Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
من المرج، وفي بعض النسخ: ((أو روضة)) بـ((أو)) التي للشكّ من الراوي.
وقال وليّ الدين العراقيّ كَّتُهُ: ((الْمَرْجُ)): الموضع الواسع الذي فيه نبات
ترعاه الدوابّ، سُمّي بذلك؛ لأنها تَمْرُج فيه أي: تروح، وتجيء، وتذهب
كيف شاءت، و((الرَّوْضة)): الموضع الذي يَكثُر فيه الماء، فيكون فيه صنوف
النبات، من رياحين البادية وغيرها، فالفرق بين المرج والروضة أن الأول مُعَدِّ
لِرَغْي الدواب، ولذلك يكون واسعاً؛ ليتأتى لها فيه ذلك، والروضة ليست مُعَدَّة
الرعي الدواب، وإنما هي للتنزه بها؛ لما فيها من أصناف النبات، هذا هو
الذي يتحرر من كلام أهل اللغة، فصحّ عطف الروضة على المرج، وكذا وقع
في ((صحيح مسلم)) عطف الروضة أولاً بالواو، وثانياً بـ((أو))، والظاهر أن الواو
أوّلاً بمعنى ((أو)). انتهى كلام وليّ الدين تَّهُ(١).
(فَمَا أَكَلَتْ) أي: الخيل، وقوله: (مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَةِ) بيان
مقدّم لقوله: (مِنْ شَيْءٍ) أي: من العلف، أو الأزهار، قلّ أَو كثُر (إِلَّا كُتِبَ لَهُ)
بالبناء للمفعول (عَدَدَ مَا أَكَلَتْ) ((ما)) موصولة، والفعل مبنيّ للفاعل؛ أي: أكلته
من العشب وغيره، وقوله: (حَسَنَاتٌ) بالرفع على أنه نائب ل(كُتِبَ))، و((عدَدَ))
منصوب على الظرفيّة، أو بنزع الخافض؛ أي: بعدد ما أكلته. وقال الحافظ
وليّ الدين تَخُّْهُ: قوله: ((كُتِبَ له عددُ ما أكلت حسناتٍ)) برفع ((عددُ)) لنيابته عن
الفاعل، ونصب ((حسناتٍ) بالكسرة على التمييز، ويَحْتَمِل رفع قوله: ((حسنات))
على أنه بدل من ((عددُ))، أو عطف بيان، ويَحْتَمِل أن يكون هو النائب عن
الفاعل، ويكون قوله: ((عددَ)) منصوباً نصبَ المصدر العددي. انتهى(٢).
وقوله: (وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَائِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ) إعرابه كإعراب سابقه،
قال في ((المرعاة)): إنما كُتبت الأرواث، والأبوال حسنات؛ لأن بها بقاء
حياتها، مع أن أصلها قبل الاستحالة غالباً من مال مالكها. انتهى(٣).
(وَلَا تَقْطَعُ) أي: تلك الخيل (طِوَلَهَا) بكسر الطاء، وفتح الواو، ويقال:
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٣/٤ - ١٤.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤/٤.
(٣) ((المرعاة)) ١٦/٦.

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
((ِيَلَها)) بالياء، وكذا في ((الموطأ))، والطّوَلُ، والطّيَلُ: الحبل الطويل الذي
يُرْبَط أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وَتَد، أو غيره؛ لتدور فيه، وترعى
من جوانبها، ولا تذهب لوجهها .
(فَاسْتَنَّتْ) بالسين المهملة، والتاء المثناة من فوقُ، والنون المشدَّدة: أي:
جَرَت بقوّة من الاستنان، وهو الجريُ، وقال القاري: أي: عَدَتْ، ومَرِجَتْ،
ونَشِطَت لِمُرَاحِها (شَرَفَاً أَوْ شَرَفَيْنٍ) - بفتح الشين المعجمة، والراء المهملة - وهو
العالي من الأرض، وقيل: المراد هنا طَلَقاً، أو طَلَقَيْن، قاله النوويّ، وقال
الجزريّ: الشَّرَفُ: الشوط والْمَدَى (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا) أي: بعدد خُطاها
(وَأَرْوَائِهَا) بالفتح: جمع رَوْث - بفتح، فسكون - قال الفيّوميّ: راث الفرس، ونحوه
رَوْثاً، من باب قال، والخارج رَوْثٌ، تسمية بالمصدر، والروثة الواحدة منه. انتهى.
وقال في ((المرعاة)): لعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول، أو أسقطه
للعلم به منه (١).
وقول: (حَسَنَاتٍ) هنا بالنصب، لا غير؛ لأنه مفعول به ((كَتَبَ)).
(وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ) - بسكون الهاء، وفتحها - قال
الفيّوميّ تَذْتُ: النَّهْرُ: الماء الجاري الْمُتَّسِعُ، والجمع نُهُرٌ - بضمّتين -، وأنهُرٌ.
والنَّهَر - بفتحتين - لغة، والجمع أنهارٌ، مثلُ سبب وأسباب، ثم أُطلق النهر
على الأُخدود، مجازاً؛ المجاورة، فيقال: جرى النهر، وجفّ النهر، كما
يقال: جرى الميزاب، والأصل: جرى ماء النهر. انتهى.
(فَشَرِبَتْ) الخيل (مِنْهُ) أي: من ذلك النهر، وقوله: (وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا)
بفتح أوله، وضمّه، من سقى، وأسقى ثلاثيّاً ورباعيّاً، والجملة حال؛ أي:
والحال أن صاحبها لا ينوي أن يسقيها من ذلك النهر.
(إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ») قال الحافظ وليّ الدين كَّتُهُ:
هذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا حَصَلت له هذه الحسنات من غير
أن يَقْصِد سقيها، فإذا قصده فأولى بإضعاف الحسنات. انتهى(٢).
(١) ((المرعاة)) ١٦/٦.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤/٤.

١٦٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وقال الطيبيّ تَّتُهُ: فيه مبالغة في اعتداد الثواب؛ لأنه إذا اعتُبر ما
تستقذره النفوس، وتنفر عنه الطباع، فكيف بغيرها؟، وكذا إذا احتُسب ما لا
نيّة له فيه، وقد ورد: ((وإنما لكلّ امرئ ما نوى))، فما بال ما إذا قصد
الاحتساب فيه، قال ابن الملك: فالحاصل أنه يُجعل لمالكها بجميع حركاتها،
وسكناتها، وفَضَلاتها حسنات.
وقال الحافظ: وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل
الطاعة إذا قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل. انتهى (١).
وقال السنديّ تَّثُهُ. وهذا لا يخالف حديث ((إنما الأعمال بالنّات))؛ لأن
المفروض وجود النّة في أصل ربط هذه الفرس، وتلك كافية. انتهى (٢).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟) بضمّتين: جمع حمار؛ أي: ما حكمها؟،
قال الحافظ ◌َُّ: لم أقف على تسمية السائل صريحاً (قَالَ) بِّهِ («مَا أَنْزِلَ عَلَيَّ
فِي الْحُمُرِ شَيْءٍ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ) الاستثناء مفرٌّ، واسم الإشارة في محلّ رفع
على أنه نائب الفاعل لـ(أُنزل))، و((الآيةُ)) مرفوع على أنه بدل من اسم الإشارة،
أو عطف بيان، أو نعت له (الْفَافَّةُ) بالذال المعجمة المشدّدة: أي: المنفردة في
معناها، وقيل: القليلة النظير، وقيل: النادرة الواحدة (الْجَامِعَةُ) أي: العامّة
المتناولة لكل خير ومعروف، ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليّ فيها نصٌّ بعينها،
ولكن نزلت هذه الآية العامة.
وقال ابن الملك: يعني: أنه ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ،
وجمع معاني الخير والشرّ.
وقال الطيبيّ: سُمّيت جامعةً؛ لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع
الطاعات، فرائضها، ونوافلها، واسم الشرّ على ما يقابلها، من الكفر
والمعاصي: صغيرها وكبيرها .
وقال في ((الفتح)): سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة
ومعصية، وسمّاها فاذّة؛ لانفرادها في معناها. وقال ابن التين: والمراد أن
(١) راجع: ((المرعاة)) ١٦/٦.
(٢) ((شرح السندي)) ٢١٦/٦ - ٢١٧.

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الآية دلّت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل
معصيةً، رأى عقاب ذلك.
قال النوويّ تَخْلُ: وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم، وقد يَحتجّ به من
قال: لا يجوز الاجتهاد للنبيّ وَّل، وإنما كان يحكم بالوحي، ويجاب للجمهور
القائلين بجواز الاجتهاد بأنه لم يظهر له فيها شيء. انتهى (١).
(﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾) أي: مقدار أصغر نملة (﴿خَيْرًا﴾) منصوب
على التمييز لذرة (﴿يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]) أي: في الآخرة ليجازى عليه خيراً
(﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَؤُ ﴾﴾) [الزلزلة: ٨] أي: ليُجازَى عليه
شراً؛ إذ الجزاء من جنس العمل، وأنشدوا في معنى الآية [من الخفيف]:
وَزْنَ مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ
إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْماً
وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضاً جَزَاهُ
وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرّاً
فِي ﴿إِذَا زُلْلَتِ﴾ وَجَلَّ ثَنَاهُ (٢)
هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٩٠/٧ و٢٢٩١ و٢٢٩٢ و٢٢٩٣ و٢٢٩٤
و٢٢٩٥] (٩٨٧)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٠٢) و((المساقاة)) (٢٣٧١)
و ((الجهاد والسير)) (٢٨٦٠ و٣٦٤٦) و ((التفسير)) (٤٥٦٥ و٤٦٥٩) و(٤٩٦٢
و٤٩٦٣) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٣٨) و((الحيل)) (٦٩٥٨)، و(أبو داود) في
((الزكاة)) (١٦٥٨ و١٦٥٩)، و(الترمذيّ) في ((فضائل الجهاد)) (١٦٣٦)،
و(النسائيّ) في ((الخيل)) (٣٥٨٩ و٣٦٠٩) و((الكبرى)) (٤٤٠٢ و٤٤٠٣
و٤٤٢٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٨٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٧٥)،
(١) ((طرح التثريب)) ١٤/٤.
(٢) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ١٥٢/٢٠.

١٦٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٧/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠١/٢ و٢٦٢
و٢٧٦ و٣٨٣ و٤٢٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٥٢ و٢٢٥٣ و٢٢٩١)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥/٨)، و(أبو نعيم) في ((مسنده)) (٦٦/٣ - ٦٩)،
و(الطبرانيّ) في ((المعجم الأوسط)) (١٨٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨١/٤
و١١٩ و١٣٧ و١٨٣ و٣/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٦٢)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التغليظ في عقوبة منع الزكاة.
٢ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الفضّة والذهب، ولا خلاف فيه،
وكذا لا خلاف في باقي المذكورات، من الإبل والبقر، والغنم.
٣ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الإبل، وقد استوفيت بيان ما يتعلّق
بزكاتها، واختلاف العلماء فيه في ((شرح النسائيّ))، فراجعه (١) تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصحّ ما ورد في وجوب الزكاة في البقر،
وقد استوفيت البحث فيه في ((شرح النسائيّ))، فراجعه(٢) تستفد، وبالله تعالى
التوفيق.
٥ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الغنم، وقد استوفيت بيان ما يتعلّق
بذلك في ((شرح النسائيّ))، فراجعه(٣) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): التنفير من جمع المال، لمن لا يقوم بواجبه، بل يمنع
الحقوق الواجبة فيه؛ لما فيه من الوعيد الشديد.
٧ - (ومنها): أنه لا يُقطع لمانع الزكاة بالنار، إن لم يستحلّ ذلك؛
لقوله: ((فيرى سبيله إما إلى الجنّة، أو إلى النار))، والله تعالى أعلم بالصواب.
٨ - (ومنها): بيان فضل الخيل.
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٧١/٢٢ - ٩٢.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١١٤/٢٢ - ١١٦.
(٣) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٢٣/٢٢.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٩ - (ومنها): بيان أن الخيل إنما يكون في نواصيها الخير والبركة، إذا
كان اتخاذها في الطاعة، أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة.
١٠ - (ومنها): أن فيه تحقيقَ إثبات العمل بظواهر العموم، وأنها مُلْزِمة،
حتی یدلّ دلیل التخصیص.
١١ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الفرق بين الحكم الخاصّ المنصوص،
والعامّ الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة، ومحلّ بحث هذه
المسألة فنّ أصول الفقه.
١٢ - (ومنها): أن ابن بطال قال: فيه تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنه شبّه
ما لم يَذكر الله حكمه في كتابه، وهو الحمر، بما ذكره من عمل مثقال ذرّة من
خير أو شرّ؛ إذ كان معناهما واحداً، قال: وهذا نفس القياس الذي ينكره من
لا فهم عنه.
وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال
بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافاً لمن أنكر، أو وقف. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب حقّ في المال
سوى الزكاة :
قال المازريّ تَخْلُ في قوله ◌َليهِ: ((ومن حقّها حلبها يوم وردها)): يَحْتَمِل
أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه المواساة، وقال القاضي عياض دَّثُهُ:
هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ غير الزكاة، قال: ولعلّ هذا كان قبل
وجوب الزكاة.
وقد اختلف السلف في معنى قول الله تعالى: ﴿فِ أَوَهِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ لِلِسَّيِلِ
وَالْحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال
حقّ سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق،
ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أُثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب،
كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (®
(٧) ﴾ [الذاريات: ١٧].
(١) ((الفتح)) ١٥٥/٦.

١٦٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه
أمر.
قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ،
ومسروقٌ، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقّاً سوى الزكاة، من فكّ
الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة. انتهى(١).
وقال الحافظ وليّ الدين تَُّ: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من
التابعين(٢).
وقال أبو محمد بن حزم تَّقُ: من قال: إنه لا حقّ في المال غير
الزكاة، فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا
إجماع، وكلّ ما أوجبه رسول الله ◌َ ﴿ في الأموال فهو واجب، ونسأل من قال
هذا: هل تجب في الأموال كفارة الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟
فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم، وأما إعارة الدلو، وإطراق الفحل،
فداخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ [الماعون: ٧]. انتهى (٣).
وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة ◌َّهُ، فإنه رجّح القول
بأن في المال حقّاً سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة،
وحمل العقل عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري،
وكالإعطاء في النوائب، مثل النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو
واجب بالسنة الصحيحة.
قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن
عليه. انتهى كلام شيخ الإسلام تَّتُهُ بتصرّف (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن
حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؛ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال
(١) (شرح مسلم)) للنوويّ ٧٣/٧ - ٧٤. (٢) ((طرح التثريب)) ١١/٤.
(٣) ((المحلّى)) ٦/ ٥٠.
(٤) راجع: ((مختصر الفتاوى المصريّة)) ص٢٤٧. وراجع: ((تيسير الفقه الجامع
للاختيارات الفقهية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف د.أحمد موافي ٤١٥/١.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
حقّاً سوى الزكاة، كأحاديث الباب، وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ
بها، فغير صحيح؛ لأن الحديث من رواية أبي هريرة ته، وهو متأخّر الإسلام
عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة كان قبل ذلك
بزمان، کما تقدّم بیانه.
والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت
الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة
القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه، إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو
ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج الترمذيّ في ((جامعه))، وابن ماجه في ((سننه)) عن فاطمة بنت
قيس خيًّا، عن النبيّ وَّ، قال: ((إن في المال حقّاً سوى الزكاة))، ولفظ ابن ماجه:
((في المال حقّ سوى الزكاة))، وفي بعض نسخه: ((ليس في المال حقّ سوى الزكاة)).
وهو ضعيف جدّاً، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن في إسناده أبا حمزة
ميمون الأعور القصّاب، قال أحمد: متروك الحديث، وقال الترمذيّ: هذا
حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ،
وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٢٢٩١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ،
بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَفْصٍ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ إِبِلِ، لَا
يُؤَدِّي حَقَّهَا))، وَلَمْ يَقُلْ: ((مِنْهَا حَقَّهَا))، وَذَكَرَ فِيهِ: ((لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِداً»،
وَقَالَ: ((يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ، وَجَبْهَتُهُ، وَظَهْرُُ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من
صغار [١٠] (ت٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (مس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥.
(١) راجع: ((جامع الترمذيّ)) ٣٢٦/٣ - ٣٢٧. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)).

١٦٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٢)
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ،
ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان))
٤٦٣/٨٧.
و(زيد بن أسلم)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَذَكَرَ فِيهِ: ((لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِداً))) ظاهره أن هذا ليس في
رواية حفص بن ميسرة، وفيه نظرٌ، فقد تقدّم فيها، إلا إذا اختلفت النسخ،
فليُحرّر، والله أعلم.
[تنبيه]: رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَا مِنْ صَاحِبٍ كَنْزِ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ
جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي
يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ،
وَمَّأَ مِنْ صَاحِبٍ إِبِلِ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِعَ لَهَا بِقَاعِ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرٍ مَا كَانَتْ،
تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاَّهًا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ
عِبَادِهِ (١)، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ،
وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبٍ غَنَمِ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ،
كَأَوْفَرٍ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْضَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ،
كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمِ
كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّاً
(١) وفي نسخة: ((بين العباد)).

١٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
إِلَى النَّارِ»، قَالَ سُهَيْلٌ: فَلَا أَدْرِي (١) أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لَا؟ قَالُوا: فَالْخَيْلُ بَا
رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا، أَوْ قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا، قَالَ
سُهَيْلٌ: أَنَا أَشُُك: الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَبْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلِ أَجْرٌ،
وَلِرَجُلِ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتِيَ هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ،
وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئاً فِي بُطُونِهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْراً، وَلَوْ رَعَاهَا فِي
مَرْج، مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا أَجْراً، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ، كَانَ
لَهُ بِّكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَائِهَا، وَلَوِ
اسْتَنَّتْ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ
سِتْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّماً وَتَجَمُّلاً، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا، فِي عُسْرِهَا
وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ(٢)، فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرَأَ وَبَطَراً، وَبَذَخاً وَرِيَاءَ
النَّاسِ، فَذَالَكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ))، قَالُوا: فَالْحُمُرُ بَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَا
أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ فِيهَا شَيْئاً، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاتَّةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي
الشَّوَارب الأمويّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدّبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين،
ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٤/ ١٦٧٤.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
والباقیان ذُكرا قبله.
(١) وفي نسخة: (ولا أدري)).
(٢) وفي نسخة: ((وأما الذي هي عليه وزر)).

١٧١
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٢)
وقوله: (مَا مِنْ صَاحِبٍ كَثْزِ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ) قال في ((الصحاح)): الكنز
المال المدفون، وفي (المحكم)): أنه اسم للمال، ولما يُخزن فيه، وفي
((المشارق)): أصله ما أُودع الأرضَ، من الأموال، وفي الحديث: ((ما لم يُؤَدِّ
زكاتَهُ، وغيّبه عن ذلك))، وقال في ((النهاية)): الكنز في الأصل: المال المدفون
تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزاً، وإن كان مكنوزاً، قال:
وهو حكم شرعيّ، تُجُوّز فيه عن الأصل. انتهى(١).
وقال ابن عبد البرّ: الكنز في لسان العرب: هو المال المجتمع
المخزون، فوق الأرض كان، أو تحتها، ذكره صاحب ((العين)) وغيره بمعناه.
انتھی (٢) .
وقال النوويّ: قال الامام أبو جعفر الطبريّ كَُّهُ: الكنز كلُّ شيءٍ
مجموعٌ بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض، أم على ظهرها، زاد
صاحب ((العين)) وغيره: وكان مخزوناً. انتهى (٣).
[تنبيه]: قد اختُلِف في معنى ((الكنز)) في هذا الحديث، ونحوه، وكذا في
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]:
قال القاضي عياض كَثُ: واختَلَف السلف في المراد بالكنز المذكور في
القرآن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ، فأما
ما أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن
الآية منسوخة بوجوب الزكاة، وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل
ذلك، وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز، وإن أديت زكاته، وقيل:
هو ما فَضَلَ عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام، وضيق الحال،
واتَّفَق أئمة الفتوى على القول الأول، وهو الصحيح؛ لقوله وَيقول: ((ما من
صاحب كنز لا يؤدي زكاته ... ))، وذكر عقابه، وفي الحديث الآخر: ((من كان
عنده مالٌ، فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له شجاعاً أقرع))، وفي آخره: ((فيقول: أنا
كنزك)). انتهى.
(١) ((النهاية)) ٢٠٣/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦٧/٧.
(٢) راجع: ((طرح التثريب)) ٤/ ٧ - ٩.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَُّ ما معناه: اختلف في المراد
بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وما في معناه،
فالجمهور على أنه ما لم تؤدَّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك
عن عمر، وابنه عبد الله، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ثم
استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة ﴿ّ، قالت: كنت ألبس أوضاحاً من
ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: ((ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فزُكِّيَ
فليس بكنز))، أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال،
وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): إسناده جيّد، رجاله رجال
الصحيح.
قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة مظله أن النبيّ وَل
قال: ((إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك))، رواه الترمذيّ، وقال حسن
غريب، والحاكم في (مستدركه))، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر
العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في ((صحيحه)).
وفي معناه أيضاً حديث جابر مرفوعاً: (إذا أدّيت زكاة مالك، فقد أذهبت
عنك شرّه))، رواه الحاكم في ((مستدركه))، وصححه على شرط مسلم، ورجّح
البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة
وقفه على جابر، وذكره بلفظ: ((ما أدي زكاته فليس بكنز)).
وروى البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعاً: ((كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز،
وإن كان مدفوناً تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان
ظاهراً))، وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه.
وفي ((سنن أبي داود)) عن ابن عباس ﴿يًا: لما نزلت هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال
عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ وَّهِ: يا نبيّ الله، إنه كَبُرَ على
أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ص: ((إن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطبيب
ما بقي من أموالكم ... )) الحديث، وفيه ضعف(١).
(١) هذا الحديث إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً، فقد ثبت عن شعبة أنه قال : =

١٧٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٢)
قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم
مخالفاً في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئاً عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك،
ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقاً سوى الزكاة. أما أبو
ذرّ رَظُه، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش،
فهو كنزٌ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وأما عليّ ◌َُّبه، فروي أنه قال: أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز.
وأما الضّحّاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين
الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا.
وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَّمَةُ﴾
الآية [آل عمران: ١٨٠]: هو الرجل يرزقه الله المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي
فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها .
قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة.
قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال:
وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل
نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلةً بعد
أن كان فريضةً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء
وجوب الحقّ سوى الزكاة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب
الحاجة والضرورة. فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ
المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره،
وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه.
وتأوّل القاضي عياض تَظُّ أيضاً كلام أبي ذرّ على نحو ذلك، فقال:
= لم يسمع جعفر عن مجاهد شيئاً، بل من صحيفة. انظر ترجمته في: ((تهذيب
التهذيب)) ٣٠٠/١ - ٣٠١، فعلى هذا ففيه انقطاع، فتنبه.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت
المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
قال النوويّ كَُّهُ: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو
بكر، وعمر، وعثمان ﴿ه، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين. انتهى.
قال وليّ الدين كَّلُهُ: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء،
كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُرٌ، أوجب انتقال أبي
ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ:
هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على
السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار
على الآحاد الذين يأخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها،
فيجمعونها عندهم، وقد يؤدّي ذلك إلى منع من هو أحقّ منهم، والله تعالى
أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تمثيله بمعاوية ربه لمن يأخذ من بيت
المال ظلماً، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول الله وَ لچ،
فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحّاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ
الكثرة؛ لأنه قيمة النفس المؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، وهو فقه بالغ، وقد
رُوي عن غيره، وإني لأستحبّه قولاً، وأصوّبه رأياً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن ما أدّي زكاته فليس
بكنز، لكن هذا لا ينافي ما تقدّم من ثبوت الحقّ في المال لحاجة المحتاجين؛
لثبوت الأدلة على ذلك، فمن أنكر ذلك فقد تناقض، فإنه قد ثبت الإجماع على
وجوب أنواع الكفارات، من القتل، والظهار، واليمين، والجماع في رمضان،
وكذا النذور، وأداء ديون الناس، وغير ذلك من الحقوق، وكلها سوى الزكاة،
فمن أوجب هذه الأشياء في المال، وهي سوى الزكاة، فكيف ينكر وجوب
صلة ذوي الأرحام، ومواساة الفقراء، وغيرهم من أصحاب الضرورة؟، إن هذا
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ٤ /٧ - ٩.

١٧٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٢)
لهو العجب العجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقوله: (قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهي الشعر
المنسدل على الجبهة.
وقوله: (الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّقٌ بـ(معقود)»، وفهم منه دوام حكم
الجهاد إلى يوم المعاد، وهذا الكلام جَمَعَ من أصناف البديع ما يعجز منه كلّ
بليغ، ومن سُهولة الألفاظ ما يعجب، ويُستطاب. قاله أبو العبّاس القرطبيّ
رحمه الله تعالى(١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: جاء تفسير ((الخير)) في الحديث الآخر في
((الصحيح)): بالأجر والمغنم، وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم
القيامة، والمراد قُبيل القيامة بيسير؛ أي: حتى تأتي الريح الطيبة مِن قِبَلِ اليمن
تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، كما ثبت في ((الصحيح)). انتهى.
وقال السنديّ كَُّ في ((شرح النسائيّ): جاء تفسير الخير المذكور هنا
بالأجر والغنيمة، قال: ويزاد العزّة، والجاه بالمشاهدة، فيُحمل ما جاء على
التمثيل دون التحديد، أو على بيان أعظم الفوائد المطلوبة، بل على بيان
الفائدة المترتّبة على ما خُلق له، وهو الجهاد، والجاه ونحوه حاصل بالاتّفاق،
لا بالقصد، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (فَلَا تُغَيِّبُ) بضم أوله، وتشديد الياء، من التغييب، والضمير
للخیل.
وقوله: (وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْج) أي: أسامها في روضة، يقال: رَعَتٍ
الماشية تَرْعَى رَغْياً، فهي راعيةٌ: إذاً سَرَحَتْ بنفسها، ورَعَيْتُهَا أرعاها، يُستعمل
لازماً ومتعدّياً، قاله في ((المصباح)(٣)، وما هنا من المتعدّي، ولذا نصب ضمير
الخير.
(١) ((المفهم)) ٧٠٣/٣.
(٢) ((شرح السندي على النسائيّ)) ٢١٥/٦.
(٣) ((المصباح)) ٢٣١/١.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
و((الْمَرْجُ)) بفتح، فسكون: أرضٌ ذات نبات ومَرْعَى، والجمع مُرُوجٌ، مثلُ
فَلْسٍ وفُلُوس(١) .
وقوله: (بِكُلِّ خُطْوَةٍ) بضمّ، فسكون: مسافة ما بين الرجلين، وأما
الْخَطْوة بالفتح فهي المرّة، قال في ((المصباح)): خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْواً: مشيتُ،
الواحدة خَطْوَةٌ، مثلُ ضَرْبٍ وضَرْبةٍ، والْخُطْوَةُ بالضمّ: ما بين الرِّجلين، وجمع
المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثلُ شَهْوةٍ وشَهَوَاتٍ، وجمع المضموم خُطَى،
وخُطُوَات، مثلُ غُرَفٍ وغُرُفَات في وجوهها. انتهى (٢).
وقوله: (فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا) لعله أراد حال نشاطها وقوّتها، وحال
ضعفها ومرضها، والمراد جميع أحوالها، يعني: أنه يواسي المحتاجين بها في
كلّ الأحوال، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ) وفي نسخة: ((وأما الذي هي عليه وزر)).
وقوله: (قَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَراً وَبَطَراً، وَبَذَخاً وَرِيَاءَ النَّاسِ) قال أهل اللغة:
(الأَشَرُ)) بفتح الهمزة والشين، وهو الْمَرَحُ واللَّجَاج، وأما ((الْبَطَرُ)): فالطغيان
عند الحقّ، وأما ((الْبَذَخُ)): فبفتح الباء والذال المعجمة، وهو بمعنى الأَشَر
والبَطَر، قاله النوويّ كَُّ(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وهو بهذا السياق المطوّل من أفراد المصنّف رَّتُهُ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
(١) ((المصباح)) ٢/ ٥٦٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦٩/٧ - ٧٠.
(٢) ((المصباح)) ١٧٤/١.

١٧٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِنْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٤)
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: ابن محمد الجهنيّ مولاهم، أبو محمد
المدنيّ، صدوقٌ، كان يحدّث من كتب غيره فيُخطئ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ١٣٥/٨.
و(سُهيلٌ) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن سُهيل هذه ساقها الترمذيّ،
فقال :
(١٦٣٦) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وٍَّ: ((الخيل معقود في
نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجل أجرٌ، وهي لرجل
سترٌ، وهي على رجل وزرٌ، فأما الذي له أجر، فالذي يتخذها في سبيل الله،
فيُعِدّها له، هي له أجر، لا يَغِيب في بطونها شيءٌ، إلا كتب الله له أجراً))،
وفي الحديث قصة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٩٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْع، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحِ، بِّهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ
بَدَلَّ((عَقْضَاءُ)): ((عَضْبَاءُ))، وَقَالَ: ((فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَظَهْرُهُ))، وَلَمْ يَذْكُر ((جَبِينُهُ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيع (١)) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٧) (م ت
س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
(١) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ العنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (خ م د س ◌َق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
و (سُھیل)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية روح بن القاسم، عن سُهيل هذه ساقها أبو نعيم في
(مستخرجه)) (٦٧/٣) فقال:
(٢٢٢٣) - حدّثنا أبو الحسن سهل بن عبد الله التستريّ، ثنا محمد بن
عبد الله بن بَزِيع، ثنا يزيد بن زريع (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن
يحيى، ومحمد بن العباس قالا: ثنا عمرو بن عليّ، ثنا يزيد بن زريع (ح) وثنا
محمد بن أبي إسحاق، ثنا الحسين بن محمد الحرّانيّ، ثنا أبو الخطاب زياد بن
يحيى، وإسماعيل بن بشر بن منصور قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْح بن
القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((ما
من عبد له مالٌ لا يؤدِّي زكاته إلا جُمِع له يوم القيامة صفايح، يُحْمَى عليه في
نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبه وظهره، حتى يقضي الله بين عباده، في يوم كان
مقداره خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى
النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاته، إلا يجاء بها يوم القيامة، كأحسن
ما كانت عليه، ثم يبطح لها بقاع قرقر، ثم تستن عليه، كلما مرت أُخراها رُدّت
عليه أولاها، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
مما تعدّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم،
لا يؤدي زكاته، إلا يجاء بها يوم القيامة وبغنمه، كأكثر ما كانت، فيبطح لها
بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عَضْبَاءُ، ولا جَدْعاءُ،
كلما مَضَت عليه أخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين عباده في يوم
كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى
النار))، قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: ((الخيل معقود في نواصيها الخير
إلى يوم القيامة، والخيل لثلاثة: هي لرجل أجرٌ، وللآخر ستر، ولآخر وزر،
فأما التي هي له أجرٌ، فرجل يتخذها، ويُعِدّها في سبيل الله، فما غَيَّبَت في
بطونها فهو له أجر، ولو رعاها في مرج، كان له بكل شيء غيبت في بطونها
أجرٌ، ولو استنت شَرَفاً أو شَرَفَين كان له بكل خطوة خَطَتْها أجر، ولو عَرَضَ له

١٧٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٥)
نهر فسقاها منه، كان له بكل قَطْرة غيّبتها في بطونها أجرٌ، حتى إنه ليذكر الأجر
في أروائها وأبوالها، وأما التي هي له سترٌ، فرجل يتخذها تصنفاً (١) وتكرُّماً
وتجملاً، ولا ينسى حق ظهورها ولا بطونها في عسره ويسره، وأما التي عليه
وزرٌ، فرجل يتخذها أشراً وبَطَراً ورياءً الناس، وبَذَخاً عليهم))، قيل: يا
رسول الله فالحمر؟ قال: ((ما أُنزل عليّ فيها شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّ﴾))، لفظ
الحديث لزياد بن يحيى، وهو أتمهم لفظاً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٩٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِوَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَرْءُ حَقَّ اللهِ، أَوِ الصَّدَقَةَ فِي إِبِلِهِ))، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) تقدّم قريباً.
٤ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية بكير، عن أبي صالح هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه))
(٦٩/٣) فقال:
(٢٢٢٧) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن
يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيراً حدّثه، عن أبي
(١) كذا وقع في النسخة، ولعله ((تعفّفاً)) بعين مهملة، وفاءين، فليُحرّر.

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
صالح ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّه قال: ((إذا لم يؤدِّ المرء حقّ الله،
أو الصدقة في إبله بُطِح لها بصعيد قرقر، فوَطِأته بأخفافها، وعَضّته بأفواهها،
إذا مر آخرها كَرَّ عليه أولها، حتى يَرَى مصدره إما من الجنة وإما من النار،
والبقر إذا لم يؤدّ حقّ الله فيها بُطِح له(١) بصعيد قرقر، فوطأته بأظلافها ونطحته
بقرونها، إذا مَرّ عليه آخرها كَرّ عليه أولها، حتى يرى مصدره إما من الجنة وإما
من النار، والغنم كذلك تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، ليس فيها عَقْصَاء،
ولا جَمّاء، حتى يرى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والخيل لثلاثة: أجر
ووزر وستر، فمن اقتناها تعفّفاً وتغنياً كانت له ستراً، ومن اقتناها عُدّةً للجهاد
في سبيل الله، كانت له أجراً، فإن طول لها شَرَفاً أو شَرَفين، كان له في ذلك
أجرٌ، ومن اقتناها فخراً ورياءً ونواءً على المسلمين، كانت له وزراً))، قال
قائل: يا رسول الله أفرأيت الحمر؟ قال: ((لم يأت في الحمر شيء، إلا هذه
الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٢٩٦] (٩٨٨) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج،
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ إِبِلِ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعْ قَرْقَرٍ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا،
وَلَا صَاحِبٍ بَقَرٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرَ مَا كَانَتْ،
وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَوُّهُ بِقَوَائِهَا، وَلَا صَاحِبٍ غَنَم، لَا يَفْعَلُ
فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقُرٍ، تَنْطَحُهُ
(١) هكذا في النسخة، ولعله («لها)»، فليُحرّر.