Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٥٠)
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدراورديّ
الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره،
فيُخطئ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة،
ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٤ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم
الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٤/٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن سفيان ساقها البيهقيّ في ((السنن الكبرى))
(٤/ ٧٩) فقال:
(٧٠٠٦) - وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبريّ، أنبأ جدّي، يحيى بن
منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز، يعني
ابن محمد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له قال: ((لأن
يجلس أحدكم على جمرة، أو على نار، فتحرق ثيابه، حتى تخلص إليه، خير
له من أن یجلس على قبر)). انتهى.
وأما رواية أبي أحمد الزبيريّ عن سفيان، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٥٠] (٩٧٢) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا))).

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ،
لكنه كثير التدليس والتسَّوية [٨] (ت٤ أو١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٠/ ١٤٨.
٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عتبة
الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] مات سنة بضع (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٠ / ١٤٨.
٤ - (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الحضرميّ الشاميّ، ثقةٌ حافظٌ [٤].
رَوَى عن واثلة، وعمرو بن عَبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن
مُحيريز، وأبي إدريس الخولانيّ، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر،
وزید بن واقد، وغيرهم.
قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي
إدريس، وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد، ثقةٌ، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٧٢)
وأعاده بعده، و(١٨٤٧).
٥ - (وَاثِلَةُ) بن الأسقع الليثي ظُه، تقدم في ((صلاة المسافرين))
١٩٣٠/٥٢.
٦ - (أَبُو مَرْئَدٍ (١) الْغَنَوِيُّ) كَنّاز - بفتح الكاف، وتشديد النون، آخره
زاي ـ ابن الْحُصين بن يَرْبُوع بن عَمْرو بن يَربوع بن سَعْد بن طَرِيف بن
(١) بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلثة، وآخره دال.

٥٨٣
(٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْىِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٥٠)
جُلّان بن غَنْم بن غَنِيّ بن أَعْصُر بن سَعْد بن قَيس بن مُضَر بن نِزَار بن
مَعَدّ، حليف حمزة بن عبد المطلب، شَهِد بدراً، وروى عن النبيّ وَّ
حديث الباب فقط، روى عنه واثلة بن الأسقع، وآخى النبيّ ◌ٍَّ * بينه وبين
عُبادة بن الصامت
قال الواقديّ: تُوُفّي سنة (١٢) من الهجرة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ
٤ - (ومنها): أنه لا يُعْرَف مَن شَهِدَ بدراً مع ابنه إلا أبو مرثد هذا وابنه
مرثد، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَخْثُ في ((ألفية الأثر)) فقال:
بَدْراً مَعَ الْوَالِدِ إِلَّ مَرْئَداً
النّوَوي مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا
٥ - (ومنها): أن أبا مرثد من المقلِين من الرواية، فليس له غير حديث
واحد، وهو حديث الباب، عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(الْغَنَوِيِّ) - بفتح الغين
(عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ) كَثَّاز بن الحصين
المعجمة، والنون -: نسبة إلى غَنِيّ أحد أجداده كما مر في نسبه؛ لأن
القاعدة في النسبة إلى فَعِيل معتلِّ اللام، كغَنِيّ، وعَديّ، وفُعَيل مصغّراً،
كقُصَيّ، وجوب حذف يائه، وفتح عينه، فتقول: غَنَويّ، وعَدَويّ، وقُصَويّ،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
وَفَعَلِيٍّ فِي فَعِلَةَ الْتُزِمْ
مِنَ الْمِثَالَيْنِ بِمَا التَّا أُولِيَا
وَأَلْحَقُوا مُعَلَّ لَامِ عَرِيَا

٥٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ) قال السنديّ تَخْذُّ:
الظاهر أن المراد بالجلوس معناه المتعارف، وقيل: كناية عن قضاء الحاجة.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصواب ما عليه الجمهور من أن
المراد الجلوس المتعارف، وأن الحقّ هو تحريم الجلوس على القبور،
واستوفيت تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة من شرح حديث أبي
هريرة ريته الماضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا)))؛ أي: بالاستقبال إليها؛ لما فيه من التشبه بعبادتها،
قاله السنديّ ◌ََّثُهُ .
وقال النوويّ ◌َخُّْهُ: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر، قال
الشافعيّ نَّثُهُ: وأكره أن يُعَظِّم مخلوق حتى يُجْعَل قبره مسجداً، مخافة الفتنة
عليه، وعلى من بعده من الناس.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن النهي هنا للتحريم؛ إذ لا صارف له،
فلا تصح الصلاة إلى القبر مطلقاً، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة
- إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مرثد الغنويّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٥٠/٣١ و٢٢٥١] (٩٧٢)، و(أبو داود) في
((الجنائز)) (٣٢٢٩)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٥١)، و(النسائيّ) في ((القبلة))
(٦٧/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٣٥/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٧٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٩١/٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٥١/٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٤٣/٣ - ٢٤٤)، و(الطبرانيّ) في

٥٨٥
(٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٥٠)
((الكبير)) (١٩٣/١٩)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٨٣/٣)، و(عبد بن حميد) في
((مسنده)) (١٧٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٥/٢ و٧٩/٤) و((المعرفة))
(٢٥٥/٢ و٢٦/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة إلى المقبرة،
ومثله الصلاة فيها، وعليها :
[اعلم]: أنهم قد اختلفوا في ذلك، فذهب أحمد تظلّثُ إلى تحريم
الصلاة في المقبرة، ولم يُفَرِّق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش
عليها شيئاً يقيه من النجاسة، أم لا، ولا بين أن يكون في القبور، أو في
مكان منفرد عنها كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر
المسلمين والكفار.
قال أبو محمد بن حزم ◌َُّ: وبه يقول طوائف من السلف، روينا عن
نافع بن جبير بن مطعم أنه قال: يُنْهَى أن يصلى وسط القبور، والحمام،
والحُشّان(١).
وعن ابن عباس رضيًا قال: لا تصلين إلى حُشّ، ولا في حمام، ولا في
مقبرة. وعن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة:
الحش، والحمام، والقبر. وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وعن خيثمة بن
عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصلِّ إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة.
وقال أحمد: من صلى في حمام أعاد أبداً.
وعن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر، فنهاني، وقال:
القبر أمامك. وعن ثابت البناني، عن أنس، قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي
عند قبر، فقال لي: القبر لا تصلي إليه، قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا
أَرَدَ أن يصلي، فيتنحى عن القبور.
(١) ((الْحُشّان)) بالضمّ والكسر جمع حَشّ بالفتح والضمّ: النخل المجتمع، أو البستان،
والمراد محلّ قضاء الحاجة.

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وعن علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد. وعن
ابن عباس رفعه: ((لا تصلوا إلى قبر، ولا على قبر)). وعن ابن جريج، أخبرني
ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور، أو إلى قبر؟
قال: نعم، كان يُنهى عن ذلك، لا تصلّ وبينك وبين القبلة قبر، فإن كان بينك
وبينه سترة ذراع فصلّ. قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط
القبور؟، فقال: ذكروا أن رسول الله وَ طير قال: ((كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله)).
قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: لا أعلمه إلا
أنه كان يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. وعن سفيان الثوري، عن
منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا إذا خرجوا في جنازة
تنخّوا عن القبور للصلاة. وقال أحمد: من صلى في مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد
أبداً .
فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس،
وابن عباس ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة ﴾(١). انتهى كلام ابن حزم
(١) قال الشوكانيّ كَّلُهُ: قوله: ((لا نعلم لهم مخالفاً إلخ)) إخبار عن علمه، وإلا فقد
حكى الخطابيّ في ((معالم السنن)) عن عبد الله بن عمر أنه رخّص في الصلاة
في المقبرة، وحكى أيضاً عن الحسن أنه صلى في المقبرة. انتهى. ((نيل
الأوطار)) ٢٣٦/٢.
وقال النوويّ كثّفُهُ: قال ابن المنذر: روينا عن عليّ، وابن عبّاس، وابن عمر،
وعطاء، والنخعيّ أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة، ولم يكرهها أبو هريرة، وواثلة بن
الأسقع، والحسن البصريّ، وعن مالك فيه روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يُعلم
نجاستها، وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفي صحّتها روايتان، وإن تحقّق
طهارتها، ونقل صاحب ((الحاوي)) عن داود أنه قال: تصحّ الصلاة، وإن تحقّق
نبشها. انتهى. ((المجموع)) ١٥٨/٣.

٥٨٧
(٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٥٠)
باختصار(١).
وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة، وغيرها، فقال: إذا
كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها
للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته(٢).
وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة،
ولم يفرّقوا كما فرّق الشافعي، ومن معه بين المنبوشة وغيرها .
وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة، والأحاديث
ترد عليه. وقد احتج له بعض أصحابه المالكية بما يقضي منه العجب(٣)؛
فاستدل له بأنه وَّ صلى على قبر المسكينة السوداء، وأحاديث النهي لا تقصر
عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول
أن النهي يدل عَلَى فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان؛ لأن
الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على
القبر وبين المقابر، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة، أفاده العلامة
الشوكانيّ ◌َُّهُ(٤).
(١) ((المحلى)) ٣٠/٤ - ٣٢.
(٢) ونصّ النوويّ في ((المجموع)) باختصار: أما حكم المسألة، فإن تحقّق أن المقبرة
منبوشة لم تصحّ صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء، وإن تحقّق عدم
نبشها صحّت صلاته بلا خلاف، وهي مكروهة كراهة تنزيه، وإن شكّ في نبشها
فقولان، أصحّهما تصحّ الصلاة مع الكراهة، والثاني لا تصحّ. انتهى. ((المجموع))
١٥٨/٣.
وقوله: ((بلا خلاف)): أي بين أصحاب الشافعيّ، لا بين جميع أهل العلم مطلقاً،
فتنبه .
قال الجامع: هذه التفاصيل التي ذُكرت في مذهب الشافعي مما لا يخفى بعدها؛
لكونها مخالفة لإطلاق النصوص، فتبصّر.
(٣) هكذا النسخة، ولعل الصواب: ((بما لا يقضي منه العجب))، والله تعالى أعلم.
(٤) ((نيل الأوطار)) ٣٣٦/٢ - ٣٣٧.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه المانعون من الصلاة
في المقبرة، أو إليها، أو عليها مطلقاً، وأن الصلاة باطلة؛ لأن النهي
للتحريم، ولا صارف له، والنهي يقتضي الفساد والبطلان، إلا الصلاة على
الميت بعدما دُفن؛ فإنها صحيحة؛ عملاً بما صح من الأحاديث في ذلك،
كما تقدّم بيان ذلك، فعموم النهي عن الصلاة فيها، وإليها، مخصوص
بأحاديث الصلاة على الميت، وبهذا تجتمع الأحاديث من غير تعارض، وبالله
التوفيق.
قال العلامة المحقّق أبو محمد بن حزم تَخُّْهُ: وكل هذه الآثار حقّ،
فلا تحلّ الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة؛ فإنها تصلى في المقبرة،
وعلى القبر الذي قد دُفن صاحبه، كما فعل رسول الله وَله، نُحَرِّم ما نَهَى
عنه، ونَعُدّ من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل، فأمره ونهيه
حقّ، وفعله حقّ، وما عدا ذلك فباطل، والحمد لله رب العالمين.
(١)
انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو محمد نَّهُ تحقيق حقيق بالقبول؛
لموافقته لصحيح المنقول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ
الكتاب قال:
[٢٢٥١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ(٣)، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ،
عَنْ وَائِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
((لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا))).
(١) ((المحلّى)) ٣٢/٤.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)).

٥٨٩
(٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٥١)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ) أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام الحجة الحافظ الشهير المروزيّ
[٨] (ت١٨١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٣ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائد بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ ◌َّ يوم
حُنين، وسمع من كبار الصحابة [٢] مات سنة (٨٠) (ع) تقدم في ((الطهارة))
٥٥٩/٦.
والباقون ذُكروا قبله، و((عبد الرحمن بن يزيد)) هو: (ابن جابر)) المذكور
في السند الماضي.
[تنبيه]: قد تكلّم العلماء في رواية ابن المبارك هذه، فقال الترمذيّ في
(الجامع)) بعد إخرج الحديث ما نصّه: قال محمد بن إسماعيل - يعني
البخاريّ -: حديث ابن المبارك خطأ، إنما هو عن بسر بن عبيد الله، عن
واثلة، هكذا رَوَى غير واحد، عن ابن جابر، وبُسرٌ سمع من واثلة.
وقال في ((العلل الكبرى)): سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال:
حديث الوليد بن مسلم أصحّ، وهكذا روى غير واحد، عن عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع. انتهى (١).
وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: زاد ابن المبارك في إسناد هذا
الحديث: ((أبا إدريس الخولانيّ)) ولا أحسبه إلا أدخل حديثاً في حديث؛
لأن وهيب بن خالد رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن
عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي سعيد، عن النبيّ وَّ، ذكره الحافظ
المزيّ ◌َذْتُهُ(٢).
(١) ((علل الترمذيّ)) ١٥١/١.
(٢) ((تحفة الأشراف)) ٣٢٩/٨، و((تهذيب الكمال)) ٢٢٥/٢٤.

٥٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وعبارة ((العلل)) للدارقطنيّ: (١١٩٩) وسئل عن حديث أبي مَرْئد
الغَنَويّ، عن النبيّ وَّ: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا عليها))، فقال:
يرويه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، واختُلِف عنه، فرواه الوليد بن مسلم،
وصدقة بن خالد، وبكر بن يزيد الطويل، ومحمد بن شعيب، وأيوب بن
سُويد، وغيرهم، عن ابن جابر، عن بُسْر بن عبيد الله، عن واثلة بن
الأسقع، عن أبي مرثد.
وخالفهم عبد الله بن المبارك، وبشر بن بكر، فروياه عن ابن جابر، عن
بسر، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد،
والمحفوظ ما قاله الوليد، ومن تابعه، عن ابن جابر، لم يذكر عن أبي إدريس
فيه، ورواه وهيب بن خالد، عن ابن جابر بإسناد آخر، عن القاسم بن
مُخَيمرة، عن أبي سعيد الخدريّ، ولم يُتَابَع عليه، والصحيح حديث واثلة، عن
أبي مرثد. انتهى(١).
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح كَّثهُ في ((مقدمته)) رواية ابن المبارك
المذكورة مثالاً للمزيد في متصل الأسانيد، وهاك نصه:
(النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد) مثاله ما روى
عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر،
قال: حدثني بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس، يقول: سمعت
واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله وَالاله
يقول: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها)).
فذِكْرُ سفيان في هذا الإسناد زيادة وَهَم، وهكذا ذِكْرُ أبي إدريس، أما
الوهم في ذكر سفيان فممن دون ابن المبارك لا من ابن المبارك؛ لأن جماعة
ثقات رووه عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرّح فيه بلفظ
الإخبار بينهما .
وأما ذكر أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن
(١) (العلل)) للدار قطنيّ ٤٣/٧.

٥٩١
(٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْىِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٥١)
جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة،
وفيهم من صرّح فيه بسماع بسر من واثلة.
قال أبو حاتم الرازي: يرون أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا، وكثيراً ما
يُحَدِّث بسر عن أبي إدريس، فغَلِطَ ابن المبارك، وظنّ أن هذا مما روى عن
أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه.
قال: قد ألّف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتاباً سماه «تمييز المزيد في
متصل الأسانيد)) وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي
الزائد إن كان بلفظة ((عن)) في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللاً
بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإن كان فيه تصريح بالسماع، أو بالإخبار، كما
في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه
منه نفسِهِ، فيكون بُسْر في هذا الحديث قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة،
ثم لقي واثلة، فسمعه منه، كما جاء مثله مصرحاً به في غير هذا، اللَّهم إلا أن
توجد قرينة تدل على كونه وهماً، كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور،
وأيضاً فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجئ عنه ذكر
ذلك حملناه على الزيادة المذكورة، والله أعلم. انتهى كلام ابن
الصلاح تَخَذَلُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الإمام مسلماً تَظّفُ يرى صحة الطريقين،
فلذا أخرج الحديث بالطريقين، وهو الظاهر، فإن ابن المبارك إمام حافظ ثبت
تقبل زيادته، ولم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه بشر بن بكر، كما سبق عن
الدارقطنيّ، وبشر ثقةٌ، فاتّفاقهما يدلّ على أن الحديث محفوظ بزيادة أبي
إدريس، كما أنه محفوظ بحذفه، فالظاهر ما مشى عليه مسلم نَّثُ، من صحّة
الطريقين، فتأمله بالإنصاف.
وقد أخرج ابن حزم كَُّ الحديث في ((الْمُحَلَّى)) (٢٩/٤) محتجاً به،
وهاك نصه: حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد بن الفضل
الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا عبد
(١) (مقدّمة ابن الصلاح)) (ص٢٨٩ - ٢٩٠) بنسخة ((التقييد والإيضاح)).

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر، حدثني بُسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت
واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: سمعت رسول الله صل
يقول: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها)).
قال العلامة أحمد محمد شاكر كَُّ في تعليقه على ((المحلَّى)) ما نصه:
ويظهر أن بسراً سمع الحديث من أبي إدريس، عن واثلة، ثم من واثلة، ولذلك
جاء عنه بالإسنادين في ((مسند أحمد))، و((صحيح مسلم))، وصرح بالسماع من
واثلة في أبي داود، و((المسند)). اهـ.
ونص «المسند» (١٣٥/٤): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن
مسلم، قال: سمعت ابنُ جابرٍ يقول: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه
سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله وَله ... الحديث.
فقد صرّح بُسْرٌ بسماعه من أبي إدريس، كما في ((المسند))، و((المحلَّى))،
ومن واثلة كما في ((المسند)) وأبي داود (٢١٧/٣).
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا صحة الطريقين، وهذا أولى من
تخطئة ابن المبارك الإمام الجبل في الحفظ، مع أنه تابعه عليه بشر بن بكر،
كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٣٢) - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٢٥٢] (٩٧٣) - (وَحَدَّثَنِي(١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ، قَالَ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٥٩٣
(٣٢) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (٢٢٥٢)
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ سَعْدٍ بْنٍ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُصَلِّيَّ
عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ، مَا صَلَّى
رَسُولُ اللهِّهِ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّ فِي الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه الإمام الحجة الثبت [١٠]
(ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن الزبير الأسديّ، أبو حمزة
المدنيّ، لا بأس به [٦].
رَوَى عن عمه عباد بن عبد الله بن الزبير، وعنه موسى بن عقبة،
وعبد الواحد بن زياد، والدراورديّ.
قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا
الحدیث.
٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ، كان قاضي
مكة زمن أبيه، فخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وجدته أسماء، وخالة أبيه عائشة، ورجل من بني مُرّة بن
عوف، وعمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت.
وروى عنه ابنه يحيى، وابن أخيه عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله، وابنا
عميه: هشام بن عروة ومحمد بن جعفر، وصالح بن عجلان، وابن أبي مليكة،
وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال الزبير بن بكار:
كان عظيم القَدْر عند أبيه، وکان على قضائه بمكة، وکان یستخلفه إذا حجّ،
وكان أصدق الناس لهجةً، ووصفه مصعب الزبيريّ بالوقار، وقال ابن سعد:
كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وأما روايته عن عمر بن
الخطاب فمرسلة بلا تردد.

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٩٧٣)
وأعاده بعده، و(١٠٢٩) و(١١١٢) وأعاده بعده، و(٢٤٤٤).
٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين هنا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وعبد العزيز بن محمد هو:
الدراورديّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف كَّلُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فمروزيان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالة أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ﴿َا (أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ) بالبناء
للمفعول (بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ◌َهُبِهِ (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفي الرواية
الثالثة: ((قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه)).
وإنما أمرت عائشة رضيها بذلك؛ لامتناعها هي وسائر أزواج النبيّ وَّ من
الخروج مع الناس؛ عملاً بقوله رَّ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّعَ
اُلْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣].
(فَتُصَلِّيَ) بالنصب عطفاً على ((يُمَرّ)) (عَلَيْهِ) يَحْتَمل أن تصلي عليه، وهي
في حجرتها، وجنازته على بابها، وهو ظاهر سياق الرواية التالية، ويَحْتَمل أن
تكون صلّت عليه في المسجد، وهذا الاحتمال يؤيّده قولها في الرواية الثالثة:
((ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ»، فإنه ظاهر في أنها صلّت عليه في
المسجد، فهذا الوجه أولى، والله تعالى أعلم.
(فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا)؛ أي: إدخالها الجنازة المسجد، وفي الرواية
التالية: ((ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجدَ)). (فَقَالَتْ) عائشة ◌ََّا لَمّا بلغها

٥٩٥
(٣٢) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (٢٢٥٢)
إنكارهم (مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ): ما الأولى تعجّبيّة، والثانية مصدريّة؛ أي:
ما أسرع نسيان الناس.
قال القاضي عياض تَخَّثُ: اختلفوا في تأويله، فقيل: معناه ما أسرع ما
نسي الناس السنّة، وقيل: ما أسرع الناس إلى الطعن والعيب، قال: وجاء في
رواية العذريّ أحد التأويلين في حديث عليّ بن حجر، قال: يعني ما نسي
الناس، وجاء فيه في حديث ابن حاتم التأويل الآخر مفسّراً من قول عائشة
بما لا يجب أن يقال سواه، ولا يتأوّل عليها غيره؛ إذ قد نَصَّتْ عليه، ورفعت
الاحتمال، فقالت: ((ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به)).
انتھی(١).
وقوله: (مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ) ((ما)) هنا نافية؛ أي: لم يصلّ وَِّ (عَلَى
سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ) القرشيّ، الفهريّ، من المهاجرين، يُكنى أبا موسى، هاجر
الهجرتين إلى الحبشة، وشَهِدَ بدراً، وأحداً، ومات ظُه بعد رجوع
رسول الله ◌َ و من تبوك سنة تسع.
وقال النوويّ كَّلُهُ: قال العلماء: بنو بيضاء، ثلاثة إخوة: سَهْلٌ،
وسُهيل، وصفوان، وأمهم البيضاء، اسمها دَعْد بنت الجحدم بن أمية بن ضبّة بن
الحارث، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن
ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبَّة بن الحارث بن فهر القرشيّ الفهريّ، وكان
سُهيل قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى
المدينة، وشهد بدراً وغيرها، توفي سنة تسع من الهجرة ظه. انتهى كلام
النوويّ بزيادة من ((الاستيعاب))(٢).
وأما أخوه سهل، فقال الحافظ أبو عمر تَّقُ: كان ممن أظهر إسلامه
بمكة، وهو الذي مشى إلى النفر الذين قاموا في شأن الصحيفة التي كتبها
مشركو قريش على بني هاشم، حتى اجتمع له نفر، تبرّءوا من الصحيفة،
وأنكروها، وهم هشام بن عمرو بن ربيعة، والمطعم بن عديّ بن نوفل، وزَمْعَة
ابن الأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأبو البَخْتَريّ بن هشام بن الحارث بن
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٤٥/٣ - ٤٤٦.
(٢) ((شرح مسلم)) ٤٣/٧.

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
أسد، وزُهير بن أبي أُميّة بن المغيرة، وفي ذلك يقول أبو طالب [من الطويل]:
عَلَى مَلٍ يُهْدَى لِخَيْرٍ وَيُرْشَدُ
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ رَهْطاً تَبَايَعُوا
مَقَاوَلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزُّ وَأَمْجَدُ
قُعُودٍ لَدَى جَنْبِ الْحَطِيمِ كَأَنَّهُ
فَسُرَّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمَّدُ
هُمُ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ رَاضِياً
وَأَنْ كُلَّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللهُ مُفْسَدُ
أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ مُزِّقَتْ
إِذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَحْرَدُ
أَعَانَ عَلَيْهَا كُلُّ صَفْرٍ كَأَنَّهُ
أسلم سهل ابن بيضاء بمكة، وأخفى إسلامه، فأخرجته قريش معهم إلى
بدر، فأسر يومئذ مع المشركين، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه بمكة
يصلي، فخُلِّي عنه، ولا أعلم له رواية، ومات بالمدينة. انتهى(١).
(إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفي الرواية التالية: ((إلا في جوف المسجد)).
وهذا يدلّ على جواز الصلاة على الميت في المسجد، وفيه خلاف بين
أهل العلم سنتكلّم عليه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٥٢/٣٢ و٢٢٥٣ و٢٢٥٤] (٩٧٣)، و(أبو
داود) في ((الجنائز)) (٣١٨٩)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٣٣)، و(النسائيّ)
في ((الجنائز)) (٦٨/٤) وفي ((الكبرى)) (٦٣٩/١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز))
(١٥١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٩/٦ و١٣٣ و١٦٩)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٥١/٣ - ٥٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٧٣٠/٣)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٠٩/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥١/٤)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤/٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥٢٦/٣)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٢٩/١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الاستيعاب)) لابن عبد البرّ في هامش الإصابة ٢٧٠/٤ - ٢٧١.

٥٩٧
(٣٢) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (٢٢٥٢)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة على الميت في المسجد، وسيأتي تمام
البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (منها): جواز صلاة النساء على الجنائز، وليس المراد بالصلاة هنا
الدعاء، بل المراد الصلاة المعهودة على الميت، وأما قول القاضي
عياض تَخْذُ: المراد بهذه الصلاة الدعاء(١)، ففيه نظر، بل الحقّ أنها الصلاة
المعهودة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): فضل علم عائشة ﴿ّا، فإنها حفظت من السنّة ما جهله
الكثيرون من الصحابة والتابعين، حتى أنكروا عليها؛ لجهلهم، فردّت عليهم،
وتعجّبت من سرعة النسيان إليهم في سنّة فعلها النبيّ وَّر بمشهد من الجمع
الكثير، وهو صلاته على ابني البيضاء في المسجد.
٤ - (ومنها): بيان أن السنة لا تترك لإنكار بعض الناس لها؛ جهلاً، بل
ينبغي إظهارها للناس، وتعليم الجاهلين بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الجنازة
في المسجد:
قال الإمام ابن المنذر تَّلهُ: اختلفوا في الصلاة على الجنائز في
صُلّ عليه في المسجد، وصُلِّي على عمر بن
المسجد، فروینا أن أبا بكر
الخطّاب في المسجد.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال مالك: لا يُصلّى على الجنازة في
المسجد، إلا أن يتضايق المكان، وكره أن توضع الجنازة في المسجد.
قال ابن المنذر تَّلُهُ: وفي صلاة من حضر، فصلّى على أبي بكر من
المهاجرين والأنصار قدوة لمن أراد الاقتداء بهم، وحجّة، وكذلك صلاتهم
على عمر في المسجد، وقد روينا عن النبيّ وَّ أنه صلّى على سُهيل ابن بيضاء
(٢)
في المسجد. انتهى
.
(١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٤٥/٣.
(٢) ((الأوسط)) ٤١٥/٥ - ٤١٦.

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وقال الحافظ أبو عمر تَخْذَلُهُ: وصلاة رسول الله ◌َّر على سهيل ابن بيضاء
من أصحّ ما يُروى عن النبيّ وَله من أخبار الآحاد العدول.
وهو قول الشافعيّ، وجمهور أهل العلم، وهي السنّة المعمول بها في
الخليفتين بعد رسول الله وَ﴿، صلّى عمر على أبي بكر الصّدّيق في المسجد،
وصلى صُهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة، وصدر السلف،
من غير نكير، وما أعلم من يُنكر ذلك إلا ابن أبي ذئب.
ورويت كراهية ذلك عن ابن عبّاس من وجوه لا تصحّ، ولا تثبت، وعن
بعض أصحاب مالك، ورواه عن مالك، وقد رُوي عنه جواز ذلك من رواية
أهل المدينة، وغيرهم، وقد قال في المعتكف: لا يخرج إلى جنازة، فإن
اتصلت الصفوف به في المسجد، فلا يصلي عليها مع الناس.
وعن مالك قال: لا يعجبني أن يُصَلَّى على أحد في المسجد، قال: ولو
فَعَل ذلك فاعل ما كان ضيّقاً، ولا مكروهاً، فقد صلى رسول الله صل على
سهيل ابن بيضاء في المسجد، وصلّى عمر على أبي بكر في المسجد، وصلى
صُهيب على عمر في المسجد.
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، والثوريّ، عن هشام بن عروة، قال: رأى
أبي الناس يخرجون من المسجد ليصلّوا على جنازة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟
ما صُلِّي على أبي بكر إلا في المسجد.
[فإن قيل]: إن الناس الذين أنكروا على عائشة ﴿ّا أن يُمَرَّ عليها بجنازة
سعد بن أبي وقّاص في المسجد، هم الصحابة، وكبار التابعين، لا محالة؟.
[قيل لهم]: ما رأت عائشة إنكارهم بكبير، ورأت الحجّةَ في
رسول الله وَلهم؛ إذ هو الأسوة الحسنة، والقدوة، وأين المذهب، والرغبة عن
سنته 9، ولم يأت عنه ما يخالفها من وجه معروف، ولو لم تكن في هذا
الباب سنّة ما وجب أن يُمنَع عن ذلك؛ لأن الأصل الإباحة حتى يرد المنع
والحظر، فكيف، وفي إنكار ذلك جهل السنّة، والعملِ القديم بالمدينة.
ألا ترى أن قول عائشة ﴿: ((ما أسرع الناس)) تريد إلى إنكارها ما
يعلمون، وترك السؤال عما يجهلون. وقد روي: ((ما أسرع ما ينسى الناس))،
وليس من نَسِيَ علماً حجةً على من ذكره، وعَلِمَه.

٥٩٩
(٣٢) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدٍ - حديث رقم (٢٢٥٢)
وقد احتجّ بعض من تُعميه نفسه من المنتسبين إلى العلم في كراهية
الصلاة على الجنائز في المسجد؛ لأن رسول الله وَّ نَعَى للناس النجاشيّ،
وخرج بهم إلى المصلى، فصفّهم، وكبّر أربع تكبيرات، قال: ولم يصلّ عليه
في المسجد، وفي احتجاجه هذا ضروب من الإغفال.
[منها]: أنه لا يرى الصلاة على الغائب، وصلاة النبي ◌َّل على النجاشيّ
خصوص له عنده .
[ومنها]: أنه ليس في صلاة رسول الله وفر على الجنازة في موضع، ولا
صلاة العيد في موضع دليلٌ على أن صلاة العيد، وصلاة الجنائز لا تجوز إلا
في ذلك الموضع، والمسلمون في كلّ أفق لهم مصلى في العيد، يخرجون
إليه، ويُصلّون فيه، ولا يقول أحد من علمائهم: إن الصلاة لا تجوز إلا فيه.
وكذلك صلاتهم في المقابر على جنائزهم، ليس فيه دليل على أنه لا يُصلّى
على الجنائز إلا في المقبرة، وما لم يَنْهَ عنه الله ◌ُعَلَ، ورسوله وَّل، فمباح
فعله، فكيف بما فعله رسول الله وَله. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر تَخَذْشُهُ
ببعض تصرّف(١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ.
وقال النوويّ كَّلُهُ: وفي هذا الحديث دليل للشافعيّ، والأكثرين في
جواز الصلاة على الميت في المسجد، وممن قال به أحمد، وإسحاق، قال
ابن عبد البرّ: ورواه المدنيّون في ((الموطأ)) عن مالك، وبه قال ابن حبيب
المالكيّ، وقال ابن أبي ذئب، وأبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه: لا تصحّ
الصلاة عليه في المسجد بحديث في ((سنن أبي داود)): ((من صلى على جنازة
في المسجد، فلا شيء له)). ودليل الشافعيّ، والجمهور حديث سهيل ابن
بيضاء. وأجابوا عن حديث ((سنن أبي داود)) بأجوبة:
[أحدها]: أنه ضعيف، لا يصحّ الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا
حديث ضعيف، تفرّد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف.
[الثاني]: أن الذي في النسخ المشهورة المحقّقة المسموعة من ((سنن أبي
(١) ((الاستذكار)) ٢٧٢/٨ - ٢٧٦، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز في
المسجد.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
داود)): ((ومن صلّى على جنازة في المسجد، فلا شيء عليه))، ولا حجّة لهم
حينئذ فيه .
[الثالث]: أنه لو ثبت الحديث، وثبت أنه قال: ((فلا شيء له))، لوجب
تأويله على: فلا شيء عليه، ليُجمَع بين الروايتين، وبين هذا الحديث، وحديث
سهيل ابن بيضاء، وقد جاء ((له)) بمعنى ((عليه))، كقوله تُعَالَ: ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَأَ﴾.
[الإسراء: ٧].
[الرابع]: أنه محمول على نقص الأجر في حقّ من صلّى في المسجد،
ورجع، ولم يشيّعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة، وحضور
دفنه(١)، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال أهل العلم،
وأدلتهم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد أن المذهب الصحيح، هو
ما عليه الجمهور، من أنه جائز، بلا كراهة؛ لأن أدلة المانعين غير صالحة
لمعارضة ما صحّ عن النبيّ وَل18، وعن الخلفاء الراشدين ﴿ه، كما سبق
تفصيله، وأما حديث أبي داود: ((من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء
له)) فضعيف لا حاجة إلى تأويله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النساء على
الجنائز :
[اعلم]: أن حديث الباب يدلّ على مشروعيّة صلاة النساء على الجنائز،
قال الباجيّ تَخَّثُهُ: هذا الذي يقتضيه مذهب مالك، وقال الشافعيّ: لا يصلي
النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصحّ أن يفعلها
الرجال، فصحّ أن يفعلها النساء، كصلاة الجماعة، وهل يجوز أن يفعلها النساء
دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز، وإن اختلفا في صفتهما. انتهى.
(١) قلت: هذا الوجه ضعيف؛ لأنه ينافي إثبات قيراط واحد لمن صلى، ورجع، وهو
ثابت في ((الصحيحين)). فتنبه.
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) ٧/ ٤٣ - ٤٤ كتاب الجنائز.