Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٤) - بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٧٧)
أبيه))، فإن في هذه الجملة إشعاراً بما ذُكر، فإن كونه صنو أبيه يناسب تحمّل ما
عليه، كما قال ابن دقيق العيد دَّثُهُ(١).
(ثُمَّ قَالَ) وَلِ ((يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ) بفتح العين؛ أي: علمت، يقال:
شَعَرتُ بالشيء شُعُوراً، من باب قَعَدَ، وشِعْراً، وشِعْرَةً بكسرهما: إذا عَلِمتَ،
وليتَ شِعري؛ أي: ليتني علمتُ، قاله في ((المصباح))(٢).
(أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ))؛ أي: يرجع مع أبيه إلى أصل واحد، فيتعيّن
إكرامه، كما يتعيّن إكرام الأب، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الآية
[الرعد: ٤]. وأصله في النخلتين، والثلاث، والأربع، التي ترجع إلى أصل
واحد، فكلّ واحدة منهنّ صِنْوٌ، والاثنان صِنْوَانٍ، والثلاث صِنْوَانٌ برفع النون،
فالصنوان جمع صنو، كقنو وقنوان، ويُجمع على أصناء، كأسماء.
وعن ابن الأعرابيّ: أن الصنو المثل؛ أي: مثل أبيه، وذكر ذلك وَله
لعمر تعظيماً لحقّ العمّ، وهو مقتضٍ، ومناسبٌ لأن يُحمَل قوله: ((هي علَيّ)) أنه
تحمّلها عنه؛ احتراماً، ومبرّةً، وإكراماً حتى لا يتعرّض له بطلبها أحدٌ إذا
تحمّلها عنه رسول الله وَ ل﴿. أفاده ابن الملقّن(٣). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظـ
◌َّه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٧٧/٤] (٩٨٣)، و(البخاريّ) في ((الزكاة))
(١٤٦٨)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦٣٣)، و(الترمذيّ) في ((المناقب))
(٣٧٦١)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٤٦٤ و٢٤٦٥) و((الكبرى)) (٢٢٤٣
و٢٢٤٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٢٢/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٢٣٢٩ و٢٣٣٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦١/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١) ((إحكام الأحكام)) ٣٠٦/٣.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٩٣/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١.

٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(٢/ ١٤٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٧٥/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨/
٦٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١١/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٢٣/٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/ ٣٨٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٠/١١)
و ((الأوسط)) (٢٩٩/١)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١ / ٤١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة بعث الإمام العُمّالَ لجباية الزكاة، وكونهم
أمناء، فقهاء، ثقات عارفين، حيث بعث وَّ ر عمر نظابه عليها.
٢ - (ومنها): تنبيه الغافل على ما أنعم الله به عليه من نعمة الغنى بعد
الفقر؛ ليقوم بحقّ الله رَك عليه.
٣ - (ومنها): جواز العَتْبِ على من منع الواجب، وذِكْره في غيبته بذلك،
ولا يكون من الغيبة المحرّمة.
٤ - (ومنها): تحمُّل الإمام عن بعض رعيّته ما يجب عليه، وجواز
اعتذاره عنه بما يسوغ الاعتذار به.
٥ - (ومنها): بيان جواز إعطاء صاحب المال خيار ماله من غير أن يختار
المصَدّق، ووجه ذلك أنّ النبيّ وَّوَ لَمّا أَخَبَر أنّ العباس يدفع صدقته ومثلها
معها، وتحمّل عنه ذلك، وقام بالدفع نيابةً عنه، دلّ على أن زيادة المالك في
الصدقة باختياره، من غير طلب المصدّق جائز. والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه استدلّ بقصّة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في
شراء السلاح، وغيره، من آلات الحرب، والإعانة بها في سبيل الله تعالى؛
بناءً على أنه سي﴿ أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، وهذه
طريقة البخاريّ كَّلُهُ .
وأجاب الجمهور عنه بأجوبة :
(أحدها): أن المعنى أنه وَلّ لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد؛ حملاً
على أنه لم يصرّح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناءً على ما فهموه، ويكون قوله وَّه:
((تظلمونه))؛ أي: بنسبتكم إياه إلى المنع، وهو لا يمنع، وكيف يمنع الفرض،
وقد تطوّع بتحبيس سلاحه، وخيله؟.
(ثانيها): أنهم ظنّوا أنها للتجارة، فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم وَله بأنه

٨٣
(٤) - بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٧٧)
لا زكاة عليه فيما حبس، قال الحافظ: وهذا يحتاج لنقل خاصّ، فيكون فيه
حجّة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها في عروض
التجارة.
(ثالثها): أنه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزكاة عن ماله؛ لأن أحد
الأصناف ((سبيلُ الله))، وهم المجاهدون، وهذا يقوله من يُجيز إخراج القيم في
الزكاة، كالحنفيّة، ومن يُجيز التعجيل، كالشافعيّة.
٧ - (ومنها): استُدلّ بقصة خالد ظلله أيضاً على مشروعيّة تحبيس
الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه.
٨ - (ومنها): جواز إخراج العُرُوض في الزكاة، وهو مذهب الإمام
البخاريّ تَخْثُ، حيث قال في ((صحيحه): وقال طاوس: قال معاذ رَُّه لأهل
اليمن: ائتوني بعَرْضٍ ثيابٍ، خَمِيصٍ، أو لَبِيس، في الصدقة مكان الشعير
والذُّرَة، أهون عليكم، وخيرٌ لأصحاب النبيّ ◌َّ بالمدينة، وقال النبيّ ◌َّ:
((وأما خالد احتبس أدراعه، وأعتده في سبيل الله)). انتهى.
قال ابن رُشيد: وافق البخاريُّ في هذه المسألة الحنفيّةَ مع كثرة مخالفته
لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل. انتهى.
قال في ((الفتح)): وقوله: ((في الصدقة)): يردّ قول من قال: إن ذلك كان
في الخراج.
وحكى البيهقيّ أن بعضهم قال فيه: ((من الجزية)) بدل الصدقة، فإن ثبت
ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول، وقد رواه ابن أبي شيبة، عن
وكيع، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: ((أن معاذاً كان يأخذ
العَرْض في الصدقة)).
وأجاب الإسماعيليّ باحتمال أن يكون المعنى: ائتوني به آخذه منكم
مكان الشعير والذّرَة الذي آخذه شراءً بما آخذه، فيكون بقبضه قد بلغ محلّه، ثم
يأخذ مكانه ما يشتريه مما هو أوسع عندهم، وأنفع للآخذ، قال: ويؤيّده أنها
لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره النبيّ وَ ر أن يأخذ
الصدقة من أغنيائهم، فيردّها على فقرائهم.
وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولّى قسمتها .

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقد احتجّ به من يُجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافيّة
أيضاً .
وقيل في الجواب عن قصّة معاذ: إنها اجتهاد منه، فلا حجّة فيها.
وفيه نظر؛ لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بيّن له النبيّ وَّ
لما أرسله إلى اليمن ما يَصنَعُ.
وقيل: كانت تلك واقعةً حال، لا دلالة فيها؛ لاحتمال أن يكون عَلِمَ
بأهل المدينة حاجة لذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي قوله: ((واقعة حال)) نظر لا يخفى؛
إذ الظاهر أنها تدلّ على جواز نقلها، إذا دعت الحاجة إليه، وقد استوفيت
البحث في هذه في ((شرح النسائيّ))، فراجعه (٢٥٢٢/٤٦) وبالله تعالى التوفيق.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكيّ: كانوا يُطلقون على الجزية اسمَ
الصدقة، فلعلّ هذا منها .
وتُعُقّب بقوله: ((مكان الشعير والذرة))، وما كانت الجزية حينئذ من أولئك
من شعير، ولا ذُرَة، إلا من النقدين(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنّ أرجح الأقوال في المسألة ما
ذهب إليه الإمام البخاريّ كَُّهُ، وهو جواز أخذ الْعَرْض بدل الصدقة إن رأى
الْمُصَدِّق ذلك خيراً، وأنفعَ للفقراء، كما عَمِل به معاذ نظُه. والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول العلماء
كافّة، خلافاً للشافعيّ في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية.
وتعقّب ابن دقيق العيد بأن القصّة واقعة عين، محتملة لما ذُكر وغيره،
فلا ينهض الاستدلال بها على ذلك، وفيه ما مرّ قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَلَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٨/٤ - ٦٩.

٨٥
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
(٥) - (بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
قال الجامع عفا الله عنه: يقال: إنما قيل لها: زكاة الفطر؛ لكونها تجب
بالفطر من صوم رمضان، فيكون من إضافة الشيء إلى سببه، وقيل: من إضافة
الشيء إلى شرطه، كحجة الإسلام(١).
وقد ترجم البخاريّ، وغيره بـ((باب صدقة الفطر))، قال في ((الفتح)):
وأضيفت الصدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قتيبة:
المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة.
والأول أظهر، ويؤيّده قوله في بعض طرق الحديث: ((زكاة الفطر من رمضان)).
(٢)
انتھی"
.
وقال ابن قدامة ◌َُّ: قال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة؛ لأن الفطرة
الخِلْقةُ، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ الآية [الروم: ٣٠]؛
أي: جِبِلّته التي جبل الناس عليها، وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس،
كما كانت الأولى صدقة عن المال. انتهى (٣).
وقال النوويّ كَُّ في ((شرح المهذّب)): يقال: زكاة الفطر، وصدقة
الفطر، ويقال للمُخرَج: فِظْرة - بكسر الفاء - لا غير، وهي لفظة مولّدة، لا
عربيّةٌ، ولا مُعَرَّبة، بل اصطلاحيّة للفقهاء، وكأنها من الفطرة التي هي الخلقة؛
أي: زكاة الخلقة، وممن ذكر هذا صاحب ((الحاوي)). انتهى (٤).
وفي ((المنهل)): وتسمية أوّل يوم من شوّال بيوم الفطر تسمية شرعيّة، لم
تُعرَف قبل الإسلام، وفُرضت صدقة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي
في الشرع: اسم لما يُعطَى من المال لمن يستحقّ الزكاة على وجه مخصوص
يأتي بيانه. انتهى(٥). والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) راجع: ((المرعاة)) ١٨٥/٦.
(٣) («المغني)) ٢٨٢/٤ - ٢٨٣.
(٥) ((المنهل العذب المورود)) ٢١٨/٩.
(٢) ((الفتح)) ١٣٩/٤.
(٤) ((المجموع)) ٩١/٦.

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٨] (٩٨٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى
النَّاسِ، صََّاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى،
مِنَ الْمُسْلِمِينَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ،
مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ ثبتُ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب أيضاً.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب أيضاً.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت١١٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو
عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٢/١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو أعلى الأسانيد له، كما
سبق غير مرّة، وهو (١٤٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه يحيى، فما
أخرج أبو داود، وابنُ ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة،
فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظها أحد المكثرين السبعة من الصحابة،

٨٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة، وهم: ابن عمر،
وابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص يه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ضَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ فَرَضَ)؛ أي: أوجب، وألزم، وما
فرضه وَل إلا عن أمر من الله رَك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَىَ (٣) إِنْ هُوَ
إِلَّا وَحْىٌ يُحَى ﴾ [النجم: ٣، ٤]. قال الطيبيّ: دلّ قوله: ((فَرَض)) على أن
صدقة الفطر فريضة، والحنفيّة على أنها واجبة، قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل
قطعيّ، فهو فرض عمليٍّ، لا اعتقاديّ، وقال السنديّ: الحديث من أخبار
الآحاد، فمؤدّاه الظنّ، فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه من خصّ الفرض
بالقطع، والواجب بالظنّ. انتهى.
وقال ابن حجر الهيتميّ: في الحديث دليلٌ لمذهبنا، ولَمّا رأى الحنفيّة
الفرق بين الفرض والواجب بأنّ الأول ما ثبت بدليل قطعيّ، والثاني ما ثبت
بدليل ظنّيّ، قالوا: إن المراد بالفرض هنا الواجب، وفيه نظر؛ لأنّ هذا
قطعيّ؛ لما علمت أنه مجمع عليه، فالفرض فيه باق على حاله، حتى على
قواعدهم، فلا يحتاج لتأویلهم الفرض بالواجب. انتهى.
قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا
الفعل، وأما أنه على طريق الفرض، أو الواجب بناءً على اصطلاح الفقهاء
المتأخّرين، فغير مسلّم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه، كما حكاه المنذريّ،
والبيهقيّ، فمنقوض بأن جمعاً حكوا الخلاف فيها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعيّة ما
أمكن هو المتعيّن، وأما حمله على المصطلح الحادث فغير صحيح، فإن
الصحابة ﴿مّ ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث في الفرق بين الفرض
والواجب، كما يقول به الحنفيّة، فعبد الله بن عمر طها حين قال: فرض
رسول الله و زكاة الفطر ما كان يقصد أنه دون فرض زكاة المال، وفرض صوم
رمضان، بل كان يعتقد أنه من الفروض التي كَلَّف الله تعالى بها المكلّفين، من غير
فرق بين فرض، وفرض، فمن فرض صوم رمضان، هو الذي فرض زكاة رمضان.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
والحاصل أن ما ذهب إليه الأئمّة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة هو
الحقّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ)؛ أي: الزكاة الواجبة عند الفطر من صوم شهر
رمضان، فإضافة الزكاة إلى ((الفطر)) من إضافة الشيء إلى سببه، كما سبق أوّل
الباب.
فـ(ازكاة)) منصوب على المفعوليّة لـ((فَرَضَ))، وقوله: (عَلَى النَّاسِ) متعلّق
بـ((فرَضَ))، قال السنديّ: ((على)) بمعنى ((عن))؛ إذ لا وجوب على العبد،
والصغير، كما في بعض الروايات؛ إذ لا مال للعبد، ولا تكليف على الصغير،
نعم يجب على العبد عند بعض، والمولى نائبٌ عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ((على)) على بابها، فهي تدلّ على
الوجوب على الجميع، فكون الأداء عن الصغير والعبد على الوليّ، والسيّد لا
ينافي وجوبها عليهما، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(صَاعاً) منصوب على البدلّة من ((زكاةَ الفطر))، أو حال منه، أو ((زكاة))
منصوب على نزع الخافض؛ أي: في زكاة الفطر، والمفعول ((صاعاً))، أفاده
السنديّ ◌َخْتُهُ، وقال السيوطيّ كَخْتُهُ: قيل: إن ((صاعاً)) منصوب على أنه مفعول
ثان، وقيل: على التمييز، وقيل: خبر ((كان)) محذوفاً، وقيل: على سبيل
الحکایة. انتھی(١).
وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) متعلّق بصفة لـ((صاعاً)) (أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ) ((أو)) هنا
للتخيير، فيُخيّر بين أن يخرج صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير (عَلَّى كُلِّ حُرٍّ،
أَوْ عَبْدٍ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على
السيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكّنه من الصلاة،
وخالفه أصحابه، والناس، واحتجّوا بحديث أبي هريرة ظ﴿به مرفوعاً: ((ليس
على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر))، رواه مسلم، وقد تقدّم تمام
البحث في ذلك قبل باب، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (ذَكَرٍ، أَوْ أَنْثَى) مجرور على البدليّة، وظاهره وجوبها على المرأة،
(١) ((شرح السندي)) ٤٧/٥، و((شرح السيوطيّ)) ٤٧/٥ - ٤٨.

٨٩
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وسيأتي
تحقيق الخلاف في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لأئمة الحديث كلام طويل في هذه اللفظة،
سنحققه قريباً - إن شاء الله تعالى - وهو حجة لمن قال: لا تجب زكاة الفطر
على سيّد العبد الكافر، وسيأتي أيضاً تحقيق الخلاف فيه - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر بهذا متّفَقُّ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٧٨/٥ و٢٢٧٩ و٢٢٨٠ و٢٢٨١ و٢٢٨٢]
(٩٨٤)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٥٠٣ و١٥٠٤ و١٥٠٧ و١٥٠٩ و١٥١١
و١٥١٢)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦١١ و١٦١٣ و١٦١٤)، و(الترمذيّ) في
((الزكاة)) (٦٧٥ و٦٧٦ و٦٧٧)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٠٠ و ٢٥٠١
و ٢٥٠٢ و٢٥٠٣ و٢٥٠٤ و٢٥٠٥ و٢٥١٦ و٢٥٢١) و((الكبرى)) (٢٢٧٩ و٢٢٨٠
و٢٢٨١ و٢٢٨٢ و٢٢٨٣ و٢٢٨٤ و٢٢٩٥ و٢٣٠٠)، و(ابن ماجه) في ((الزكاة))
(١٨٢٥ و١٨٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٦/٢ و١٠٢ و١٣٧)، و(مالك) في
(الموطأ)) (٦٢٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٦١ و١٦٦٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٦٢/٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٦٩/١)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (٨٠/٤ و٨٣ و٨٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٠/٤ و٦١ و٦٢
و٦٦)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٣٩/٢ و١٤٠ و١٤٤)، و(الشافعيّ) في
((مسنده)) (٩٢/١ و٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على زيادة ((من المسلمين)) في هذا
الحدیث :
[اعلم]: أنه ذَكَرَ غير واحد أن مالكاً تفرّد بها من بين الثقات، فقال
الترمذيّ في ((العلل)) التي في آخر ((الجامع)): وربّ حديث إنما يُستغرب لزيادة

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل
ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ
في هذا الحديث: ((من المسلمين)). قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ،
وعُبيد الله بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن
عُمر، ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)). وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية
مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في ((علوم
الحدیث)).
قال الحافظ العراقيّ كَّثُ في ((شرح الترمذيّ)): ولم ينفرد مالك بقوله:
((من المسلمين))، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختُلف على
بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر(١)، منهم:
عمر بن نافع، والضحّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن
إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخوه
عُبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها .
فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في ((صحيحه)).
وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في ((صحيحه)). وأما رواية
كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في ((سننه))، والحاكم في ((المستدرك))، وقال:
إنه صحيح على شرطهما. وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان
في ((صحيحه))، والدارقطنيّ في ((سننه)). وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها
الطحاويّ في ((بيان المشكل)). وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر
العمريّ، وأخيه عبيد الله بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله: ((من المسلمين))،
فرواها الدارقطنيّ في ((سننه)). وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ
في «سننه))، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع. انتهى كلام
الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن عبد البرّ: لم يختلف الرواة عن مالك
في هذه الزيادة، إلا أنّ قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو
(١) لكن الذين ذكرهم هنا لا يتجاوزون تسعة، فليحرّر. والله تعالى أعلم.

٩١
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكاً تفرّد
بها، دون أصحاب نافع. وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في ((صحيح
البخاريّ)). وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضحّاك بن عثمان، عن نافع بهذه
الزيادة. وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): لم يقل فيه: ((من المسلمين)) غير
مالك، والضحّاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضاً.
وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه
عبد الله العمريّ، عن نافع، فقال: ((على كلّ مسلم)). ورواه سعيد بن
عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فقال فيه: ((من
المسلمين)). والمشهور عن عبيد الله، ليس فيه ((من المسلمين)). انتهى.
وقد أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق سعيد بن عبد الرحمن
المذكورة. وأخرج الدارقطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد الله العمريّ.
وقال الترمذيّ في ((الجامع)) بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع،
ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)). وقال في ((العلل)) التي في آخر ((الجامع)):
روى أيوب، وعُبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع،
ولم يذكروا فيه ((من المسلمين)). وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن
لا يُعتمد على حفظه. انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا
يُدری مَن عَنَی بذلك.
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع،
والضخّاك. انتهى.
قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن
فَرْقَد، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ، والحاكم. ويونسُ بن يزيد عند الطحاويّ.
والْمُعَلَّى بن إسماعيل عند ابن حبّان في ((صحيحه)). وابنُ أبي ليلى عند
الدارقطنيّ، أخرجه من طريق عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى،
وعبيدِ الله بنٍ عمر، كلاهما عن نافع. وهذه الطريق تردّ على أبي داود في
إشارته إلى أنّ سعيد بن عبد الرحمن تفرّد بها عن عبيد الله بن عمر، لكن
يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله.
وقد اختلف فيه على أيوب أيضاً، كما اختُلف على عبيد الله بن عمر،

٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
فذكر ابن عبد البرّ أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسف
القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن أيوب، فذكر فيه ((من
المسلمين)). قال ابن عبد البرّ: وهو خطأ، والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه
((من المسلمین)). انتهى.
وقد أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق عبد الله بن شَؤْذَب، عن
أيوب، وقال فيه أيضاً: ((من المسلمين)).
قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَفّن في ((شرحه)) تبعاً
لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة،
ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعّتُ تصانيف
البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة.
وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك؛ لأنه لم يُتّفق
على أيوب، وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في
الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ رَُّهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ أن
القول بأن مالكاً كَثْتُ تفرّد بزيادة ((من المسلمين)) غير صحيح، فقد تابعه جماعة
من الرواة الذين تقدم ذكرهم آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر:
قال الإمام ابن المنذر نَّهُ: أجمع عوامّ أهل العلم على وجوب زكاة
الفطر، وقال إسحاق - يعني ابن راهويه - هو كالإجماع من أهل العلم، وقال
الخطّابيّ: قال به عامّة أهل العلم.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ◌َُّ: فأما قوله في حديث ابن عمر: ((فرض
رسول الله ( ... )) فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول الله وَله، وما
أوجبه رسول الله وَ﴿، فبأمر الله أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا
على أن رسول الله وَ ل﴿ أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها.
فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة:
أن رسول الله وس كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا

٩٣
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضِ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
بها، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله(١).
وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ
على حسب ما فرضها رسول الله وَلقر، لم ينسخها شيء.
وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ،
والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل،
وإسحاق ابن راهويه. قال إسحاق: هو الإجماعُ.
وقال أشهب: سألت مالكاً عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم.
وذكر أبو التَّمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم
كلّهم إلا بعض أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ.
قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال
بعضهم: هي سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى
هذا أصبغ بن الفَرَج.
واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضاً: أحدهما: أنها فرض
واجبٌ. والآخر أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام
ابن عبد البرّ في ((الاستذكار))(٢).
وقال في ((التمهيد)): وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: ((فرضَ إلخ))
فإنه يحتمل وجهين: أحدهما - وهو الأظهر - فرض بمعنى أوجب، والآخر
فرض بمعنى قدّر من المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم؛ أي:
قدّرها، وعرف مقدارها .
والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على معنى الإيجاب، إلا بدليل
الإجماع، وذلك معدوم في هذا الموضع، وقد فَهِمَ المسلمون من قوله من:
﴿﴿فَرِيضَةُ مِّنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١]، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره،
وقضى به، وقال الجميع للشيء الذي أوجبه الله: هذا فرض، وما أوجبه
رسول الله ◌َله، فعن الله أوجبه، وقد فرض الله طاعته، وحذّر مخالفته،
(١) أخرجه النسائي برقم ٢٥٠٧. وأخرجه ابن ماجه برقم ١٨٢٨.
(٢) ((الاستذكار)) ٣٤٨/٩ - ٣٥٠.

٩٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
فَفَرْضُ الله، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من
ذلك، فيسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه.
قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضاً؛ لأنّ
القول بأنها غير واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ.
قال: ولعلّ جاهلاً يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفِّرَ من قال:
إنها ليست بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة
گفْرَ.
المفروضة: إنها ليست بفرض،
فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطّعُ
العذر، كُفِّرَ دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفَّر
صاحبه، ولكنّه يُجَهَّل، ويُخطّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبيّن له
عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا
نُكَفِّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ،
والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يداً بيد ... إلى أشياء يطول ذكرها
من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام، ولسنا نُكَفِّر من قال
بتحليل شيء من ذلك؛ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا يَقطع العذر،
والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَخْدَثُمُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ تَخّْثُ
كلام نفيسٌ جدّاً.
والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر
فريضة، كفرض زكاة المال، وغيرها من فرائض الله تعالى، ولا ينافي هذا
تفاوت درجات فرضيّتها فيما بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر
جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بيّنه رحمه الله تعالى آنفاً، ولكن يجمع
الكلّ كونها مما فرضه الله تعالى، يجب اعتقاده، والعمل به. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار،
(١) ((التمهيد)) ٣٢٣/١٤ - ٣٢٤.

٩٥
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
لكن لا بدّ من القدرة على ذلك؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، وقد قال ابن
المنذر: أجمعوا على أن لا شيء على من لا شيء له. انتهى.
واختَلَف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط
ذلك أن يملك فاضلاً عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ویومه ما
يؤدي في زكاة الفطر، وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن
سيرين، وأبي العالية، والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور.
انتھی .
وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو
هريرة يراه على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن
سيرين، ومالك، وأبو ثور، وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل
عن قوت المرء، وقوت من يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن
يؤدّي. انتھی.
قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن
شاس قال في ((الجواهر)): لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن
قوت يومه صاع، ولا وجد من يُسلفه إيّاه. انتهى.
فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن
شاس: وقيل: هو الذي يُجحِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له
أخذها، ثم قيل فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل:
الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك. انتهى.
وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصاباً من الذهب أو الفضّة،
أو ما قيمته قيمة نصاب، فاضلاً عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بدّ منه. قال
العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان
الثوريّ أنه قال: من كان له خمسون درهماً فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال:
وقال غيره: أربعون درهماً. انتهى.
وفي ((مسند أحمد) عن أبي هريرة ظُه في زكاة الفطر: ((على كلّ حرّ،
وعبد، ذكرٍ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
صاع من قَمْح))(١)، قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ
وروى الدارقطنيّ عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ
رسول الله وسلم قال: ((أدّوا صاعاً من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير،
والذكر والأنثى، والحرّ والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه الله،
وأما فقيركم، فيردّ عليه أكثر مما أعطى))(٢).
ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة
له قويّة، فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ وَلّ بأخذها منه، وإنما أمر
بإعطائها له، وحديث ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول
القويّة، وقد قال: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول))، وإذا لم يكن
هذا غنيّاً، فلا تلزمه الصدقة. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسّك في ذلك بحديث
ثعلبة، وإنما التمسّك بالعموم الذي في قوله: ((فرض رسول الله 8* زكاة الفطر
من رمضان على الناس))، وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة
على الصاع؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه، والله
أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ◌َّثُ(٣).
وقال الشوكانيّ تَخُْ في ((النيل)): قد اختُلف في القدر الذي يُعتبر ملكه
لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيّاً
غنى شرعيّاً، واستُدلّ لهم بقوله وَله: ((إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى))،
أخرجه أحمد، من حديث أبي هريرة ◌ُه، مرفوعاً، وبالقياس على زكاة
المال .
ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: ((خير الصدقة ما كان
عن ظهر غنى))، كما أخرجه أبو داود. انتهى.
وأخرجه البخاريّ أيضاً بهذا اللفظ، وهو مشعر بأن النفي في رواية أحمد
(١) هو موقوف، رجاله ثقات.
(٢) ضعيف؛ لكثرة اضطرابه سنداً، ومتناً. انظر: ((نصب الراية)) ٤٠٦/٢ - ٤١٠.
(٣) ((طرح التثريب)) ٦٥/٤ - ٦٦.

٩٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
للكمال، لا للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى.
قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع
الفارق؛ إذ وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال.
وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج
الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم، ولا فرق بين الغنيّ،
والفقير في ذلك، ويؤيّد ذلك ما روي من تفسيره وَ * من لا يحلّ له السؤال
بمن يملك ما يُغدّيه، ويعشّيه، وهذا هو الحقّ؛ لأن النصوص أطلقت، ولم
تخصّ غنيّاً، ولا فقيراً، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن
يكون مخرج الفطرة مالكاً له، ولا سيّما والعلّة التي شُرعت لها الفطرة موجودةٌ
في الغنيّ والفقير، وهي التطهّر من اللغو، والرفث، واعتبار كونه واجداً لقوت
يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك
اليوم، كما أخرجه البيهقيّ، والدارقطنيّ، عن ابن عمر ﴿ًا، مرفوعاً، وفيه:
((أغنوهم في هذا اليوم)). وفي رواية للبيهقيّ: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم)).
وأخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات)) من حديث عائشة، وأبي سعيد ◌ًا، فلو
لم يُعتبر في حقّ المخرج ذلك لكان ممن أُمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من
المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره. انتهى كلام الشوكانيّ تَكَذَتْهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ تَخْتُمُ كلام حسنٌ جدّاً.
والحاصل أنّ ما ذهب إليه الجمهور من وجوبها على الفقير، إذا كان له
ما يفضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم هو الصواب؛ لعموم
قوله وَلجر: ((على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير)). فالفقير
داخل في جملة هؤلاء، فيلزمه ما يلزمهم، إلا إذا أتى نصّ صريحٌ يُخرجه من
العموم، ولم يوجد ذلك، وأما كونه لا يلزمه شيء إذا لم يفضل عن قوت يومه
شيء، فبالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ الآية
[البقرة: ٢٨٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إيجاب زكاة الفطر على
المملوك :
استدلّ بظاهر حديث الباب داود بن عليّ الظاهريّ على وجوب إخراج

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
العبد صدقة الفطر عن نفسه، قال وليّ الدين العراقيّ: لا نعلم أحداً قال به
سواه، ولم يتابعه على ذلك ابن حزم، ولا أحد من أصحابه، ويبطله قوله وآليته:
((ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقةٌ، إلا صدقة الفطر في
الرقيق))، والاستثناء في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((إلا صدقة الفطر))، وذلك
يقتضي أن زكاة الفطر ليست على العبد نفسِهِ، وإنما هي على سيّده.
قال ابن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ على المرء أداء زكاة
الفطر عن مملوكه الحاضر، غير المكاتب، والعبد المغصوب، والآبق، والعبد
المشترى للتجارة، وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب،
فتجب زكاة الفطر على السيّد عن عبده؛ لصحّة الحديث المتقدّم، وما استدلّ به
داود من عموم حديث الباب يُقَدّم عليه خصوص هذا الحديث، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنهم اختلفوا في أشياء، من مسألة وجوب زكاة الفطر
على السيّد عن عبده، أشار ابن المنذر تَخّْثُ في عبارته السابقة إلى بعضها،
فلنذكرها :
(فمنها): العبد الغائب، فمذهب الشافعيّ وجوب فطرته، وإن لم تُعلم
حياته، بل انقطع خبره، ولم يكن في طاعته، بل كان آبقاً، ولم يكن في يده،
بل كان مغصوباً، ولم يعرف موضعه، بل كان ضالّاً، ويجب إخراجها عن
هؤلاء في الحال، وفي هذه الصور خلاف ضعيف عندهم، وكذلك مذهب
أحمد، إلا في منقطع الخبر، فإنه لم يوجب فطرته، لكنه قال: لو علم بذلك
حياته لزمه الإخراج لما مضى، ولم يوجب أبو حنيفة زكاة الآبق، والأسير،
والمغصوب المجحود، وعنه رواية بوجوب زكاة الآبق، وفصّل مالك، فأوجب
في كلّ من المغصوب، والآبق الزكاة، إذا كانت غيبته قريبة، وهو يُرجَى
حياته، ورجعته، فإن بعدت غيبته، وأُيس منه سقطت الزكاة عن سيّده.
قال ابن المنذر: أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم يرون أن تؤدّى زكاة
الفطر عن الرقيق غائبهم، وحاضرهم، وهو مذهب مالك، والشافعيّ،
والكوفيين، وكان ابن عمر يُخرج عن غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر.

٩٩
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا المذهب هو الحقّ عندي؛ لظهور حجته،
والله تعالى أعلم.
ثم حَكَى ابن المنذر الخلاف عن الآبق، فحكى عن الشافعيّ، وأبي ثور
وجوبها، وإن لم يعلم مكانه. وعن الزهريّ، وأحمد، وإسحاق وجوبها إذا عُلم
مكانه، وعن الأوزاعيّ وجوبها إذا كان في دار الإسلام، وعن عطاء،
والثوريّ، وأصحاب الرأي عدم وجوبها، وعن مالك وجوبها إذا كانت غيبة
قريبة ترجى رجعته، فهذه خمسة أقوال.
(ومنها): المكاتب، فذهب عطاء، ومالك في المشهور عنه، والشافعيّ
في قول، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنها تجب على سيّده.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا المذهب هو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ،
والله تعالى أعلم.
وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ في أصح الأقوال عنه، إلى أنها لا تجب
عليه، ولا على سيّده. وذهب أحمد، وهو أحد الأقوال للشافعيّ إلى أنها تجب
عليه في کسبه، کنفقته.
وذهب إسحاق ابن راهويه إلى أن سيّده يعطي عنه إن كان في عياله، وإلا
فلا، حكاه ابن المنذر عن إسحاق.
وذهب ابن حزم إلى أنّ السيّد يخرج عنه إن لم يؤدّ شيئاً من كتابته، فإن
أدّى شيئاً من كتابته، وإن قلّ فهي عليه.
(ومنها): العبد المشترى للتجارة، فالجمهور على أنّه يجب على السيّد
فطرته كغيره؛ لعموم الحديث، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث بن
سعد، والأوزاعيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر، وأهل الظاهر. قلت:
وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ.
وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرته؛ لوجوب زكاة التجارة فيه. وحكي عن
عطاء، والنخعيّ، والثوريّ. والله تعالى أعلم.
(ومنها): العبد المشترك بين اثنين، والجمهور أن الفطرة عليهما، وهو
الحقّ. والعبد المرهون، والجمهور على أن الزكاة على مولاه، وهو الحقّ.
وقد اختلفوا في أنواع من العبيد غير هؤلاء، كالعبد الموصى برقبته

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
لشخص، وبمنفعته لآخر. وعبد بيت المال، والموقوف على مسجد. والعبد
العامل في ماشية، أو حائط. وقد فصّل الأقوال في الجميع الحافظُ وليّ الدين
العراقيّ ◌َُّهُ في ((طرح التثريب))، فراجعه تستفد(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنّ إخراج زكاة الفطر عن
الأنثى على من هو؟:
ذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، وابن المنذر، وداود، وابن حزم،
وابن الأشرس من المالكيّة إلى أن على المرأة إخراجَ زكاة الفطر من مال
نفسها، سواء كانت متزوّجة، أم غير متزوّجة؛ عملاً بظاهر النصّ.
وذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والليث بن سعد إلى أن
المتزوّجة تجب فطرتها على زوجها، وفي معناها الرجعيّة، والبائن، إن كانت
حاملاً، دون ما إذا كانت حاملاً، فلو نشزت وقت الوجوب سقطت فطرتها عن
الزوج. وقال أبو الخطّاب الحنبليّ: لا تسقط. فلو كان الزوج معسراً،
فالأصحّ في مذهب الشافعيّ أنه إن كانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على
سيّدها، وإن كانت حرّة لم يجب عليها شيء، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ.
وفرّقوا بينهما بكمال تسليم الحرّة نفسها، بخلاف الأمة. وأوجبت الحنابلة على
الحرّة فطرة نفسها في هذه الصورة.
وتمسّك هؤلاء الذين أوجبوها على الزوج بالقياس على النفقة،
واستأنسوا بما رُوي عن ابن عمر ◌ًّا قال: ((أمر رسول الله وَله بزكاة الفطر عن
الصغير، والكبير، والحرّ، والعبد، ممن تمونون))، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ،
وقال: إسناده غير قويّ، ورواه البيهقيّ أيضاً من رواية جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن النبيّ ◌َ ﴿، مرسلاً، وفي رواية عن عليّ ظُه، عن النبيّ ◌َّ، مرسلاً
أيضاً، قال النوويّ في ((شرح المهذّب)): الحاصل أن هذه اللفظة: ((ممن
تمونون)) ليست بثابتة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ٥٥/٤ - ٥٨.