Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِنْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا
الضَّخَّاكُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةٍ
الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلُ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»(٢)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، و((ابن أبي فُديك)) هو: محمد بن
إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك، و((الضحّاك)) هو: ابن عثمان بن عبد الله بن
خالد الحزاميّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ بَيَانِ إِثْمٍ مَانِعِ الزَّكَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٩٠] (٩٨٧) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ
مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ أَبَا صَالِح ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَّهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا
حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ
جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ(٣) أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ
مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ،
وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ إِبِلِ، لَا يُؤَدِّي
مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعِ
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((كلما رُدّت)).
(٢) وفي نسخة: ((إلى المصلّ)).

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِداً، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُهُ
بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ
أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))،
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَم، لَا يُؤَدِّي
مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِعَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً، لَيْسَ
فِيهَا عَقْضَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُّونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ
عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى
بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ
فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ((الْخَيْلُ ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ
أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً، وَفَخْراً، وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ،
فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ
حَقَّ اللّهِ فِي ظُهُورِهَا، وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ
رَبَطَّهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ (١)، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ
الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَّ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ
أَرْوَائِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ
لَهُ عَدَدَ أَثَارِهَا وَأَرْوَائِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَا
يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ
فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاتَّةُ الْجَامِعَةُ:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا
[الزلزلة: ٧، ٨]»).
يَرَةُ (ا﴾
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحَدَثانيّ، هرويّ الأصل، أبو محمد، صدوقٌ في
(١) وفي نسخة: ((أو روضة)).

١٤٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِنْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة
(م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ) نزيل عَسْقلان، أبو عمر، ثقةٌ ربّما وَهِمَ
[٨] [١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧ / ٤٦١.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو صَالِح ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى سُويد، فحدثانيّ، وحفص،
فعسقلانيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رُبه، رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطاب ◌َظُهُ (أَنَّ أَبَا
صَالِحِ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ (يَقُولُ: قَالَ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ: ((مَا) نافية (مِنْ) زائدة (صَاحِبٍ ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا
حَقَّهَا) قال التوربشتيّ تَّتُهُ: ذَكَرَ جنسين من المال، ثم قال: ((لا يؤدّي منها
حقّها))؛ ذهاباً إلى أن الضمير إلى معنى الذهب والفضّة دون لفظهما؛ لأن كلّ
واحد منهما جملة وافية، ودنانير ودراهم، ويَحْتَمِل أن يراد بها الأموال،
ويَحْتَمِل أنه أراد بها الفضّة، واكتفى بذكر أحدهما، كقول الشاعر [من الطويل]:
فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ
وبمثله ورد التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ
وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤].
أو لكون الفضّة أكثر انتفاعاً في المعاملات من الذهب، وأشهر في أثمان

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الأجناس، ولذا اكتفى بها في قوله وَله: ((وليس فيما دون خمس أواقٍ من
الورق صدقة)). انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخَّلُ: قوله: ((لا يؤدّي حقها)) كذا صحّت الرواية بـ((ها))
التأنيث المفردة، وظاهره أنه عائد على الفضّة، فإنه أقرب مذكور، وهي مؤنّئة،
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُفِقُونَهَا فِ سَبِيلٍ
اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، وقد حُمل هذا على الاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر،
كما في قول الشاعر:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلٍ
وقيل: أعاد على معنى الكلمات المتقدّمة، وكأنه قال: لا يؤدّي من تلك
الأمور المذكورات حقّها، وأشبه من هذه الأوجه أن يقال: إن الذهب والفضّة
يقال لهما عين لغةً، فأعاد عليها الضمير، وهي مؤنّئةٌ.
قال: وهذا الحديث يدلّ على أن الذهب والبقر فيهما الزكاة، وإن لم
يجئ ذكرهما في حديث جابر رعُه المتقدّم، ولا في كتاب أبي بكر رَضُه في
الصدقة، على ما ذكره البخاريّ، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيهما، وإن
اختلفوا في نصاب البقر. انتهى(٢).
(إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) استثناء من عموم الأحوال (صُفِّحَتْ) بتشديد
الفاء مبنيّاً للمفعول؛ أي: جعلت الفضّة ونحوها (لَهُ) أي: لصاحبها (صَفَائِحَ)
جمع صَفِيحَة، وهي ما يُطبع مما يتطرّق، كالحديد والنحاس، ورُوي مرفوعاً
على أنه نائب فاعل لـ((صُفِّحت))، ومنصوباً على أنه مفعول ثانٍ لها، وفي الفعل
ضمير الذهب والفضّة، وأنّث إما بالتأويل السابق، وإما على التطبيق بينه وبين
المفعول الثاني الذي هو ((صفائح)).
وقوله: (مِنْ نَارٍ) يعني: أنه إذا لم يؤدّ صاحب الذهب والفضّة حقّها
يُجعل له صفائح من نار، أو جُعلت الذهب والفضّة صفائح من نار، وكأنه
تنقلب صفائح الذهب والفضّة لفرط إحمائها، وشدّة حرارتها صفائح النار،
(١) راجع: ((المرقاة)) ٢٦١/٤، و((المرعاة)) ٨/٦ -٩.
(٢) ((المفهم)) ٢٤/٣ - ٢٥.

١٤٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
فيكوى بها جبينه ... إلخ، وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالى:
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِىِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، فجعل عين
الذهب والفضّة هي المحمى عليها في نار جهنم، قاله الطيبيّ ◌َّفُ(١).
(فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ببناء الفعل للمفعول، و((عليها)) نائب فاعله؛
أي: أوقد عليها نار ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: ﴿نَارَّ حَامِيَةٌ
[القارعة: ١١]، ففيه مبالغة في ((أحميت في نار))، قاله الطيبيّ، والضمير في
((عليها)) للفضّة، فالفاء تفسيريّةٌ، وقيل: الضمير إلى الصفائح الناريّة؛ أي:
تُحمى مرّة ثانيةً في نار جهنّم؛ ليشتدّ حرّها، فالفاء تعقيبيّة.
(فَيُكْوَى بِهَا) أي: بتلك الفضّة، أو بتلك الصفائح (جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ)
قيل: إنما خُصّت هذه المواضع بالكيّ دون غيرها من أعضائه؛ لتقطيبه وجهه
في وجه السائل، وازْوِرَاره عنه بجانبه، وانصرافه عنه بظهره، قاله
القرطبيّ كَخَذَتْهُ(٢).
وقال في ((المرعاة)): قيل: خصّ هذه الأعضاء بالذكر من بين سائر
الأعضاء؛ لأنها مجوّفة، فتُسرع الحرارة إليها، أو لأن الكيّ في الوجه أبشع
وأشهر، وفي الظهر والجنب أوجع وآلم، وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم كان
لطلب الوجاهة بالغنى، والتنعّم بالمطاعم الشهيّة، والملابس البهيّة، وقيل: لأن
السائل متى تعرّض للطلب من البخيل أول ما يبدو منه من آثار الكراهية والمنع
أنه يُقَطِّبُ في وجهه، ویتکلّح، ویجمع أساريره، فیتجعّد جبينه، ثم إن كرّر
الطلب ناء بجانبه عنه، ومال عن جهته، وتركه جانباً، فإن استمرّ الطلب ولّاه
ظهره، واستَقْبَلَ جهةً أخرى، وهي النهاية في الردّ، والغاية في المنع الدالّة
على كراهيته للعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البرّ والإحسان، وعادة البخلاء
بالرفد والعطاء، فلذلك خصّ هذه الأعضاء بالكيّ، قاله الجزريّ في ((جامع
الأصول))(٣).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٧٠/٥ - ١٤٧١.
(٢) ((المفهم)) ٢٥/٣.
(٣) راجع: ((المرعاة شرح المشكاة)) ٩/٦.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقال الطيبيّ نَظّتُهُ: خصّ هذه الأعضاء - أعني الجنب، والجبين،
والظهر - لأنه جمع المال، وأمسكه، ولم يصرفه في مصارفه؛ لِيَحْصُلَ به
وجاهةٌ عند الناس، وترقّةٌ، وتنعّمٌ في المطاعم والملابس، فيحوي جنبه وظهره
المأكولات الهنيّة اللذيذة، فينتفخ، ويقوى منها، وتحويها الثياب الفاخرة،
والملابس الناعمة، فيلتذّ جنباه بها، أو لأنه ازْوَرّ عن الفقير في المجلس،
وأعرض عنه، وولَّى ظهره، أو لكونها أشرف الأعضاء الظاهرة؛ لاشتمالها على
الأعضاء الرئيسيّة التي هي الدماغ، والقلب، والكبد.
وقيل: المراد بها الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن، ومآخِره،
وجنبتاه. انتهى(١).
(كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: كذا رواية السجزيّ، ولكافّة
الرواة كلها ((رُدّت))، والأول هو الصواب، فتأمّله، فإنه المناسب للمعنى.
(٢)
انتھی(٢).
فيكون المعنى على هذا: كلما بردت تلك الصفائح رُدّت إلى نار جهنم
ليُحمى عليها، ويكون على الثاني: كلما رُدّت تلك الصفائح من بدنه إلى النار،
أعيد إليه أشدّ ما كانت، والمراد منه استمرار التعذيب، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في بعض النسخ: (بَرَدَت)) بالباء، وفي
بعضها: ((رُدّت)) بحذف الباء، ويضمّ الراء، وذكر القاضي عياض الروايتين،
وقال: الأولى هي الصواب، قال: والثانية رواية الجمهور. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ كَُّهُ: معناه: دوام التعذيب، واستمرار شدّة الحرارة في
تلك الصفائح استمرارَها في حديدة مُحماة تُرَدّ إلى الكِير، وتُخرج منها ساعةً،
(٤)
فساعة. انتهى
.
وقال ابن الملك: يعني: إذا وصل كيّ هذه الأعضاء إلى آخرها أعيد
الكيّ إلى أولها حتى وصل إلى آخرها. انتهى.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٧١/٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٥/٣.
(٤) ((الكاشف)) ١٤٧١/٥.
(٣) (شرح النوويّ)) ٧/ ٦٤.

١٤٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وقال القاري: ويَحْتَمِل أن يكون الضمير في (رُدّت)) للأعضاء؛ أي: كلما
رُدّت الأعضاء بالتبديل بعد الإحراق، والقرب من الإفناء أعيدت الصفائح
عليها، فيكون موافقاً لقوله رَّت: ﴿كُلَّا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ
اَلْعَذَابٌ﴾ الآية [النساء: ٥٦]. انتهى (١).
وقوله: (لَهُ) أي: لمانع الزكاة، وهو متعلّقٌ بـ((أُعيدت)).
(فِي يَوْمٍ) هو يوم القيامة (كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) هذا المقدار
على الكافرين، ويطول على بقيّة العاصين بقدر ذنوبهم، وأما المؤمنون فهو على
عَلَى الْكَفِينَ غيّرُ
٩
بعضهم كركعتي الفجر (٢)، وإليه أشار بقوله ريم: ﴿يَوْمُ عَسِيرُ
يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدّثّر: ٩، ١٠]، قاله القاري تَخْلُهُ.
وقال القرطبيّ تَظّتُهُ: قيل: معناه: لو حاسب غير الله رشَ، وقيل: قدر
مواقفهم للحساب، وقيل: يوم القيامة فيه خمسون موطناً، كل موطن ألف سنة.
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب أن طول ذلك اليوم مقدار خمسين ألف
سنة من سنيّ الدنيا، كما هو ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(١) ((المرقاة)) ٢٦٢/٤.
(٢) هكذا ذكر في ((المرقاة)) (٢٦٢/٤)، ولم يَعْزُه إلى من خرّجه حتى يُنظر في
إسناده.
وأخرج الإمام أبو جعفر الطبري تَُّ في ((تفسيره)) (٧٢/٢٩)، فقال:
حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن دَرّاجاً
حدّثه عن أبي الهيثم، عن سعيد، أنه قال لرسول الله وَله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ما أطول هذا؟ فقال النبيّ ◌َّ: ((والذي نفسي بيده
إنه ليُخَفَّف على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في
الدنیا)).
وهذا الإسناد ضعيف؛ لأن درّاج بن سمعان، أبا السمح، وإن كان صدوقاً، إلا أن
حديثه عن أبي الهيثم ضعيف، فتنبّه.
وقال الهيثميّ كَثُ في ((مجمع الزوائد)) (٣٣٧/١٠): رواه أحمد، وأبو يعلى،
وإسناده حسنٌ على ضعف في راویه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا غريب من الهيثميّ كَّفُ، فإن في سند أحمد ابن
لهيعة، عن درّاج، عن أبي الهيثم، فكيف يُحسّنه؟، فتنبّه.

١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحكَم، ويُفرغ من حساب الناس
(بَيْنَ الْعِبَادِ) قال القاري تَخْلُ: وفيه إشارة إلى أنه في العذاب، وبقيّة الخلق في
الحساب، ولذا قيل: الدنيا حلالها حساب، وحرامها عقاب(١). انتهى(٢).
وقال الحافظ العراقيّ تَّثُ في ((شرح الترمذيّ)): يمكن أن يؤخذ منه أن
مانع الزكاة آخر من يُقضَى فيه، وأنه يُعذّب بما ذُكر حتى يُفرغ من القضاء بين
الناس، فيُقضى فيه بالنار، أو الجنّة.
ويحتمل أن المراد حتى يُشرع في القضاء بين الناس، ويجيء القضاء فيه،
إما في أولهم، أو وسطهم، أو آخرهم على ما يريد الله، وهذا أظهر. انتهى.
قال ولده وليّ الدين ◌َُّهُ: قد يشير إلى الأول قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ويقال: إنما ذُكر في معرض استيعاب ذلك اليوم
بتعذيبه؛ لجواز أن يكون القضاء فيه آخر الناس، وإن احْتَمَل أن يكون فصل
أمره في وسطه، والله أعلم. انتهى(٣).
(فَيُّرَى) بالبناء للمفعول، من الرؤية، أو من الإراءة، وقوله: (سَبِيلَهُ)
مرفوع على الأول على أنه نائب الفاعل، ومنصوب على أنه مفعول ثان على
الثاني، والنائب عن الفاعل ضمير صاحب المال، وروي بالبناء للفاعل من
الرؤية؛ أي: يَرَى هو سبيله، فـ(سبيله)) منصوب على المفعوليّة.
وقال النوويّ ◌َّهُ: ضبطناه بضمّ الياء وفتحها، وبرفع لام ((سبيلُهُ))
ونصبها . انتهى(٤).
وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور، لا يقدر أن يروح إلى
النار فضلاً عن الجنّة حتى يُعيّن له أحد السبيلين(٥).
(١) قال الحافظ العراقيّ كَُّ في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٨٨٣/٢):
حديث: ((حلالها حساب، وحرامها عذاب))، رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في
وُه بإسناد منقطع، بلفظ:
(الشعب)) من طريقه، موقوفاً على علي بن أبي طالب
((وحزامها النار))، ولم أجده مرفوعاً. انتهى كلامه كَُّهُ .
(٢) ((المرقاة)) ٤/ ٢٦٢.
(٤) ((شرح النووي)) ٦٥/٧.
(٣) ((طرح التثريب)) ١٠/٤.
(٥) ((المرقاة)) ٤/ ٢٦٢.

١٤٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
(إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ) أي: إن لم يكن له ذنب سواه، وكان العذاب تکفیراً له
(وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))) إن كان على خلاف ذلك.
قال القاري تَخُّْ: وفيه ردّ على من يقول: إن آية ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] مختصّة بأهل الكتاب، ويؤيّده القاعدة
الأصوليّة: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أنه لا دلالة في
الحديث على خلوده في النار، قال: وبهذا يُعلم ضعف قول ابن حجر - يعني:
الْهَيتميّ - أيضاً: ((إما إلى الجنة)) إن كان مؤمناً بأن لم يستحلّ ترك الزكاة،
((وإما إلى النار)) إن كان كافراً بأن استَحَلّ تركها. انتهى كلام القاري(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حجر الهيتميّ تَّتُ ليس ببعيد، بل
هو محتمل في معنى الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْإِبِلُ؟) الفاء متصلة بمحذوف؛ أي: عرفنا حكم
الذهب والفضّة، فما حكم الإبل؟ (قَالَ) وَ ((وَلَا صَاحِبُ إِبِل) بالجرّ عطفاً
على ((صاحب ذهب))، فيكون من باب العطف التلقينيّ، أو بالرفع على أنه
فاعل لمقدّر؛ أي: ولا يوجد صاحب إبل، وقوله: (لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا) في
محلّ جرّ صفة ل((إِبل))؛ أي: لا يعطي صاحب الإبل منها حقّها؛ أي: ما يجب
عليه فيها للفقراء، من الزكاة، أو أعمّ من ذلك (وَمِنْ حَقِّهَا) أي: المندوب على
ما قاله الجمهور، أو الواجب على ما قاله بعضهم، وهو الحقّ على ما يأتي
بيانه، قال الطيبيّ تَخّْثُ: و((من)) للتبعيض؛ أي: بعض حقّها حلبها، وحقّها
الأول أعمّ من الثاني، وذكر الثاني للاستطراد، والوعيد مرتّب على الأول،
ويَحْتَمِلُ أن يكون التعذيب عليهما معاً تغليظاً. انتهى (٢). (حَلَبُهَا) بفتح اللام
على اللغة المشهورة، وحُكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو
القياس، قاله النوويّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ تَخَّتُهُ: غريبٌ ضعيفٌ، ولا
أدري من أين أخذه، فإن كتب اللغة أثبتته، ولم تشر إلى ضعفه، قال في
(١) ((المرقاة)) ٢٦٢/٤ - ٢٦٣.
(٣) شرح مسلم ٦٧/٧.
(٢) ((الكاشف)) ١٤٧٢/٤.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
((المصباح)): حَلَبْتُ الناقةَ وغيرها حَلْباً، من باب قَتَلَ، والْحَلَبُ بفتحتين يُطلَقُ
على المصدر أيضاً، وعلى اللبن المحلوب، فيقال: لبنٌ، وحليبٌ، ومحلوبٌ.
(١) .
.
انتھی
وقال في ((القاموس)): الْحَلْبِ - أي: بسكون اللام - ويُحَرَّكُ: استخراج
ما في الضرع من اللبن، كالْحِلاب بالكسر، والاحتلاب، يَحْلُب، ويَحْلِبُ -
أي: من بابي نصر وضرب - والمِحْلَبُ والحِلاب بكسرهما: إناءٌ يُحلب فيه،
وقال أيضاً: والْحَلَبُ مُحرّكةً، والحليب: اللبن المحلوب، أو الحليب ما لم
یتغیّر طعمه. انتهى(٢).
فقد تبيّن بما قاله في ((المصباح))، و((القاموس)) أن الحلْب بسكون اللام
مصدر قياسيّ مستعمل، فدعوى كونه ضعيفاً غير مقبول، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(يَوْمَ وِزْدِهَا) - بكسر الواو - أي: إتيانها إلى الماء، أو نوبة الإتيان إلى
الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كلّ ثلاثة أيام، أو أربعة، وربما تأتي في
ثمانية .
وفي حديث جابر الآتي: ((حَلَبها على الماء))؛ أي: في محلّ سقيها
الماء.
وإنما خصّ الْحَلْبَ بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاجين من قصد
المنازل، وأرفق بالماشية، قاله في ((الفتح))، ولأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن
الفقراء يحضرون هناك لذلك.
وفي هذا دليل لمن يرى في المال حقوقاً غير الزكاة، قاله في ((طرح
التثريب)».
وقال الطيبيّ: معناه أن يُسقى ألبانها المارّة، ومن ينتاب المياه من أبناء
السبيل، وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا
مثل نهيه ◌َ عن الجذاذ بالليل، أراد أن يُصرَمَ بالنهار ليحضره الفقراء. انتهى (١).
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٥/١.
(٣) ((الكاشف)) ١٤٧٢/٤.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١/ ٥٧.

١٥١
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وقال ابن بطّال: يريد حقّ الكَرَم، والمواساة، وشريفِ الأخلاق، لا أن
ذلك فرضٌ، قال: وكانت عادة العرب التصدّق باللبن على الماء، فكان
الضعفاء يرصدون ذلك منهم، قال: والحقّ حقّان: فرض عين، وغيره،
فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق.
وقال إسماعيل القاضي: الحقّ المفترض هو الموصوف المحدّد، وقد
تحدث أمورٌ لا تُحدّ، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضعيف
مضطرّ، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من يُواريه، فيجب حينئذ على من
يمكنه المواساة التي تزول بها الضرورات.
وقال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث يردّ قولَ من قال: إنه من
مكارم الأخلاق، وليس من الواجب، وقول من قال بالنسخ، ويدلّ دلالة
واضحة لمن يَرَى في المال حقّاً سوى الزكاة على ما سنبيّنه، وهو مذهب غير
واحد من التابعين، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذا، في المسائل -
إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ كَّلُهُ: الظاهر أن قوله: ((ومن حقها حلبها
يوم وردها)) مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك في
((سننه)) من غير تصريح، فإنه لما ذكر هذه الزيادة رَوَى بعدها من حديث أبي
عُمَر الغدانيّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَّر نحو هذه القصّة،
فقال له - يعني: لأبي هريرة -: فما حقّ الإبل؟، قال: تُعطي الكريمة، وتَمنَح
الغزيرة، وتُفقر الظهر، وتُطرِق الفحل، وتَسقي اللبن، قال: ففي هذه الرواية أن
هذا من قول أبي هريرة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإدراج المذكور عندي محلّ نظر،
فإن البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه))، روى الزيادة فقط من حديث أبي هريرة
پئه،
فقال في ((كتاب المساقاة)) من ((صحیحه)):
(٢٣٧٨) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُلَيح، قال: حدّثني
أبي، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة،
عن النبيّ ◌َّ، قال: ((من حق الإبل، أن تُحْلَب على الماء)).

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وزاد أبو نعيم في ((مستخرجه))، والبرقانيّ في ((المصافحة)) من طريق
المعافى بن سُليمان، عن فُليح: ((يوم وُرُودها))، قاله في (الفتح))(١).
فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ ◌َّهِ بحيث لا يَحْتَمِلُ الإدراج.
والحاصل أن ادّعاء الإدراج لهذه الزيادة في حديث أبي هريرة ظبه مما
لا يخفى بُعده، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) استثناء مفرٌّ من عموم الأحوال، و((كان)) تامّة،
بمعنى جاء ووقع (بُطِحَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُلقي صاحب الإبل على وجهه.
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: قوله: ((بُطِحَ)) قال جماعة: معناه أُلقي على وجهه،
قال القاضي: قد جاء في رواية البخاريّ: ((تَخِط وجهه بأخفافها)). قال: وهذا
يقتضي أنه ليس من شرط البَطْح كونه على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى
البسط والمدّ، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، ومنه سمّيت
بطحاء مكة؛ لانبساطها. انتهى (٢).
(لَهَا) أي: لتلك الإبل، وهو متعلّقٌ بابُطِحَ))، قال التوربشتيّ ◌َظُّهُ: ووقع
في بعض نسخ ((المشكاة)) بلفظ ((له)) بالتذكير، وهو خطأُ روايةً ودرايةً؛ لأن
الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل، والمجرور للإبل؛ ليستقيم؛ لأن
المبطوح المالك، لا الإبل. انتهى.
وتعقّبه الطيبيّ، فقال: أما التمسّك بالرواية فمستقيم، وأما بالمعنى فلا،
لم لا يجوز أن يذكّر الضمير لإرادة الجنس، أو للتأويل بالمذكور، على أنه
يجوز أن يرجع الضمير لصاحب الإبل، ويكون الجارّ والمجرور قائماً مقام
الفاعل، كما في قوله تعالى: ﴿يُسَيِّحُ لَهُمْ فِهَا بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [النور: ٣٦].
(٣)
انتھی(٣).
(بِقَاع قَرْقَرٍ) ((القاع)): المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء،
فيمسكه، قَال الهرويّ: وجمعه قِيَعَة، وقِيعان، مثل جار، وجِيَرَة، وجِيران،
و((القرقر)) - بفتح القافين -: المستوي أيضاً من الأرض الواسعُ، قاله النوويّ،
(١) ((الفتح)) ١٨٦/٦ ((كتاب المساقاة)) رقم (٢٣٧٨).
(٢) ((شرح مسلم)) ٧/ ٦٧ - ٦٨.
(٣) راجع: ((المرقاة)) ٢٦٣/٤ - ٢٦٤.

١٥٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وقال في ((النهاية)): القاع المكان المستوي من الأرض الواسع، والقَرْقَرُ:
الأملس. انتهى. فيكون ذكر القرقر بعد القاع تأكيداً.
(أَوْفَرَ مَا كَانَتْ) أي: أكثر عدداً، وأعظم سِمَناً، وأقوى قُوّةً، قال في
(شرح السنّة)): يريد كمال حال الإبل التي تطأ صاحبها في القوّة والسِّمَن؛
ليكون أثقل لوطئها، قال الطيبيّ: ((أوفر)) مضاف إلى ((ما)) المصدرية، والوقتُ
مقدَّر، وهو منصوب على الحال من المجرور في ((لها))، إن كان الضمير
المجرور للإبل، وجُوِّز وقوعه حالاً، ولا يمنعها إضافته إلى المعرفة؛ لأن
الإضافة فيه غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضلِ الناس، وإن كان
لصاحب الإبل، فهو خبر مبتدأ محذوف على الاستئناف. انتهى(١).
وقوله: (لَا يَفْقِدُ) أيضاً، إما مترادفة إن كان صاحب الحال الضمير في
(بُطِحَ))، أو متداخلة إن كان صاحب الحال الضمير المستتر في ((كانت)) التامّة
الراجع إلى الإبل؛ لوجود الضمير في ((منها؛ أي: لا يفقد الصاحب المذكور
(مِنْهَا) أي: من تلك الإبل (فَصِيلاً) - بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة -: ولد
الناقة، سُمّي بذلك؛ لأنه يُفصَل عن أمه، فهو فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع
فِضْلان بضمّ الفاء وكسرها، وقد يُجمع على فِصَالٍ بالكسر، كأنهم توهّموا فيه
الصفة، مثلُ كريم وكِرَامٍ، قاله في ((المصباح))(٢).
وقوله: (وَاحِداً) صٌّفة مؤكّدة ((فَصِيلاً)).
(تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا) أي: تضربه، وتدوسه الإبل بأرجلها، والجملة حال
مترادفة، أو متداخلة على التقديرين؛ لوجود ضمير المذكّر والمؤنّث، ويجوز أن
يكون استئنافاً بيانياً، كأنه لما قيل: بُطِحَ صاحب الإبل لإبله، حال كونها قويّةً
تامّةً مع جميع فصيلاتها، غير فاقدة منها شيئاً، اتّجَهَ السائل أن يقول: لم يُطِحَ
لها؟، فأجيب لتطأه بأخفافها ... إلخ، وعلى هذا حكم ((كلما)) في الحاليّة،
والاستئنافيّة؛ أي: تطؤه دائماً، قاله الطيبيّ كَظُّهُ(٣).
(وَتَعَضُّهُ) بفتح العين المهملة، يقال: عَضِضتُ اللَّقْمة، وبها، وعليها
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤/ ١٤٧٢.
(٢) ((المصباح المنير)) جـ٢ ص٤٧٤.
(٣) ((الكاشف)) ١٤٧٢/٤.

١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
عَضّاً: إذا أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر
ساكن، ومن باب نَفَعَ لغةٌ قليلةٌ، وفي ((أفعال ابن القَطّاع)): من باب قتل، قاله
في ((المصباح))(١) .
وقال في ((القاموس)): عَضَضْته، وعليه، كسمِعَ، ومَنَعَ عَضّاً، وعَضِيضاً:
أمسكته بأسناني، أو بلساني. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أثبت في ((المصباح)) و((القاموس)) مجيء
((عَضّ)) من الباب الثالث، وهو فتح العين في الماضي والمضارع، وفيه نظرٌ؛
لأن شرط الباب الثالث غير موجود، وقد تعقّب محمد المرتضى شارح
((القاموس)) تَُّ ذلك، ودونك عبارته: عَضَضْتُهُ مُتعدّياً بنَفْسه، وعَضِضْتُ عَلَيْه
مُتَعَدِّياً بـ((عَلَى))، وكَذَا عَضضْتُ بِهِ مُتَعَدِّياً بالبَاءِ، صَرَّح به الجَوْهَرِيُّ،
والصّاغَانِيُّ، كسَمِعَ ومَنَعَ، قال شيخُنا: وَزْنُه بمَنَعِ وَهَمٌّ؛ إِذِ الشَّرْطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ
كما في ((القاموس))، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَدَاخُلِ اللَّغَاتِ. انتهى.
قُلْتُ(٣): الفَتْحُ نَقَلَه الجَوْهَرِيّ، ونَصُّه: ابنُ السِّكِّيت: عَضَضْتُ باللُّقْمَة
فَأَنَا أَعَضُّ، وقال أَبو عُبَيْدٍ: عَضَضْتُ بالفَتْحِ لُغةٌ في الرِّابِ، قال ابنُ بَرِّيّ:
هذا تَصْحِيفٌ على ابنِ السِّكِّيتِ، والَّذِيَّ ذَكَرَهُ ابن السِّكِّيت في ((كِتاب
الإِصلاح)): غَصِصْتُ بِاللُّقْمَةِ، فأَنا أَغَصُّ بها غَصَصاً، قال أَبو عُبَيْدة:
وغَصَصْتُ لُغَةٌ فِي الرِّبابِ، بالصَّاد المُهْمَلَةِ، لا بالضَّاد المُعْجَمَة.
قلتُ: وهكَذا وُجِدَ بخَطٍّ أَبي زَكَرِيّا، وابْن الجَوَاليقيّ في ((الإِصْلاح)) لابْن
السِّكّيت، في باب ما نُطِقَ به بفَعِلْتُ وفَعَلْتُ بالغين والصاد المُهْمَلَة على
الصَّواب، وصَرَّحُوا بأَنَّ مَا في ((الصّحاح)) تَصْحيفٌ، وقد تَبِعَهُ المُصَنّف(٤) هُنَا،
حَيْثُ وَزَنَّهُ بِمَنَع؛ إِشَارَةً إلى قَوْل أَبِي عُبَيْدَةَ المَذْكُور، من غَيْرِ تَنْبِهِ عليه، وذَكَرَهُ
أَيْضاً في الصَّاد على الصّواب، وقد وَقَعَ في هذَا الوَهَمْ أَيْضاً الصّاغَانيُّ في
(العُبَابِ))، حَيْثُ نَقَلَ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ السَّابقَ، وكأَنَّ المُصَنِّفَ حَذَا حَذْوَهُ على
عَادَته، مع أَنَّه نَبَّهَ على تَوْهيمِ الجَوْهَريّ في كتابه «التَّكْمِلَة))، فَقَالَ ما نَصُّه:
(١) ((المصباح المنير)) ٤١٤/٢ - ٤١٥.
(٣) القائل الشارح المرتضى كثّفُهُ .
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٣٧/٢.
(٤) يعني: صاحب ((القاموس)).

١٥٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
وقَال الجَوْهَرِيُّ: عَضِضْتُ باللُّقْمَةِ، والصَّوابُ غَصِصْتُ، بالغَيْنِ المُعْجَمَة،
وبَصَادَيْن مُهْمَلَتَيْن، ولم يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وكَأَن عنده الوَهَمَ في غَصصْت
بالُّقْمَةِ فَقَط، والصَّواب ما نَقَلَه ابنُ بَرّيّ فيما تَقَدَّمَ من القَوْل، فتَأَمّلْ تَرْشُدْ،
فالصَّوابُ الَّذي لا مَحيدَ عنه أَنَّهُ من باب سَمِع فَقَط. انتهى كلام محمد
المرتضى تخلّفُ في ((شرحه))(١) .
فتحَصَّل بما ذُكر أن الصواب أن عضّ، من باب سِمَعَ، لا من باب نفع،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بِأَفْوَاهِهَا) أي: بأسنانها، متعلّقٌ بـ«تعضّه)) (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا)
أي: أولى تلك الإبل (رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في جميع
الأصول في هذا الموضع، قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير، وتصحیف،
وصوابه ما جاء بعده في الحديث الآخر، من رواية سهيل، عن أبيه، وما جاء
في حديث المعرور بن سُويد، عن أبي ذَرّ ◌َظ ◌ُبه: ((كلما مَرّ عليه أخراها، رُدّ
عليه أولاها))، وبهذا ينتظم الكلام. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: هكذا صحّت الرواية، فقيل: هو تغيير وقلبٌ في
الكلام، وصوابه كما جاء في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة تظ له: ((كلّما مرّ
عليه أُخراها رُدّت عليه أُولاها))، قيل: وهكذا يستقيم الكلام؛ لأنه إنما يريد
الأول الذي قد مَرّ قبلُ، وأما الآخر فلم يمرّ بعدُ، فلا يقال فيه: ((رُدّت)).
قال: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير؛ لأن معناها: أنّ
أول الماشية كلما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه، تلاحقت بها أخراها، ثم إذا
أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى
تنتهي إلى آخره، وهكذا إلى أن يقضي الله بين العباد، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ تَظّمُ(٣) .
وكذا وجّهه الطيبيّ ◌َُّ، فقال: إنّ المراد أن أولاها إذا مرّت عليه تتابع
إلى أن تنتهي إلى الأخرى، ثم ردّت الأخرى من هذه الغاية، وتبعها ما كان
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٣٢/١٨ - ٤٣٣.
(٢) ((شرح النووي)) ٦٥/٧.
(٣) ((المفهم)) ٢٧/٣.

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
يليها، فما يليها إلى أن تنتهي أيضاً إلى الأولى، حصل الغرض من التتابع
والاستمرار. انتهى.
فيكون الابتداء في المرّة الأولى من الإبل الأولى، وفي المرّة الثانية من
الأخرى، والحاصل أنه يحصل هذا بعد أخرى(١).
وقوله: (فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) تقدّم البحث في هذا
قريباً، فلا تنس (حَتَّىَّ يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُفرغ من
الحکم بينهم.
وقوله: (فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)) تقدّم البحث فيه
مستوفی، فلا تنس.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟) تقدّم أن الفاء عاطفة على محذوف؛
أي: هذا حكم الإبل، فما حكم البقر والغنم؟ (قَالَ) بَّ ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرِ،
وَلَا غَنَم) تقدّم أنه يجوز رفعه، وجرّه (لَا يُؤَدِّي مِنْهَا) أي: مما ذُكر من البقر
والغنم (حَقَّهَا) أي: الواجب عليه فيها (إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعِ
قَرْقَرِ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً) أي: من ذواتها، وصفاتها، كما بيّنه بقوله: (لَيْسَ فِيهَاً
عَقْصَاءُ) أي: ملتوية القرنين (وَلَا جَلْحَاءُ) أي: لا قرن لها (وَلَا عَضْبَاءُ) أي:
مكسورة قرنها الداخل، ونفي الثلاثة عبارة عن سلامة قرونها؛ ليكون أجرح
للمنطوح(٢).
قال القاري تَخّْلهُ: ظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في
العقبى، وإن كانت موجودة لها في الدنيا، وظاهر البعث أن يعيد الله تعالى
الأشياء على ما كانت عليه في الحالة الأولى، كما هو مفهوم من الكتاب
والسنّة، ولعله يخلقها أولاً كما كانت، ثم يعطيها القرون؛ ليكون سبباً لعذابه
على وجه الشدّة، والله تعالى أعلم. انتهى (٣).
(تَنْطَحُهُ) بكسر الطاء المهملة، وفتحها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره،
والكسر أفصح، وهو المعروف في الرواية، قاله النوويّ ◌َّثُ، وقال في
(١) انظر: ((المرعاة)) ١٢/٦ - ١٣.
(٣) ((المرقاة)) ٢٦٥/٤.
(٢) («الكاشف)) ٤/ ١٤٧٣.

١٥٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
((القاموس)): نَطَحَه، كمنعه، وضربه: أصابه بقرنه. انتهى (١). فقوله: (بِقُرُونِهَا)
إما تأكيدٌ، وإما تجريد، قاله القاري(٢).
(وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) بالفتح: جمع ظِلْف - بكسر، فسكون -: للبقر، والغنم،
والظّباء، وهو المنشقّ من القوائم، قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ: هو الظُّفُر من كلّ دابّة مشقوقة الرجل، ومن الإبل
الخفّ، ومن الخيل، والبغال، والحمير: الحافر. انتهى(٣).
وقوله: (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجُنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى
النَّارِ))) تقدّم شرحه مستوفَّى.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: فَالْخَيْلُ؟) أي: ما حكمها؟ (قَالَ) وَِّ ((الْخَيْلُ
ثَلَاثَةٌ) قال الطيبيّ نَخْذَّتُهُ: [فإن قلت]: الجوابان السابقان مطابقان للسؤالين؛ لأن
الأسئلة عن حقوق الله تعالى في الأجناس، ووجوب الزكاة فيها، فأين المطابقة
في السؤال الثالث؟.
[قلت]: هو وارد على الأسلوب الحكيم، وفي التوجيه وجهان:
[أحدهما]: على مذهب الشافعيّ كَُّ(٤)؛ أي: دَعْ السؤال عن الوجوب؛
إذ ليس فيه حقّ واجب، ولكن سل عن اقتنائها عما يرجع إلى صاحبها من
المضرّة والمنفعة.
[وثانيهما]: على مذهب أبي حنيفة كَّلُ(٥) أي: لا تسأل عما وجب فيها
من الحقوق وحده، بل سل عنه، وعما يتّصل بها من المنفعة والمضرّة إلى
صاحبها .
[فإن قيل]: كيف استُدلّ على الوجوب بالحديث؟.
[قلت]: بعطف الرقاب على الظهور؛ لأن المراد بالرقاب ذواتها؛ إذ ليس
(١) ((القاموس المحيط)) ٢٥٣/١.
(٣) ((المفهم)) ٢٧/٣.
(٢) ((المرقاة)) ٢٦٥/٤.
(٤) يعني: القائل بعدم وجوب الزكاة في الخيل، وهو الحقّ، كما سيأتي بيانه.
(٥) يعني: القائل بوجوب الزكاة في الخيل.

١٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
في الرقاب منفعة عائدة إلى الغير، كالظهور، وبمفهوم الجواب الآتي من
قوله وَله: ((ما أُنزل عليّ فِي الْحُمُرِ شيءٌ)).
وأجاب القاضي البيضاويّ عنه بأن معنى قوله: ((لم ينس حقّ الله في
رقابها)) أداء زكاة تجارتها.
قال الطيبيّ: وجه هذه الكناية أن الرقاب ربما يُكنى بها عن الانقياد
والمملوكيّة، وما يساق للتجارة يقاد بها بما يشدّ على رقابها للجلب، وينصره
قوله: ((لم ينس))، فإنه لا يستعمل في الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيًا﴾ الآية [القصص: ٧٧].
وأما الجواب عن السؤال الأخير، فإن الفاء في قوله: ((فالْحُمُرُ)) جاءت
عقب المذكورات، كأنه قيل: عرفنا الوجوب في النقدين، والأنعام، والندب
في الخيل، فما حكم الحمير؟.
قال: وفي قوله: ((فالخيل ثلاثة)) جمع وتفريق وتقسيم، فأما الجمع، ففي
قوله: ((ثلاثة))، وأما التفريق ففي قوله: ((هي لرجل وزرٌ ... إلخ)). انتهى كلام
الطيبيّ ◌َّهُ(١).
ومعنى قوله: (الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ) أي: ربطها على ثلاثة أنحاء، وفي رواية:
((الخيل لثلاثة))، ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل، إما أن يقتنيها
للركوب، أو للتجارة، وكلّ منهما، إما أن يقترن به فعل طاعة الله، وهو
الأول، أو معصيته، وهو الأخير، أو يتجرّد عن ذلك، وهو الثاني، قاله في
((الفتح))(٢).
(هِيَّ) أي: الخيل (لِرَجُلِ وِزْرٌ) أي: ثقلٌ وإثمٌ (وَهِيَ لِرَجُلِ سِتْرٌ) بكسر،
فسكون: أي: ساترة لحاله في معيشته؛ لحفظه عن الاحتياج والسؤال (وَهِيَ
لِرَجُلِ أَجْرٌ) أي: ثواب عظيم، فالتنوين للتعظيم.
(فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ) قال القاري: الظاهر أن يقال: فخيل
ربطها، أو يقال: فأما الذي هي له وزر، فرجلٌ، والأظهر أن يكون التقدير:
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٧٣/٤ - ١٤٧٤.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ١٥٤.

١٥٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٠)
فخيل رجلٍ (رَبَطَّهَا رِيَاءً) بالهمز، ويُبدل؛ أي: ليُري الناس عظمته في ركوبه
وحشمته (وَفَخْراً) أي: ليفتخر بلسانه على من دونه من الناس (وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ
الْإِسْلَام) الواو بمعنى ((أو))؛ فإن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكلّ
واحد منها مذموم على حدته، والنِّواء بكسر النون والمدّ: المنازعة والمعاداة،
يقال: ناوأته نِواءً، ومنوأةً: إذا عاديته، كأنه ناء إليك، ونأوت إليه، من النوء
وهو النهوض، كأن كلّ واحد من المتعاديين ينهض إلى صاحبه بالعداوة(١).
والمعنى: أنه ربطها منازعةً ومعاداةً للمسلمين.
(فَهِيَ) أي: تلك الخيل (لَهُ) أي: لذلك الرجل (وِزْرٌ) أي: مكسب
للإثم، بسبب قصده السيّىء، فالجملة مؤكّدة لما قبلها مشعرة باهتمام الشارع
به، والتحذير عنه.
(وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ) بفتح السين، وكسرها؛ أي: ساتر وحجاب له عن
ذلّ السؤال، والحاجة إلى الناس (فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: معناه:
ليجاهد في سبيل الله، والصواب ما قاله الطيبيّ تَّثُ: إنه لم يُرد به الجهاد، بل
النيّة الصالحة؛ لئلا يلزم منه التكرار، قال: ويعضده رواية غيره: ((ورجل ربطها
تغنّياً وتعفّفاً))؛ أي: استغناء بها وتعفّفاً عن السؤال، وهو الآن يطلب بنتاجها
الغنى والعفّة، أو يتردّد عليها إلى متاجرة ومزارعة، فتكون ستراً له تحجبه عن
الفاقة. انتهى (٢).
(ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا) أي: بالعارية للركوب، أو الفحل (وَلَا
رِقَابِهَا) قال الطيبيّ تَخُّْ: إما تأكيد وتَتِمّةٌ للظهور، وإما دليل لقول من قال
بوجوب الزكاة فيها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد استظهر القاري الاحتمال الثاني تأييداً لمذهبه
الحنفيّ الموجب لزكاة الخيل، لكن الراجح عدم الوجوب، كما سيأتي تحقيقه،
فتنبه .
وقال الجزريّ في ((جامع الأصول)): أما حقّ الظهور، فهو أن يَحْمِل
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤/ ١٤٧٤.
(٢) راجع: ((الكاشف)) ٤/ ١٤٧٤.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
عليها منقَطَعاً، ويشهد له قوله في موضع آخر: ((وأن يُفقِر ظهرها))، وأما حقّ
رقابها، فقيل: أراد به الإحسان إليها، والقيام بعلفها، وسائر مؤنها، وقيل:
أراد به الحمل عليها، فعبّر بالرقبة عن الذات. انتهى(١).
وأوّله السنديّ بأن المراد: لم ينس شكر الله تعالى لأجل إباحة ظهورها،
وتمليك رقابها، وذلك الشكر يتأدّى بالعارية. انتهى.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: وقد تعلّق أبو حنيفة، ومن يقول بوجوب الزكاة في
الخيل بقوله: ((ثم لم ينس حقّ الله في رقابها))، قالوا: وحقّ الله هو الزكاة،
ولا حجة فيه؛ لأن ذكر الحقّ هنا مُجملٌ غير مفسّر، ثم يقال بموجبه؛ إذ قد
يتعيّن فيها حقوق واجبة لله تعالى في بعض الأوقات، كإخراجها في الجهاد،
والحمل عليها في سبيل الله، والإحسان بها الواجب، والصدقة بما يكتسب
عليها إن دعت إلى ذلك ضرورة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ تَخْذَلُهُ هو الحقّ، فليس حقّ الله
تعالى الواجب محصوراً في الزكاة فقط، فقد يجب في بعض الأحيان غير
الزكاة، كما سيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ) أي: حجاب من سؤال الغير عند حاجته لركوب فرس،
بدليل قوله: ((تغنّاً، وتعفّفاً)) أي: عن الناس.
(وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: أعدّها لإعلاء
كلمة الله تعالى، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه وعُدّته
في الثغور تجاه العدوّ، أفاده القرطبيّ كَخَذّفُهُ(٣).
وقوله: (لِأَّهْلِ الْإِسْلَام) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد، فإن نفعه متعدّ
إلى أهل الإسلام.
(فِي مَرْج) بفتح الميم، وسكون الراء، آخره جيمٌ: أي: مَرْعَى، قال في
((النهاية)): هو أَلأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيها الدوابّ؛ أي: تُسرَح
فيها، والجارّ متعلّق بـ((رَبَطَ))، وقوله: (وَرَوْضَةٍ) عطف تفسير، أو الروضة أخصّ
(١) ((جامع الأصول)) ٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٣) ((المفهم)) ٢٨/٣.
(٢) («المفهم)) ٢٨/٣.