Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٢٩) - بَابُ الأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ - حديث رقم (٢٢٤٣) مثل الذي أرسلني إليه وَّة، وإنما عبّر بـ((على))؛ لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير؛ أي: أجعلك أميراً على ذلك، كما أمّرني عليه رسول الله ◌َلية (١). وقوله: (أَنْ لَا تَدَعَ) يَحْتَمل أن تكون الجملة بياناً لما بَعَث به النبيّ وَل علياً عظُبه، و((أن)) مصدرية، و((لا)) نافية، فيكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عدم تركك إلخ، ويَحْتَمِل أن تكون ((أن)) تفسيرية، و((لا)) ناهية، والفعل مجزوم بها؛ أي: لا تترك ... إلخ. (تِمْثَالاً) بكسر التاء: هي الصورة المصوّرة، يقال: في ثوبه تماثيل؛ أي: صورة حيوانات مصوَّرة، قاله في ((المصباح)) (٢)، وقال في ((القاموس)): التَّمْثَال بالفتح: التمثيل، وبالكسر: الصورة. انتهى (٣). (إِلَّا طَمَسْتَهُ)؛ أي: محوته، أو غَيَّرْتَه من هيئته، بقطع رأسه، أو نحو ذلك، وفي الرواية التالية: ((ولا صورةً إلا طمستها)). قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّداً، وما كان مصوّراً في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد رُوي ((صورة)) مكان ((تمثال))، وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشاً. قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي كثّهُ(٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، والله تعالى أعلم. (وَلَا قَبْراً مُشْرِفاً) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعاً عن الأرض. قال السنديّ نَّهُ: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون (١) ((المرعاة)) ٤٣٠/٥. (٣) ((القاموس المحيط)) ٤٩/٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٤. (٤) ((المفهم)) ٦٢٥/٢. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم. انتھی(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم؛ لأنه مما لا يدلّ عليه دليل؛ والله تعالى أعلم. (إِلَّ سَوَّيْتَهُ)؛ أي: ألصقته بالأرض، قال النوويّ تَُّهُ: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعاً كثيراً، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث على ما نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم. [تنبيه]: قال في ((المنهل العذب المورود)): واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، ويُترحّم على صاحبه، إلا أن يكون مسلماً في دار الحرب، فيُخفى قبره؛ مخافةَ أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى. (٣) انتھی(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبراً غير صحيحة؛ لما تقدم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبراً))، غير صحيح؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه وَّهُ من حديث عليّ ◌َظُه هذا، وحديث فضالة ظُه المتقدم. (١) (شرح السندي)) ٨٨/٤. (٣) ((المنهل العذب)) ٩/ ٧٠. (٢) (شرح مسلم)) ٧/ ٤٠. ٥٦٣ (٢٩) - بَابُ الأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ - حديث رقم (٢٢٤٣) وأما قوله: ليعلم أنه قبر إلخ، فليس ذلك مما يبيح المحظور، من رفعه عن الأرض؛ لأن كونه قبراً يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعاً، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ وَّ ر على قبر عثمان بن مظعون ظُه حجراً، فقد أخرج أبو داود بإسناد حسن، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبيّ ◌َ ﴿ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله وَ﴾، وحَسَرَ عن ذراعيه، قال كثير: قال المطّلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله و لو قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله وَلقوله حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: ((أتعلّم بها قبر أخي، وأَدْفِن إليه من مات من أهلي)). وفي إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين، تكلّم فيه بعضهم، ووثّقه ابن عمّار الموصليّ، وابن حبّان، وقال أحمد: ما أرى به بأساً، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به (١) . وبالجملة فهو حسن الحديث(٢)، فهو دليلٌ على جواز وضع الحجر علامةً على القبر؛ ليُعرف أنه قبرٌ، وعلى دفن بعض الأقارب بقرب بعض، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: ـته هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب المصنّف تَخَذَتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٤٣/٢٩ و٢٢٤٤] (٩٦٩)، و(أبو داود) في (الجنائز)) (٣٢١٨)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٤٩)، و(النسائيّ) في (١) راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) ٤٥٨/٣ - ٤٥٩. (٢) وقد حسّن الحديث الشيخ الألبانيّ كَذُّهُ. ٥٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ((الجنائز)) (٨٨/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٩/١ و٩٦ و١٢٨)، و(عبد الله بن أحمد) في ((زوائده)) (١١١/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٨/٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٢٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/٤) و((المعرفة)) (١٨٧/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٥/١ و٢٨٦ و٤٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فى فوائده : ١ - (منها): بيان الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة. ٢ - (ومنها): شدة اعتناء النبي وَلو بإزالة المنكرات. ٣ - (ومنها): إزالة المنكر باليد، كما قال النبيّ وَليقول: ((من رأى منكم منكراً، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، رواه مسلم. ٤ - (ومنها): عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض. ٥ - (ومنها): وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال العلامة الشوكانيّ تَخّْثُ عند شرح حديث الباب ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعاً كثيراً، من غير فرق بين من كان فاضلاً، ومن كان غیر فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير - كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في ((الغيث)) - لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلاً، إذا كان في الأمور الظنّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ. ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أوّلِيّاً الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ وَلـ فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصداً لطلب قضاء ٥٦٥ (٢٩) - بَابُ الأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ - حديث رقم (٢٢٤٣) الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئاً، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد لله تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِىِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَجَدُهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. قال ◌َّتُهُ: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب لله، ويَغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالماً، ولا متعلماً، ولا أميراً، ولا وزيراً، ولا ملكاً. قال الجامع عفا الله عنه: بل صار الأمر بالعكس، فكم ممن ينتسب إلى العلم يراهم، ويسمعهم، فلا يُنكر عليهم، بل العلماء أنفسهم شركاء لهم في ذلك، بل هم أشد منهم، فإنهم يؤلفون كتباً في الاستغاثة بهم، ويقرؤونها عند قبورهم، أو غيرها من المجالس، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. مَنْ يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ يَا مُصْلِحَ الْعِبَادِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ قال ◌َّتُهُ: وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيراً، من هؤلاء القبوريين (١)، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ، وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن (١) هكذا اشتهر على الألسنة، والصواب القبريين؛ لأنه إذا نسب إلى الجمع يرد إلى واحده، كما قال ابن مالك: وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجَمْعِ إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِداً بِالْوَضْعِ ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين؛ أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجباً؟. وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيّاً وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادٍ وَلَوْ نَاراً نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ انتهى كلام العلامة الشوكانيّ كَُّهُ، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه الله تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلََّدٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْبَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي حَبِيبٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (يَحْبَى الْقَطَّنُ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها النسائيّ في ((سننه))، فقال: (٢٠٣١) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الْهَيّاج، قال: قال عليّ ◌َُّبه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله وَله: ((لا تَدَعَنَّ قبراً مُشْرِفاً إلا سوّيته، ولا ٥٦٧ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٥) صورةً في بيت إلا طمستها)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ بَيَانِ التَّهْي عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٥] (٩٧٠) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقُّعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق بن معاوية النخعيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الولَّيد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلّس ويرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ها، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه وحفصاً كوفيان، والباقون مكيون، وجابر سكن مكة. طوعية ٤ - (ومنها): أن جابراً رظله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ) وفي رواية عبد الرزّاق التالية: ((عن ابن جريجَ، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: سمعت النبيّ ◌َ﴿ .... ))، فصرّح كلٌّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالسماع، فزالت عنهما تهمة التدليس، والحمد لله. (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي الرواية الآتية: ((نُهِي عن تقصيص القبور))، و((التقصيص)) بالقاف، وصادين مهملتين: هو التخصيص، والْقَصّة بفتح القاف، وتشديد الصاد: هي الجصّ، قاله النوويّ تَذَّهُ(١) . وقال في ((المصباح)): الْجِصّ بكسر الجيم معروف، وهو معرّب؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربيّة، ولهذا قيل: الإجّاص معرّب، وجَصّصت الدار عملتها بالجصّ، قال في ((البارع)): قال أبو حاتم: والعامّة تقول: الجَصّ بالفتح، والصواب الكسر، وهو كلام العرب، وقال ابن السّكّيت نحوه، وقال في مادّة ((قصّ)): والقَصّة بالفتح الجِصّ بلغة الحجاز، قاله في ((البارع))، والفارابيّ. انتهى ما في ((المصباح)). لكن الذي في ((الصحاح))، و((القاموس)) أن الْجِصّ بفتح الجيم، وتكسر. انتھی . (١) ((شرح النووي)) ٧/ ٣٧. ٥٦٩ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنْ تَخْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٥) وقال القرطبيّ كَخْلُهُ: التخصيص، والتقصيص: هو البناء بالجصّ، وهو القصّ، والقَصّة، والْجَصّاص، والْقَصّاص واحد، فإذا خُلِط الجصّ بالرماد، فهو الْجَيّار، وذكر معنى ذلك أبو عبيد، وابن الأعرابيّ. قال: وبظاهر هذا الحديث قال مالك، فكره البناء، والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه. ووجه النهي عن البناء، والتخصيص في القبور أن ذلك مُباهاةٌ، واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبّه بمن كان يُعِّم القبور، ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يُقال: هو حرام، كما قال به بعض أهل العلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َظّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ كَّتُهُ حسنٌ جدّاً، وقد تقدّم هذا البحث مستوفَّى في الباب الماضي، فلا تكن من الغافلين. وقال الحافظ العراقيّ كَّلُهُ: ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تخصيص القبور كون الجصّ أُحرق بالنار، وحينئذ، فلا بأس بالتطيين، كما نصّ عليه الشافعيّ. قال السنديّ كَّلُ: التطيين لا يناسب ما ورد من تسوية القبور المرتفعة، كما سبق، وكذا لا يناسب قوله: ((أن يُبنَى عليه))، والظاهر أن المراد النهي عن الارتفاع، والبناء مطلقاً، وإفراد التخصيص؛ لأنه أتمّ في إحكام البناء، فخُصّ بالنهي مبالغةً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ تَخْتُ هو الحقّ، لا ما قاله العراقيّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول أيضاً؛ أي: نُهي عن الجلوس على القبر، قال النوويّ تَخُّْهُ: فيه دليل على تحريم القعود على القبر، والمراد بالقعود الجلوس عليه، وهذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء. وقال مالك في ((الموطأ)): المراد بالقعود الحدث، قال النوويّ: وهذا تأويل ضعيف، أو باطل، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضّحه (١) ((المفهم)) ٢ /٦٢٦ - ٦٢٧. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الرواية التي ذكرها مسلم بعد هذا، من حديث أبي مَرْئَد الْغَنَويّ ◌َُّبه، قال: قال النبي ◌ّل : ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها))، ومن حديث أبي هريرة ظه، قال: قال رسول الله وَلجر: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة، فَتُحرِق ثيابه، فتخلُص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر)). انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ ببعض تصرّف(١). (وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضاً، قيل: يَحْتَمِل أن المراد البناء على نفس القبر؛ ليُرفَع عن أن يُنال بالوطئ، كما يفعله كثير من الناس، أو البناء حوله، نقله السنديّ تَُّ في شرح النسائيّ(٢). وقال التوربشتيّ كَّلُهُ: البناء يَحْتَمِل وجهين: البناء على القبر بالحجارة، أو ما يجري مجراها، والآخر أن يُضرب عليها خباء، ونحوه، وكلاهما منهيّ عنه. انتهى. وقال الشوكانيّ تَُّ: فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفَصّل الشافعيّ، وأصحابه، فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني، فمكروه، وإن كان في مَقْبَرَة مُسَبَّلَة فحرام، قال الشوكانيّ تَُّ: ولا دليل على هذا التفصيل. (٣) انتهى(٣) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الشوكانيّ تَظُّهُ في هذا التعقّب، فليس لنا دليل يخصص جواز بعض أنواع البناء، دون بعض، فالأرجح عدم جواز البناء مطلقاً؛ لإطلاق النصّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظها هذا من أفراد المصنّف نَحْدَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) (شرح مسلم)) ٤١/٧. وراجع: ((نيل الأوطار)) أيضاً ٤/ ١٠٤. (٢) ((شرح السندي)) ٨٦/٤. (٣) ((نيل الأوطار)) ١٠٤/٤. ٥٧١ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ النَّهْىٍ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٥) أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٤٥/٣٠ و٢٢٤٦ و٢٢٤٧] (٩٧٠)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣٢٢٥)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٥٢)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٨٦/٤ - ٨٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٥/٣ و٣٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٩/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٥/٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن تخصيص القبر. ٢ - (ومنها): بيان النهي عن البناء على القبر. ٣ - (ومنها): بيان النهي عن الجلوس على القبر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): زاد في رواية النسائيّ من طريق سليمان بن موسى، عن جابر ◌َُّبه: ((أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ))، وأشار النسائيّ إلى أن زيادة الكتابة في الحديث من تفرّد سليمان بن موسى، وفيما قاله نظر؛ لأنها ثبتت من رواية أبي الزبير أيضاً، فقد أخرج الحديث الترمذيّ برقم (١٠٥٢) فقال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، أبو عمرو البصريّ، حدثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ((نهى النبيّ وَلّ أن تُخصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفادت رواية الترمذيّ تَخَُّ تحريم وطء القبور، فلا يجوز وطؤها بالأقدام، والله تعالى أعلم. وأخرجه الحاكم أيضاً في ((المستدرك)) (١ / ٣٧٠) من طريق سَلْم بن جُنَادة، ثنا حفص بن غياث النخعيّ، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ((نهى رسول الله وَّ﴿ أن يُبنى على القبر، أو يُجَصَّص، أو يُقعد عليه، ونَهَى أن يُكتب عليه))، قال: هذا حديث على شرط مسلم، وقد أخرج بإسناده غير الكتابة، فإنها لفظة صحيحة غريبة. قال الحاكم: وكذلك رواه أبو معاوية، عن ابن جريج، ثم أخرجه بسنده ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز عن سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ((نهى رسول الله وَه عن تخصيص القبور، والكتاب فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها))، قال: هذه أسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عَمَلٌ أَخَذَ به الخلف عن السلف. انتهى. وتعقّبه الحافظ الذهبيّ تَظُّ في ((تلخيص المستدرك))، فقال: ما قلت طائلاً، ولا نعلم صحابيّاً فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين، فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي. انتهى كلام الذهبيّ ◌َُّهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن زيادة الكتابة في حديث جابر ◌َُّه صحيحة ثابتة من طريق أبي الزبير أيضاً، فتدلّ على تحريم الكتابة (١) على القبر(١). ثم إن الحافظ الذهبيّ تَّقُ أحسن، وأجاد حيث تعقّب على الحاكم فيما قاله، فإن ما قاله مخالف لهذا الحديث الصحيح، ودعواه عمل المسلمين بخلافه غير صحيحة، فلم يصحّ ذلك عن أحد من الصحابة ﴿ه، وإنما هو أمر محدث مخالف للسنة الصحيحة، فلا يجوز العمل به، بل المنقول عن السلف كراهته عكس ما قاله الحاكم، فقد أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٣٣٤/٣ - ٣٣٥) بسند صحيح عن محمد - يعني ابن سيرين - أنه كره أن يُعَلَّم القبر. وأخرج عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يعلّم الرجل قبره. (١) قال الحافظ العراقيّ كثّفُ: يحتمل أن المراد مطلق الكتابة، ككتابة اسم صاحب القبر عليه، أو تأريخ وفاته، أو المراد كتابة شيء من القرآن، وأسماء الله تعالى للتبرّك؛ لاحتمال أن يوطأ، أو يسقط على الأرض، فيصير تحت الأرجل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن النهي عامّ لجميع أنواع الكتابة، فلا تجوز الكتابة عليه مطلقاً، فإن النصّ لم يقيّده بنوع دون نوع، فلا يخصّص شيء منها بالجواز، وأما ما قاله الحاكم من أن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، فقد ردّ الذهبيِّ عليه، فأجاد، وأفاد، فلا تغترّ به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥٧٣ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ التَّهْىٍ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٦) وأخرج عن القاسم، أنه أوصى، قال: يا بُنيّ لا تكتب على قبري، ولا تشرفتّه، إلا قدر ما يردّ عني الماء. وأخرج عن الحسن، أنه كَرِه أن يُجعل اللوح على القبر. فقد تبيّن بهذا أن ما ادّعاه الحاكم من عمل السلف على الكتابة على القبر غير صحيح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ كَُّ في ((تحفة الأشراف)): سليمان لم يسمع من جابر، فلعلّ ابن جريج رواه عن سليمان، عن النبيّ وَّر، مرسلاً، وعن أبي الزبير، عن جابر، مسنداً. ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد الأشجّ، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، قال: نَهَى رسول الله ◌َّهو أن يُكتب على القبر شيء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت أن سليمان لم ينفرد بزيادة الكتابة، بل ثبتت في رواية أبي الزبير أيضاً، فلا يضرّ في صحتها الانقطاع الذي أشار إليه الحافظ المزيّ كَّقُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، أبو محمد الترمذيّ، نزيل الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره بعد دخوله بغداد [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير عَمِي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية حجاج بن محمد، وعبد الرزاق كلاهما عن ابن جريج ساقها أبو نعيم تَّلُ في ((مستخرجه)) (٤٩/٣) فقال: (٢١٧٤) - أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرزاق، أنبأ ابن جريج (ح) وثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا عبد الله بن شيرويه، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ أبو معاوية، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وحفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن بركة، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: ((نهى رسول الله وَ﴿ عن تخصيص القبور، وأن يُبْنَى عليها، أو يُجْلَس عليها)). انتھی. والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٤٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ ٥٧٥ (٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْرِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٨) مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ) ((التقصيص)) بالقاف، هو التخصيص، كما تقدّم. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣١) - (بَابُ بَيَانِ الَّهْي عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٨] (٩٧١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَّى جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَؤُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٥٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنسائي، ثم بغداديّ، وجرير، کوفيّ، ثم رازيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ظُله رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء، والمصدر المؤول بعدها مبتدأ، وخبره قوله: ((خير)) (عَلَى جَمْرَةٍ) - بفتح، فسكون -: القطعة الملتَهِبَةُ من النار، والجمع جَمْر، مثلُ تمرة وتمر (فَتُحْرِقَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحراق رباعيّاً، يقال: أحرقتْهُ النارُ، إحراقاً، ويتعدّى بالحرف، فيقال: أحرقته بالنار، فهو مُحرَقٌ، وحَرِيقٍ، قاله في ((المصباح))(١)، ويَحْتَمل أن يكون من التحريق، والضمير للجمرة (ثِيَابَهُ) بالنصب على المفعوليّة (فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ) («تَخْلُص)» يضم اللام؛ أي: تَصِلَ إليه، يقال: خَلَصَ إلى الشيء، من باب قعد: إذا وَصَلَ إليه(٢). (خَيْرٌ لَهُ)؛ أي: أحسن، وأهون عليه (مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ))) قال الطيبيّ كَثْثُهُ: جعل الجلوس على القبر، وسِرَاية مضرّته إلى قلبه، وهو لا يشعُر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد. انتهى. وقال في ((الروضة النديّة)): قال في ((الحجة البالغة)): ومعنى أن لا يَقْعُد عليه، قيل: أن يلازمه المزوِّرون، وقيل: أن يطأوا القبور، وعلى هذا فالمعنى إكرام الميت، فالحقّ التوسط بين التعظيم الذي يقارب الشرك، وبين الإهانة وترك الموالاة به. انتهى (٣). (١) ((المصباح المنير)) ١٣١/١. (٣) ((الروضة الندية)) ٤٧٩/١. (٢) راجع: ((القاموس)) ٣٠١/٢. ٥٧٧ (٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٨) والحديث دليلٌ على أنه لا يجوز الجلوس على القبر مطلقاً، وأن المراد الجلوس على حقيقته، وليس كناية عن البول والغائط، كما قيل. وإلى التحريم ذهب الجمهور، قال النوويّ نَّهُ: في هذا الحديث تحريم القعود، والمراد الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى، وقال أيضاً: والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه. انتهى(١). وأما ما رواه الطحاويّ من طريق محمد بن كعب، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من جلس على قبر، يبول عليه، أو يتغوّط، فكأنما جلس على جمر»، فإسناده ضعيف. وما روي أنّ ابن عمر كان يجلس على القبر يُحْمَل على أنه لم يبلغه النهي (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٤٨/٣١ و٢٢٤٩] (٩٧١)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣٢٢٨)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٠٤٤) و(الكبرى)) (٢١٧١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١١/٢ و٤٤٤ و٥٢٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٦/٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٤) و((معرفة السنن)) (٢٠٦/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٦/٣)، و(الطبراني) في ((الأوسط)) (٢١٧/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الجلوس على القبر: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ◌َخْلُ: الآثار مروية من طرق عن (١) ((شرح مسلم)) ٧/ ٤١، كتاب الجنائز. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٤٣٤/٥. ؟ ٥٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز النبيّ وَّ و أنه نَهَى عن القعود على القبور، من حديث عقبة بن عامر، وجابر، وأبي هريرة، وغيرهم، ومن الرواة من يوقف حديث عقبة، وحديث أبي هريرة، ويجعله من حديثهما . وأما حديث جابر، فذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله وَّجه ينهى أن يَقْعُد الرجل على القبر، ويُقصّص، أو يبنى عليه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن جابر، قال: نهى رسول الله وَله أن يُقعَد عليها، يعني القبور. وعن ابن مسعود ربه: لأن أطأ على جمرة حتى تُطفأ أحبّ إليّ من أقعد على قبر، وعن أبي بكرة مثله سواءً. وعن أبي هريرة، قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق رداءه، ثم قميصه، ثم إزاره، حتى تخلُص إلى جلده أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر. وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه أن عقبة بن عامر قال: لأن أطأ على جمرة، أو على حدّ سيف حتى يخطف رجلي أحبّ إليّ من أن أمشي على مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي، أو في السوق، والناس ينظرون. وقال مالك كَّتُهُ: وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نُرَى للمذاهب، يريد حاجة الإنسان. وحجته أن عليّ بن أبي طالب كان يتوسّد القبور، ويضطجع عليها . وروى أبو أمامة بن سهل بن ◌ُنیف أن زید بن ثابت څبه قال له: هلمّ یا ابن أخي إنما نَهَى رسولُ اللهِ وََّ عن الجلوس على القبر لحدثٍ بولٍ، أو غائط. انتهى كلام أبي عمر كَُّ. بتصرّف، واختصار(١). وقال النوويّ كَّثُ: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث، وهو تأويل ضعيف، أو باطل. انتهى. قال في ((الفتح)): وهو يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن (١) ((الاستذكار)) ٣٠٦/٨ - ٣٠٨. ٥٧٩ (٣١) - بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٤٨) الجوزيّ، حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة، خلافاً لمالك، وصرّح النوويّ في ((شرح المهذّب)) بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة، وأصحابه كقول مالك، كما نقله عنهم الطحاويّ، واحتجّ له بما أخرجه من طريق بكير بن عبد الله بن الأشجّ، أن نافعاً حدثه: أنّ عبد الله ابن عمر كان يجلس على القبور، وأخرج عن عليّ نحوه، وعن زيد بن ثابت، مرفوعاً: ((إنما نهى النبيّ ◌َّ عن الجلوس على القبور لحدث غائط، أو بول))، ورجال إسناده ثقات. ويؤيّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد، من حديث عمرو بن حزم الأنصاريّ، مرفوعاً: ((لا تقعدوا على القبور))، وفي رواية له، عنه: رآني رسول الله وَله، وأنا متكئ على قبر، فقال: ((لا تؤذ صاحب القبر)). وإسناده صحيح(١)، وهو دالّ على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته. وردّ ابن حزم التأويل المتقدّم بأن لفظ حديث أبي هريرة اته: ((لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق ثيابه، فتخلُص إلى جلده ... ))، قال: وما عهدنا أحداً يقعد على ثيابه للغائط، فدلّ على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابن بطّال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يُكرَه، وإنما يُكره الجلوس المتعارف. انتهى ما في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الجلوس على القبور هو الصواب؛ للأحاديث الصحاح التي تقدّمت. وأما ما احتجّ به الذين قالوا إن المراد بالجلوس قضاء الحاجة عليها، كما نُقل عن مالك، وغيره، من الآثار التي رُويت عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة ﴿ه، فالجواب عنها، أن نقول: أما أثر عليّ فضعيف؛ لأن في سنده مولى لآل علي نظُّبه، ولم يسمّ. (١) ليس كما قال، بل في إسناد الحديث الأول النضر بن عبد الله السلمي، وهو مجهول، وفي إسناد الثاني عبد الله بن لهيعة، والكلام فيه معروف. لكن متن الحديث صحيح بشواهده، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. (٢) ((الفتح)) ٥٨٩/٣ - ٥٩٠، كتاب الجنائز. ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وأما أثر ابن عمر رؤيا، وإن كان صحيحاً، فلا يعارض الثابت عن رسول الله وَل﴿، بل يُحْمَل على أنه لم يبلغه النهي. وأما أثر زيد بن ثابت ظه، وإن كان صحيحاً، فلا يعارض الأحاديث الصحاح الصريحة بالنهي عن الجلوس، بل هو حديث آخر، سمعه زيد عن النبي ◌َّل، ينهى عن الجلوس لقضاء الحاجة، كما سمعه الآخرون ينهى عن مطلق الجلوس، فهذا هو وجه العمل بالحديثين، وإن سلكنا مسلك الترجيح، فالأحاديث الأخرى ترجّح عليه؛ لكونها أقوى منه، فقد أخرجها مسلم في ـه، (صحيحه))، من حديث أبي هريرة ظُبه، ومن حديث أبي مَرْتَد الغنويّ ومن حديث جابر له، وورد أيضاً من حديث عمرو بن حزم حته، عند النسائيّ، وفي سنده ضعف، لكن يتقوّى بالأحاديث المذكورة، فهذه الأحاديث أرجح من حديث زيد بن ثابت حظه، وأقوى، فترجّح عليه، لكن الجمع أولى، كما أسلفناه آنفاً وأما أثر أبي هريرة به فضعيف؛ لأن في سنده محمد بن أبي حميد الأنصاري الزُّرَقيّ المدنيّ، لقبه حماد، ضعيف، فالصحيح من حديث أبي هريرة ربه المرفوع، وهو النهي عن الجلوس. فتبيّن بهذا أن الصواب هو ما عليه الجمهور من المنع عن الجلوس على القبور مطلقاً، وأن النهي فيه للتحريم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.