Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٨) وقد حَكَى ابن القطّان الخلافَ فيه على أبي معاوية، وشعبة، وخالف الترمذيَّ في ترجيح رواية شعبة في قوله: ((عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب))؛ لانفراد أبي معاوية بذلك، قال ابن القطّان: لا يضرّه الانفراد؛ لأنه حافظٌ، وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلاً، لكن يلزم من ذلك أن يتوقّف في صحّة الإسناد؛ لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يُعرف حاله. وقد حَكَى الترمذيّ في ((العلل)) المفرد أنه سأل البخاريّ عنه، فحكم على رواية أبي معاوية بالْوَهَم، وأنّ الصواب رواية الجماعة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب، قال الحافظ: ووافقه منصور، عن شقيق، أخرجه أحمد، فإن كان محفوظاً، فلعلّ أبا وائل حمله عن الأب، والابن، وإلا فالمحفوظ عن عمرو بن الحارث، وقد أخرجه النسائيّ، من طريق شعبة على الصواب، فقال: ((عن عمرو بن الحارث)). انتهى (١). (عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) هي زينب بنت معاوية، ويقال لها: رائطة - كما تقدّم - لكن قال في ((تهذيب التهذيب)) (٦٧٥/٤): فرّق أبو سعيد، وابن حبّان، والعسكريّ، وابن منده، وأبو نُعيم، وغير واحد بين زينب، ورائطة امرأتي ابن مسعود. انتھی. وقال في ((الفتح): ويقال لها أيضاً: رائطة، وقع ذلك في ((صحيح ابن حبّان)) في نحو هذه القصّة، ويقال: هما اثنان عند الأكثرين، وممن جزم به ابن سعد، وقال الكلاباذيّ: رائطة هي المعروفة بزينب، وبهذا جزم الطحاويّ، فقال: رائطة هي زينب، لا يُعْلَم أن لعبد الله امرأة في زمن رسول الله وَل غيرها . (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) وفي رواية حفص بن غياث، عن الأعمش التالية: ((قالت: كنت في المسجد، فرآني النبيّ وَّ﴿، فقال: تصدّقنَ، ولو من حليّكنّ))، والنسائيّ في ((عِشْرة النساء)) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش: ((قالت: خطبنا رسول الله وَله، فقال: يا (١) ((الفتح)) ٣٠٥/٤ - ٣٠٦. ٢٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة معشر النساء، تصدّقن، ولو من حُليّكنّ، فإن أكثركنّ أهلُ جهنّم يوم القيامة)). (وَلَوْ مِنْ خُلِيُّكُنَّ))) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء جمعاً، ويجوز فتح الحاء، وسكون اللام مفرداً. (قَالَتْ) زينب (فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ﴾ أي: ابن مسعود زوجِهَا (فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) كناية عن الفقر، وقلّة المال (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ: قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأَتِهِ، فَاسْأَلْهُ) وفي نسخة: ((فَسَلْهُ)) (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) قال الطيبيّ تَُّهُ: الفاء تفصيل للمقدّر المسئول عنه؛ أي: اسأله هل يجزي عني أن أتصدّق عليك، وعلى أولادك أم لا؟، فإن كان يجزي عني صرفتها إليكم، وإن لم يجز صرفتها إلى غيركم. انتهى (١). وقوله: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي) جواب الشرط محذوف دلّ عليه ما بعده: أي: صرفتها إليكم. وقوله: ((يَجْزي)) بفتح حرف المضارعة: أي: يكفي، وكذا قولها بعدُ: (أتَجْزي الصدقةُ عنهما؟)) بفتح التاء، أفاده النوويّ ◌َُّ(٢) . وقال الفيّوميّ ◌َثْتُهُ: جَزَى الأمرُ يَجْزي جزاءً، مثلُ قَضَى يَقْضِي قَضَاءً وزناً ومعنّى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨]، وفي الدعاء: ((جزاه الله خيراً))؛ أي: قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستَعْمل أجزأ بالألف والهمز بمعنى جَزَى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحدٍ، فقال: الثلاثيّ من غير همز لغة الحجاز، والرباعيّ المهموز لغة تميم. انتهى (٣). وقوله: (وَإِلَّا) مركبّ من ((إِن)) الشرطيّة، و((لا)) النافية؛ أي: وإن لم يَجْزِ عنّي (صَرَفْتُهَا) أي: الصدقة (إِلَى غَيْرِكُمْ) أي: إلى من يجوز لي صرفه له، والضمير لعبد الله بن مسعود، ولأيتام لها، كما يتبيّن مما سيأتي. وفي رواية البخاريّ: ((وكانت زينب تنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله: سَلْ رسولَ الله وَل ﴿ أيجزىء عنّي أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله (وَلفر ... )). (١) ((الكاشف)» ٤/ ١٥٦٣. (٣) (المصباح المنير)) ١٠٠/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨٧/٧. ٢٨٣ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٨) وفي رواية النسائيّ: ((أَيَسَعُنِي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِيكَ، وَفِي بَنِي أَخٍ لِي، يَتَامَى؟))، قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حَجْرها . (بَلِ اثْنِيهِ أَنْتِ) قيل: (قَالَتْ) زينب (فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌َ ﴾ سبب امتناع ابن مسعود ظُه عن السؤال ما بُيِّنَ بعد هذا في قولها: ((وكان رسول الله وَل﴾، قد أُلقيت عليه المهابة))، فكما أن زينب هابت أن تسأله فكذلك عبد الله هاب أن يسأله، وقيل: لعلّ امتناعه لأن سؤاله يُنبىء عن الطمع، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت إلى النبيّ ◌ََّ لأسأله عنه ذلك (فَإِذَا امْرَأَةً) ((إذا)) هي الْفُجَائيّة؛ أي: ففاجأني وجود امرأة (مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ وَه حَاجَتِي حَاجَتُهَا) قال الأبيّ كَُّهُ: هو مثلُ قولهم: زَيدٌ زُهيرٌ شعراً؛ أي: مثله. (١) انتھی وفي رواية النسائيّ: ((فإذا امرأة من الأنصار، يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، تسأل عما أسأل عنه))، وزينب هذه هي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ ظُه، ففي رواية النسائيّ في ((عشرة النساء)) من طريق علقمة، عن عبد الله، قال: انطلقت امرأة عبد الله، وامرأة أبي مسعود إلى رسول الله وَالقتل، كلّ واحدة تكتم صاحبتها أمرها ... قال الحافظ: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصاريّةً سوى هُزَيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجيّة، فلعلّ لها اسمين، أو وَهِمَ من سمّاها زينب، انتقالاً من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها . انتھی(٢) . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد، لا ينبغي اعتماده؛ لأن عدم ذكر ابن سعد لها لا يدُلّ على عدمها، مع ثبوته في رواية النسائيّ المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) بفتح الميم: أي: المخافة، قال في ((القاموس))، و((شرحه)): الهَيْبَةُ: الإِجلالُ، والمَخَافَةُ، وعن (١) ((شرح الأبيّ) ١٤٠/٣. (٢) ((الفتح)) ٣٠٧/٤. ٢٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ابنِ سِيده: الهَيْبَةُ: التَّقِيَّةُ من كُلِّ شَيْءٍ، كالمَهابَةِ، وقد هابَهُ يهابُهُ، كخَافَهُ يَخَافُهُ هَيْباً، وهَيْبَةً، ومَهَابَةً: خافَهُ، وراعَهُ، كاهْتَابَهُ، قال [من البسيط]: ومَرْقَبٍ تَسْكُنُ العِقْبَانُ قُلَّتَهُ أَشْرَفْتُهُ مُسْفِراً والشَّمْسُ مُهْتَابَهْ وفي ((كتاب الأَفعال)): هابَه، من باب تَعِبَ: حَذِرَه، ويُقال: هَابَه يَهِيبُه، من باب ضرب، نقله الفَيُّوميُّ في ((المصباح)). وقال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((وكان ◌َ لِّ قد أُلقيت عليه المهابة)): ((كان)) هذه هي التي تفيد الاستمرار، ومن ثَمَّ كان أصحابه وَّر في مجلسه كأن على رؤوسهم الطير، وذلك عزّةٌ منه وََّ، لا كبر، وسوء خُلُق، وإن تلك العزّة ألبسها الله تعالى إياه بَيّ، لا من تلقاء نفسه. انتهى(١). [فائدة]: ذكر ابن قَيِّم الجَوْزِيَّةِ تَظْثُهُ فِي الفرْق بين المَهَابَة والكِبْر ما نَصُّه: إِنّ المَهابةَ أَثرُ امتلاءِ القَلْبِ بمهابةِ الرَّبّ ومحبَّته، وإِذا امتلأً بذلك حلَّ فيه النُّورُ، ولَبِس رِداءَ الهَيْبة، فاكتسَى وَجهُهُ الحَلاوَةَ والمَهَابَةَ، فحَنَّت إِليهِ الأَفئدةُ، وقَرَّتْ بها العُيُونُ، وأَمّا الكِبْرُ فهو أَثَرُ العُجْبِ في قَلْبٍ مملوءٍ جهلاً وظُلُماتٍ، رانَ عليه المَقْتُ، فَنَظَرُهُ شَزْرٌ، ومِشْيَتُهُ تَبخْتُرٌ، لا يَبْدَأُ بسَلام، ولا يَرى لأَحَدٍ حَقّاً عليه، ويَرى حَقَّهُ على جميع الأَنام، فلا يزدادُ من اللهِ تعالى إِلّا بُعْداً، ولا من النّاس إِلا حَقاراً وبُعْضاً. انتهى. تحقيقُ نفيسٌ جدّاً (٢). وقال الطيبيّ ◌َخْلُهُ: (قَالَتْ) زينب ﴿ّا (فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَال) بن رَبَاح، مؤذّن رسول الله وَله المتوفّى سنة (٧ أو ٨ أو ٢٠هـ) وله بضع وستون سنةً، تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. (فَقُلْنَا لَهُ: أْتِ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ، تَسْأَلَانِكَ أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا) ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((على زوجيهما)) بالتثنية، قال النوويّ كَّثُهُ: يقال: على زوجيهما، وعلى زوجهما، وعلى أزواجهما، وهي أفصحهنّ، وبها جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وكذا قولها: ((في حُجُورهما))، وشبه (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٦٣/٤. (٢) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٠٩/٤. ٢٨٥ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٨) ذلك مما يكون لكلّ واحد من الاثنين منه واحد. انتهى (١). (وَعَلَى أَيْتَامِ فِي حُجُورِهِمَا؟) وفي رواية للنسائيّ، من طريق علقمة: ((فقالتا لبلال: ايتَّ رسول الله وَّهِ، فقل: امرأتان لإحداهما فضلُ مال، وفي حجرها بنو أخ لها أيتام، وقالت الأخرى: إن لي فضل مال، ولي زوجٌ خفيف ذات اليد ... )). (وَلَا تُخْبِرْهُ) ((لا)) ناهيةٌ، ولذا ◌ُزم بها الفعل بعدها (مَنْ نَحْنُ؟) أي: لا تعيّن اسمنا، بل قل: تسأل امرأتان، إرادةَ الإخفاء؛ مبالغةً في نفي الرياء، أو رعاية للأفضل، وهذا أيضاً يصلح أن يكون وجهاً لعدم دخولهما، وقيل: المعنى: لا تخبره؛ أي: بلا سؤال، وإلا فعند السؤال يجب الإخبار، فلا يمكن المنع عنه، ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (قَالَتْ) زينبُ (فَدَخَلَ بِلَالٌ) (عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ إِ: ((مَنْ هُمَا؟))) أي: من السائلتان؟ (فَقَالَ) بلالٌ ◌َُبه مخبراً عنهما، ومعيّناً لهما لوجوبه عليه بطلب الرسول وَ﴾، واستخباره، وقوله: (امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَزَيْنَبُ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: هما: امرأة من الأنصار، وزينب، ووقع في رواية النسائيّ بأن أجاب بقوله: ((زينب))، وعليه فالمعنى أن اسم كلّ منهما زينب. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((أَيُّ الزَّيَانِبِ؟))) وإنما لم يقل: ((أيّةُ) بالتأنيث؛ لأنه يجوز التذكير والتأنيث، كما قال الله تعالى: ﴿بِأَِّّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (قَالَ) بلالٌ (امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) وفي رواية النسائيّ المذكورة: ((زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، وَزَيْنَبُ الْأَنْصَارِيَّةُ))، يعني: امرأة أبي مسعود، كما تقدّم. قال النوويّ كَّلُهُ: قد يقال: إنه إخلاف الوعد، وإفشاء للسرّ، وجوابه أنه عارض ذلك جواب رسول الله وَل﴿، وجوابه واجب محتمٌ، لا يجوز تأخيره، ولا يُقَدَّم عليه غيره، وقد تقرر أنه إذا تعارضت المصالح بُدئ بأهمها. انتھی(٢) . وقال القرطبيّ تَخَُّ: ليس إخبار بلال ظُه بالسائلتين اللتين استكتمتاه مَنْ هما بكشف أمانة سرّ؛ لوجهين: (١) ((شرح النوويّ)) ٨٧/٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٨٧. ٢٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة [أحدهما]: أن بلالاً فَهِمَ أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تُحْوِج إلى ذلك. [الثاني]: أنه إنما أخبر بهما جواباً لسؤال النبيّ وَّ، فرأى أنّ إجابة رسول الله ﴿ أهمّ، وأوجب من كتمان ما أمرتاه به. وهذا كلّه بناء على أنهما أمرتاه به، ويَحْتَمِل أن يكون سؤالاً للإسراع، ولا يجب إسعاف كلّ سؤال. انتهى. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَهُمَا) أي: لكلّ واحدة منهما (أَجْرَانٍ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ) أي: أجر صلة الرحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ)) أي: أجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد الخدريّ الذي أخرجه الشيخان، وغيرهما، يدلّ أنها شافهته، وشافهها(١)؛ لقولها فيه: ((يا نبيّ الله إنك أمرت))، وقوله فيه: ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقٌ))، فَيَحْتَمِل أن يكونا قصّتين، ويَحْتَمِل أن يقال: تُحمَل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأول هو الأرجح، (١). هو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)): (١٤٦٢) حدّثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، هو ابن أسلم عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه: خرج رسول الله وَلقوله في أضحى، أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف، فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: ((أيها الناس تصدقوا))، فمرّ على النساء، فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار))، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء))، ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود، تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: «أي الزيانب؟» فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: ((نعم ائذنوا لها))، فأذن لها، قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقّ من تصدقت به عليهم، فقال النبيّ وَّ: ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ من تصدقت به علیھم)). انتھی. ٢٨٧ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٨) ومما يرجّحه، اختلاف سياق القصّتين، ففي حديث الباب أن السؤال عن أيتام هم بنو أخيها، لا عن ولدها، وفي حديث أبي سعيد أن الولد لها من ابن مسعود ها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زينب امرأة ابن مسعود ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١٨/١٤ و٢٣١٩] (١٠٠٠)، و(البخاري) في (الزكاة)) (١٤٦٦)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٣٥)، و(ابن ماجه) في ((الزكاة)) (١٨٣٤)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٨٣)، و((الكبرى)) (٩٢٠٠ و٩٢٠١ و٩٢٠٢ و٩٢٠٣)، و(أحمد) في ((مسند)) (٥٠٢/٣ و٣٦٣/٦)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٦٥٤)، (وابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٦٣ و٢٤٦٤)، (وأبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٢/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٢٦/٢٤ و٧٢٧ و٧٢٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٥٣)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٢/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صرف الصدقة على الأقارب، وفيه اختلاف بين العلماء سنحقّقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): الحثّ على الصدقة على الأقارب. ٣ - (ومنها): الحثّ على صلة الرحم. ٤ - (ومنها): جواز تبرّع المرأة بمالها بغير إذن زوجها. ٥ - (ومنها): مشروعيّة عِظَةِ الإمام النساء. ٦ - (ومنها): ترغيب وليّ الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء. ٧ - (ومنها): جواز تحدّث الرجل مع النساء الأجانب في الأمور المهمّة عند الحاجة. ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٨ - (ومنها): التخويف من المؤاخذة بالذنوب، وما يُتوقّع بسببها من العذاب، فإن النبيّ وَل قال: ((يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار)). ٩ - (ومنها): جواز فُتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، حيث أفتى ابن مسعود ظابه بجواز صرف صدقة امرأته له، وقال النبيّ وَلّ: ((صدق ابن مسعود»، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه. ١٠ - (ومنها): طلب الترقّي في تحمّل العلم، حيث ذهبت زينب ﴿يَا إلى رسول الله 18 بعد أن أفتاها زوجها ابن مسعود ظه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع الزكاة إلى الأقارب: قال الإمام ابن قدامة نقلاً عن ابن المنذر - رحمهما الله تعالى -: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم؛ لأن دفع زكاته إليهم تُغنيهم عن نفقته، وتُسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه . قال: ونصّ أحمد، فقال: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجدّ، ولا الجدّة، ولا ولد البنت. قال: وأما سائر الأقارب، فمن لا يُوَرَّثُ منهم يجوز دفع الزكاة إلیه، سواء كان انتفاء الإرث لانتفاء سببه، لكونه بعيد القرابة، أو لمانع، مثل الأخ المحجوب بالابن، فيجوز دفع الزكاة إليه؛ لأنه لا قرابة جزئيّة بينهما، ولا ميراث، فأشبها الأجانب، وإن كان بينهما ميراث، كالأخوين الذين يرث أحدهما الآخر، ففيه روایتان عن أحمد: [إحداهما]: يجوز دفع زكاته إلى الآخر، وهي الظاهرة عنه، رواها عنه جماعة، فقد سئل: أيُعطِي الأخَ، والأختَ، والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كلَّ القرابة إلا الأبوين والولد، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال أبو عبيد: هو القول عندي؛ لقول النبيّ ◌َيقول: ((الصدقة على المسكين صدقةٌ، وهي لذي الرحم ٢٨٩ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٨) اثنان، صدقة وصلة))، فلم يشترط نافلة، ولا فريضة، ولم يفرّق بين الوارث وغيره. [الرواية الثانية]: لا يجوز دفعها إلى الْمُوَرَّثِ؛ لأنه يلزمه مؤنته، فيغنيه بزكاته عن مؤنته، ويعود نفع زكاته إليهم، فلم يجز، كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها، والحديث يحتمل صدقة التطوّع، فيُحمل عليها. انتهى مختصر كلام ابن قدامة تَخْتُهُ بتصرف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الراجح هو الأول، كما اختاره أبو عبيد، واحتجّ له بإطلاق حديث: ((الصدقةُ على المسكين إلخ))، وكذلك إطلاق حديث زينب المذكور في الباب، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما هو مبيّن في محلّه. والحاصل أن الحقّ جواز دفع الزكاة لعموم الأقارب، فإن صحّ الإجماع على أنه لا يجوز دفعها للوالدين - كما ادعاه ابن المنذر - قلنا به، وإلا فهما داخلان في عموم النصوص أيضاً. قال العلامة الشوكانيّ كَّلُهُ: ويؤيّد الجواز، والإجزاء الحديث الذي تقدّم عند البخاريّ، بلفظ: ((زوجك، وولدك أحقّ من تصدّقت عليهم))، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال، ثم الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة، أو وجوب النفقة مانعان، فعليه الدليل، ولا دلیل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ كَُّ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع زكاة أحد الزوجين إلى الآخر: قال الإمام ابن المنذر تَخْتُ: أجمعوا على أنّ الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئاً؛ لأن نفقتها واجبةٌ عليه. قال الصنعانيّ: وعندي فيه توقّف؛ لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها، لا يصيّرها غنيّةً، الغِنَى الذي يمنع من حلّ الزكاة لها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الصنعانيّ متّجهٌ؛ إذ التعليل ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة بوجوب نفقتها على الزوج، لا يوجب امتناع الصرف إليها؛ لأن نفقتها واجبة عليه، غنيّةً كانت، أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئاً، فتأمّل حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم. وأما دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، فذهب الشافعيّ، والثوريّ، وابن المنذر، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحمد إلى جوازه. وحجّتهم حديثُ زينب المذكور في الباب، ووجه الاحتجاج به أنها سألته عن الصدقة على زوجها، وعلى الأيتام في حجرها، فأجابها بأن لها أجرَ الصلة، وأجر الصدقة، ولم يستفسر، هل هي صدقة واجبة، أم تطوٌّ؟، وترك الاستفصال في حكاية الحال ينزّل منزلة العموم في المقال. وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية إلى منعه، واحتجّوا بأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكّن بأخذ الزكاة من الإنفاق فيلزمه، وإن لم يكن عاجزاً، ولكنه أيسر بها، لزمه نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين. ورُدَّ هذا بأنه يلزم منه منع دفعها له صدقة التطوّع أيضاً؛ للعلّة المذكورة؛ مع أنه يجوز دفعها إليه اتفاقاً . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ المذهب الأول هو الأرجح؛ لأ مرين : (الأول): أن الزوج داخل في الأصناف المنصوص عليها في مصارف الزكاة؛ لأنه فقير. (الثاني): أنه ليس في المنع نصّ، ولا إجماعٌ، ولا قياس صحيح. قال العلّامة الشوكانيّ كَّقُ: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إليه: (أما أوّلاً): فلعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل. (وأما ثانياً): فلأن ترك استفصاله و ﴿ لها ينزّل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة، هل هي تطوّع، أم واجبٌ؟ فكأنه قال: يجزي عنك فرضاً كان، أو تطوّعاً. انتهى. وهو بحث نفيس جدّاً. ٢٩١ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٩) والحاصل أن الأرجح جواز دفع الزكاة لزوجها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٣١٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْئَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْتَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِهِ سَوَاءٌ، قَالَ: قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَآنِي النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي الْأَخْوَصِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م دس ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٠. ٢ - (عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (٢٢٢) (ع) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٥/٣٢. ٣ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ: فَذَكَرْتُ إِبْرَاهِيمَ) أي: ذكرت حديث شقيق المذكور، والقائل: ((فذكرت إلخ)) هو الأعمش، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعيّ، وأبو عُبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود، ففي الطريق ثلاثة من التابعين، ورجال الطرُق الثلاثة كلهم كوفيّون. وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) أي: حدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة عن عمرو بن الحارث بمثل حديث شقيق، عن عمرو بن الحارث المتقدّم. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي الأَخْوَصِ) فاعل ((ساق)) ضمير ٢٩٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة حفص بن غياث؛ أي: ساق حفص، عن الأعمش بمعنى حديث أبي الأحوص عنه . [تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن الأعمش هذه ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (١٤٦٦) - حدّثنا عُمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، قال: حدّثني شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله ضربًا. قال: فذكرته لإبراهيم، فحدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله بمثله سواءً، قالت: كنت في المسجد، فرأيت النبيّ وَ﴿، فقال: ((تصدقن، ولو من حليكن))، وكانت زينب تُنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سَلْ رسول الله وَّهِ، أَيَجْزِي عني أن أُنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سَلِي أنت رسول الله وَ ه، فانطلقت إلى النبيّ وََّ، فوَجَدتُ امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمَرّ علينا بلال، فقلنا: سل النبيّ وَّ أَيَجْزِي عني أن أنفق على زوجي، وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل، فسأله، فقال: ((من هما؟))، قال: زينب، قال: ((أيُّ الزيانب؟))، قال: امرأة عبد الله، قال: ((نعم، لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٣٢٠] (١٠٠١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي أَجْرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ؟، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ، فَقَالَ: ((نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتٍ عَلَيْهِمْ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب. ٢٩٣ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢٠) ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريباً. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل [٥] (ت٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٥ - (زَيْئَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ وَّه ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٦٨٩/٢. ٦ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة بن المغيرة بن عبد الله المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ ◌َ﴾ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدمت في ((المقدمة)) جـ٢ ص ٤٧٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَذْهُ ٢ - (ومنها): أن رواته كلّهم رواة الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد الشيوخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفیّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والبنت عن أمها، وتابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّة عن صحابيّة. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة ◌ِهُنَا أنها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي أَجْرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الأسد، الذي كان زوجها قبل رسول الله وَلّ، وهم: عُمَر، ومحمد، وزينب، ودُرَّة، وقولها: (أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من ((بني أبي سلمة)) (وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا) معمول ((تاركتهم))؛ أي: لست بتاركتهم ذاهبين هكذا وهكذا، يسألون ٢٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الناس، قاله السنوسيّ كَّتُهُ(١). (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) أصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلمة سقطت نون الجمع، فصار بَنُويَ، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت الواو في الياء، فصار بَنُيّ، بضم النون وتشديد الياء، ثم أُبدلت ضمةُ النون كسرةً؛ لمناسبة الياء، فصار بَنِيَّ، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله: وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ قَدْ رُسِمَا فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا (فَقَالَ) بَّهِ (نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ))) قال في ((الفتح)): رواه الأكثر بالإضافة على أن تكون «ما)) موصولةً، وجوّز أبو جعفر الْغَرْناطيّ نزيل حَلَب تنوين ((أجرٌ)) على أن تكون ((ما)) ظرفيّةً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٢٠/١٤ و٢٣٢١] (١٠٠١)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٦٧)، و((النفقات)) (٥٣٦٩)، و(ابن ماجه) في ((الزكاة)) (١٨٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٢/٦ و٢٩٣ و٣١٠ و٣١٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٢٤٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٠٠٨)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (١٥٠/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٣/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٩٦/٢٣ و٩١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٧٨/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٦٧٩)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((شرح السنوسيّ)) ١٤١/٣ - ١٤٢. (٢) ((الفتح)) ٣٠٩/٤. ٢٩٥ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٣٢١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين. ٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل بابين. و ((هشام)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معمر، عن هشام بن عروة هذه ساقها عبد الرزّاق في (مصنّفه)) (١٠/ ٤٣٧) فقال: (١٩٦٢٨) أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﴿يا، أنها قالت: يا رسول الله، إن بني أبي سلمة في حِجْري، وليس لهم إلا ما أنفقت عليهم، ولست بتاركتهم كذا ولا كذا، أفلي أجر ما أنفقت عليهم؟ فقال النبيّ ◌َّر: ((أنفقي عليهم، فإن لك أجر ما أنفقت عليهم». انتهى. وأما رواية عليّ بن مسهر، عن هشام، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَكْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٢٢] (١٠٠٢) - (حَدَّثَنَا (١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ بَ ◌ّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريباً. ٤ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ، صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير #يا (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٦. ٦ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، مات ظُه قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٢٩٧ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢٢) ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، عند من يقول: إن عبد الله بن يزيد تابعيّ، ورواية صحابيّ عن صحابيّ عند من يقول بصحبته، وهو الأصح، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ) لم يقل: ((ابن ثابت))، بل زاد لفظة ((وهو))؛ لكون شيخه لم ينسبه إلى أبيه، وإنما نسبه من عنده، فميّز بين ما رواه، وبين ما زاده من عنده، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في ((شرح المقدّمة)»، فراجعه تزدد علماً (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) وفي رواية البخاريّ في ((الإيمان)) من طريق حجاج بن منهال، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عديّ بن ثابت، قال سمعت عبد الله بن يزيد، وقد صرّح عبد الله بن يزيد بسماعه من أبي مسعود عند البخاريّ في ((المغازي)) (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ) اختُلف في سبب نسبته إلى بدر، فقيل: لسكناه بها، لا لشهوده وقعتها، وقيل: لكونه شهد وقعتها، وهذا هو الذي قاله البخاريّ، ومسلم، وهو الصحيح، وقد تقدّم بيان ذلك في (شرح المقدّمة))(١). (عَنِ النَّبِيِّ وَّ) أنه (قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَّةً) قال صاحب ((المغرب)): أهل الرجل امرأته، وولده، والذي في عياله ونفقته، وكذا كلُّ أخ، أو أخت، أو عمّ، أو ابن عمّ، أو صبيّ أجنبي يقوته في منزله. وعن الأزهريّ: أهلُ الرجل أخصّ الناس به، ويُجْمَع على أَهْلِينَ، والأهالي على غير قياس، قاله في ((العمدة))(٢). وقال في ((الفتح)): ((الأهل)) يَحْتَمِل أن يَشْمَل الزوجة، والأقارب، ويَحْتَمِل أن يخُصّ الزوجة، ويُلْحَق بها من عداها بطريق الأولى؛ لأنّ الثواب إذا ثبت فيما هو واجب، فثبوته فيما ليس بواجبٍ أولى. وقال الطبريّ تَخْتُهُ ما مُلخّصه: الإنفاق على الأهل واجبٌ، والذي يُعطيه (١) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٤٥٨/٢ - ٤٥٩. (٢) ((عمدة القاري)) ١٣/٢١ ((كتاب النفقات)) رقم الحديث (٥٣٥١). ٢٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبةً، وبين تسميتها صدقةً، بل هي أفضل من صدقة التطوّع. وقال المهلّب تَقَّتُهُ: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سمّاها الشارع صدقة خشية أن يظنّوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عَرَفُوا ما في الصدقة من الأجر، فعرّفهم أنها لهم صدقةٌ، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يَكْفُوهم؛ ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوّع. وقال ابن الْمُنَيِّر ◌َتُهُ: تسمية النفقة صدقةً، من جنس تسمية الصداق نِحْلَةً، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها - في اللذّة والتأنيس، والتحصين، وطلب الولد - كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أنّ الله خصّ الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورَفَعَه عليها بذلك درجةً، فمن ثَمَّ جاز إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة. انتهى(١). (وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا) أي: يريد أجرها من الله تعالى بحسن نيّته، وهو أن ينوي أداء ما أوجب الله تعالى عليه من الإنفاق عليهم، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. قال بعضهم: أفاد الحديث بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يَحصُل بقصد القربة، سواءٌ كانت واجبةً، أو مباحةً، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يُؤجر، لكن تبرأ ذمّته من النفقة الواجبة؛ لأنها معقولة المعنى. انتھی . وقال النوويّ ◌َّقُ: فيه بيان أن المراد بالصدقة، والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه أراد بها وجه الله رَك، فلا يدخل فيه من أنفق عليها ذاهلاً، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب أن يتذكّر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة، وأطفال أولاده، والمملوك، وغيرهم، ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم، واختلاف العلماء فيهم، وأنّ غيرهم ممن يُنفَقُ عليه مندوبٌ إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنيّة أداء ما أُمر به، وقد أُمر (١) راجع: الفتح ٦٢٤/١٠ - ٦٢٥. ٢٩٩ (١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣٢٢) بالإحسان إليهم، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً))) جواب «إذا»، ثم إن «كان» هنا يَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى ((نفقةً))، و((صدقةً)) خبرها: أي: كانت النفقة صدقةً له، ويَحْتَمِل أن تكون تامّةً، و((صدقةٌ)) بالرفع فاعلها؛ أي: حصلت له صدقةٌ. قال في (الفتح)): المراد بالصدقة الثواب، وإطلاقها عليه مجازٌ، وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشميّة مثلاً، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب، لا في كمّيّته، ولا في كيفيّته، ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقروناً بالنيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود البدريّ ◌َلُله هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٢٢/١٤ و٢٣٢٣] (١٠٠٢)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٥٣)، وفي ((المغازي)) (٤٠٠٦)، وفي ((النفقات)) (٥٣٥١)، وفي (الأدب المفرد)) (٧٤٩)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٦٥)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٤٥)، وفي ((الكبرى)) (٢٣٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ١٢٠ و١٢٢ و٢٧٣/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٤/٢ - ٢٨٥)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٨٤/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٢٣٨ و٤٢٣٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٢٢/١٧ - ٥٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ١٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل النفقة على الأهل محتسباً. ٢ - (ومنها): أن النفقة على الأهل، وإن كانت واجبةً تسمّى صدقةً، وقد (١) (شرح النوويّ)) ٨٨/٧ - ٨٩. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن سلمان بن عامر الضبيّ رَظ ◌ُه، عن النبيّ ◌َّ، أنه قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة)). ٣ - (ومنها): أن الأعمال لا يوجد ثوابها إلا بإخلاص النيّة لله تعالى. ٤ - (ومنها): أن ثواب الصدقة يحصل بالنفقة الواجبة، فمن أنفق على أهله من غير احتساب، لم يحصل له ثواب الصدقة، وإن سقط عنه الوجوب، قال في ((العمدة)): [فإن قلت]: كيف يكون إطعام الرجل أهله صدقةً، وهو فرض عليه؟. [قلت]: جعل الله الصدقة فرضاً وتطوعاً، ويُجْزَى العبدُ على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة. وقيل: إنما أطلق الشارع صدقة على نفقة الفرض؛ لئلا يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم. وقال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بالإجماع. وقال الطبريّ: النفقة على الأولاد ما داموا صغاراً فَرْضٌ عليه؛ لقوله وَّ: ((وأبدأ بمن تعُول))؛ لأن الولد ما دام صغيراً فهو عيال. وقال ابن المنذر: واختلفوا فيمن بلغ من الأبناء، ولا مال له، ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن يُنفق على ولد صلبه الذكور حتى يحتلموا، والبنات حتى يُزَوَّجْنَ، فإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها، وإن طلقها بعد البناء، أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، ولا نفقة لولد الولد على الجدّ، هذا قول مالك، ونفقة الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات واجبة بشرط العجز، مع قيام الحاجة، وأما نفقة بني الأعمام، وأولاد العمات، فلا تجب عند عامة العلماء، خلافاً لابن أبي ليلى. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) ((عمدة القاري)) ١٣/٢١ ((كتاب النفقات).