Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(١٩) - بَابٌ فِيمَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ، أَوْ شَرِّ، مِنَ الْمَوْنَى - حديث رقم (٢٢٠١)
١٠ - (ومنها): قيل: فيه استعمال الثناء في الشرّ للمؤاخاة والمشاكلة،
وحقيقته إنما هو في الخير.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قيل، لكن تقدّم أن الصواب
استعمال الثناء في الخير والشرّ، ولم يثبت عمن يُعْتَبَر قوله من أهل اللغة عدم
استعماله في الشرّ، فقوله: للمؤاخاة والمشاكلة إلخ غير صحيح، كما تقدّم،
فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغْثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ
زَيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ بِجَنَازَةٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ عَبْدِ
الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَثُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٨٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكرياء
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ،
لكنه يتشيّع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٥ - (تَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع (١٢٠) وله (٨٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
و((أنس)) څله ذُكر قبله.

٤٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف تََّثُ كسابقه، وهو (١٤٠) من
رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير ثابت.
[تنبيه]: رواية ثابت عن أنس ﴿به هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ، فقال:
(٢٦٤٢) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن
أنس ◌ُه قال: مُرّ على النبيّ وَّه بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وجبت))،
ثم مُرّ بأخرى، فأثنوا عليها شرّاً، أو قال: غير ذلك، فقال: ((وجبت))، فقيل:
يا رسول الله، قلت لهذا: ((وجبت))، ولهذا: ((وجبت))، قال: ((شهادة القوم،
المؤمنون شهداءُ الله في الأرض)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٠) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي مُسْتَرِيحِ وَمُسْتَرَاحِ مِنْهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٢] (٩٥٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ:
((مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ، وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟
فَقَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ
وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه المشهور [v]
(ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.

٤٢٣
(٢٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي مُسْتَرِيحٍ وَمُسْتَرَاحِ مِنْهُ - حديث رقم (٢٢٠٢)
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بمهملتين مفتوحتين، ولامين، الأولى
ساكنة، والثانية مفتوحة - الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] (خ م د س) تقدم في
((الحيض)) ٨٠٦/٢٣.
٤ - (مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ) الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ،
مقبول [٣] (خ م خد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦٠.
٥ - (أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ) هو: الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن
رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ الأنصاريّ المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات سنة (٥٤)
على الأصحّ (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى محمد بن عمرو، ومعبد،
كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيّاً إلا أنه
دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة، فارس رسول الله وَله، قال
رسول الله وَ﴿ في غزوة ذي قَرَد: ((خير فرساننا اليوم أبو قتادة))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً (ابْنِ رِبْعِيٍّ) - بكسر الراء،
وسكون الموحّدة، وعين مهملة -.
قال الحافظ ابن عبد البرّ ◌ََّلُهُ: هكذا الحديث في ((الموظّآت)) بهذا
الإسناد، وأخطأ فيه سُويد بن سعيد، عن مالك، فقال: ((عن معبد بن كعب،
عن أبيه))، وليس بشيء. انتهى.
(أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ هُرَّ) - بضم الميم - مبنيّاً للمفعول، قال
الحافظ تَتُهُ: لم أقف على اسم المارّ، ولا الممرور بجنازته. انتهى. (عَلَيْهِ)؛
أي: على النبيّ ◌َّ، ووقع في ((الموطآت)) للدارقطنيّ، من طريق إسحاق بن
عيسى، عن مالك بلفظ: ((مَرَّ برسول الله وَ ﴿ جنازة))، والباء على هذا بمعنى

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
((على))، وذكّر الجنازة باعتبار الميت، قاله في ((الفتح)) (بِجَنَازَةٍ) متعلّق بـ ((مُرّ))
(فَقَالَ) وَلِ ((مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)) قال ابن الأثير تَّتُهُ: يقال: أراح الرجلُ،
واستراح: إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء. انتهى.
والواو فيه بمعنى ((أو))، والتقدير: هذا الميت، أو كلّ ميت إمّا مستريح،
أو مستراح منه، أو بمعناها، على أن هذا الكلام بيان لمقدّر، يقتضيه الكلام،
كأنه قال: هذا الميت، أو كلّ ميت أحد رجلين، فقال: مستريح، ومستراح
منه .
وقال السيوطيّ: الواو فيه بمعنى ((أو))، وهي للتقسيم، وقال أبو البقاء في
إعرابه: التقدير: الناس، أو الموتى مستريح، أو مستراح منه.
قال السندي: ولا يخفى ما فيه من عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر،
فليُتأمّل. انتهى.
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة ﴿ه، قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على اسم
السائل منهم، إلا أن في رواية إبراهيم الحربيّ، عند أبي نُعيم: ((قلنا)»، فيدخل
فيهم أبو قتادة، فَيَحْتَمِل أن يكون هو السائل. انتهى.
(مَا الْمُسْتَرِيحُ؟، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟، فَقَالَ) ◌ِ ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) قال ابن
التين كَخْلُهُ: يَحْتَمِل أن يريد بـ ((المؤمن)) التقيّ خاصّة، ويَحْتَمِل كلّ مؤمن.
انتهى. (يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) بفتح النون، والصاد المهملة: التعَب وزناً
ومعنى، زاد في رواية يحيى الآتية: ((يستريح من أذى الدنيا، ونصبها إلى
رحمة الله)).
(وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) قال ابن التين رَّتُهُ: يَحْتَمِل أن يريد بـ((الفاجر)) الكافر،
ويَحْتَمِل أن يدخل فيه العاصي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وقع في رواية ابن حبّان بلفظ ((الكافر)) بدل
الفاجر، ولفظه: ((والكافر يموت، فيستريح منه العباد، والبلاد، والشجر،
والدوابْ)).
(يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ))) قال الداوديّ ◌َّتُهُ: أما
استراحة العباد، فلما يأتي به من المنكرات، فإن أنكروا عليه آذاهم، وإن تركوه

٤٢٥
(٢٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي مُسْتَرِيحٍ وَمُسْتَرَاحِ مِنْهُ - حديث رقم (٢٢٠٢)
أَثِمُوا، واستراحة البلاد مما يأتي به من المعاصي، فإن ذلك مما يحصل به
الْجَدْب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل.
وتعقّب الباجي أوّلَ كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه؛ لأنه بعد أن
ينكر بقلبه، أو ينكر بوجه، لا يناله به أذى.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد براحة العباد منه، لما يقع لهم من ظلمه، وراحةٌ
الأرض منه لما يقع عليها من غصبها، ومنعها من حقّها، وصرفه في غير
وجهه، وراحة الدوابّ منه مما لا يجوز من إتعابها، ذكره في ((الفتح)).
وقال النوويّ كَّلُهُ: معنى استراحة العباد من الفاجر، اندفاع أذاه عنهم،
وأذاه يكون من وجوه: منها ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات، فإن أنكروها
قاسَوْا مشقّة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا.
واستراحة الدوابّ منه كذلك؛ لأنه يؤذيها بضربها، وتحميلها ما لا
تطيقه، ويُجيعها في بعض الأوقات، وغير ذلك.
واستراحة البلاد والشجر، فقيل: لأنها تُمنَع القطرَ بمعصيته، قاله
الداوديّ، وقال الباجيّ: لأنه يَغصِبها، ويمنعها حقّها، من الشرب، وغيره.
انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن جميع ما ذكروه من أنواع الأذى
صالح للدخول في معنى الحديث، فالأولى حمل الحديث على جميع أنواع
الأذى من غير تعيين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ◌َ ◌ّبه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٠٢/٢٠ و٢٢٠٣] (٩٥٠)، و(البخاريّ) في
((الرقاق)) (٦٥١٢ و٦٥١٣)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٩٣٠ و١٩٣١)
و((الكبرى)) (٢٠٥٧ و٢٠٥٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٤١/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٩٦/٥ و٣٠٢ و٣٠٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢/٣ و٣٣)،

٤٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (١٠٧/٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣/
٤٤٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٩٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣٠٠٧ و٣٠١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٩/٣)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (١٤٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استراحة المؤمن من تعب الدنيا، وهمومها بموته.
٢ - (ومنها): تقسيم الناس إلى قسمين: مؤمن، وفاجر.
٣ - (ومنها): بيان فضل الإيمان.
٤ - (ومنها): بيان قبح الفجور، وأنه سبب البلايا والمصائب.
٥ - (ومنها): أن فجور الفاجر يتسبّب منه ضرر العباد، والبلاد، كما
قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَبْدِى النَّاسِ﴾ الآية
[الروم: ٤١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٢٠٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ
الَّبِّي ◌َّهِ، وَفِي حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: ((يَسْتَرِيحُ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا، وَنَصَبِهَا إِلَى
رَحْمَةِ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.

٤٢٧
(٢٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي مُسْتَرِيحٍ وَمُسْتَرَاحِ مِنْهُ - حديث رقم (٢٢٠٣)
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ
ربّما وَهِمَ [٦] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٨٢٥/٣١.
والباقون ذُكروا قبله، وابن كعب بن مالك، هو معبد المذكور قبله.
وقوله: (إِلَى رَحْمَةِ اللهِ)؛ أي: إلى جنته؛ لأنها رحمته، كما سمّاها الله
تعالى بذلك، فيما أخرجه الشيخان من حديث عن أبي هريرة ظُه قال: قال
النبيّ وَله: ((تحاجّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين،
وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم؟ قال الله تبارك وتعالى
للجنة: أنت رحمتي، أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت
عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها ... )) الحديث.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ساقها
الإمام أحمد ◌ّثهُ في ((مسنده)) فقال:
(٢٢٠٣٠) - حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبد الله بن سعيد، يعني ابن
أبي هند، حدّثني محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن ابن لكعب بن مالك، عن
أبي قتادة بن رِبْعِيّ، قال: مُرّ على النبيّ وَّه بجنازة، قال: ((مستريح، ومستراح
منه))، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح، والمستراح منه؟ قال: ((المؤمن
استراح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والفاجر استراح منه العباد
والبلاد والشجر والدواب)).
وأما رواية عبد الرزّاق، عن عبد الله بن سعيد، فساقها أيضاً الإمام
أحمد نَقْذَهُ فقال :
(٢٢٠٨٦) - حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند،
حدّثني محمد بن عمرو بن حَلْحَلة الدِّيليّ، عن ابن كعب بن مالك، عن أبي
قتادة، قال: كنا مع رسول الله وَل﴿ يوماً، فمُرّ عليه بجنازة، فقال: ((مستريح،
ومستراح منه))، قال: قلنا: أي رسول الله، ما مستريحٌ، ومستراح منه؟ قال:
((العبد الصالح يستريح من نَصَب الدنيا وهَمِّها إلى رحمة الله تعالى، والعبد
الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)). انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

٤٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(٢١) - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٠٤] (٩٥١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّ نَعَى
لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبََّ(١) أَرْبَعَ
تَكْبِيرَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنیین، سوی شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
المدينة .
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي
ضُوعِنْه .
هريرة
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
(١) وفي نسخة: ((وكبّر عليه)).

٤٢٩
(٢١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا - حديث رقم (٢٢٠٤)
٦ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة تظله رأس
المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَعَى لِلنَّاسِ)؛ أي: أخبرهم
بموته .
[تنبيه]: ((النَّعْيُ)): بفتح النون، وإسكان العين المهملة، وكغنيّ: الإخبار
بالموت، يقال: نَعَاه نَعْياً، ونَعِيّاً، ونُعْيَاناً بالضمّ: أخبر بموته، والنَّعِيّ، كغنيّ:
الناعي، والْمَنْعِيّ، قاله في ((القاموس))(١).
وقال في ((المصباح)): نَعَيتُ الميتَ نَعْياً، من باب نفع: أخبرتُ بموته،
فهو مَنْعِيّ، واسم الفعل الْمَنْعَى، والْمَنْعَاةُ بفتح الميم فيهما، مع القصر،
والفاعل: نَعِيّ، على فعيل، يقال: جاء نَعِيّه؛ أي: ناعيه، وهو الذي يُخبر
بموته، ويكون النَّعِيّ خَبَراً أيضاً. انتهى(٢).
وقال في ((اللسان)): قال ابن سِيدَهْ: والنَّعْيُ، والنَّعِيُّ، بوزن فَعِيلٍ: نداءُ
الداعي، وقيل: هو الدعاء بموت الميت، والإشعارُ به، وجاء نَعِيُّ فلان: وهو
خبر موته. وقال أبو زيد: النَّعِيُّ - أي كغنيّ - الرجل الميتُ، والنَّعْيُ - أي
بفتح، فسكون - الفِعلُ. انتهى (٣).
وفيه دليلٌ على جواز نعي الميت، وقد ورد النهي عنه، فيُحمل ذلك على
النعي لغير غرض دينيّ، مثل نعي الجاهليّة المشتمل على ذكر مفاخر الميت،
ومآثره، وإظهار التفجّع عليه، وإعظام حال موته، ويُحمل النعي الجائز على ما
فيه غرض صحيحٌ، كتكثير المصلّين عليها؛ تحصيلاً لدعائهم، وتتميماً للعدد
الذي وُعِد بقبول شفاعتهم في الميت، كالمائة، أو الأربعين(٤)، أو لتشييعه،
وقضاء حقّه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله ير: ((هلا آذنتموني به))،
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٩٦/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٤/٢ - ٦١٥.
(٣) راجع: ((لسان العرب)) ٣٣٤/١٥ - ٣٣٥.
(٤) راجع: ((إحكام الأحكام)) ٢٢٩/٣ - ٢٣٠ بنسخة ((الحاشية)).

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
ونعيه * أهل مؤتة، جعفراً، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وكنعيه
النجاشيّ في هذا الحديث(١)، وسيأتي البحث بأتمّ من هذا في المسألة الرابعة
- إن شاء الله تعالى -.
(الَّجَاشِيَ) بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبعد الألف شين معجمة، ثم
ياء ثقيلة، كياء النسب، وقيل: بالتخفيف، ورجّحه الصغانيّ، وهو لقبُ مَن
ملك الحبشة، وحَكَى المطرّزيّ تشديد الجيم عن بعضهم، وخطّأه(٢).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قال العلماء: والنجاشيّ لقب لكلّ من ملك الحبشة،
وأما أصحمة، فهو اسمٌ عَلَمٌ لهذا الملك الصالح الذي كان في زمن النبيّ وَلچر.
قال المطرّزيّ، وابن خالويه، وآخرون، من الأئمة كلاماً متداخلاً، حاصله: أن
كلّ مَن مَلَك المسلمين يقال له: أمير المؤمنين، ومَن ملك الحبشة النجاشي،
ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفُرْس كسرى، ومن ملك التُّرْك خاقان،
ومن ملك القبط فرعون، ومن ملك مصر العزيز، ومن ملك اليمن تُبَّع، ومن
ملك حِمْيَر القَيل بفتح القاف، وقيل: القيل أقلّ درجة من الملك. انتهى(٣).
[فائدة]: قال في ((الفتح)): أرض الحبشة بالجانب الغربيّ من بلاد اليمن،
ومسافتها طويلة جدّاً، وهم أجناس، وجميع فِرَق السودان يُعطُون الطاعةَ لملك
الحبشة، وكان في القديم يلقّب بالنجاشيّ، وأما اليوم، فيقال له: الحَطِي - بفتح
المهملة، وكسر الطاء المهملة الخفيفة، بعدها تحتانيّة خفيفة - ويقال: إنهم من
ولد حبش بن كوش بن حام، قال ابن دُريد: جمع الحَبَش أُحبوش بضم أوله،
وأما قولهم: الحَبَشَة فعلى غير القياس، وقد قالوا أيضاً: حُبْشان، وقالوا:
أَحْبُش، وأصل التحبيش التجميع، والله أعلم. انتهى(٤).
[فائدة]: النجاشيّ أول ملك أسلم، وصحّ إسلامه عند النبيّ وَّل،
(١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٨٦/٤ - ٣٨٧.
(٢) ((الفتح)) ٥٤٣/٣، كتاب الجنائز، باب الصفوف على الجنائز.
(٣) (شرح مسلم)) في الموضع المتقدم.
(٤) ((الفتح)) ٧/ ٥٨٧، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة رقم الحديث ٣٨٧٢ -
٣٨٧٦.

٤٣١
(٢١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا - حديث رقم (٢٢٠٤)
فاستغفر له ثلاثاً، وصلّى عليه، وهو تابعيّ؛ لأنه آمن، ورأى الصحابة، ولم
يرى النبيّ وَّ﴾، وإن ذكره ابن منده في ((الصحابة)) توسّعاً، وهذه المسألة تُلقى
في المعاياة، فيقال: شخص صلى عليه النبيّ وَلهو وأصحابه، وهو تابعيّ،
فيقال: هو النجاشيّ.
ومن الغرائب التي نظيرها نادرٌ أيضاً إسلام صحابيّ طويل الصحبة كثير
الرواية على يد تابعيّ، وهو عمرو بن العاص ﴿ه، فإنه أسلم على يد
النجاشيّ كَُّ، ذكره ابن الملقّن كَذَتُهُ(١).
(فِي الْيَوْمِ) متعلّق بـانَعَى)) (الَّذِي مَاتَ فِيهِ) قال ابن دحية في ((التنوير)):
قال أهل السير: وتوفّي في رجب سنة تسع من الهجرة، وقال ابن الأثير: أسلم
قبل الفتح، ومات قبله أيضاً، وصلى عليه النبيّ وَّه بالمدينة(٢).
(فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى) بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة، بصيغة اسم
المفعول؛ أي: إلى المكان الذي كان يُصلَّى فيه على الجنازة، وفي رواية ابن ماجه:
((فخرج وأصحابه إلى البقيع، فصفّنا خلفه))، قال في ((الفتح)): والمراد بالبقيع بقيع
بُطحان، أو يكون المراد بـ((المصلّى)) موضعاً مُعدّاً للجنائز ببقيع الغَرْقَد، غير مُصَلَّ
العيدين، والأول أظهر، وقد تقدّم في العيدين أن المصلّى كان ببطحان. انتهى (٣).
(وَكَبَّرَ) وفي نسخة: (وكبّر عليه)) (أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) فيه دليلٌ على أن سنة
الصلاة على الجنازة التكبير أربعاً، وقد خالف في ذلك الشيعة، ووردت
أحاديث أن النبيّ وَلير كبّر خمساً، وقيل: إن التكبير أربعاً متأخّر عن التكبير
خمساً، ورُوي فيه حديث عن ابن عبّاس ﴿ّ، ورُوي عن بعض المتقدّمين أنه
يُكبّر على الجنازة ثلاثاً، وهذا الحديث يردّه، قاله ابن دقيق العيد رَظّفُهُ(٤)،
وسيأتي تمام البحث في هذا المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٨٥/٤.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٨٤/٤.
(٣) ((الفتح)) ٥٤٣/٣.
(٤) ((إحكام الأحكام)) ٢٣٢/٣ - ٢٣٣ بنسخة ((الحاشية)).

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٠٤/٢١ و٢٢٠٥ و٢٢٠٦] (٩٥١)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٤٥ و١٣١٨ و١٣٢٧ و١٣٣٣) و((مناقب الأنصار))
(٣٨٨٠)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣٢٠٤)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز))
(١٠٢٢)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٦/٤ و٦٩ و٧٠ و٩٤)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٢٢٦/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦٣٩٣)، و(أحمد) في
«مسنده)) (٢٤١/٢ و٢٨٠ و٥٢٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠٦٨ و٣٠٩٨
و٣١٠٠ و٣١٠١)، و(أبو عوانة) في ((مستخرجه)) (٢١٢٩ و٢١٣٠ و٢١٣١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٩/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٤٩٠)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز نعي الميت، وسيأتي تمام البحث
في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (منها): بيان مشروعيّة الصفوف للصلاة على الجنازة، قال في
((الفتح)): وفي الحديث دلالة على أن للصفوف على الجنازة تأثيراً، ولو كان
الجمع كثيراً؛ لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه و # كانوا عدداً كثيراً، وكان
المصلى فضاءً واسعاً، ولا يضيق بهم لو صفّوا فيه صفّاً واحداً، ومع ذلك فقد
صفّهم، وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصحابي ظه، فكان يصُفّ من
يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، سواء قلّوا، أو كثروا، ويبقى النظر
فيما إذا تعددت الصفوف، والعدد قليل، أو كان الصفّ واحداً، والعدد كثير،
أيهما أفضل؟. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكره ولم يبتّ الحكم، والذي يظهر لي
أن تعدد الصفوف، وإن قلّ العدد هو الأولى؛ لأنه وَ الر صفّهم خلفه، والله
تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن الصلاة على الميت صلاة لا تجزئ إلا بطهارة، خلاف

٤٣٣
(٢١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا - حديث رقم (٢٢٠٤)
قول من قال: يجزئ أن يصلي على الجنازة بغير طهارة، ويؤيد ذلك قول الله
تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، فسماها الله تعالى
صلاةً، وكذا رسوله وَ ل﴾، حيث قال: ((فصلّوا عليه))، وقال: ((صلوا على
صاحبكم))، وقد صحّ عنه وَّل قوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة
من غُلُول)).
٤ - (ومنها): أن في قصة النجاشيّ علماً من أعلام النبوّة؛ لأنه وَله
أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه، مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة.
٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به مَن منع الصلاة على الجنازة في المسجد،
وهو قول الحنفية، والمالكيّة، لكن قال أبو يوسف: إن أُعدّ مسجد للصلاة على
الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس.
قال النوويّ: ولا حجة فيه؛ لأن الممتنع عند الحنفيّة إدخال الميت
المسجد، لا مجرّد الصلاة عليه، حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت
الصلاة عليه لمن هو داخله.
وقال ابن بزيزة وغيره: استَدلّ به بعض المالكيّة، وهو باطل؛ لأنه ليس
فيه صيغة نهي، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر غير المعنى
المذكور، وقد ثبت أنه ﴿ صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد، فكيف
يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى
المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على
الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر كونه أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في
(التفسير)) من طريق ثابت، والدارقطنيُّ في الأفراد، والبزّار من طريق حميد،
كلاهما عن أنس ظه: أن النبي ◌َ ﴾ لما صلّى على النجاشيّ قال بعض
أصحابه: صلى على عِلْج من الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وله شاهد في ((معجم
الطبرانيّ الكبير)) من حديث وحشيّ بن حرب، وآخر عنده في ((الأوسط)) من
حديث أبي سعيد، وزاد فيه أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقاً .
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على مشروعيّة الصلاة على الميت الغائب عن
البلد، وبذلك قال الشافعيّ، وأحمد، وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم

٤٣٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
يأت عن أحد من الصحابة منعه، وسيأتي تمام البحث فيه، وأن الراجح جوازه
في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في حكم نعي الميت:
قال الإمام البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه)): ((باب الرجل يَنْعَى إلى أهل
الميت بنفسه)). انتهى.
فقال في ((الفتح)) بعد ذكر ما يتعلّق بالترجمة ما نصه: وفائدة هذه الترجمة
الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نُهي عما كان أهل الجاهلية
يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلنُ بخبر موت الميت على أبواب الدُّور
والأسواق.
وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم
مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة
مصالح جمّة؛ لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة
أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتّب على
ذلك من الأحكام.
وأما نعي الجاهلية، فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن عُليّة، عن ابن
عون، قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم، قال ابن عون:
كانوا إذا تُوُفي الرجل ركب رجل دابّة، ثم صاح في الناس: أنعى فلاناً. وبه
إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأساً أن يُؤذِن الرجل صديقه
وحميمه. وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.
وقد كان بعض السلف يشدّد في ذلك حتى كان حذيفة ظه إذا مات له
الميت يقول: لا تؤذنوا به أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت
رسول الله والر بأذنيّ هاتين ينهى عن النعي، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد
حسن .
قال ابن العربيّ كَّلُ: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
[الأولى]: إعلام الأهل والأصحاب، وأهل الصلاح، فهذا سنة.
[الثانية]: دعوة الْحَفْل للمفاخرة، فهذه تكره.

٤٣٥
(٢١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا - حديث رقم (٢٢٠٤)
[الثالثة]: الإعلام بنوع آخر، كالنياحة، ونحو ذلك، فهذا يحرم.
(١) .
انتھی
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن نعي الميت، على نوعين:
[أحدهما]: محرّم، وهو ما كان لغير غرض دينيّ، مثل نعي الجاهليّة
المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره، وإظهار التفجّع عليه، وإعظام حال
موته، فهذا النوع هو محمل ما ورد من النعي.
[الثاني]: ما كان لغرض صحیح دينيّ، كتكثير المصلّين عليه؛ تحصيلاً
لدعائهم، وتتميماً للعدد الذي وُعِد بقبول شفاعتهم في الميت، كالمائة، أو
الأربعين، أو لتشييعه، وقضاء حقّه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله الآتى:
((هلا آذنتموني به))، ونعيه وَلغير أهل مؤتة، جعفراً، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن
رواحة، وكنعيه النجاشيّ في هذا الحديث، فهذا النوع جائز، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على
الميت :
قال الحافظ أبو عمر تَّلُ ما حاصله: اختلف العلماء في حكم الصلاة
على الجنائز، فقال أكثرهم: هي فرض على الكفاية، يسقط وجوبها بمن
حضرها عمن لم يحضرها، وقال بعضهم: هي سنة واجبة على الكفاية.
وقال أيضاً: وفي صلاة النبي ◌َّ على النجاشي، إذ لم يصلّ عليه أحد
من قومه، وأمره و القر أصحابه بالصلاة عليه معه دليل على تأكيد الصلاة على
الجنائز، وعلى أنه لا يجوز أن تترك الصلاة على مسلم مات، ولا يجوز دفنه
دون أن يصلّى عليه لمن قدر على ذلك.
وعلى هذا جمهور علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن
بعدهم، من فقهاء الأمصار، إلا أنهم اختلفوا في الصلاة على الشهداء، وعلى
البغاة، وعلى أهل الأهواء، لمعان مختلفة متباينة، على ما نذكره في مواضعه،
إن شاء الله تعالى.
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/٣.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين
من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َّلهُ
ببعض تصرّف(١).
وقال العلامة القرطبيّ ◌َّلهُ: فيه - أي في قوله: ((فقوموا، فصلوا عليه)) -
دليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب
العلماء أنه واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه: إنه سنة مؤكدة.
انتھی(٢) .
وقال النوويّ كَّلُهُ: الصلاة على ميت فرض كفاية بلا خلاف عندنا، وهو
إجماع، والمرويّ عن بعض المالكية مردود. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصلاة على الميت
المسلم، وكذا المسلمة فرض على الكفاية، لصحة الأدلة الواردة في ذلك،
كحديث الباب، والأحاديث الأخرى الصحيحة في صلاته وَ ﴿ على الأموات،
وأجمع على ذلك أهل العلم، فلا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما نُقل عن
مالك، وهو مردود، كما بيّنه النوويّ كَّتُهُ آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في المراد بالصلاة على الميت:
[اعلم]: أن المراد بالصلاة هنا هي الصلاة المعهودة الشرعيّة، لا الصلاة
اللغويّة التي هي الدعاء، كما زعم بعضهم، وقد أشار الإمام البخاريّ كَّتُهُ إلى
الردّ على هذا الزعم، فبّب له في ((صحيحه))، فقال: ((باب سنّة الصلاة على
الجنائز))، وقال النبيّ وَّل: ((من صلّى على الجنازة))، وقال: ((صَلُّوا على
صاحبكم))، وقال: ((صلّوا على النجاشيّ))، سمّاها صلاةً، ليس فيها ركوع، ولا
سجود، ولا يُتكَلَّم فيها، وفيها تكبير وتسليم، وكان ابن عمر لا يصلي إلا
طاهراً، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ويرفع يديه، وقال
الحسن: أدركت الناس، وأحقّهم على جنائزهم مَن رَضُوه لفرائضهم، وإذا
(١) ((الاستذكار)) ٢٣٦/٧ - ٢٣٨.
(٣) (المجموع شرح المهذّب)) ١٦٩/٥.
(٢) ((المفهم)) ٦٠٩/٢.

٤٣٧
(٢١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَتِهَا - حديث رقم (٢٢٠٤)
أحدث يوم العيد، أو عند الجنازة يطلب الماء، ولا يتيمّم، وإذا انتهى إلى
الجنازة، وهم يصلّون يدخل معهم بتكبيرة، وقال ابن المسيِّب: يكبّر بالليل
والنهار، والسفر والحضر أربعاً، وقال أنسٌ ظبه: تكبيرة الواحد استفتاح
الصلاة، ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وفيه صفوفٌ، وإمامٌ،
ثم أخرج بسنده عن الشعبيّ قال: أخبرني مَن مرّ مع نبيّكم وَّ على قبر منبوذ،
فأمّنا، فصففنا خلفه، فقلنا: يا أبا عمرو من حدّثك؟ قال: ابن عبّاس
انتهى كلام البخاريّ رَُّ .
قال في ((الفتح)): قال الزين ابن المنيِّر: المراد بالسنّة ما شرعه النبيّ وَل
فيها، يعني فهو أعمّ من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره هنا من الآثار
والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات، من الشرائط، والأركان، وليست
مجرّد دعاء، فلا تجزي بغير طهارة مثلاً .
وقال في ((الفتح)) أيضاً: قال ابن رُشيد نقلاً عن ابن المرابط وغيره ما
مُحَصَّله: مراد هذا الباب الردّ على من يقول: إن الصلاة على الجنازة إنما هي
دعاء لها، واستغفارٌ، فتجوز على غير طهارة، فحاول المصنّف الردّ عليه من
جهة التسمية التي سمّاها رسول الله وَله، ولو كان الغرض الدعاء وحده لَمَا
أخرجهم إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدعاء معه، أو التأمين على
دعائه، ولَمَا صفّهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، وكذا
وقوفه في الصلاة، وتكبيره في افتتاحه، وتسليمه في التحلّل منها، كلُّ ذلك دالّ
على أنها على الأبدان، لا على اللسان وحده، وكذا امتناع الكلام فيها، وإنما
لم يكن فيها ركوع ولا سجود؛ لئلا يتوهّم بعض الجهلة أنها عبادة للميت،
فيضلّ بذلك. انتهى ما في الفتح(١). وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الغائب:
ذهب جمهور السلف، إلى مشروعية الصلاة عليه، وإليه ذهب الشافعيّ،
وأحمد. قال أبو محمد بن حزم تخّتُهُ: ويصلّى على الميت الغائب بإمام
(١) راجع: ((الفتح)) ٤ /٨٩ - ٩٣.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وجماعة، قد صلى رسول الله وَي على النجاشيّ رَظُه، ومات بأرض الحبشة،
وصلى معه أصحابه عليه صفوفاً، وهذا إجماع منهم، لا يجوز تعدّيه.
(١)
انتھی(١).
وقال الإمام الشافعي تَُّ: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يُدعَى
له، وهو غائب، أو في القبر؟.
وذهبت الحنفيّة، والمالكية إلى أنه لا تشرع الصلاة عليه مطلقاً.
وذهب بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه، أو
ما قرب منه، لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البرّ. وذهب ابن حِبّان إلى أنه
إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، قال المحبّ الطبريّ: لم أر ذلك
لغيره.
واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشيّ بأعذار، منها
أنه كان بأرض لم يصلّ عليه بها أحد، ومن ثمّ قال الخطابيّ: لا يُصلى على
الغائب إلا إذا وقع موته بأرض، ليس فيها من يصلي عليه، واستحسنه
الرويانيّ، وترجم بذلك أبو داود في ((السنن))، فقال: ((باب الصلاة على المسلم
يليه أهل الشرك في بلد آخر))، قال الحافظ: وهذا مُحْتَمِل إلا أنني لم أقف في
شيء من الأخبار أنه لم يصلّ عليه في بلده أحد. انتهى.
وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تيميّة، والمقبليّ، واستدلّ له
بما أخرجه الطيالسيّ، وأحمد، وابن ماجه، وابن قانع، والطبرانيّ، والضياء
المقدسيّ، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد، أن النبيِ وَل 9 قال: ((إن
أخاكم مات بغير أرضكم، فقوموا، فصلّوا عليه)).
ومن الأعذار قولهم: كُشف له ◌َّر حتى رآى، فيكون حكمه حكم
الحاضرين بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون، ولا خلاف في جواز
الصلاة على من كان كذلك.
قال ابن دقيق العيد نَّلهُ: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال.
وتعقّبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع.
(١) ((المحلى)) ١٦٩/٥.

٤٣٩
(٢١) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّتِهَا - حديث رقم (٢٢٠٤)
قال الحافظ: وكأن مستند القائل بذلك ما ذكره الواحديّ في أسباب
النزول بغير إسناد عن ابن عباس ﴿ها، قال: ((كُشف للنبي وُّ عن سرير
النجاشيّ، حتى رآه، وصلى عليه))، ولابن حبّان من حديث عمران بن
حصين : ((فقاموا، وصفّوا خلفه، وهم لا يظنّون إلا أن جنازته بين يديه))،
ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره، عن يحيى: ((فصلينا خلفه، ونحن لا نرى
إلا أن الجنازة قُدّامنا)).
ومن الأعذار أن ذلك خاصّ بالنجاشيّ؛ لأنه لم يثبت أنه وَلّ صلى على
ميت غائب غيره.
وتعقّب بأنه لو صلى على معاوية بن معاوية الليثيّ، وهو مات بالمدينة،
والنبي ◌َّو كان إذ ذاك بتبوك، ذكر ذلك في ((الاستيعاب)).
وروي أيضاً عن أبي أمامة الباهليّ مثل هذه القصّة في حقّ معاوية بن
مقرّن.
وأخرج مثلها أيضاً عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزنيّ، ثم قال
بعد ذلك: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقويّة، ولو أنها في الأحكام لم يكن
شيء منها حجة.
وقال الحافظ في ((الفتح))، متعقّباً لمن قال: إنه لم يصلّ على غير
النجاشيّ، قال: وكأنه لم يثبت عنده قصّة معاوية بن معاوية الليثيّ، وقد ذكرت
في ترجمته في الصحابة أن خبره قويّ بالنظر إلى مجموع طرقه. انتهى.
وقال الذهبيّ: لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية، وكذلك تكلّم فيه
البخاريّ.
وقال ابن القيّم: لا يصحّ حديث صلاته وَله على معاوية بن معاوية؛ لأن
في إسناده العلاء بن يزيد، قال ابن المدينيّ: كان يضع الحديث.
وقال النوويّ كَُّهُ مجيباً عمن قال بأن ذلك خاصّ بالنجاشيّ: إنه لو فُتح
باب هذا الخصوص لانسدّ كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما
ذكروه لتوفّرت الدواعي إلى نقله. انتهى.
وقال ابن العربيّ تَخُّْ: قال المالكيّة: ليس ذلك إلا لمحمد ◌َله. قلنا:
وما عمل به محمد ﴿ تعمل به أمته - يعني لأنه الأصل عدم الخصوص -.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قالوا: ◌ُوِيت له الأرضُ، وأُحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربّنا عليه
القادر، وإن نبيّنا نَّهَ لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا: إلا ما رَوَيتم، ولا تخترعوا
حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابت، ودعوا الضعاف، فإنه سبيل
إتلاف، إلی ما ليس له تلاف. انتهى.
وقال الكرمانيّ تَُّ: قولهم: رُفع الحجاب عنه. ممنوع، ولئن سلّمنا،
فكان غائباً عن الصحابة الذين صلّوا عليه مع النبيّ وَّد.
قال العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر ما تقدّم:
والحاصل أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتدّ به،
سوى الاعتذار بأن ذلك مختصّ بمن كان في أرض لا يصلّي عليه فيها أحد،
وهو أيضاً جمود على قصّة النجاشيّ، يدفعه الأثر، والنظر. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي في هذه المسألة قول
من قال بجواز الصلاة على الغائب، وأقوى دليل على ذلك قصّة النجاشيّ
،
فإن أقلّ ما يستفاد منه أنه ◌ّ فعله لبيان الجواز، وأما ما عداها مما يدل على
أنه وَ له صلى على غائب غيره، فلا يثبت شيء منها .
فقد ذكر أنه وسي صلى على ثلاثة غير النجاشيّ، معاوية بن معاوية
المزنيّ، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، لكنها كلها لم تثبت.
أما حديث صلاته على معاوية بن معاوية المزنيّ، فقد وردت قصته من
حديث أنس، وأبي أمامة، مسندةً، ومن طريق ابن المسيّب، والحسن البصريّ
مرسلة.
فأما حديث أنس، ففي سندها محبوب بن هلال المزني، قال في
الميزان: لا يعرف، وحديثه منكر، وقال البخاريّ: لا يتابع على حديثه، وله
طريق آخر فيه يحيى بن أبي محمد قد ضُعّف، وبقية بن الوليد مدلّس تدليس
التسوية، وله طريق ثالث، وفيها العلاء بن يزيد الثقفيّ، متفق على ضعفه، بل
قال ابن المدينيّ: يضع الحديث، وقال ابن حبان: روى عن أنس نسخة
موضوعة، منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثيّ.
(١) (نيل الأوطار)) ٦٠/٤ - ٦٣.