Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٩) - بَابُ بَيّانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ - حديث رقم (٢٣٠٤)
الوارد في النهي عن استعمال ((لو)) على ما يكون في أمر غير محمود شرعاً.
٢٢ - (ومنها): أنه ادَّعَى المهلَّب أن قوله في رواية الأحنف، عن أبي
ذرّ: ((أَتُبصِر أُحُداً؟ قال: فنظرت ما عليه من الشمس ... )) الحديث أنه ذُكِر
للتمثيل في تعجيل إخراج الزكاة، وأن المراد ما أُحِب أن أَحْبِس ما أوجب الله
عليَّ إخراجه بقدر ما بقي من النهار.
وتعقبه القاضي عياض، فقال: هو بعيد في التأويل، وإنما السياق بَيِّنٌ في
أنه وَ ل* أراد أن ينبهه على عِظَم أَحُدٍ ليضرب به المثل في أنه لو كان قدره ذهباً
ما أحب أن يُؤَخَّر عنده إلا لما ذُكِر من الإنفاق، والإرصاد، فظنّ أبو ذر أنه
يريد أن يبعثه في حاجة، ولم يكن ذاك مراداً إذ ذاك كما تقدم.
وقال القرطبيّ: إنما استفهمه عن رؤيته ليستحضر قدره حتى يُشَبّه له ما
أراد بقوله: ((لو كان لي مثله ذهباً)).
٢٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَخْتُ: قد يَحْتَجّ به مَن يُفَضِّل الفقر
على الغنى، وقد يَحْتَجّ به مَن يُفَضِّل الغنى على الفقر، ومأخذ كل منهما واضح
من سياق الخبر.
٢٤ - (ومنها): أن فيه الحضَّ على إنفاق المال في الحياة، وفي الصحة،
وترجيحه على إنفاقه عند الموت، وسيأتي فيه حديث: ((أن تَصَدَّق، وأنت
صحيحٌ شحيح))(١)، وذلك أن كثيراً من الأغنياء يَشِحّ بإخراج ما عنده ما دام في
عافية، فيأمل البقاء، ويخشى الفقر، فمن خالف شيطانه، وقهر نفسه؛ إيثاراً
لثواب الآخرة فاز، ومَن بَخِلَ بذلك لم يَأْمَن الجور في الوصية، وإن سَلِمَ لم
يأمن تأخير تنجيز ما أَوْصَى به، أو تركه، أو غير ذلك من الآفات، ولا سيما
إن خلف وارثاً غير مُوَفَّق فيبذره في أسرع وقت، ويبقى وباله على الذي جمعه،
والله المستعان(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
(١) يأتي برقم (١٠٣٢).
(٢) ((الفتح)) ١٤ / ٥٥٥ - ٥٥٦ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٤٥).

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدٍ
الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ
اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ الهِلَّهِ يَمْشِي وَحْدَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنْتُ أَنَّهُ بَكْرَهُ
أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي، فَقَالَ:
(مَنْ هَذَا؟)) فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَ (٢)، قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ تَعَالَهْ))، قَالَ:
فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ بَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ
أَعْطَاهُ اللهُ خَيْراً، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً))،
قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: ((اجْلِسْ هَا هُنَا))، قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعِ، حَوْلَهُ
حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: ((اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ))، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِيَّ الْحَرَّةِ
حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي، فَأَطَالَ اللَّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ، وَهُوَ مُقْبِلٌ، وَهُوَ يَقُولُ:
(وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟))، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ
فِدَاءَ (٣)، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَداً يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئاً، قَالَ:
((ذَاكَ جِبْرِيلُ، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ(٤) لَا
يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟
قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((فداك)).
(٢) وفي نسخة: ((فداك)).
(٤) وفي نسخة: ((من مات منهم)).

٢٢٣
(٩) - بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ - حديث رقم (٢٣٠٥)
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْع) الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة،
ثقةٌ [٤] (ت١٠٣) وقيل: بعدهاً (ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١٠/١٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ) تأكيد لقوله: ((وحده))، ويَحْتَمِل أن يكون لرفع
توهّم أن يكون معه أحد من غير جنس الإنسان، من ملك، أو جنيّ.
وقوله: (فِي ظِلِّ الْقَمَرِ) أي: في المكان الذي ليس للقمر فيه ضوءٌ؛
ليُخْفِي شَخْصه، وإنما استمر يمشي؛ لاحتمال أن يطرأ للنبيّ وَّ حاجة، فيكون
قريباً منه.
وقوله: (فَقَالَ: (مَنْ هَذَا؟))) كأنه وَلِّ رأى شخصه، ولم يتبيّن له من
هو؟.
وقوله: (فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أنا أبو
ذرّ.
وقوله: (تَعَالَهْ) بهاء السكت، قال الداوديّ: فائدة الوقوف على هاء
السكت أن لا يقف على ساكنين، نقله ابن التين، وتُعُقّب بأن ذلك غير مطّرد.
وقوله: (إِلَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْراً) أي: مالاً .
وقوله: (فَتَفَحَ فِيهِ) بالفاء، والحاء المهملة، ومعناه: أعطى، وأصله الرمي
بالشيء، يعني: أنه ضرب يديه فيه بالعطاء.
وقوله: (يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَرَاءَهُ) كلّها منصوبة على الظرفيّة،
معمولة ل(نَفَحَ))، وذكر الجهات كناية عن كثرة العطاء، فكأنه يعطي السُّؤَّال من
أي جهة أتوه(١).
وقوله: (وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً) أي: طاعة لله تعالى، وقال النوويّ كَّتُهُ:
المراد بالخير الأول المال، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبٍ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨]؛
أي: المال، والمراد بالخير الثاني طاعة الله تعالى، والمراد بيمينه وشماله ما
سَبَق أنه جميع وجوه المكارم والخير.
وقوله: (فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعِ) القاع: المستوي من الأرض في انخفاض.
(١) ((المفهم)) ٣٦/٣.

٢٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقوله: (فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ) أي: ذهب النبيّ ◌ََّ، في الحرّة؛ أي:
الأرض الملبّسة حجارةً سوداء.
وقوله: (فَلَبِثَ عَنِّي) من باب تَعِبَ: أي: تأخّر عن المجيء إليّ.
وقوله: (يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئاً) أي: يردّ عليك، ويُجيبك في كلامك.
وقوله: (عَرَضَ لِي) من باب ضرب: أي: ظهر لي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١٠) - (بَابٌ فِي الْكَنَّازِينَ لِلأَمْوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٣٠٦] (٩٩٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنِ الْأَخْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا
أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأْ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الفِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ،
أَخْشَنُ الْوَجْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ، يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ
جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةٍ ثَدْىٍ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضٍٍ كَتِفَيْهِ، وَيُوضَعُ
عَلَى نُغْضٍ كَتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةٍ ثَدْبَيْهِ، يَتَزَّلْزَلُ، قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ
رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئاً، قَالَ: فَأَدْبَرَ، وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ
إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ، قَالَ (١): إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا
يَعْقِلُونَ شَيْئاً، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ وَهِ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: ((أَتَرَى أُحُداً؟))
فَنَظَرْتُ مَا عَلَّ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلْتُ: أَرَاهُ،
فَقَالَ: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَباً، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ))، ثُمَّ هَؤُلَاءٍ
(١) وفي نسخة: ((فقال)).

٢٢٥
(١٠) - بَابٌ فِي الْكَنَّزِينَ لِلأَمْوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٢٣٠٦)
يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً، قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلِإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَا
تَعْتَرِيِهِمْ، وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا وَرَبِّكَ، لَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ
دِينٍ، حَتَّى أَلْحَقَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصريّ، ثقةٌ ثبت حافظٌ [٨]
(ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل
موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢]
(ت١٠١) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٨٣/٢٠.
٥ - (الْأَحْتَفُ بْنُ قَيْسٍ) بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، أبو بحر
البصريّ، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، وقيل: الحارث، والأحنف لقب، ثقةٌ
مخضرم [٢].
أدرك النبيّ ◌َ ﴿، ولم يسلم، ويُرْوَى بسند لَيِّن أن النبيّ وَِّ دعا له، رَوَى
عن عمر، وعليّ، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وأبي ذرّ ﴿ه، وغيرهم.
وروى عنه الحسن البصريّ، وأبو العلاء بن الشِّخِّير، وطَلْق بن حَبِیب،
وغيرهم.
قال الحسن: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف، ومناقبه كثيرة،
وحِلْمُه يُضْرَب به الْمَثَلُ، وذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل
البصرة، قال: وكان ثقةً مأموناً قليل الحديث، وذكر الحاكم أنه الذي افتَتَحَ مَرْوَ
الرُّوذ، وقال مصعب بن الزبير يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي، وذكره ابن
حبان في (الثقات))، وقال أحمد في ((الزهد)): حدّثنا أبو عُبيدة الحداد، ثنا
عبد الملك بن مَعْن، عن خير بن حبيب، أن الاحتف بَلَّغَهُ رجلان دعاء النبيّ وَّل
له فسجد، ومن طريق الحسن، عن الأحنف قال: لست بحليم، ولكني أتحالم.

٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قيل: مات سنة (٦٧) وقيل: سنة (٧٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم
(٩٩٢) وأعاده بعده، و(٢٦٧٠): ((هلك المتنطّعون ... ))، و(٢٨٨٨): ((إذا
تواجه المسلمان بسيفيهما ... ))، وأعاده بعده.
٦ - (أبو ذَرّ) الغفاريّ ◌ُه تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخُّهُ.
٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
وأبي ذرّ ◌ُه، فرَبَذِيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين البصريين الثقات روى بعضهم عن
بعض: الجريريّ، عن أبي العلاء، عن الأحنف، وأن الأحنف هذا أول محلّ
ذكره في الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) سعيد بن إياس (عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن
الشِّخِيرِ (عَنِ الْأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ) ووقع عند البخاريّ، من طريق عبد الصمد بن
عبد الوارث، عن أبيه التصريح بالتحديث من الجريريّ، وأبي العلاء، ولفظه:
((وحدّثني إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا
الْجُريريّ، حدّثنا أبو العلاء بن الشِّخِّير، أن الأحنف بن قيس حدّثهم، قال:
جلست إلى ملاٍ من قريش ... )) (قَالَ) الأحنف (قَدِمْتُ) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ)
النبويّة (فَبَيْنَا) هي ((بين)) الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تقدّم
البحث فيها مستوفّى غير مرّة (أَنَا فِي حَلْقَةٍ) بسكون اللام، وحكى الجوهريّ
لُغيّة رديئة في فتحها؛ أي: بين أوقاتي قعودي في حلقة، قاله النوويّ كَّهُ(١).
(١) ((شرح النووي)) ٧/ ٧٧.

٢٢٧
(١٠) - بَابٌ فِي الْكَنَّازِينَ لِلأَمْوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٢٣٠٦)
(فِيهَا مَلَأٌ) - بفتح الميم - مهموزاً: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك؛ لكَلاءتهم بما
يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أُبَّهَةً،
والصدور هَيْبةً، والجمع أملاءٌ، مثلُ سَبَب وأسباب(١).
(مِنْ) للبيان مع التبعيض (قُرَيْشٍ) أي: من قبيلة قريش، وهم مَن ولدهم
النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: هم بنو فهر بن مالك، ومن
لم يلده فليس من قريش، والأول قول الأكثرين، والثاني أصحّ، كما قال
الحافظ العراقيّ تَخُّْ في «ألفيّة السيرة)):
أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ
جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
(إِذْ) بكسر، فسكون هي الْفُجائيّة (جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ النِّيَابِ) بالخاء
المعجمة، من الخُشُونة، وهو ضدّ اللين (أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الَّوَجْهِ) قال
النوويّ تَّلُهُ: هو بالخاء والشين المعجمتين في الألفاظ الثلاثة، ونقله القاضي
هكذا عن الجمهور، وهو من الخشونة، قال: وعند ابن الحذّاء في الأخير
خاصّةً ((حَسَنُ الوجه))، من الحسن، ورواه القابسيّ في البخاريّ ((حَسَنُ الشعر،
والثياب، والهيئة))، من الحسن، ولغيره ((خَشِنُ)) من الخشونة، وهو أصوب.
انتھی.
ولفظ البخاريّ: ((فجاء رجل خَشِن الشعر، والثياب، والهيئة))، قال في
(الفتح)): قوله: ((خشن الشعر ... إلخ)) كذا للأكثر بمعجمتين، من الخشونة،
وللقابسي بمهملتين، من الحسن، والأول أصح؛ لأنه اللائق بزيّ أبي ذرّ
ـه ،
لأب
قال: وليعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال، عن الأحنف، قَدِمتُ
المدينة، فدخلت مسجدها، إذ دخل رجل آدم، طوال، أبيض الرأس واللحية،
يشبه بعضه بعضاً، فقالوا: هذا أبو ذرّ. انتهى (٢).
(فَقَامَ) أي: وقف (عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ) بالنون والزاي، من كَنَزَ
يَكْنِزُ، من باب ضرب، في المشهور، وحكى بعضهم أيضاً أنه من باب
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٠/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٣/١٤، و((عمدة القاري)) ٢٦٤/٨.

٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
نصر(١)، وفي رواية الإسماعيليّ: (بَشِّر الكَنَّازين)) بتشديد النون، جمع كنّاز
مبالغةُ كانز، وقال ابن قرقول: وعند الطبريّ، والهرويّ: ((الكاثرين)) بالثاء
المثلثة والراء، من الكثرة، والمعروف هو الأول.
وقوله: (بَشِّر)) من باب التهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٢] و[التوبة: ٤٣] و[الانشقاق: ٤٢](٢).
قال النوويّ كَُّهُ: أما قوله: ((بَشِّر الكانزين))، فظاهره أنه أراد الاحتجاج
لمذهبه في أن الكنز كلُّ ما فَضَل عن حاجة الإنسان، هذا هو المعروف من
مذهب أبي ذرّ ◌َظُه، وروي عنه غيره، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الكنز
هو المال الذي لم تؤدَّ زكاته، فأما إذا أديت زكاته، فليس بكنز، سواءٌ كَثُر أم
قلّ.
وقال القاضي عياض: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين
يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي قاله القاضي باطلٌ؛ لأن السلاطين في
زمنه لم تكن هذه صفتهم، ولم يخونوا في بيت المال، إنما كان في زمنه أبو
بكر، وعمر، وعثمان ﴿ه، وتُؤُفّي في زمن عثمان ظُه سنة ثنتين وثلاثين.
انتھی(٣).
(بِرَضْفٍ) بفتح الراء، وسكون المعجمة، بعدها فاء: هي الحجارة
الْمُحْمَاةُ، واحدها رَضْفَةٌ (يُحْمَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يوقد (عَلَيْهِ) أي: على
ذلك الكنز (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) في ((جهنّم)) مذهبان لأهل العربية: أحدهما أنه اسم
عجميّ فلا ينصرف؛ للعُجْمة، والعلميّة، قال الواحديّ: قال يونس: وأكثر
النحويين هي أعجمية، لا تنصرف؛ للتعريف والعجمة، وقال آخرون: هو اسم
عربيٍّ، سُمِّيت به؛ لبعد قَعْرها، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث، قال قطرب، عن
رؤبة: يقال: بئر جِهِنّامٌ: أي: بعيدة القَعْر، وقال الواحديّ في موضع آخر:
قال بعض أهل اللغة: هي مشتقة من الجهومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ
(١) راجع: (تاج العروس في شرح القاموس)) ٧٥/٤.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٦٤/٨.
(٣) ((شرح النووي)) ٧/ ٧٧.

٢٢٩
(١٠) - بَابٌ فِي الْكَتَّازِينَ لِلأَمَّوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٢٣٠٦)
الوجه؛ أي: غليظه، وسُمِّيت جهنم؛ لغلظ أمرها في العذاب(١).
(فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةٍ ثَدْي أَحَدِهِمْ) الْحَلَمة: هي اللحمة الناتئة على رأس
الثدي، قال الفيّوميّ كَُّهُ: الْخَلَمُ - بفتحتين -: الْقُرَاد الضَّخْمُ، الواحدة حَلَمَةٌ،
مثلُ قَصَبٍ وقَصَبَةٍ، وقيل لرأس الثدي، وهي اللَّحْمة الناتئة حَلَمَةٌ على التشبيه
بقدرها، قال الأزهريّ، والْحَلَمة: الْحَبّةُ على رأس الثدي من المرأة، ورأس
الثَّنْدُوة من الرجل. انتهى(٢) .
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: فيه جواز استعمال الشَّدْي في الرجُل، وهو الصحيح،
ومن أهل اللغة من أنكره، وقال: لا يقال ثَدْيٌ إلا للمرأة، ويقال في الرجل:
ثَنْدُوَة، وقد سبق بيان هذا مبسوطاً في ((كتاب الإيمان)) في حديث الرجل الذي
قَتَلَ نفسه بسيفه، فجعل ذُبابه بين ثدييه، وسبق أن الثَّدْيَ يُذَكَّر ويؤنث، قاله
النوويّ تَخْذُهُ(٣) .
(حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضٍ كَتِفَيْهِ) بضم النون، وسكون المعجمة، بعدها ضاد
معجمة: العظم الدقيق الذي على طَرَف الكتف، وقيل: هو أعلى الكتف،
ويقال له الناغض، أيضاً، قال الخطابيّ: هو الشاخص منه، وأصل النُّغْض
الحركة، فسُمِّي ذلك الموضع نُغْضاً؛ لأنه يتحرك بحركة الإنسان، من قولهم:
أنغض رأسه: أي: حرّكه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْعِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ الآية
[الإسراء: ٥١]؛ أي: يُحرّكونها استهزاءً(٤). (وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضٍ كَتِفَيْهِ، حَتَّی
يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةٍ ثَدْبَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ) بزايين معجمتين: أي: يضطرب، ويتحرّك،
يعني: أن الرَّضْفَ يتزلزل من النُّغْض إلى الْحَلَمَة، وفي رواية الإسماعيليّ:
((فيتجلجل)) بجيمين، قال القاضي عياضٌ كَّلُ: قيل: معناه أنه بسبب نضجه
يتحرك؛ لكونه يهتري، قال: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرَّضْف؛
أي: يتحرك من نُغْض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدیه.
ووقع في بعض النسخ: ((على حلمة ثدي أحدهم - إلى قوله -: حتى
(١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٧٧ - ٧٨.
(٣) (شرح النووي)) ٧٨/٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٤٨/١ - ١٤٩.
(٤) ((المفهم)) ٣٣/٣.

٢٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
يخرج من حلمة ثدييه)) بإفراد الثدي في الأول، وتثنيته في الثاني، وكلاهما
صحيح(١).
(قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ) أي: أطرقوها متخشّعين، أو مستثقلين، يدلّ
عليه قوله: ((إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً))
(فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئاً) أي: ما رَدُّوا عليه شيئاً مما حدّثهم
ذلك الرجل؛ لأنه صحابيّ ثقةٌ عدل عندهم، فما أخبرهم به لا يكون إلا
صدقاً، أو لكراهتهم مناقشته في ذلك (قَالَ) الأحنف (فَأَدْبَرَ) أي: ولّى الرجل
بعد أن أخبرهم بما ذُكر (وَاتَّبَعْتُهُ) أي: لأتبيّن من هو؟، ففي رواية البخاريّ:
وأنا لا أدري من هو؟ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِبَةٍ) هي الأسطوانة، والجمع سَوَارٍ،
مثلُ جاريةٍ وجَوَارٍ (فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ) لعل ذلك
أنهم يرون أن الوعيد الذي ذكّرهم لا ينطبق عليهم، حيث إنهم يؤدّون الزكاة،
وما أدّيت زكاته فليس بكنز، فمذهبهم خلاف مذهب أبي ذرّ ◌َظُه، فهو وإن
حدّثهم بالصدق، إلا أنه فهم منه الإطلاق، وهم فهموا منه التقييد بما لم تُؤدّ
زكاته، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو ذرّ ◌َُّه، وفي نسخة: ((فقال)) (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً) بَيَّن
وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: إنما يجمعون الدنيا ... إلخ.
وفي الرواية التالية من طريق خُلَيد الْعَصَريّ، عن الأحنف، فقلت: ((من
هذا؟ قالوا: هذا أبو ذرّ، فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما
قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم وَ﴾))، وفي هذه الزيادة رَدُّ لقول من قال: إنه
موقوف على أبي ذرّ، فلا يكون حجة على غيره، ولأحمد من طريق يزيد
الباهليّ، عن الأحنف: «كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يَفِرّ منه الناس حين
يرونه، قلت: من أنت؟ قال: أبو ذرّ، قلت: ما نفر الناس عنك؟ قال: إني
أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله (وَ لآت)).
(إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِبَهِ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: ((أَتَرَى أُحُداً؟))) بضمّتين
الجبل المعروف بالمدينة، وإنما استفهمه عن رؤيته؛ لتحقّق رؤيته حتى يشبّه له
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٨/٧.

٢٣١
(١٠) - بَابٌ فِي الْكَنَّازِينَ لِلأَمَّوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٢٣٠٦)
به ما أراده بقوله: ((ما يسُرّني أن لي ... إلخ)) (فَتَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ) ثم
بيّن سبب نظره الشمس، بقوله: (وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ) يعني: أنه
ظنّ أنه وَلّهِ يرسله إلى أُحُد لقضاء حاجة، فأراد أن يعلم قدر الباقي من
الوقت، هل يكفيه للذهاب والرجوع أم لا؟ (فَقُلْتُ: أَرَاهُ) أي: أُحُداً (فَقَالَ) ◌ِّ
((مَا) نافية (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه؛ أي: يُفرِحني (أَنَّ لِي مِثْلَهُ) أي:
مثل أُحُد (ذَهَباً) منصوب على التمييز (أَنْفِقُهُ كُلَّهُ) بالنصب توكيد للضمير
المنصوب (إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ))) قال القرطبيّ كَُّهُ: يعني: ديناراً یرصُدہ لدین؛
أي: يؤخّره، وديناراً لأهله، وديناراً لإعتاق رقبة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا فسّر القرطبيّ الثلاثة الدنانير بهذا التفسير،
ولم يذكر مُستنده في ذلك، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً) قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: ظاهر
احتجاج أبي ذرّ ◌َُّبه بهذا الحديث وشبهه أن الكنز المتوعّد عليه هو جَمْعُ ما
فَضَلَ عن الحاجة، وهكذا نُقل من مذهبه، وهو من شدائده ◌ُته، ومما انفرد
به، وقد رُوي عنه خلاف ذلك، وحُمِل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين
لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره، ولذلك هَجَرهم، وقال: لا
أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن حمل إنكار أبي ذرّ ◌َظُه على
سلاطين وقته باطلٌ؛ لأنهم هم الخلفاء الراشدون، فلا يمكن أن يفعلوا ذلك،
بل الصواب أن مذهب أبي ذرّ ظله أنه يرى أن أخذ ما فضل عن حاجة
الإنسان يُعتبر من الكنز المتوعّد عليه، وهذا تشدّد منه ﴿ته.
(قَالَ) الأحنف (قُلْتُ: مَا لَكَ) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء ثبت لك
(وَلِإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَا تَعْتَرِيهِمْ) أي: تزورهم وتأتيهم تطلب حاجتك منهم،
يقال: عَرَوْته واعتروته، واعتريته، واعتررته براءين: إذا أتيته تطلب حاجتك
منه، ومن الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْثَرَّ﴾ الآية [الحج: ٣٦]،
وهو الزائر، وقوله: (وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟) مؤكّد لما قبله؛ أي: تأخذ من أموالهم
(١) ((المفهم)) ٣٤/٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٤/٣.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
حاجتك (قَالَ) أبو ذرّ ◌َظُهُ (لَا وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلُهُمْ) ((لا)) الأولى نافية، والثانية
مؤكّدة لها، فُصِل بينهما بالقسم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
وقوله: (عَنْ دُنْيَا) قال النوويّ كَُّ: هكذا هو في الأصول ((عن دُنيا))،
وفي رواية البخاريّ: ((لا أسألهم دُنيا)) بحذف ((عن))، وهو الأجود؛ أي: لا
أسألهم شيئاً من متاع دنياهم(١). (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) أي: لا أستفتيهم،
وأطلب منهم أن يُفتوني عن أمرٍ دينيّ (حَتَّى أَلْحَقَ بِاللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ)ِ ◌ِّ؛
أي: حتى أموت، أراد أبو ذرّ له بذلك أنه مستغن عنهم دُنيا وديناً، أما من
حيث الدنيا، فإنه لا حاجة فيها؛ لكونه لا يأخذ منها إلا قوته، وأما من حيث
الدين، فإنه أعلم منهم؛ لكونه عاش مع النبيّ وَله طويلاً، وعلّمه من أمور
الدين ما يُغنيه عن سؤال غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٠٦/١٠ و٢٣٠٧] (٩٩٢)، و(البخاريّ) في
((الزكاة)) (١٤٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٠/٥ و١٦٧ و١٦٩)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٥٩ و٣٢٦٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٣/٣ -
٧٤)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا
خُلَيْدُ الْعَصَرِيُّ، عَنِ الْأَحْتَفِ بْنٍ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَرَّ أَبُو
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٧٨/٧ - ٧٩.

٢٣٣
(١٠) - بَابٌ فِي الْكَتَّازِينَ لِلأَمَّوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٢٣٠٧)
ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: ((بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيِّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ
قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ))، قَالَ: ثُمَّ تَتَخَّى، فَقَعَدَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
قَالُوا: هَذَا أَبُو فَرٍّ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ:
مَا قُلْتُ إِلَّ شَيْئاً قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِّهِمْ وَِّ، قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟
قَالَ: خُذْهُ، فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَناً لِدِينِكَ فَدَعْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ بَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار
[٩] (ت٥ أو٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السعديّ العُطَارديّ البصريّ، مشهور
بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت١٦٥) وله (٩٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٠/٦٦.
٣ - (خُلَيْدُ الْعَصَرِيُّ) هو: خُليد بن عبد الله، أبو سُليمان البصريّ، يقال
له: مولی لأبي الدرداء، صدوقٌ يُرسل [٤].
رَوَى عن عليّ، وسلمان، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، والأحنف، وزيد بن
صُوحان، وقرأ عليه القرآن.
وروى عنه أبان بن أبي عياش، وأبو الأشهب العُطَارديّ، وعوف
الأعرابيّ، وقتادة.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر إسحاق بن منصور، عن يحيى بن
معين، أنه قال: لم يسمع خُليد بن عبد الله من سلمان، قال: فقلت: يقول:
لَمّا ورد علينا سلمان، قال: يعني: بالبصرة. انتهى.
قال الحافظ: وعلى هذا فيبعد سماعه من عليّ، وأبي ذرّ ◌ًا، وأما أبو
الدرداء ظه، فقال ابن حبان في ((الثقات)) لما ذكره: يقال: إن هذا مولى لأبي
الدرداء
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط،
وله عند أبي داود حديث واحد فقط.
[تنبيه]: قوله: ((الْعَصَريّ)) - بفتح العين، والصاد المهملتين -: منسوب
إلى بني عَصَر، وهو بطن من عبد القيس، وهو عَصَر بن عوف بن عمرو بن

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
عوف بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن
لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قاله في ((اللباب))(١).
والباقيان ذكرا قبله.
وقوله: (بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ) ((الكيّ)) بفتح الكاف، وتشديد الياء التحتانيّة:
مصدر کَوَى، يقال: كواه يَكْويه كَيّاً: إذا أحرق جلده بحديدة ونحوها(٢).
وقوله: (مِنْ جُنُوبِهِمْ) بالضمّ: جمع جَنْب، بفتح، فسكون، كفَلْس
وفُلُوس، وجنب الإنسان: ما تحت إبطه إلى كشحه(٣).
وقوله: (أَقْفَائِهِمْ) بفتح الهمزة: جمع قَفاً، قال الفيّوميّ تَغْذَفُ: الْقَفَا
مقصوراً: مؤخّرُ العُنُقِ، ويذكّر ويؤنّث، وجمعه على التذكير أَقْفيةٌ، وعلى
التأنيث أقفاء، مثلُ أَرْجاء، قاله ابن السّرّاج، وقد يُجمَع على قُفِيّ، والأصل
مثلُ قُلُوس، وعن الأصمعيّ أنه سَمِع ثلاثَ أَقْفٍ، قال الزجّاج: التذكير
أغلب، وقال ابن السّكّيت: القَفَا مذكّر، وقد يؤنّث، وألفه واوٌ، ولهذا يثنّى
قَفَوینْ. انتهى (٤) .
وقوله: (جِبَاهِهِمْ) بالكسر: جمع جبهة، ككلبة وكِلاب، قال الخليل: هي
مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود.
انتھی(٥) .
وقوله: (قُبَيْلُ) تصغير ((قَبْلُ)).
وقوله: (مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ ... إلخ) قال القرطبيّ كَّتُهُ: أراد ما
يُعطاء الرجلُ من بيت المال على وجه يستحقّه، وهو الذي قال فيه النبيّ وَّل
لعمر ◌َّه: ((ما أتاك من هذا المال، وأنت غيرُ مُشرِفٍ، ولا سائلٍ فخُذه، وما
لا ، فلا تُتبعه نفسك))(٦)، متّفقٌ عليه.
وقوله: (مَعُونَةً) بالنصب على أنه اسم ((إنّ)) مؤخّراً، ووزنها مَفْعُلةٌ بضمّ
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١١٧/٢ - ١١٨.
(٢) («القاموس)) ٣٨٤/٤.
(٣) ((المصباح)) ١١٠/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥١٢.
(٦) ((المفهم)» ٣٥/٣.
(٥) ((المصباح)) ١/ ٩١.

٢٣٥
(١١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بَالْخَلَفِ - حديث رقم (٢٣٠٨)
العين، وبعضهم يجعل الميم أصليّة، ويقول: هي مأخوذةٌ من الماعون،
ويقول: هي فَعُولةٌ، قاله الفيّومِيّ ◌َُّ(١).
وقوله: (فَإِذَا كَانَ ثَمَناً لِدِينِكَ فَدَعْهُ) أي: إذا كنت لا تتوصّل إليه إلا
بوجه غير جائز، فلا تلتفت إليه، فإن سلامة الدِّين أهمّ من نَيْل الدنيا، فكيف
إذا انتهى الأمر إلا أن لا يسلم دِينٌ، ولا تنال دُنيا؟ ومَن أخسر صَفْقةً ممن
خسر الآخرة والأولى؟ نعوذ بالله تعالى من سخطه(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(١١) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بَالْخَلَفِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٨] (٩٩٣) - (حَدَّثَنِي(٣) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((قَالَ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أَنْفِقْ عَلَيْكَ،
وَقَالَ: يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْآَنُ، سَخَّاءُ، لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ، اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ،
ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
(١) ((المصباح)) ٤٣٩/٢.
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) ((المفهم)) ٣٥/٣.

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٣]
(ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َُّبه رأس
المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَلِ﴾) جملة حاليّة،
ومعناها: يرفع الحديث إلى النبيّ وَّرَ، وإنما عدل عن الصيغ المشهورة، مثل
((قال))، أو ((حدّث))، أو ((أخبر))، ونحوها؛ لكونه نسي الصيغة، مع تأكّده
بإسناده إلى النبيّ وَ ﴿، فأتى بصيغة تَحْتَمل الجميع، فتنبّه.
(قَالَ) بَيْرِ ((قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) هذا هو الذي يُسمّى بالحديث
القدسيّ، وهو ما يُسنده النبيّ وَّل إلى الله تعالى على سبيل الحكاية، والفرق
بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بلفظه، بخلاف هذا، فإنه لم يُتعبّد بتلاوته،
فتنبه.
(يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ) بقطع الهمزة، أمر من الإنفاق (أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بضمّ
الهمزة مجزوم على أنه جواب الأمر؛ أي: أعطك عوض ما أعطيته، وهذا
معنى قوله رَبّ: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُمْ﴾ [سبأ: ٣٤] فيتضمن الحثّ

٢٣٧
(١١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بَالْخَلَفِ - حديث رقم (٢٣٠٨)
على الإنفاق معنًى في وجوه الخير، والتبشير بالْخَلَف من فضل الله تعالى(١).
(وَقَالَ) وَهِ (يَمِينُ اللهِ مَلْأَى) مبتدأ وخبره، وهو فعلى تأنيث ملآن بالنون
(وَقَالَ) محمد بن عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) شيخه الثاني في روايته (مَلْآنُ) بالنون، قال
النوويّ ◌َُّهُ: هكذا وقعت روايةً ابن نُمير بالنون، قالوا: وهو غلطُ منه،
وصوابه ((ملآی))، كما في سائر الروايات، ثم ضبطوا رواية ابن نمير من
وجهين: أحدهما: إسكان اللام، وبعدها همزة، والثاني: ((ملان)) بفتح اللام
بلا همز. انتهى (٢).
ووقع في رواية للبخاريّ ((يد الله)) بدل ((يمين الله))، قال في ((الفتح)):
ويُتَعقَّب برواية ((يمين الله)) على مَن فَسَّر اليد هنا بالنعمة، وأبعدُ منه من فسّرها
بالخزائن، وقال: أَطْلق اليد على الخزائن؛ لتصرّفها فيها. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد صاحب ((الفتح)) حيث تعقّب من فسّر
اليد بالنعمة، أو بالخزائن، فالحقّ أن اليد صفة ثابتة لله تعالى على ظاهرها كما
يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، فتبصّر،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقوله: ((مَلْآى)) بفتح الميم، وسكون اللام، وهمزة، مع القصر:
تأنيث ملآن، ووقع بلفظٍ ملآن في رواية لمسلم، وقيل: هي غلط، ووَجَّهَهَا
بعضهم بإرادة اليمين، فإنها تُذَكَّر وتؤنّث، وكذلك الكَفّ(٤).
قال: والمراد من قوله: ملآى، أو ملآن لازمه، وهو أنه في غاية الغنى،
وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق. انتهى(٥).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الملء باللازم ليس صواباً؛ إذ فيه دعوى
المجاز، والحقّ أن يُفسّر بالملزوم واللازم معاً، فإن صفات الله تعالى ثابتة له
حقيقةً لا مجازاً، ولا محذور في إثباتها على حقيقتها؛ لأن الملء إذا نُسب
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٩/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٩/٧.
(٣) ((الفتح)) ١٧/ ٣٧٣.
(٤) فقد ذكر في ((المصباح)) أن الكفّ مذكّر، ولا يُعرف تأنيثه ممن يوثق به.
(٥) ((الفتح)) ١٧/ ٣٧٣.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
إلى الله تعالى يكون على ما يليق به، فلا يلزم منه التشبيه، فتنبّه لهذه الدقائق،
فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (سَخَّاءُ) صيغة مبالغة، من السَّحِّ، وهو الصبّ الدائم، وهو خبر
ثانٍ لایمین الله)).
وقال النوويّ كَّلُهُ: ضَبَطُوا ((سحاء)) بوجهين: أحدهما: ((سَحّاً)) بالتنوين
على المصدر، وهذا هو الأصح الأشهر، والثاني: حكاه القاضي ((سَخَّاءُ)) بالمد
على الوصف، ووزنه فعلاء، صفة لليد، والسَّحّ الصبّ الدائم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه الثاني هو الموجود في النسخ التي
عندنا، فتنبّه.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((سَخَّاء)) بفتح المهملتين، مُثَقَّلاً ممدوداً؛ أي:
دائمةُ الصبِّ، يقال: سَخَّ بفتح أوله مثقلاً يَسُحُ بكسر السين في المضارع،
ويجوز ضمها، وضُبِطَ في مسلم ((سَحّاً)) بلفظ المصدر. انتهى.
وفي الرواية التالية: ((سجّاءُ الليل والنهار))، والمراد عدم الانقطاع
لعطائه؛ أي: هي دائمة الانصباب في الليل والنهار.
وقال السنديّ تَخْتُ: قيل: ما أتمّ البلاغة، وأحسن هذه الاستعارة، فلقد
نبّه رسول الله وَّ بهذا اللفظ على معان دقيقة:
[منها]: وَصْفُ يده تعالى في الإعطاء بالتفوّق والاستعلاء، فإن السحّ إنما
يكون من عُلْوٍ.
[ومنها]: أنها المعطية عن ظهر غنّى؛ لأن الماء إذا انصبّ من فوقُ
انصبّ بسهولة.
[ومنها]: جزالة عطاياه ◌َ ﴾، فإن السحّ يُستعمل فيما ارتفع عن حدّ
التقاطر إلى حدّ السيلان.
[ومنها]: أنه لا مانع لها؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوقُ لم
يستطع أحدٌ أن يردّه. انتهى. وهو توجيه وجيه، والله تعالى أعلم.
(لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ) أي: لا يَنْقُصها شيء من الإنفاق، يقال: غاض الماءُ
(١) (شرح النوويّ)) ٧/ ٨٠.

٢٣٩
(١١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتَبْشِيرِ الْمُتْفِقِ بَالْخَلَفِ - حديث رقم (٢٣٠٨)
يَغِيض، من باب سار غَيْضاً ومَغَاضاً: نَضَبَ؛ أي: ذهب في الأرض،
وغاضه الله يتعدّى، ولا يتعدّى، وغاض الشيءُ: نقَصَ، ومنه يقال: غاض ثمن
السلعة: إذا نقص، وغِضْتُهُ: نقصتُهُ، يُستعمل لازماً ومتعدّياً، قاله
الفيّوميّ ◌َخَذُّهُ(١).
وقوله: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ))) في هذه الرواية منصوبان على الظرفيّة، تنازع
فيهما ((لا يَغيضها))، و((سحّاء))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفق عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٠٨/١١ و٢٣٠٩] (٩٩٣)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤٦٨٤ و٥٣٥٢)، و((التوحيد)) (٧٤١٩ و٧٤٩٦)، و(الترمذيّ) في
((التفسير)) (٣٠٤٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٣/٦)، و(ابن ماجه) في
((السنّة)) (١٩٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٤٢/٢ و٤٦٤ و٥٠٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٢٥)، و(أبو يعلى) في
(مسنده) (١٣٤/١١)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٥٥٣/١)، و(البيهقيّ) في
((الأسماء والصفات)) (٣٩٥ و٣٩٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (١٦٥٦)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كثرة جود الله ◌ُعَلَ، وأنه ينفق كيف يشاء.
٢ - (ومنها): سعة رزقه تعالى، بحيث لا ينقصه الإنفاق.
٣ - (ومنها): أنه يستفاد من الرواية التالية أنه صل يرفع الميزان بأفعال
العباد، وأرزاقهم، ويخفضه، كيف يشاء، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾
(٣) ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
[الروم: ٤]، ﴿لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
(١) ((المصباح)) ٤٥٩/٢.

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٤ - (ومنها): الردّ على الجهميّة في إنكارهم الصفات الثابتة الله رحمك في
نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، وهي اليد، واليمين، وأنه تعالى يرفع
القسط، ويخفضه، وكلها صفات لائقة بجلاله، ثابتة له كما أثبتها هذا النصّ
الصريح الصحيح، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نؤوّل.
قال الإمام الترمذيّ كَّلُ في ((جامعه)) بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه:
قال أبو عيسى: هذا حديث قد رَوَته الأئمةُ، نؤمن به كما جاء، من غير أن
يُفَسَّر، أو يُتَوَهَّم، هكذا قال غيرُ واحد من الأئمة، منهم سفيان الثوريّ،
ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك، أنه تُرْوَى هذه الأشياء، ويُؤمَنُ
بها، ولا يقال: كيف؟. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مراد الترمذيّ كَُّ بقوله: ((من غير أن يُفَسَّر))
تفسير الكيفيّة، كما أوضحه آخر كلامه، فتنبّه، فإن بعض الناس يَحْمِل تفويض
السلف على أنهم يفوّضون المعنى، وهذا غلطٌ عليهم، فإنهم يعلمون معنى
الصفات على ظاهرها، ويُثبتونها كذلك، وإنما يجهلون، ويفوّضون معنى
كيفيّتها، فتفطّن لهذه الدقيقة فإنها من مزالّ الأقدام، فقد زلّ فيها كثير ممن
ينتسب إلى العلم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام،
حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِي وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَّا
حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ :
(يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا، سَخَّاءُ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ
السَّمَاءَ(١) وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ
الْأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ)).
(١) وفي نسخة: ((السماوات)).