Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ (٣٢) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدٍ - حديث رقم (٢٢٥٣) وقال ابن قُدامة: يصلّي النساء جماعةً، إمامتهن في وسطهنّ، نَصّ عليه أحمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ: يصلين منفردات، لا يسبق بعضهنّ بعضاً، وإن صلين جماعة جاز. قال: ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعةً، كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهنّ بعضاً تَحَكمٌ، لا يصار إليه إلا بنصّ أو إجماع، وقد صلى أزواج النبيّ بَّر على سعد بن أبي وقاص ظُه. انتهى(١). وقال في ((المرعاة)): ويدلّ على صلاة النساء مع الرجال جماعةً ما رواه الحاكم أن أبا طلحة دعا رسول الله وَله إلى عُمير بن أبي طلحة حين تُوفّي، فأتاهم رسول الله وَّيقر، فصلى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله وَلّ، وكان أبو طلحة وراءه، وأم سُليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم، قال الحاكم: حديث صحيحٌ على شرط الشيخين، وسنّة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبيّ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، كما قال الحاكم، ووافقه الذهبيّ، ولكنه على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألبانيّ(٣)، فإن عمارة بن غزيّة من رجال مسلم، وإنما علّق له البخاريّ، فتنبّه. والحاصل أن الحقّ جواز صلاة النساء على الجنائز مع الرجال، أو منفردات؛ للأحاديث المذكورة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، عَنْ عَبَّدٍ بَّنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا (٤) لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِّ وَهِ أَنْ (١) («المغني)) ١٨٠/٢. (٣) راجع: ((أحكام الجنائز)) (ص١٢٦). (٢) ((المرعاة)) ٣٨٥/٥ - ٣٨٦. (٤) وفي نسخة: ((أنها قالت)). ٦٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز يَمُرُوا بِجَنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدٍ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدٍ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلَّ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ فاضلٌ ربما وَهِم [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر قليلاً [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣. ٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه، إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. والباقون ذُكروا قبله، و((عبد الواحد)) هو ابن حمزة. وقوله: (لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ)؛ أي: في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وذلك سنة (٥٥) على المشهور، وحُمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية بنظاه، وكان على المدينة مروان (١). وقوله: (أَنْ يَمُرُّوا) بالبناء للفاعل؛ أي: يمرّ الناس الذين حملوا جنازته. وقوله: (فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ) الظاهر أن المراد الصلاة المعهودة على الجنازة، لا الدعاء، كما زعمه القاضي عياض، فتنبّه. وقوله: (فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ) هذا ظاهرٌ أنهنّ صلّين عليه (١) ((المرعاة)) ٣٥٨/٥. ٦٠٣ (٣٢) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدٍ - حديث رقم (٢٢٥٤) منفردات بأن وُقف به على باب حجرة كلّ واحدة منهنّ، فصلّين عليه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((يصلين عليه))؛ أي: يدعون له، وهذا بعد أن صُلي عليه الصلاة الجامعة، ويَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة الجامعة، ويكون معنى قوله: ((فوُقف به على حُجَرهنّ)) على هذا؛ أي: حُبس بين حُجَرهنّ حتى يجتمع الناس للصلاة عليه، فيُصلّين عليه في جملة الناس. قال القرطبي: قلت: وظاهره أنهنّ صلّین علیه صلاةً أخرى، وفيه دليلٌ لمن قال بجواز إعادة الصلاة على الميت، كما تقدّم. انتهى(١). وقوله: (وَأُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ) فيه أنه كان باب معدّ لخروج الجنائز من المسجد بعدما صلّي عليه، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي ابْنَ عُثَّمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، لَمَّا تُوُنِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَّقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِوَهِ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ، قَالَ مُسْلِمٍ: سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أُّهُ بَيْضَاءُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل باباً . ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب أيضاً. (١) ((المفهم)) ٦٣١/٢ - ٦٣٢. ٦٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ٣ - (ابْنُ أَبِي قُدَيْك) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥. ٤ - (الضَّخَُّكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤. ٥ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥١/٤. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (سُهَيْلِ، وَأَخِيهِ) تقدّم أن اسم أخيه سهل بن بيضاء. وقوله: (قَالَ مُسْلِم) صاحب الكتاب تَّقُ (سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أَمُّهُ بَيْضَاءُ)، تقدّم أن دعد اسمها، والبيضاء لقبها، ولم أجد ترجمتها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: إسناد هذا الحديث قد تكلّم فيه الدارقطنيّ كَخُّ، فقال: قد خالف الضحاكَ حافظان: مالكٌ، وعبد العزيز الماحِشُون، فروياه عن أبي النضر، عن عائشة مرسلاً (١)، وقيل: عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ولا يصح إلا مرسلاً(٢). انتهى كلام الدارقطنيّ. وقد أجاب النوويّ كعادته عن هذا الاستدراك، فقال: هذه الزيادة التي زادها الضحاك زيادة ثقة، وهي مقبولة؛ لأنه حَفِظَ ما نسيه غيره، فلا تقدح فيه. انتھی(٣). قال الجامع عفا الله عنه: جواب النوويّ تَّلُ هذا قد تقدّم تعقّبه بأنه ليس على إطلاقه، بل يحتاج إلى حال المخالفة، هل المخالف ممن يُقبل خلافه أم لا؟ وهنا ليس كذلك؛ لأن الضحاك بن عثمان كما سبق في ترجمته صدوقٌ (١) أي: منقطعاً. (٣) ((شرح النوويّ)) ٤٠/٧. (٢) أي: منقطعاً . ٦٠٥ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٥) يُخطئ، فمخالفته لمالك والماجشون لا قيمة لها؛ لأنهما إمامان في الحفظ والإتقان، فلو خالف أحدهما لردّت مخالفته، فكيف وهما اثنان؟. [فإن قيل]: قد ذُكر للضحاك متابع على الوصل، فقد تابعه حماد بن خالد الخيّاط، كما قاله الدارقطنيّ. [قلت]: إن هذه المتابعة غير معتبرة؛ لأن حماد بن خالد قد خالف أصحاب مالك كلّهم، فقد رووه عنه، عن أبي النضر، عن عائشة، ولم يذكروا فيه أبا سلمة، فتكون روايته شاذّة، فلا يصلح لمتابعة الضحّاك، فتفطّن. والحاصل أن الصحيح هو ما قاله الدارقطنيّ من ترجيح الإرسال على الوصل؛ لما ذُكر(١). لكن يُجاب عن المصنّف تَّلُ بأنه إنما أورد رواية الضحّاك من باب المتابعة، فقد أخرج الحديث قبله موصولاً عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة وقد تابع عبّاد بن عبد الله بن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير، أخرجه أحمد، وابن حبّان في ((صحيحه)). والحاصل أن الحديث صحيح موصول من الطريقين، فلا تضرّ العلة المذكورة في رواية الضحّاك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَنْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ . (٣٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٥] (٩٧٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، (١) راجع: الشيخ ربيع بن هادي في كتابه ((بين الإمامين: مسلم والدار قطنيّ)) (ص١٨٦ - ١٨٩). ٦٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وَقُتَنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ كُلَّمَا كَانَ(١) لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَخْرُجُ مِنْ آخِرٍ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَداً مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهِمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ)، وَلَمْ يُقِمْ (٢) قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: ((وَأَتَاكُمْ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٥ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، نُسب لجدّه، أبو عبد الله المدنيّ، صَدوقٌ يخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في ((الإيمان» ٤٢١/٨٠. ٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٧ - (عَائِشَةُ) ◌َّا تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَلُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة. (١) وفي نسخة: ((كانت)). (٢) وفي نسخة: ((ولم يقل)). ٦٠٧ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَغْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٥) ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأولين، وابن أبي نمر. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ها من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ كُلَّمَا) قال الطيبيّ نَّتُهُ: (كلما)) ظرف فيه معنى الشرط، والعموم، وجوابه قوله: ((يَخْرُجُ))، وهو العامل فيه، والجملة خبر ((كان))، وهو حكاية معنى قول عائشة، لا لفظها الذي تلفّظت به، والمعنى: كان من عادة رسول الله وسلم أنه إذا بات عند عائشة ضمّنًا أن يخرج في آخر الليل إلى البقيع(١). وقوله: (كَانَ) وفي نسخة: ((كانت)) (لَيْلَتُهَا) فيه أنه وَّهِ يخرج كلّ ليلة من ليالي عائشة يا، ولا ينفي ذلك أنه ربما خرج في ليلة غيرها، ولكنها ما رأته، وقال السنديّ في ((شرح النسائيّ))؛ أي: في آخر عمره بعد حجة الوداع. انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تحديد الوقت بكونه بعد حجة الوداع يحتاج إلى دليل، فالله تعالى أعلم وقوله: (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) الجارّ والمجرور متعلق بصفة لـ((ليلتها))، أو بحال منه. (يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في))، أو هي تبعيّة (إِلَى الْبَقِيعِ)؛ أي: بقيع الغرقد، وفيه فضيلة الدعاء آخر الليل، وفضيلة زيارة قبور البقيع. (فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ) (دار)) منصوب على النداء، والتقدير: يا أهل دار قوم، فحذف المضَّاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص، قال صاحب ((المطالع)): ويجوز جرّه على البدل من الضمير في ((عليكم))، وقيل: الدار مقحم. (١) راجع: ((الكاشف)) ١٤٣٥/٤. ٦٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وقال الخطابيّ: وفيه أنه سمى المقابر داراً، فدلّ على أن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة يقع على الرَّبْع المسكون، وعلى الخراب غير المأهول، كقول الشاعر: يَا دَارَ مَيَّةً فَالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ثم قال: أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ(١) (وَأَتَاكُمْ) بالقصر؛ أي: جاءكم، قال ابن الملك: وإنما قال: ((أتاكم))؛ لأن ما هو آت كالحاضر. انتهى. أو لتحقّقه كأنه وقع(٢). وقال القاري: ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)): ((وآتاكم)) بالمدّ؛ أي: أعطاكم تحقيق لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ الآية [آل عمران: ١٩٤]. انتهى (٣). (مَا تُوعَدُونَ)؛ أي: ما كنتم توعدون به من الثواب، أو أعمّ منه ومن العذاب، وقوله: (غَداً) متعلّق بما قبله، ويَحْتَمل تعلّقه بما بعده، وهو قوله: (مُؤَجَّلُونَ)؛ أي: أنتم مؤخّرون، وممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاءً واستقصاءً، فالجملة مستأنفة مبيّنة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجماليّة، لا أجور تفصيليّة. وقال الطيبيّ نَّقُهُ: إعرابه مشكلٌ، وإن حمل على الحال المؤكّدة من واو ((توعدون)) على حذف الواو والمبتدأ كان فيه شذوذان، قال ابن حجر الهيتميّ: وهو سائغ إذا دلّ عليه السياق كما هنا، قال الطيبيّ: ويجوز حمله على الإبدال من ((ما توعدون))؛ أي: أتاكم ما تؤجّلونه أنتم، والأجل الوقت المضروب المحدود في المستقبل؛ لأن ما هو آتٍ بمنزلة الحاضر. انتهى (٤). وقال القاري بعد ذكره كلام الطيبيّ هذا ما نصّه: وهو كما قال ابن حجر بعيد، تكلّف جدّاً، بل السياق ينبو عنه. انتهى(٥) . (١) ((معالم السنن)) ٣٥١/٤. (٢) ((المرعاة)) ٥١٦/٥. (٣) ((المرقاة)) ٢٥٤/٤. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٣٥/٤ - ١٤٣٦. (٥) ((المرقاة)) ٢٥٥/٤. ٦٠٩ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٥) (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ)؛ أي: يا أهل المقبرة بالخصوص (لَاحِقُونَ) لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَقِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، قيل: تُدفن، قاله القاري(١). [تنبيه]: اختلف في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شكّ فيه على أقوال : [أحدها]: وهو أظهرها: أنه ليس للشكّ، وإنما هو للتبرّك، وامتثال أمر الله له بقوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣، ٢٤]. قال الحافظ أبو عمر تَخُّْ: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكّاً، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يُضاف الشك إلى الله تعالى. [والثاني]: أنه عادة المتكلّم، يُحسّن به كلامَهُ. [والثالث]: أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان، والموتِ بالمدينة. [والرابع]: أن (إن)) بمعنى ((إذ)). [والخامس]: أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه. [والسادس]: أنه كان معه من يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم. وحكى الحافظ أبو عمر أنه عائد إلى معنى ((مؤمنين))؛ أي: لاحقون في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم التيلا: ﴿وَاجْتُبْنِ وَيَتِىَّ أَنْ نَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقول يوسف لعلَّا: ﴿تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ولأن نبينا وَّيهِ كان يقول: ((اللهم اقبضني إليك غير مفتون)) . واستبعد الأبّيّ الثالث بقوله و 18 للأنصار: ((المحيا محياكم، والممات مماتکم))، قال: إلا أن یکون قال ذلك قبلُ. انتهى. وقال النووي تَّتُهُ بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل ما نصّه: وقيل: أقوال أُخَر ضعيفة جدّاً، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال: (١) ((المرقاة)) ٢٥٥/٤. ٦١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الاستثناء منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه وَله مؤمنون حقيقة، وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين، فهما خطأ ظاهر. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو أقرب الأقوال عندي، فالاستثناء للتبرّك، والله تعالى أعلم. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ))) هو موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، قال في ((النهاية)): هو المكان المتسع، ولا يسمّى بقيعاً إلا وفيه شجر، أو أصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة، دون الشجر. وقال النوويّ: سُمّي بقيع الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عَظُم من العَوْسج(١)، وفيه إطلاق الأهل على ساكن المكان، من حيّ وميت. انتهى (٢). وفيه أن الدعوة الإجماليّة على وجه العموم كافية(٣). وقوله: (وَلَمْ يُقِمْ) يعني أنه لم يذكر في روايته، وفي نسخة: ((ولم يقل)) (قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: ((وَأَتَاكُمْ))) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف تَخْذّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٥٥/٣٣] (٩٧٤)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٢١٩/٣)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٠٣٩) و((الكبرى)) (٢٦٨/٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٨٠/٦)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (١٠١٣/٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٥٣/٣)، وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) العوسج: شجر الغرقد العظيم، وهو كثير الشوك، عديم الثمر. (٢) ((شرح مسلم)) ٤٥/٧. (٣) ((المرقاة)) ٤/ ٢٥٥. ٦١١ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ، فَقَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثْكُمْ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، وَعَنِّي، قُلْنَا: بَلَى (ح) وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجاً الْأَعْوَرَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِّ، أَنَّهُ قَالَ يَوْماً: أَلَا أُحَدَّئُكُمْ (١) عَنِّيَّ وَعَنْ أُمِّي، قَالَ: فَظَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدَّئُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَنِي الَِّي كَانَ النَِّيُّ ◌َهـ فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّ رَيْئَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْداً، وَانْتَعَلَ رُوَيْداً، وَفَتَحَ الْبَابَ(٢)، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْداً، فَجَعَلْتُ دِرْعِيٍ فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا عَائِشَ حَشْيَا رَابِيَةً؟)) قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: ((لَتُخْبِرِينِي(٣)، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: ((فَأَنَّتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ(٤) أَمَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً(٥) أَوْ جَعَتْنِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَظَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟)) قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ جِبْرِيلَ (١) وفي نسخة: ((ألا أخبركم)). (٣) وفي نسخة: ((لَتُخْبِرِنِّي)). (٥) وفي نسخة: ((فلهزني في صدري لهزة)). (٢) وفي نسخة: ((وفتح الباب رويداً». (٤) وفي نسخة: ((رأيته)). ٦١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز أَثَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ وَضَعْتٍ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ بَأْمُرَُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ)، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ)). رجال هذا الإسناد : ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم أيضاً قبل باب. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بَّنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ) بن أبي وَدَاعة الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤيّ بن غالب السّهميّ، مقبول [٦]. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات بعد سنة عشرين ومائة، وقال ابن عيينة: رأيت عبد الله ابن كثير سنة (٢٢) وكان قاصّ الجماعة، وذكر البخاريّ قول سفيان هذا في ترجمة عبد الله بن كثير الداريّ. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ) بن مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف المطّلبيّ، يقال: له رؤية، وقد وثقه أبو داود وغيره، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن النبيّ وَّ مرسلاً، وعن أبي هريرة، وعائشة، وعن أمه، عن عائشة . وروى عنه ابنه حكيم، وابن أبي مليكة، على خلاف فيه، وعبد الله بن ٦١٣ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) كثير بن المطلب، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعمر بن عبد الرحمن بن مُحیصن، وابن جريج. قال أبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر العسكريّ أنه أدرك النبيّ بَّ، وهو صغير. أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٧٤) وحديث (٢٥٧٤). ٦ - (عَائِشَةُ) ﴿﴿ّا، ذُكرت قبله. شرح الحديث : (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ بْنِ الْمُطَّلِبٍ) بن أبي وَدَاعة السهميّ (أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ) المطّلبيّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) رِّ (تُحَدِّثُ) وقوله: (فَقَالَتْ) بيان وتوضيحَ لمعنى ((تُحدّث)) (أَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ، وَعَنِّي)؛ أي: عن قصتي التي جرت لي معه ◌َِّ (قُلْنَا: بَلَى)؛ أي: حدّثينا . وقوله: (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد (وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجاً الْأَعْوَرَ) قال الحافظ أبو عليّ الغَسّانيّ الجيانيّ تَخْلُ: هذا الحديث أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم، قال: وهو أيضاً من الأحاديث التي وُهِمَ في رواتها، وقد رواه عبد الرزاق في ((مصنّفه)) عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة، أنه سمع عائشة. انتهى. قال القاضي عياض تَّتُهُ: قوله: إن هذا مقطوع لا يُوافَقُ عليه، بل هو مُسْنَدٌ، وإنما لم يُسَمِّ راويه له، فهو من باب المجهول، لا من باب المنقطع؛ إذ المنقطع ما سقط من رواته راوٍ قبل التابعيّ. وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ)؛ أي: إن لفظ الحديث لحجاج الأعور، وقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) قال القاضي عياض تَُّهُ: هذا إشكال آخر في هذا السند؛ إذ يوهم أن حجاجاً الأعور حدَّث به عن آخر، يقال له: حجاج بن محمد، وليس كذلك، بل حجاج الأعور هو حجاج بن محمد، بلا شكّ، وتقدير كلام مسلم: حدّثني من سمع حجاجاً الأعور، قال هذا المحدث: ٦١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز حدّثني حجاج بن محمد، فَحَكَى لفظ المحدِّث. انتهى كلام القاضي نَّهُ(١). وهو تحقيق مفيدٌ. وقال النوويّ كَّلُهُ: ولا يقدح رواية مسلم لهذا الحديث عن هذا المجهول الذي سمعه منه، عن حجاج الأعور؛ لأن مسلماً ذكره متابعةً لا متأصلاً مُعتَمَداً عليه، بل الاعتماد على الإسناد الصحيح قبله. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: سنتكلّم مَن وصل رواية حجاج الأعور في المسألة الثانية - إن شاء الله تعالى -. (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج) قال: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو عبد الله بن كثير بن المطّلب المذكّور في السند الذي قبله، هكذا في هذه الرواية أن شيخ ابن جريج هو عبد الله المذكور، وقد خالف في ذلك يوسف بن سعيد النسائيّ، فقال: عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، وقد رجّح الدارقطنيّ وغيره أن يوسف أخطأ في قوله: ((ابن أبي مليكة))، إنما الصواب في هذا عبد الله بن كثير المذكور، وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن شاء الله تعالى - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ يَوْماً: أَلَا أُحَدَّثُكُمْ) وفي نسخة: ((ألا أخبركم)) (عَنِّي وَعَنْ أُمِّي)؛ أي: عما جرى بيني وبين أمي من الحديث (قَالَ) عبد الله الراوي عن محمد بن قيس (فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ) يعني أنه لَمّا قال لهم: عنّي وعن أمي، ظنوا أنه يريد والدته، فإذا هو يريد أمه، وأم جميع المؤمنين عائشة ﴿يا، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) محمد بن قيس (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّا (أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّ وَعَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي) ((كان)) هنا تامّة، فلا تحتاج إلى خبر؛ أي: لما جاءت، وحضرت ليلتي (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ◌َِلِ فِيهَا عِنْدِي) تعني ليلة نوبتها (انْقَلَبَ)؛ أي: تحوّل عن فراشه الذي اضطجع عليه، وقال السنديّ تَُّهُ: أي: رجع من صلاة العشاء (فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ)؛ أي: ليمكنه الانتعال عند قيامه للخروج (وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام عليه (فَلَمْ يَلْبَثْ) من باب تَعِب، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، (١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٥١/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤٢/٧ - ٤٣. ٦١٥ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) قاله في ((المصباح))(١)؛ أي: لم يتأخر في مكانه (إِلَّا رَيْئَمَا) بفتح الراء، وإسكان الياء، وبعدها ثاء مثلثة: أي قَدْرَ ما (ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ)؛ أي: نِمْتُ، يقال: رَقَدَ رَقْداً، من باب نصرَ، ورُقُوداً ورُقاداً: إذا نام ليلاً كان أو نهاراً، وبعضهم يخصُّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسّرون: إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظاً؛ لأن أعينهم مفتَّحةٌ، وهم نيامٌ(٢). (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْداً)؛ أي: مترفّقاً متمهّلاً؛ لئلا ينَبّهها، وهو مصدر في موضع الحال، قاله القرطبيّ. (وَانْتَعَلَ رُوَيْداً، وَفَتَحَ الْبَابَ) زاد في بعض النسخ: (رُويداً)) (فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْداً)؛ أي: أغلق الباب بلطف؛ لئلا تَعْلَم بخروجه، وبقائها في الليل وحدها، فتستوحش، وتُذعَرَ. (جَعَلْتُ دِرْعِي)؛ أي: قميصي (فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ)؛ أي: لبست الخِمَار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تُغطّي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثل كتاب، وكُتُب، قاله في ((المصباح)). (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي)؛ أي: جعلت إزاري قِنَاعاً، والظاهر أنها تلفَّفت به فوق خمارها. وقال النوويّ ◌َّتُهُ: قولها: ((وتقنّعت إزاري))، هكذا هو في الأصول ((إزاري)) بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزاري، فلهذا عُدّي بنفسه. انتھی . (ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ)؛ أي: في إثره؛ أي: بعده، يقال: تبعتُهُ في أَثَرِهِ - بفتحتين - وإِثْرِه - بكسر الهمزة، وسكون المثلُثة -؛ أي: تبعته عن قرب، أفاده في ((المصباح))، والذي حملها على خروجها خلفه، ومتابعتها لما صنعه الغيرة، ظنّت أنه خرج إلى بعض أزواجه. (حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: هو المكان المعروف بالمدينة، وتقدّم البحث فيه في شرح الحديث الماضي. (فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ بَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: دعا ثلاث مرّات، رافعاً يديه (ثُمَّ انْحَرَفَ)؛ أي: مال، راجعاً إلى بيته (فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ) في المشي (فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ) يقال: هَرْوَل هَرْولةً: أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٤٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٤/١ - ٢٣٥. ٦١٦ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلاً، قاله في ((المصباح))، وهو أشدّ من الإسراع (فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، من الإحضار، وهو العَدْوُ، ومثله الْحُضْر بالضمّ؛ أي: عَدَا، فعدوت، يقال: عدا في مشيه عَدْواً، من باب قال: قارب الْهَرْوَلة، وهو دون الْجَرْي، قاله في ((المصباح))؛ أي: زاد في الإسراع أشدّ من الذي قبله، فازددت أنا فيه (فَسَبَقْتُهُ)؛ أي: في الوصول إلى البيت (فَدَخَلْتُ) البيت (فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ)؛ أي: ليس شيءٌ بعد دخول البيت إلا اضطجاعي، فالمؤول بالمصدر خبر ((ليس))، واسمها محذوف، كما قدّرناه، أو المؤول اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: واقعاً منّي، وقال السنديّ: أي: فليس بعد الدخول منّي إلا الاضطجاع، فالمذكور اسم ((ليس))، وخبرها محذوف. انتهى. (فَدَخَلَ) البيت (فَقَّالَ: ((مَا لَكِ يَا عَائِشَ) بالترخيم، ويجوز فيه فتح الشين، ويسمى لغة من ينتظر الحرف المحذوف للترخيم، وضمها، ويسمى لغة من لا ينتظره، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات، كما قال في ((الخلاصة)): فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ لَو كَانَ بِالآخِرِ وَضْعاً تُمِّمَا وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفاً كَمَا ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ یَا وقوله: (حَشْيَا) منصوب على الحال، وهو بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة، مقصوراً؛ أي: مرتفعةَ النَّفَس، متواترتَهُ، كما يحصل للمسرع في المشي، وقال النوويّ: معناه: وقد وقع عليكِ الْحَشًا، وهو الربو، والتهيّج، الذي يَعرِض للمسرع في مشيه، والْمُحْتَدِّ في كلامه، من ارتفاع النفَس، وتواتره، يقال: امرأة حَشْيا، وحَشْيَةٌ، ورجل حَشْيَان، وحَشٍ، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه. انتهى. وقوله: (رَابِيَةً؟)))؛ أي: مرتفعة البطن (قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ)؛ أي: لم يوجد مني شيء يوجب ذلك، وقال النوويّ تَخُّْ: وقع في بعض الأصول: ((لا بي شيء)) بباء الجر، وفي بعضها: ((لأيّ شيء)) بتشديد الياء، وحذف الباء، على الاستفهام، وفي بعضها: ((لا شيء))، وحكاها القاضي، قال: وهذا الثالث أصوبها . انتهى. ٦١٧ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) وقال القرطبيّ تَخْتُ: قيّد الأسديّ هذا الحرف ((لأيّ شيء؟)) بالياء المثناة تحتُ، وخفض ((شيء)) على الاستفهام؛ تغطيةً لحالها، كأنها تقول: لأيّ شيء تسأل؟، ورواه العذريّ: ((لا بي شيءٌ)) بالباء الموحّدة، ورفع ((شيء))، على أن تكون ((لا)) بمعنى ((ليس))؛ أي: ليس بي شيء، وهي روايتنا، وفي بعض النسخ: ((لا شيء))، وهي أقربها. انتهى(١). (قَالَ) وَّرِ (لَتُخْبِرِينِي) بفتح اللام وهي اللام الموطئة للقسم، والنون مخفّفة، وفي بعض النسخ مشدّدة؛ أي: والله لتُخبرنّي بما صنعتِ، وقال السنديّ: بفتح لام، ونون ثقيلة، مضارع للواحدة المخاطبة، من الإخبار، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني. انتهى. (أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)))؛ أي: يوحي إليّ بذلك (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) متعلق بمحذوف؛ أي: أفديك بأبي وأمي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، أو ((أنت)) مبتدأ، والجار والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر؛ أي: مَفْديٌّ بأبي وأمي (فَأَخْبَرْتُهُ)؛ أي: خبر ما جرى لها من متابعته وَّ (قَالَ) وَِّ ((فَأَنَّتِ السَّوَادُ)؛ أي: الشخص (الَّذِي رَأَيْتُ) وفي نسخة: ((رأيته)) (أَمَامِي؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً) بفتح الهاء، والدال المهملة؛ أي: دفعني، وضربني بجُمْع كفّه، وفي بعض النسخ: ((فلهزني في صدري لهزةً))، بفتح الهاء، والزاي المعجمة، وهما متقاربان، قال النوويّ: قال أهل اللغة: لَهَدَه، ولَهَّدَه - بتخفيف الهاء، وتشديدها - أي: دفعه. ولَهَزَه: إذا ضربه بجُمْعٍ كفه في صدره، ويقرب منهما لَكَزَه، وَوَكَزَه. انتهى(٢). وهذا منه وَيه كان تَأديباً لها من أجل سوء ظنّها به وَلِ﴿ ﴿أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ) وَ (عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟))) بَِّ أي أن يظلماكِ، يقال: حاف يَحيف، حَيْفاً: جار، وظلم، فهو حائف، وجمعه حَافَةٌ، وحُيَّفٌ، أفاده في ((المصباح)). وقال السنديّ كَُّ: أي بأن يَدخُل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر ((الله)) لتعظيم الرسول، والدلالةِ على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من الله تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن الله تعالى له فيه، وهذا غير ممكن، (١) ((المفهم)) ٦٣٥/٢. (٢) ((شرح مسلم)) ٧/ ٤٧. ٦١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وفيه دلالة على أن القَسْم عليه واجب، إذ لا يكون تركه جوراً إلا إذا كان واجباً. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح من أقول العلماء أن القسم ليس واجباً على النبيّ وَّ، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ) ((مهما)) شرطية، ولذا جُزِم الفعل بعدها، وجوابها قولها: (يَعْلَمْهُ اللهُ نَعَمْ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في جميع الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس، يعلمه الله صدّقت نفسها، فقالت: نعم (قَالَ) بَّهِ ((فَإِنَّ جِبْرِيلَ) عَلَّا (أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ) مفعوله محذوف؛ أي: ما صنعته من وضع ردائي، فما بعده (فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ)؛ أي: لئلا تفزعي، وتنزعجي (فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ) لما ذُكر (وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ)؛ أي: إنما ناداني من بعيد، ولم يدن مني؛ لأنه لا يدخل عليك (وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) بكسر التاء لخطاب المرأة، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ)؛ أي: إنما فعلتُ كذلك لظني نومك (فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي) من عطف العلة على المعلول؛ أي: إنما كرهت إيقاظك، خشيةً من استيحاشك (فَقَالَ) جبريلُلِّلُ (إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرَُكَ أَنْ تَأْنِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ))) قال القرطبيّ كَُّ: يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع، واستغفَر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى: ((يصلي))، وقد قيل: إنه صلى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيّد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك: ((فأصلي عليهم))، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خاصّ بالنبيّ وَّر، والأول أظهر، وهذا محتمل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد جداً، ومما يبعده قولها : ((ثم رفع يديه ثلاث مرار))، فالصواب أنه استغفر، ودعا لهم، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ) عائشة ◌ِيُّا (قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) المراد أهل القبور مطلقاً، لا خصوص أهل البقيع؛ أي كيف أقول من الذكر والدعاء عند زيارة القبور؟ . (١) ((المفهم)) بتصرف ٦٣٥/٢ - ٦٣٦. ٦١٩ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) (قَالَ) ◌َِّ (قُولِي: ((السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ)؛ أي: القبور، تشبيهاً للقبر بالدار في كونه مسكناً (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) قال القرطبيّ تَظُّهُ: هذا يدلّ على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء؛ خلافاً لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام، بتقديم عليك، تمسكاً بما رُوي أن النبيّ وَّ سلم رجل عليه، فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال: ((لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيّة الموتى))(١)، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه وَ له إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم: عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا ومقصوده ولو أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهليّة تفعله، وتقوله، والله أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد، وأبو داود في ((سننه)) والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن أبي تميمة الْهُجَيميّ، عن أبي جُرَيّ - بالجيم، والراء، مصغراً - قال: أتيت رسول الله وَ﴾، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: ((لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى)). وقد اعترض الحافظ تَخّلُ، كون البيت المذكور من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ وَّر، والمرئية المذكورة لمسلم معروف، قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رَثَوا عمر بن الخطاب بأبيات، منها: يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ عَلَيْكَ سلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛ لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيّه وَّر، فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال. قال الحافظ: ويردّه حديث عائشة المذكور(٣). (١) رواه أحمد ٦٣/٥، وأبو داود رقم ٤٠٨٤، والترمذيّ ٢٧٢١، وابن حبان ٥٢٢. (٢) المصدر المذكور. (٣) يعني: قولها: كيف أقول؟ قال: ((قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين)). ٦٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وقال النوويّ: فيه ترجيح لقول من قال في قوله: ((سلام عليكم دار قوم مؤمنين)): إن معناه أهل دار قوم مؤمنين، وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥) فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الْمُسْلِمِينَ الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقاً لا يجوز السلام عليه، والترحّم. انتهى(١). (وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا)؛ أي: المتقدّمين إلى الآخرة، فالسين والتاء فيه، وفي ((المستأخرين)) ليستا للطلب، بل زائدتان للتوكيد (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ)؛ أي: المتأخرين في الدنيا، وهم الأحياء، ففيه الدعاء بالرحمة للأحياء والأموات (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ)) قد تقدّم في شرح الحديث الماضي بيان اختلاف العلماء في التقييد بهذا الاستثناء، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّ هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في ذكر من وصل رواية حجاج بن محمد الأعور التي أبهم المصنّف شيخه فيها : قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَُّ: هذا الحديث قد رويناه متّصلاً من طريق يوسف بن سعيد بن مسلم، عن حجاج، غير أنه قال: ((عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن مُليكة))، فجعل بدل ((عبد الله بن كثير بن المطّلب)) ((عبد الله بن أبي مليكة))، فخالف غيره من رُواة حجاج، وحديثهم أصحّ. قال: أخبرنا حاتم بن محمد التميميّ، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس بمكة ـ حرسها الله - وحدّثنا محمد بن عتّاب، وعبد الملك بن زيادة الله التميميّ، قالا: نا القاضي يونس بن عبد الله، قال: نا أبو عمر (١) ((شرح مسلم)) ٤٧/٧ - ٤٨، كتاب الجنائز.