟، المال مال سعد، فتُؤُفِّيت قبل أن يقدم سعد،
فلما قدم سعد ذُكِر ذلك له، فقال: يا رسول الله هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال
النبيّ وَيقول: ((نعم))، فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سماه. انتهى.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر تختمُ ١٥٣/٢٢ - ١٥٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٩٠.
٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقال الشوكانيّ كَّتُهُ: وأحاديث الباب تدلّ على أن الصدقة من الولد
تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيُخَصَّص
﴾ [النجم :
بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
٣٩]، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن
ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد
فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى
يأتي دليل يقتضي تخصيصها .
وقد اختُلِف في غير الصدقة من أعمال البرّ، هل يصل إلى الميت؟
فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل إليه شيء، واستدلوا بعموم الآية، وقال في
(شرح الكنز)): إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً كان، أو صوماً،
أو حجّاً، أو صدقةً، أو قراءةَ قرآن، أو غير ذلك من جميع أنواع البرّ، ويَصِلُ
ذلك إلى الميت، وينفعه عند أهل السنة. انتهى.
والمشهور من مذهب الشافعيّ وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى
الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من العلماء،
وجماعة من أصحاب الشافعيّ إلى أنه يصل، كذا ذكره النوويّ في ((الأذكار)).
وفي ((شرح المنهاج)) لابن النحويّ: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب
القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته،
وينبغي الجزم به؛ لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي، فلأن
يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفاً على استجابة الدعاء، وهذا
المعنى لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال، والظاهر أن الدعاء
مُتَّفقٌ عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد، بوصية وغيرها، وعلى ذلك
أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. انتهى.
وقد حَكَى النوويّ في ((شرح مسلم)) الإجماع على وصول الدعاء إلى
الميت، وكذا حَكَى أيضاً الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت، ويصل
ثوابها، ولم يقيد ذلك بالولد، وحَكَى أيضاً الإجماع على لحوق قضاء الدين.
قال الشوكانيّ كَّلُهُ: والحقُّ أنه يُخَصَّص عموم الآية بالصدقة من الولد،
كما في أحاديث الباب، وبالحج من الولد، كما في خبر الخثعمية، ومن غير
٣١٥
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَّةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
الولد أيضاً، كما في حديث المحرم عن أخيه شُبْرُمة، ولم يستفصله بَّ، هل
أوصى شُبْرُمةُ أم لا؟، وبالعتق من الولد، كما وقع في البخاريّ في حديث
سعد، خلافاً للمالكية على المشهور عندهم، وبالصلاة من الولد أيضاً؛ لما
رَوَى الدارقطنيّ أن رجلاً قال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرّهما في حال
حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال ◌َله: ((إن من البر بعد البر أن
تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك)).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث: ((إن من البرّ ... إلخ)) ضعيف؛ لانقطاع
سنده، كما تقدّم تحقيقه في ((شرح المقدّمة))، فتنبّه.
قال: وبالصيام من الولد؛ لهذا الحديث(١)، ولحديث عبد الله بن
(٢)
عمرو
ولحديث ابن عباس ظها عند البخاريّ ومسلم: أن امرأة قالت: يا
رسول الله إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر؟، فقال: ((أرأيت لو كان على أمك
دين فقضيته، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟)) قالت: نعم، قال: ((فصومي عن أمك)).
وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيّ من حديث بُريدة له أن امرأة
قالت: إنه كان على أمي صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: ((صومي عنها)).
ومن غير الولد أيضا؛ لحديث: ((من مات وعليه صيام، صام عنه ولیّه))،
متفق عليه من حديث عائشة ماتا .
وبقراءة ﴿يسّ ﴾﴾ من الولد وغيره؛ لحديث: ((اقرؤوا على موتاكم
یس)).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ((اقرؤوا على موتاكم يس)) أخرجه
(١) أي: حديث: ((إن من البرّ بعد البرّ إلخ)).
(٢) هو ما أخرجه الإمام أحمد في («مسنده)) (٦٦٦٥)، وأبو داود في ((سننه)) (٢٨٨٣)
بإسناد صحيح، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن العاص بن
وائل نذر في الجاهلية أن يَنْحَر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين
بدنةً، وأن عمراً سأل النبيّ وَ له عن ذلك، فقال: ((أما أبوك فلو كان أقرّ بالتوحيد
فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك)).
٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
أحمد، وأبو داود، وهو ضعيفٌ؛ لأن في سنده أبا عثمان رجل مجهول، كما
قال ابن المدينيّ وغيره، فتنبّه.
قال: وبالدعاء من الولد؛ لحديث: ((أو ولد صالح يدعو له))، ومن غيره؛
الحديث: ((استغفروا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل))، أخرجه أبو
داود بإسناد حسن، ولحديث فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب، ولقوله تعالى:
﴿وَلَّذِينَ جَآَُّو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالإِيمَنِ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، ولِما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة، كحديث
بريدة عند مسلم، وأحمد، وابن ماجه، قال: كان رسول الله وَ﴿ يعلّمهم إذا
خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين
والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)).
وبجميع ما يفعله الولد لوالديه، من أعمال البر؛ لحديث: ((ولدُ الإنسان
من كسبه))، أخرجه أحمد، وأصحاب ((السنن)) بإسناد صحيح.
وكما تُخَصِّص هذه الأحاديث الآية المتقدمة، كذلك يُخَصَّصُ حديثُ أبي
هريرة له عند مسلم، وأهل ((السنن)) قال: قال رسول الله وَله: ((إذا مات
الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له))، فإنه ظاهره أنه ينقطع عنه ما عدا هذه الثلاثة كائناً ما كان.
وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرُها،
فَيَلْحَقِ الميت كلُّ شيء فعله غيره.
وقال في ((شرح الكنز)): إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَنَّعَنْهُمْ ذُرِيَّهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١].
وقيل: الإنسان أريد به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى إخوانه.
وقيل: ليس له من طريق العدل، وهو له من طريق الفضل، وقيل: اللام
بمعنى ((على)) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الآية [غافر: ٥٢]؛ أي:
وعليهم. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َُّهُ بزيادة(١).
(١) راجع: ((نيل الأوطار)) ١٤٢/٤ -١٤٣.
٣١٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولٍ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظّْثهُ في تحقيق هذه المسألة، ودونك
نصّ البحث في ((مجموع الفتاوى)):
[النجم:
وسئل تَخْتُهُ عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
٣٩]، وقوله وَّل: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية،
أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصلُ
إليه شيء من أفعال البر؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، ليس في الآية، ولا في الحديث أن
الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له، وبما يُعمَل عنه من البرّ، بل أئمة الإسلام
متفقون على انتفاع الميت بذلك، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام،
وقد دَلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، فمَن خالف ذلك كان من أهل
البدع.
قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَتِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ
بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا فَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ
وَأَتَّبَعُوْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَيِ ﴾﴾ الآية [غافر: ٧].
فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة، ووقاية العذاب،
ودخول الجنة، ودعاء الملائكة ليس عملاً للعبد.
وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال
﴾ [إبراهيم:
٤٣
الخليل عَلَّ: ﴿رَبََّا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِّدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْرِسَابُ
٤١]، وقال نوح فِالَّ: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَ لِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، فقد ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمراً بذلك،
وإخباراً عنهم بذلك.
ومن السنن المتواترة التي من جحدها كَفَرَ صلاة المسلمين على الميت،
ودعاؤهم له في الصلاة، وكذلك شفاعة النبيّ وَيقر يوم القيامة، فإن السنن فيها
متواترةٌ، بل لم ينكر شفاعته و﴿ لأهل الكبائر إلا أهل البدع، بل قد ثبت أنه
يشفع لأهل الكبائر، وشفاعته دعاؤه، وسؤاله الله تبارك وتعالى، فهذا وأمثاله
من القرآن، والسنن المتواترة، وجاحد مثل ذلك كافرٌ بعد قيام الحجة عليه.
والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرةٌ، مثل ما في الصحاح عن ابن
٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
عباس ﴿هًا أن رجلاً قال للنبيّ وَله: إن أمي توفيت، أفينفعها أن أتصدق عنها؟
قال: ((نعم))، قال: إن لي مَخْرَفاً - أي: بستاناً - أشهدكم أني تصدقت به عنها.
وفي ((الصحيحين)) عن عائشة ﴿ا أن رجلاً قال للنبيّ وَّ: إن أمي
افتُلِتت نفسُها، ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن
تصدقت عنها؟ قال: ((نعم)).
وفي ((صحيح مسلم) عن أبى هريرة به أن رجلاً قال للنبيّ وَّ: إن أبي
مات، ولم يوص أينفعه إن تصدقت عنه؟ قال: ((نعم)).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿يًا أن العاص بن وائل نذر في
الجاهلية أن يذبح مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نَحَر حصته خمسين، وأن
عمراً سأل النبيّ وَلّر عن ذلك، فقال: ((أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصمت
عنه، أو تصدقت عنه، نفعه ذلك))(١).
وفي (سنن الدارقطنيّ)) أن رجلاً سأل النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله إنه
كان لي أبوان، وكنت أبرّهما حال حياتهما، فكيف لي ببرّهما بعد موتهما؟
فقال النبيّ وَّر: ((إن من البرّ بعد البرّ أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم
لهما مع صيامك، وأن تصدّق لهما مع صدقتك)).
وقد ذكر مسلم في أول كتابه، عن أبي إسحاق الطالقانيّ، قال: قلت
لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: ((إن من البر بعد
البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك))؟(٢) قال عبد الله:
يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قلت له: هذا من حديث شهاب بن خِرَاش، قال:
ثقة، قال: عمن؟ قالت: عن الحجاج بن دينار، فقال: ثقةٌ، قال: عمن؟
قلت: عن رسول الله وَ لجر، قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج وبين
رسول الله وهو مفاوز تقطع فيها أعناق المطيّ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف،
والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك، فإن هذا الحديث مرسل.
والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تَصِلُ إلى الميت، وكذلك العبادات
المالية، كالعتق، وإنما تنازعوا في العبادات البدنية، كالصلاة، والصيام،
(١) تقدّم أنه حديث صحيح.
(٢) تقدّم أنه ضعيف؛ للانقطاع.
٣١٩
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٦)
والقراءة، ومع هذا ففي ((الصحيحين)) عن عائشة رضيها، عن النبيّ رَّ، قال:
((من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه)).
وفي ((الصحيحين))، عن ابن عباس ظيًّا أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن
أمي ماتت، وعليها صيام نذر؟، قال: ((أرأيتِ إن كان على أمك دين فقضيتيه،
أكان يؤدِّي ذلك عنها؟)) قالت: نعم، قال: («فصومي عن أمك)).
وفي ((الصحيح)) عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صل*، فقالت: إن
أختي ماتت، وعليها صوم شهرين متتابعين؟، قال: ((أرأيتِ لو كان على أختك
دين، أكنت تقضيه؟)) قالت: نعم، قال: ((فحقُّ الله أحقّ)).
وفي (صحيح مسلم)) عن عبد الله بن بريدة بن حصيب، عن أبيه أن امرأة
أتت رسول الله وَله، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفيجزي عنها
أن أصوم عنها؟ قال: ((نعم)).
فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نَذَر، وأنه
شَبَّهَ ذلك بقضاء الدين، والأئمة تنازعوا في ذلك، ولم يخالف هذه الأحاديث
الصحيحة الصريحة مَن بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه، وقد تقدَّم حديث
عمرو ◌ُّ بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه، وأما الحج فيجزي عند عامتهم،
لیس فیه إلا اختلاف شاذّ.
وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس ظها أن امرأة من جُهينة جاءت إلى
النبيّ ◌َ﴿، فقالت: إن أمي نَذَرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟
فقال: ((حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته عنها؟،
اقضوا الله، فالله أحقّ بالوفاء)).
وفى رواية البخاريّ: ((إن أختي نذرت أن تحج))، وفى ((صحيح مسلم))
عن بُرَيدة له أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت، ولم تحج،
أفيجزي أو يقضي أن أحج عنها؟ قال: ((نعم)).
ففي هذه الأحاديث الصحيحة أنه وهو أمر بحج الفرض عن الميت،
ويحج النذر، كما أمر بالصيام، وأن المأمور تارةً يكون ولداً، وتارةً يكون
أخاً، وشَبَّه النبيّ ◌َِّ ذلك بالدَّين يكون على الميت، والدَّين يصح قضاؤه من
٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
كل أحد، فدلّ على أنه يجوز أن يُفعل ذلك من كل أحد، لا يختص ذلك
بالولد، كما جاء مصرحاً به في الأخ.
فهذا الذي ثبت بالكتاب، والسنة، والإجماع عِلْمٌ مُفَصَّل مُبَيَّنٌ، فعلم أن
ذلك لا ينافي قوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله ◌َّ:
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... ))، بل هذا حقّ، وهذا حقّ.
أما الحديث فإنه قال: ((انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم
يُنتفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له))، فذكر الولد ودعاؤه له خاصين؛ لأن الولد
[المسد: ٢]،
من كسبه، كما قال: ﴿مَّ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
قالوا: إنه ولده، وكما قال النبيّ وَله: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن
ولده من كسبه)) (١)، فلما كان هو الساعي في وجود الولد، كان عمله من كسبه،
بخلاف الأخ، والعم، والأب، ونحوهم، فإنه ينتفع أيضاً بدعائهم، بل بدعاء
الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله، والنبيّ وَّ قال: ((انقطع عمله إلا من
ثلاث))، لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله
الذي لم ينقطع، وإذا دعا له غیره لم یکن من عمله، لكنه ينتفع به.
وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددةٌ، كما قيل: إنها تختص بشرع من
قبلنا، وقيل: إنها مخصوصة، وقيل: إنها منسوخةٌ، وقيل: إنها تنال السعي
مباشرة وسبباً، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه، ولا يحتاج إلى شيء من
ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ
لِلإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا حقّ، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي
يملكه ويستحقه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي
غيره فهو حقّ وملك لذلك الغير لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره،
كما ينتفع الرجل بكسب غيره.
فـ((من صلى على جنازة فله قيراط))، فيثاب المصلي على سعيه الذي هو
صلاته، والميتُ أيضاً يُرْحَم بصلاة الحيّ عليه، كما قال: ((ما من مسلم
يموت، فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة))، ويُرْوَى
(١) تقدّم أنه صحيح.