Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (٢٥) - بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيْتِ فِي صَلَةِ الْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢٢٣٢) في الأول، فهو يرويه أيضاً حبيب بن عُبيد، عن جُبير بن نُفير، عن عوف عنه . عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف ولذلك يوجد في بعض النسخ كتابة (ح) بدل ((قال)) إشارة إلى تحويل الإسناد من حبيب إلى عبد الرحمن، ولذا لم أعطه رقماً خاصّاً به، وإنما هو داخل تحت الرقم الأول، فتنبّه. والظاهر أنه إنما لم يذكره المصنّف ضمن الإسناد الأول؛ للاختلاف في لفظ الحديث، كما أشار إليه بقوله: ((بنحو هذا الحديث))، فإنه لو ذكره هناك، لتؤُهّم أن متنهما واحد، والله تعالى أعلم. ورجاله: ثلاثة : ١ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ جُبَيْرٍ) بن نُفَير، أبو حُميد ويقال: أبو حِمْيَر الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وخالد بن معدان، وكثير بن مُرّة، وروى عن ثوبان، والصحيح عن أبيه عن ثوبان. ورَوَى عنه يحيى بن جابر الطائيّ، ومعاوية بن صالح، ويزيد بن خُمَير، وثور بن يزيد، وزهير بن سالم، وصفوان بن عمرو، ومحمد بن الوليد الزبيديّ، وإسماعيل بن عياش، وجماعة. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: كان ثقة، وبعض الناس يستنكر حديثه، ومات سنة ثماني عشرة ومائة في خلافة هشام. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والباقون، وله في هذا الكتاب أحد عشر حديثاً بالمكرّر. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه هذه ساقها البزار تَخْتُ في ((مسنده)) (١٧٢/٧ - ١٧٣) فقال: (٢٧٣٩) - قال: وأخبرنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، قال: صلى بنا رسول الله ﴿ على جنازة، فحفظت من دعائه: ((اللهم اغفر له، وارحمه، ٥٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار))، حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم في الباب الماضي أيضاً. «ومعاوية بن صالح)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح بالإسناد الأول ساقها الإمام أحمد كَّثُ في ((مسنده))، فقال: (٢٣٤٥٥) - حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية، عن حبيب بن عبيد، قال: حدّثني جُبير بن نُفير، عن عوف، قال: رأيت رسول الله وَله صلى على ميت، ففهمت من صلاته عليه: ((اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسِّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجة خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، ونَجِّه من النار، وقِهِ عذاب القبر)). انتهى. وأما بالإسناد الثاني، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٥٢٣ (٢٥) - بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيْتِ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢٢٣٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(١) نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي الطَّاهِرِ، قَالَا: حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ ◌ُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ،ً قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّ﴾ وَصَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ، وَثَلْجِ، وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا يُنَفَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ))، قَالَ عَوْفٌ: فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَيِّتَ؛ لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيَّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. وهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، فلا تغفل. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفي، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) أو (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (أَبُو حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ) هو: عيسى بن سُليم الْحِمْصيّ الرَّسْتَنيّ - بفتح الراء، والمثناة، بينهما سين مهملة ساكنة، وآخره نون - الْعَنْسيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧]. رَوَى عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، وراشد بن سعد، وشعوذ بن عبد الرحمن بن يونس، وشبيب الكّلاعيّ، وأبي عون الأنصاريّ. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٥٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وروى عنه عمرو بن الحارث المصريّ، وبقية، وعيسى بن يونس، ومعاوية بن صالح الحضرميّ، ويحيى بن حمزة. قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال أحمد: لا أعرفه. قال الحافظ: وأما عيسى بن سُليم الذي ذكره العقيلي في ((الضعفاء))، فهو آخر كوفيّ، روى عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، وعنه أبو بكر بن عياش، ولعله الذي قال فيه أحمد: لا أعرفه، قاله الحافظ ◌َُّهُ(١). تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن سرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. والباقون ذُكروا في الباب، وأبو حمزة بن سُليم هو أبو حمزة الحمصيّ المذکور قبله. وقوله: (وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ) أمر من وقى يقي؛ أي: احفظه. وقوله: (أَنْ لَوْ كُنْتُ) ((أَنْ)) بفتح الهمزة، وسكون النون: هي مخففة من ((أنّ)) المشدّدة، واسمها محذوف؛ أي: أنّي لو كنتُ، قال ابن مالك تَخُّْ في «الخلاصة» : وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ ((أَنْ)) وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ) فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا تَنْفِيسِ أوْ (لَوْ)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ (لَوْ)) فَالأَحْسَنُ الْفَضْلُ بِ«قَدْ) أَوْ نَفْيٍ أَوْ وقوله: (الْمَيِّتَ) ((أل)) فيه للعهد الذكريّ؛ أي: ذلك الميت الذي في قوله: ((صلى على جنازة))، ويَحْتَمِل أن تكون للعهد الحضوريّ باعتبار وقت التمنّي؛ أي: الميت الحاضر بين يدي النبي ◌َّ . وقوله: (لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ) الجارّ والمجرور الأول (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٨٩/٨. ٥٢٥ (٢٦) - بابُ أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الْمَيْتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٣٥) يتعلّق بـ((تمنّيت))، والثاني بـ((دعاء))، يعني أنه إنما تمنّى أن يكون ذلك الميتَ لأجل أن تناله بركة دعاء النبيّ أيّۇ. والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُ، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنّ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بابُ أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الْمَيْتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٥] (٩٦٤) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ نَّهِ(١)، وَصَلَّى عَلَى أُمَّ كَعْبٍ، مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، أبو زكرياء، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التُّّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨. ٣ - (حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) المعلّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، ثقة [٣] (ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. ٥ - (سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ) بن هلال الفَزاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ المشهور، مات بالبصرة (٥٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. (١) وفي نسخة: ((خلف رسول الله (وَ لخر). ٥٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وأما عبد الله بن بريدة، فهو وإن كان مروزيّاً، إلا أنه بصريّ الأصل، فإن أباه كان ممن نزل البصرة، ثم انتقل منها إلى مرو، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) ◌َهُ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ وَِّ) وفي نسخة: ((خلف رسول الله وَ﴾)) (وَصَلَّى عَلَى أُمَّ كَعْبٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((النبيّ))، وهو بتقدير ((قد)) عند البصريين، وجوّزه الكوفيون بلا تقديرها . [تنبيه]: ((أُّ كَعْبٍ)) هذه هي الأنصاريّة ﴿ّا، ولم أجد لها ترجمة وافيةً، فلم يذكر في ((الإصابة))، ولا في ((أسد الغابة)) مما يتعلّق بها غير حديث سمرة رُه هذا، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ) وفي رواية للبخاريّ: ((في بطن))؛ أي: بسبب بطن، يعني الحمل (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا)؛ أي: لأجل الصلاة عليها (وَسَطَهَا)؛ أي: محاذياً لوسطها، قال في ((الفتح)): بفتح السين في روايتنا، وكذا ضبطه ابن التين، وضبطه غيره بالسكون، وقال في ((العمدة)): ولا يقال بالسكون إلا في متفرّق الأجزاء، كالناس، والدوابّ، وبالفتح فيما كان متصل الأجزاء. انتهى. وقال الفيّوميّ كَذَثُهُ: وحقيقة الوسط ما تساوت أطرافه، وقد يراد به ما يُكتَنَف من جوانبه، ولو من غير تساوٍ، كما قيل: إن صلاة الظهر هي الوُسْطَى (١)، ويقال: ضربتُ وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يَكتِفُهُ من جهاته (١) تقدم في بابه أن الأرجح أن صلاة الوسطى هي العصر. ٥٢٧ (٢٦) - بابُ أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الْمَيْتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٣٥) غيره، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً، ومفعولاً، ومبتدأً، فيقال: اتسع وَسَطُه، وضربت وَسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَطِ الدّار، ووسَطُهُ خيرٌ من طرفه، قالوا: والسكون فيه لغةٌ، وأما وَسْطٌ بالسكون فهو بمعنى ((بَيْنَ))، نحوُ جلست وَسْطَ القوم؛ أي: بينهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذكره الفيّوميّ تَُّهُ أن الوسط إذا كان بمعنى ((بین)) يكون ساكن السين، وما عداه يكون مفتوحها، ويجوز على قلّة سكونها، وعلى هذا فيجوز هنا الفتح والسكون، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سمرة حته هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٣٥/٢٦ و٢٢٣٦ و٢٢٣٧] (٩٦٤)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٣٢) و((الجنازة)) (١٣٣١ و١٣٣٢)، و(أبو داود) في ((الجنازة)) (٣١٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الجنازة)) (١٠٣٥)، و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٩٥/١) و((الجنائز)) (٧٠/٤ - ٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٤٩٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٤/٥ و١٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٥/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة القيام عند أداء الصلاة على الجنازة. ٢ - (ومنها): إثبات مشروعية الصلاة على النفساء، وإن كانت من جملة الشهداء؛ لأنها ليست من شهداء المعركة. ٣ - (ومنها): أنّ فيه - كما قال في ((الفتح)) - مشروعيةَ الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة، فَيَحْتَمِل أن يكون معتبراً، فإن القيام عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها، بخلاف (١) (المصباح)) في مادّة: (وسط). ٥٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الرجل، ويَحْتَمِل أن لا يكون معتبراً، وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذه، فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا ترجم البخاريّ تَظُّ بقوله: (باب أين يقوم من المرأة والرجل؟))، فأورده مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود، والترمذيّ من طريق أبي غالب، عن أنس بن مالك ربه أنه صلّى على رجل، فقام عند رأسه، وصلّى على امرأة، فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله صل* يفعل؟ قال: نعم. وحَكَى ابن رشيد عن ابن المرابط أنه أبدى لكونها نفساء علّة مناسبة، وهي استقبال جنينها ليناله من بركة الدعاء. وتعُقّب بأن الجنين كعضو منها، ثم هو لا يُصلَّى عليه إذا انفرد، وكان سِقْطاً، فأحرى إذا كان باقياً في بطنها أن لا يُقصد(١). انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح))، من تضعيف حديث أنس مظانه ليس كما ينبغي، فإنه صحيح، فقد أخرجه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذيّ (١٠٣٤) بسند صحيح، ولفظ أبي داود: (٣١٩٤) - حدثنا داود بن معاذ، حدثنا عبد الوارث، عن نافع أبي غالب، قال: كنت في سِكَّة الْمِرْبَد، فمرّت جنازة، معها ناس كثير، قالوا: جنازة عبد الله بن عمير، فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق، على بُرَيدِينته، وعلى رأسه خرقة، تقيه من الشمس، فقلت: مَن هذا الدهقان؟ قالوا: (١) تعقّب الشيخ ابن باز تَُّ كلام الحافظ هذا، وأجاد في ذلك، فقال: القول بعدم الصلاة على السقط ضعيف، والصواب مشروعيّة الصلاة عليه إذا سقط بعد نفخ الروح فيه، وكان محكوماً بإسلامه؛ لأنه ميت مسلم، فشُرعت الصلاة عليه كسائر موتى المسلمين، ولما روى أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، عن المغيرة بن شعبة ه أن النبيّ وَ لّ قال: ((والسقط يصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة))، وإسناده حسن، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن باز ◌َّفُ من هامش ((الفتح)) ١٠٨/٤ وهو تحقيقٌ نفيسٌ، ولمزيد التحقيق راجع: ما كتبته في (شرح النسائيّ)) (١٨٧/١٩ - ١٨٩) تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. (٢) ((الفتح)) ٥٦١/٣ كتاب الجنائز. ٥٢٩ (٢٦) - بابُ أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الْمَيْتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٣٥) هذا أنس بن مالك، فلما وُضِعت الجنازة، قام أنس، فصلى عليها، وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، فكبّر أربع تكبيرات، لم يُطِل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقرّبوها، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها، نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان يفعل رسول الله ◌َّله، يصلي على الجنازة، كصلاتك، يكبر عليها أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟ قال: نعم، قال: يا أبا حمزة، غزوتَ مع رسول الله ◌َ﴾؟ قال: نعم، غزوتُ معه حُنيناً، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل، يَحْمِل علينا، فيدُقُنا، ويَحِطِمنا، فهزمهم الله، وجعل يُجاء بهم، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب النبيّ وَله: إنّ علي نذراً إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا، لأضربن عنقه، فسكت رسول الله وَّل ، وجيء بالرجل، فلما رأى رسولَ الله ◌َ ﴿، قال: يا رسول الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله وَلقول، لا يبايعه، ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل، يتصدى لرسول الله وَلقه، ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسولَ الله وَّله، أن يقتله، فلما رأى رسولُ اللهِ وَلقوله أنه لا يصنع شيئاً بايعه، فقال الرجل: يا رسول الله نذري، فقال: ((إني لم أمسك عنه، منذ اليوم، إلا لتوفي بنذرك))، فقال: يا رسول الله، ألا أومضت إلي؟، فقال النبيّ ◌َّر: ((إنه ليس لنبيّ، أن يومض)). قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس، في قيامه على المرأة، عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان؛ لأنه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها، يسترها من القوم. قال أبو داود: قول النبيّ وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله))، نسخ من هذا الحديث الوفاء بالنذر، في قتله بقوله: إني قد تبت. انتھی. ولفظ الترمذيّ: (١٠٣٤) - حدثنا عبد الله بن منير، عن سعيد بن عامر، عن همام، عن أبي غالب، قال: صليت مع أنس بن مالك، على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة، من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة، صلِّ عليها، ٥٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبيّ وَّر، قام على الجنازة، مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟، قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا . وفي الباب عن سمرة، قال أبو عيسى: حديث أنس هذا حديث حسن. وقد رَوَى غير واحد عن همام مثل هذا، وروى وكيع هذا الحديث عن همام فوهم فيه، فقال: عن غالب، عن أنس، والصحيح عن أبي غالب، وقد رَوَى هذا الحديث عبد الوارث بن سعيد، وغير واحد، عن أبي غالب، مثل رواية همام، واختلفوا في اسم أبي غالب هذا، فقال بعضهم: يقال: اسمه نافع، ويقال: رافع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول أحمد، وإسحاق. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الإسناد صحيح، وأبو غالب وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهما، وقال في ((التقريب)): أبو غالب الباهليّ مولاهم الخيّاط البصريّ، اسمه نافعٌ، أو رافعٌ، ثقة من الخامسة. انتهى. فقد تبيّن بهذا أن الحديث صحيح، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في محلّ وقوف الإمام من الميت في حال الصلاة عليه: قال الإمام ابن المنذر تَخّْثُ: اختلفوا في موقف الإمام من الرجل والمرأة إذا صلى عليهما، فقالت طائفة: يقوم بحيال الصدر رجلاً كان، أو امرأةً، هكذا قال أصحاب الرأي. وقال الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز: إذا كان رجلاً فقم بحذاء وسطه، وإن كانت امرأة فقم بحذاء منكبها . وقال الثوريّ: يقوم مما يلي صدر الرجل. وكان أبو ثور يقول: يقوم وسط الجنازة. وكان الحسن البصريّ لا يبالي أين يقوم من الرجل والمرأة. وقد روينا عن النخعيّ ثلاث روايات: إحداها: أن يقوم من الرجل والمرأة وسطاً. والثانية: أن يقوم عند صدر الرجل، ومنكب المرأة. والثالثة: أن يقوم عند صدر الرجل والمرأة. ٥٣١ (٢٦) - بابُ أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الْمَيْتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٣٥) وقالت طائفة: يقوم من المرأة وسطها، ومن الرجل عند صدره، هذا قول أحمد بن حنبل. قال ابن المنذر: يقوم من المرأة وسطها، وعند رأس الرجل. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه ابن المنذر تَُّ هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث أنس ﴿ه، كما تقدّم قريباً، وهو مذهب الشافعيّ، وداود، وابن حزم - رحمهم الله تعالى -. قال العلّامة الشوكانيّ كَّلُهُ بعد حكاية المذاهب: قد عرفت أن الأدلة دلّت على ما ذهب إليه الشافعيّ، وأن ما عداه لا مُستند له، من المرفوع، بل مجرّد التعويل على محض الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابيّ على فعله وَلاته، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. نعم لا ينتهض مجرّد الفعل دليلاً للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى، ولا أحسن من الكيفيّة التي فعلها المصطفى وَله . انتھی(٢). وقال في ((الروضة النديّة)) (ص١٦٧): أقول: الثابت عنه وَلي أنه كان يقف مقابلاً لرأس الرجل، ولم يثبت عنه غير ذلك، وأما المرأة، فروي أنه كان يقوم مقابلاً لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلاً لعجيزتها، ولا منافاة بين الروايتين، فالعجيزة يصدُق عليها أنها وسط، وإيثار ما ثبت عن رسول الله وَليه عند أئمة الفنّ الذين هم المرجع لغيرهم واجب، ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة، أو من غيرهم على قول رسول الله وَله، وفِعلِهِ، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلامة الشوكانيّ كَّلُهُ حسنٌ جدّاً. وحاصله أنه يقوم مقابل رأس الرجل، ومقابل وسط المرأة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) (الأوسط)) باختصار / ٤١٨ - ٤١٩. (٢) ((نيل الأوطار)) ٨٢/٤، باب موقف الإمام من الرجل والمرأة. ٥٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، كُلَّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَمَّ كَعْبٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام المشهور، تقدّم قريباً. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم قريباً أيضاً . ٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، مولى بني قطيعة، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وعبيد الله وعبد الله ابني عمر، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وداود بن أبي هند، والحسين بن ذكوان المعلم. وروى عنه إسحاق ابن راهويه، وإبراهيم بن موسى الرازي، وأبو عمار الحسين بن حريث، ويوسف بن عيسى المروزيّ، ومعاذ بن أسد، والجارود بن معاذ الترمذيّ، وأبو إسحاق الطالقانيّ، وعلي بن حجر، وآخرون. قال ابن معين، وابن سعد: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال عليّ بن خَشْرَم: سألت وكيعاً عنه، فقال: أعرفه ثقةً، صاحب سنة، وقال الأنباريّ، عن أبي نعيم: هو أثبت من ابن المبارك، وقال أبو إسماعيل الترمذيّ: سمعت أبا نعيم ذكره، فقال: كان والله عاقلاً لبيباً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان مولده سنة خمس عشرة ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة، وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه السبخيّ: مات في ربيع (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٥٣٣ (٢٦) - بابُ أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ مِنَ الْمَيْتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٣٦) الأول سنة اثنتين، وقال الحاكم: هو كبير السنّ عالي الإسناد، إمامٌ، من أئمة عصره في الحديث، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): كان ابن المبارك يقول: حدثني الثقة يعنيه، وقال البخاريّ: فضل بن موسى مروزيّ، أبو عبد الله ثقةٌ، وقال إبراهيم بن شماس: سألت وكيعاً عن السينانيّ، فقال: ثَبْتُ سمع الحديث معنا، لا نبالي سمعت الحديث منه، أو من ابن المبارك. وقال عبد الله بن عليّ ابن المدينيّ: سألت أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الزبير، قال: قال رسول الله وَله: ((من شَهَرَ سيفه فدمه هدر))، فقال: منكر ضعيفٌ. وقال عبد الله أيضاً: سألت أبي عن الفضل وأبي تُمَيلة، فقَدَّم أبا تميلة، وقال: روى الفضل مناكير. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٩٦٤) و(١٣٧٨) و(١٥٥٠) و(١٨٣٣) و(٢١٥٤) و(٢٤٥٢) و(٢٥١٦) و(٢٨٦٥). و((حُسين)) هو: ابن ذكوان ذُكر قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلّ من ابن المبارك، ويزيد بن هارون، والفضل بن موسى رووا هذا الحديث عن حسين بن ذكوان المعلّم، لكنهم لَمْ يَذْكُرُوا أُمَّ كَعْبٍ، وإنما قالوا: ((صلى على امرأة))، أو ((صلّى على أم فلان)). [تنبيه]: رواية ابن المبارك، والفضل بن موسى كلاهما عن حسين ساقها الترمذيّ تَخْتُ في ((جامعه))، فقال: (١٠٣٥) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، والفضل بن موسى، عن حُسين المعلّم، عن عبد الله بن بُريدة، عن سمرة بن جُنْدَب، أن النبيّ وَ له صلى على امرأة، فقام وسطها، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وقد رواه شعبة، عن حسين المعلّم. انتهى. ورواية يزيد بن هارون، عن حسين، ساقها الإمام أحمد تَخَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٩٦٤٩) - حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حسين، يعني المعلِّم، عن ٥٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز عبد الله بن بُريدة، عن سمرة بن جندب، أن النبيّ وَ لّ صلى على أم فلان، ماتت في نفاسها، فقام وسطها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قُّالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بِ غُلَاماً، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالاً هُمْ أَسَنُّ مِنِّي، وَقَدْ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي الصَّلَاةِ وَسَطَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى: قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ (١): فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصَّلَاةِ وَسَطَهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقة [١١] (د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧. ٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابین. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالاً هُمْ أَسَنُّ مِنِّي) فيه أدب العالم، وهو أن يتأدّب مع من هو أكبر منه سنّاً، أو علماً، فلا يُحدّث بحضرته، بل يرشد الناس إليه حتى يستفيدوا منه، وفي المسألة اختلاف بين العلماء هل التحديث بحضرة من هو أولى مكروه أم لا؟ وقد استوفيت بحثه في ((شرح ألفية الحديث))، فراجعه تستفد. (١) وفي نسخة: ((وقال)). ٥٣٥ (٢٧) - بَابُ رُكُوبِ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ إِذَا انْصَرَفَ - حديث رقم (٢٢٣٨ -٢٢٣٩) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٧) - (بَابُ رُكُوبِ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ إِذَا انْصَرَفَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٨] (٩٦٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرَى، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْنَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم قريباً. ٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠. ٥ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤، وشرح الحديث يأتي في التالي، وأخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٣٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِلَ﴿ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، ثُمَّ أَتِيَ بِفَرَسٍ عُرْي، فَعَقَلَهُ رَجُلٌ، فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ، وَنَحْنُ نَِّعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَّ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ، أَوْ مُدَلَى فِي الْجَنَّةِ لِاِبْنِ الدَّحْدَاحِ))، أَوْ قَالَ شُعْبَةُ: (لِأَبِي الدَّحْدَاحِ)). رجال هذا الإسناد: ستة، والنصف الأول تقدّموا قريباً، والثاني ذُكروا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿هَا أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلِ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ) ويقال له: ((أبو الدحداح)) أيضاً، وهو بدالين، وحاءين مهملات، قال الحافظ ابن عبد البرّ كَّتُهُ: لا يُعرف اسمه، لكن قال الحافظ تَُّ في ((الإصابة)): إنه ثابت بن الدحداح، وأفاد أن الذي لا يُعْرَف اسمه هو أبو الدحداح الأنصاريّ، حليف لهم، وأنه عاش إلى زمن معاوية. وقال في حرف الثاء: ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غَنْم بن إياس، حليف الأنصار، وكان بَلَويّاً، حالف بني عمرو بن عوف، ويقال: ثابت بن الدحداحة، ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. وروى الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن يسار، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: ((رأيت رسول الله وَلقر في جنازة ثابت بن الدحداح ... )) الحديث، وهو في ((صحيح مسلم)) من حديث جابر بن سمرة، لكنه لم يسمّه، قال: ((صلينا على ابن الدحداح ... ))، وفي رواية: ((على أبي الدحداح ... )). وروى الباورديّ من طريق ابن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي عديّ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ظًا أن ثابت بن الدحداحة، سأل النبيّ وَّ، فنزلت: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]. وقال الواقديّ في ((غزوة أحد)): حدّثني عبد الله بن عمارة الخطميّ، قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد، فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قُتل، فإن الله حيّ لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فحَمَل بمن معه من المسلمين، فطعنه خالد، فأنفذه، فوقع ميتاً. قال الواقديّ: وبعض أصحابنا ٥٣٧ (٢٧) - بَابُ رُكُوبِ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ إِذَا انْصَرَفَ - حديث رقم (٢٢٣٩) يقول: إنه جُرح، ثم برأ من جراحته، ومات بعد ذلك على فراشه، مرجع النبيّ ◌َّر من الحديبية، فالله أعلم. انتهى. (ثُمَّ أُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِفَرَسِ عُرْيٍ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: يقال: فرسٌ غُرْيٌ: لا سَرْجَ عليه، وُصِف بالمصدر، ثم جُعل اسماً، وجُمِعَ، فقيل: خيلٌ أَعْراءٌ، مثلُ قُفْل وأَقفالٍ، قالوا: ولا يقال: فرسٌ عُريانٌ، كما لا يقال: رجلٌ عُرْيٌّ. انتهى(١) . وفي الرواية السابقة: ((أُتِيَ النبيّ ◌َّهِ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرَى))، وهو بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء، وهو بمعنى عُرْيٍ، قال أهل اللغة: اعرَوْرَيتُ الفرسَ: إذا ركبته عُرْياً، فهو مُعْرَوْرَى(٢)، قالوا: ولم يأت افعَوْلَى مُعَدَّى، إلا قولهم: اعرَوريت الفرسَ، واحْلَوْلَيتُ الشرابَ، قاله النوويّ(٣). (فَعَقَّلَهُ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف اسمه. انتهى (٤). وقال النوويّ: معناه: أمسكه له، وحبسه، وفيه إباحة ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه(٥). (فَرَكِبَهُ) وَّ (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع النبيّ وَِّ (يَتَوَقَّصُ بِهِ)؛ أي: يتوثّب بذلك الفرس (وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ) جملة حاليّة من الفاعل، وكذا قوله: (نَسْعَى خَلْفَهُ)؛ أي: نُسْرع في المشي خلف النبيّ ◌َّ. (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سماك، ويدلّ على هذا رواية أحمد تَخُّْ في ((مسنده)) لهذا الحديث من طريق شعبة، وحجاج، وفي آخره: قال حجاج في حديثه: قال رجلٍ معنا عند جابر بن سمرة في المجلس: قال رسول الله وَليه: ((كم من عذق مُدَلَّى لأبي الدحداح في الجنة)). انتهى. فظاهر هذه الرواية أن القائل: ((قال رجل معنا إلخ)) هو سماك بن حرب، فتأمله، والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح المنير)) ٤٠٦/٢. (٢) وأثبت في ((النهاية))، و((اللسان)) أن اعرورى يتعدّى ويلزم، وعليه فيقال: فرسٌ معروٍ، ومُعْرَوْرَى، فتنبّه. (٣) ((شرح النووي)) ٣٢/٧. (٥) (شرح النوويّ)) ٣٣/٧. (٤) ((تنبيه المعلم)) ص١٨٣. ٥٣٨ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) قال صاحب التنبيه: لا أعرف اسمه(١). (إِنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((كَمْ مِنْ عِذْقٍ) بكسر العين المهملة: هو الغصن من النخلة، وأما العَذْق بفتحها، فهو النخلة بكمالها، وليس مراداً هنا، قاله النوويّ. وقيل: الظاهر أن المراد هنا النخلة، أو الحائط؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِاَلَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، واقتصار النبيّ ◌َ﴿ على الواحدة لبيان أنها تكفي في الرغبة في الخير، والله تعالى أعلم. وقال القاضي عياض ◌َّتُهُ في ((المشارق)): قيل: إنما يقال للنخلة: عَذْقٌ إذا كانت بحملها، وللعرجون عذق إذا كان تامّاً بشماريخه وتمره(٢). و((الشماريخ)): جمع شِمراخ وهو ما يكون عليه الرطب(٣). (مُعَلَّقٍ، أَوْ) للشكّ من الراوي (مُدَلَّى) هو بمعنى مُعَلَّق (فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ شُعْبَةُ: ((لِأَبِي الدَّحْدَاحِ))) تقدّم أنه يقال له: ابن الدحداح، وأبو الدحداح أيضاً. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض، والنوويّ، والقرطبيّ تبعاً لابن عبد البرّ سبباً لقصّة أبي الدحداح هذه، فقال الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُ في ((الاستيعاب)): ورَوَى عُقَيل، عن ابن شهاب، أن يتيماً خاصم أبا لبابة في نخلة، فقضى بها رسول الله وَ﴿ لأبي لبابة، فبكى الغلام، فقال رسول الله وَله لأبي لبابة: ((أعطه نخلتك))، فقال: لا، فقال: ((أعطه إياها، ولك بها ◌ِذقٌ في الجنة))، فقال: لا، فسمع بذلك أبو الدحداح، فقال لأبي لبابة: أتبيع عذقك ذلك بحديقتي هذه؟ قال: نعم، فجاء أبو الدحداحة رسول الله وَله، فقال: يا رسول الله النخلة التي سألت لليتيم إن أعطيته إياها ألي بها عذق في الجنة؟ قال: ((نعم))، ثم قُتِل أبو الدحداحة شهيداً يوم أحد، فقال رسول الله وَله: (رُبّ عذق مُذَلَّل لأبي الدحداحة في الجنة))، ولما نزلت: ﴿َّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١] كان أبو الدحداح نازلاً في حائط له هو وأهله، فجاء الى امرأته، (١) ((تنبيه المعلم)) ١٨٣. (٢) ((مشارق الأنوار)) ٧١/٢. (٣) راجع: هامش ((المسند)) (١٩ / ٤٦٥) تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد. ٥٣٩ (٢٧) - بَابُ رُكُوبٍ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ إِذَا انْصَرَفَ - حديث رقم (٢٢٣٩) فقال: اخرجي يا أم الدحداح فقد أقرضته الله ريك، فتصدق بحائطه على الفقراء والمساكين(١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد القصّة ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب))، معلّقةً وموقوفة على ابن شهاب، ولم يذكر إسنادها، ويحتاج إلى النظر في إسنادها، وأولى ما يُعتمد عليه في هذه القصّة هو ما أخرجه الإمام أحمد، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم بغير هذا السياق. فقال الإمام أحمد کُّ في «مسنده»: (١٢٠٧٣) ۔ حدّثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأُمُره أن يعطيني، حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبيّ ◌َيقول: ((أعطها إياه بنخلة في الجنة))، فأبى(٢)، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبيّ وَ*، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول الله وَله : (كم من عذق رَداح(٣)، لأبي الدحداح، في الجنة))، قالها مراراً، قال: فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته، بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها (٤). انتهى. وقال ابن حبان تَخّْتُهُ في ((صحيحه)) (١١٣/١٦): (٧١٥٩) - أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفيّ، حدّثنا أبو نصر التمار، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: أتى رجل النبيّ وَّير، فقال: يا رسول الله إن لفلان نخلةً، وأنا أقيم حائطي بها، فمره يعطيني، أقيم بها حائطي، فقال رسول الله وَليقول: ((أعطه إياها بنخلة في (١) ((الاستيعاب)) (١٦٤٥/٤ - ١٦٤٦). (٢) قال السنديّ كَّلُهُ: قيل: كان قوله وَ﴾: ((أعطه)) شفاعةً، لا أمراً، وإلا عصى بخلافه. انتهى. (٣) وقع في بعض النسخ: ((راح))، والصواب: (رَداح)) براء ودال مهملة خفيفة، وهو الثقيل لكثرة ما فيه من الثمار. (٤) إسناد صحيح على شرط مسلم. ٥٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الجنة))، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففَعَلَ، فأتى أبو الدحداح النبيّ وَّر، فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي، وقد أعطيتكها، فاجعلها له، فقال رسول الله وَير: ((كم من عذق دَوّاح(١) لأبي الدحداح في الجنة))، مراراً، فأتى أبو الدحداح امرأته، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح السعر. انتهى (٢). فهذا أولى مما أورده ابن عبد البرّ، وتبعه شرّاح ((صحيح مسلم)) كما أسلفته؛ لأن هذا متّصلٌ صحيح الإسناد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿مّ هذا من أفراد المصنّف تَخَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٣٨/٢٧ و٢٢٣٩] (٩٦٥)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٧٨)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠١٤)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٨٥/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٠/٥ و٩٥ و١٠٢) وابنه في («زوائده)) (٩٨/٥ و٩٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٦/٣ - ٤٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٥٧ و٧١٥٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٦٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٩٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢/٤ -٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الركوب عند الانصراف من صلاة الجنازة، قال النوويّ تَّثُ: فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة، وإنما يكره الركوب في الذهاب معها. انتهى. (١) ((الدوّاح)): هو العظيم الشديد العلوّ، وكلّ شجرة عظيمة دَوْحة. (٢) إسناده صحيح أيضاً.