Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٣) وفي الطبرانيّ من رواية ابن عون، عن ابن سيرين، عن أم عطية: ((فما وَفَت غير أم سليم، وأم كلثوم، وامرأة معاذ بن أبي سبرة))، كذا فيه، والصواب ما في ((الصحيح)): ((امرأة معاذ، وبنت أبي سبرة))، ولعل بنت أبي سبرة يقال لها: أم كلثوم، وإن كانت الرواية التي فيها ((أم معاذ» محفوظةً، فلعلها أم معاذ بن جبل، وهي هند بنت سهل الجهنية، ذكرها ابن سعد أيضاً. قال: وعُرِف بمجموع هذه الروايات النسوة الخمس، وهي أم سليم، وأم العلاء، وأم كلثوم، وأم عمرو، وهند إن كانت الرواية محفوظةً، وإلا فيختلج في خاطري أن الخامسة (١) هي أم عطية، راوية الحديث، ثم وجدت ما يؤيِّده من طريق عاصم، عن حفصة، عن أم عطية، بلفظ: ((فما وفت غيري، وغير أم سليم))، أخرجه الطبراني أيضاً، ثم وجدت ما يَرُدّه، وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده))، من طريق هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: ((كان فيما أُخذ علينا أن لا ننوح ... )) الحديث، فزاد في آخره: ((وكانت لا تعدُّ نفسها))؛ لأنها لما كان يوم الحرّة لم تزل النساء بها، حتى قامت معهنّ، فكانت لا تَعُدّ نفسها لذلك. قال: ويُجمَع بأنها تركت عدّ نفسها من يوم الحرَّة. ويوم الحرّة قُتِل فيه من الأنصار مَن لا يحصى عدده، ونُهِبت المدينة الشريفة، وبُذِل فيها السيف ثلاثة أيام، وكان ذلك في أيام يزيد بن معاوية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة ﴿ُّ هذا متّفقٌ عليه. (١) وتعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا، في ((عمدة القاري)) ١٠٦/٨ وقال: هذا قول بالتخمين، والمعتمد ما وقع في ((الصحيح))، والذي وقع فيه أن الخمس: ((هنّ أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى))، هذا حاصل ما اعترض به . ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٦٣/١٠ و٢١٦٤] (٩٣٦)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٠٦) و((التفسير)) (٤٨٩٢) و((الأحكام)) (٧٢١٥)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٢٧)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (٤١٨٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٥/٥ و٤٠٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٨٨ و٢٠٨٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم النَّوْح، وعظم قبحه، والاهتمام بإنكاره، والزجر عنه؛ لأنه مُهَيِّجُ للحزن، ودافع للصبر، وفيه مخالفة للتسليم للقضاء، والإذعان لأمر الله تعالى. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَّ ر من شدّة العناية والاهتمام بأمور الشريعة، ولا سيّما المناهي، فكان يبايع عليه الرجال والنساء، تأكيداً، وتثبيتاً في قلوبهم. ٣ - (ومنها): أنه وَله إنما خصّ في بيعة النساء عدم النوح دون الرجال، وإن كان النهي عامّاً؛ لخفّة عقلهنّ، وشدّة جزعنّ، وقلّة صبرهن على المصائب، فيكثر منهنّ النوح، فشدّد عليهن لذلك، ولذلك قالت أم عطيّة مختًا: ((فما وفت منهنّ امرأة إلا خمس))، وما ذلك إلا لصعوبته عليهن، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه بيان مِصداق ما وصفه النبيّ وَلقول بأنهن ناقصات عقل ودین. ٥ - (ومنها): بيان فضيلةٍ ظاهرةٍ للنسوة الخمس المذكورات، حيث وفين بما بايعن عليه النبيّ وَّ إلى الموت. قال القاضي عياض نظّثهُ: معنى الحديث: لم يف ممن بايع النبيّ وَلّر مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه النسوة إلا المذكورات، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٨٣ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٤ - ٢١٦٥) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْبَاطُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْبَيْعَةِ أَلَّا تَنُحْنَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا غَيْرُ خَمْسٍ، مِنْهُنَّ أُمُّ سُلَيْم). ء رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (أَسْبَاطُ) بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشيّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٥٤/٢٦. ٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٤ - (حَفْصَةُ) بنت سيرين، أم الْهُذيل الأنصاريّ البصريّة، أخت محمد بن سيرين، ثقةٌ [٣] ماتت بعد المائة (ع) تقدمت في ((صلاة العيدين)) ٢٠٥٥/٢. و((أمّ عطيّة)) ذُكرت قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٥] (٩٣٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ خَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَّ أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّ آلَ فُلَانٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَ بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِلَّا آلَ فُلَانٍ))). ٢٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً أيضاً. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف نَّثُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصل؛ لما أسلفته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من عاصم، وأبو بكر، وأبو معاوية کوفیّان، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) ◌ِّنَا أنها (قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) إشارة لقوله تعالى: (﴿يُبَيِّعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ قَالَتْ) أم عطيّة ◌َّا (كَانَ مِنْهُ) أي: مما بايعنا عليه النبيّ من عدم العصيان في معروف (النِّيَاحَةُ) تعني: أنه ◌َّ بايعهنّ على أن لا يعصينه بالنياحة (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا آلَ قُلَانٍ) قال الحافظ تَّتُهُ: لم أعرف آل فلان المشار إليهم، وفي رواية النسائيّ: ((قلت: إن امرأة أسعدتني في الجاهليّة))، قال: ولم أقف على اسم المرأة (فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي) الإسعاد هو قيام المرأة مع الأخرى في النياحة تُراسلها، وهو خاصّ بهذا المعنى، ولا يُستَعمل إلا في البكاء، والمساعدة عليه، ويقال: إن أصل المساعدة وضع الرجل يده على ساعد الرجل صاحبه عند التعاون على ذلك، قاله في ((الفتح))(١). (١) ((الفتح)) ٦٩٠/١٠ - ٦٩١. ٢٨٥ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَُّاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٥) ومعنى ذلك: أنه كان نساء الجاهليّة يُسعدُ بعضهنّ بعضاً على النياحة، فحينما بايعهنّ النبيّ وَّ على ترك النياحة، قالت أمّ عطيّة: إنها ساعدتها امرأة في النياحة، فلا بدّ لها من مساعدتها على ذلك، قضاءً لحقّها، ثم لا تعود، فرخّص لها النبيّ ◌َ في ذلك قبل المبايعة، ففعلت، ثم بايعت، وهذا الترخيص خاصّ بها ﴿ا على الراجح، كما يأتي في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي: في الأيام التي كانت قبل الإسلام (فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ) أي: أكافئهم على إسعادهم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِلَّا آلَ فُلَانٍ))) هذا فيه تصريح بإذنه وَ﴿ لها بالإسعاد، فيُحْمَل على أنه من خصوصيّات أم عطيّة ◌ُّا، كما أنه ◌َّ استثنى بعض النساء كما سيأتي قريباً، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق ﴿يا هذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة لهذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٦٥/١٠] (٩٣٧)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٨٩٢)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (٤١٨١ و٤١٨٢) و((الكبرى)) (٧٨٠٢ و٧٨٠٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٢٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مسنده)) (٢٠٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة مبايعة النساء. ٢ - (ومنها): بيان تحريم النوح، وبيان عظيم قبحه، والاهتمام بإنكاره، والزجر عنه. ٣ - (ومنها): تخصيص النبيّ وَ ﴿ لأم عطيّة خيّا بالمساعدة بالنياحة، وكذا ثبت الترخيص لغيرها أيضاً، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ٤ - (ومنها): أن للشارع أن يخصّ بعض المكلّفين بترخيص بعض الأحكام في حقّه، كما ثبت أنه وُ لّ رخّص لأبي بُردة بن نيار ◌ُه أن يُضحّي بِجَذَعَة، وقال: ((لن تجزي عن أحد بعدك))، وكذا ثبت الترخيص لعقبة بن عامر ظه، كما سيأتي تحقيق ذلك في ((كتاب الأضاحي)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في تأويل هذا الحديث: قال النوويّ ◌َُّ: هذا الحديث محمولٌ على أن الترخيص لأمّ عطيّة في آل فلان خاصّة، ولا تحلّ النياحة لها، ولا لغيرها في غير آل فلان، كما هو ظاهر الحديث، وللشارع أن يخُصّ من العموم من شاء بما شاء، فهذا صواب الحكم في هذا الحديث. قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظرٌ إلا أن ادّعى إن الذين ساعدتهم لم يكونوا أسلموا، وفيه بُعدٌ، وإلا فليدع مشاركتهم لها في الخصوصية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونهم مشاركين لها في الخصوصيّة ظاهر، لا شكّ فيه، فإنه سي لما أذن لها أن تساعدهم، لا يمكن ذلك إلا بجواز ذلك لهم معها، والله تعالى أعلم. ثم قال النوويّ: واستشكل القاضي عياض، وغيره هذا الحديث، وقالوا فيه أقوالاً عجيبة، وَمَقْصُودِي التَّحْذِير مِنْ الاغْتِرَار بِهَا، فَإِنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة قَالَ: النَِّاحَةِ لَيْسَتْ بِحَرَامِ، لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم مَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ شَقّ جَيْب، وَخَمْش خَدّ، وَنَحْو ذَلِكَ، قَالَ: وَالصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلاً، وَأَنَّ النَّاحَةِ حَرَامٍ مُظْلَقاً، وَهُوَ مَذْهَب الْعُلَمَاءِ كَافَّة. انتهى(١). قال الحافظ: وَقَدْ نُقل عَنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِكِيّ أَيْضاً أَنَّ النِّيَاحَةِ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَهُوَ شَاذْ مَرْدُود، وَقَدْ أَبْدَاهُ الْقُرْطُبِيّ احْتِمَالاً، وَرَدَّهُ بِالأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي الْوَعِيد عَلَى النِّيَاحَةِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّة التَّحْرِيمِ، لَكِنْ لا يَمْتَنِعِ أَنْ يَكُون النَّهْي أَوَّلاً وَرَدَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، ثُمَّ لَمَّا تَمَّتْ مُبَايَعَة النِّسَاءِ، وَقَعَ التَّحْرِيم، (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٨/٦. ٢٨٧ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٥) فَيَكُون الإِذْن لِمَنْ ذُكِرَ وَقَعَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى؛ لِبَيَانِ الْجَوَاز، ثُمَّ وَقَعَ التَّحْرِيم، فَوَرَدَ حِينَئِذِ الْوَعِيدِ الشَّدِید. وَقَدْ لَخَصَّ الْقُرْطُبِيّ ◌َغْتُ بَقِيَّة الأَقَاوِيلِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّوَوِيّ كَذَتْهُ: [مِنْهَا]: دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ، قَالَ: وَهُوَ فَاسِدٍ لِمَسَاقٍ حَدِيث أُمَ عَطِيَّة هَذَا، وَلَوْلا أَنَّ أُمّ عَطِيَّةٍ فَهِمَتْ التَّحْرِيم لَمَا اسْتَثْنَتْ. قال الحافظ: وَيُؤَيِّدهُ أَيْضاً أَنَّ أُمَ عَطِيَّة صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا مِنَ الْعِصْيَانِ فِي الْمَعْرُوف، وَهَذَا وَصْف الْمُحَرَّم. [وَمِنْهَا]: أَنَّ قَوْله: ((إِلَّا آلَ قُلَان)) لَيْسَ فِيهِ نَصّ عَلَى أَنَّهَا تُسَاعِدُهُمْ بِالنَّاحَةِ، فَيُمْكِن أَنَّهَا تُسَاعِدُهُمْ بِاللِّقَاءِ، وَالْبُكَاءِ الَّذِي لَا نِيَاحَة مَعَهُ، قَالَ: وَهَذَا أَشْبَه مِمَّا قَبْله. قال الحافظ تَّتُ: بَلْ يَرُدّ عَلَيْهِ وُرُود التَّصْرِيحِ بِالنِّيَاحَةِ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَيَرُدّ عَلَيْهِ أَيْضاً أَنَّ اللِّقَاءِ، وَالْبُكَاءِ الْمُجَرَّد لَمْ يَدْخُلِ فِي النَّهْي، فَلَوْ وَقَعَ الاقْتِصَار عَلَيْهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْخِيرِ الْمُبَايَعَة حَتَّى تَفْعَلهُ. [وَمِنْهَا]: أنه يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون أَعَادَ ((إِلَّ آلَ فُلَان)) عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ، كَمَا قَالَ لِمَنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ((مَنْ ذَا؟))، فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ: ((أَنَا أَنَا)). فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامِه مُنْكِراً عَلَيْهِ. وتُعقّب بأنه يَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّل. [وَمِنْهَا]: أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأُمِّ عَطِيَّة، قَالَ: وَهُوَ فَاسِد، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصّ بِتَحْلِيلِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَات. انتهى. قال الحافظ: وَيَقْدَحِ فِي دَعْوَى تَخْصِيصهَا أَيْضاً ثُبُوت ذَلِكَ لِغَيْرِهَا، وَيُعْرَف مِنْهُ أَيْضاً الْخَدْشِ فِي الأَجْوِبَةِ الْمَاضِيَةِ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: ((لَمَّا أَخَذَ رَسُول اللهِ وَّهِ عَلَى النِّسَاء، فَبَايَعَهُنَّ ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، الآية [الممتحنة: ١٢]، قَالَتْ خَوْلَة بِنْت حَكِيم: يَا رَسُول الله ٢٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز كَانَ أَبِي وَأَخِي، مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِنَّ فُلَانَة أَسْعَدَتْنِي، وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا)) الْحَدِیث. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمّ سَلَمَة الأَنْصَارِيَّة، وَهِيَ أَسْمَاء بِنْتِ يَزِيد، قَالَتْ: ((قُلْت: يَا رَسُول الله، إِنَّ بَنِي فُلَان أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي، وَلَا بُدّ مِنْ قَضَائِهِنَّ، فَأَبَى، قَالَتْ: فَرَاجَعْته مِرَاراً، فَأَذِنَ لِي، ثُمَّ لَمْ أَنُحْ بَعْد)» . وَأَخْرَجَ أَحْمَد، وَالطََّرِيُّ مِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن نُوحٍ، قَالَ: أَدْرَكْت عَجُوزاً لَنَا، كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُول اللهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَ عَلَيْنَا: ((وَلَا يَنُحْنَ))، فَقَالَت عَجُوز: يَا نَبِّ الله، إِنَّ نَاساً كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِب أَصَابَتْنَا، وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة، فَأَنَا أُرِيد أَنْ أُسْعِدُهُمْ، قَالَ: ((فَاذْهَبِي، فَكَافِئِيهِمْ))، قَالَتْ: فَانْطَلَقْت فَكَافَأْتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهَا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ. قال الحافظ: وَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلّه أَنَّ أَقْرَب الأَجْوِيَةِ، أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة، ثُمَّ كُرِهَتْ كَرَاهَة تَنْزِيه، ثُمَّ تَحْرِيم. وَالله أَعْلَم. انتهى كلام الحافظ تَخْذَلَهُ (١ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ أخيراً حسن، ولكنّ ما تقدّم عن النوويّ كَّلُ أحسن منه، وخلاصته أنه وَّه رخّص لهؤلاء النساء: أم عطيّة، وغيرها، من اللاتي طلبن منه استثناء المساعدات مكافأةً لما مضى، فخصّهنّ بذلك، فهذا جواب لا غبار عليه، وقد مرّ آنفاً أنه وَلّ رخّص لأبي بردة في التضخّية بجَذَعة، وكذا لعقبة بن عامر، إن كان محفوظاً، كما سيأتي تحقيقه في ((كتاب الأضاحي)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((الفتح)) ١٠/ ٦٩١ - ٦٩٢. ٢٨٩ (١١) - بَابُ نَهْىِ النِّسَاءِ عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ - حديث رقم (٢١٦٦) (١١) - (بَابُ نَهْي النِّسَاءِ عَنِ اتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٦٦] (٩٣٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وأيوب هو: السختيانيّ، وكذلك مضى لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ) أنه (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) ◌َّا: (كُنَّا نُنْهَى) بالبناءِ للمفعول (عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) أي: ما زلنا على النهي بدليل قولها في رواية حفصة التالية: ((نُهِينًا عن اتّباع الجنائز))، قال في ((الفتح)): ورواه يزيد بن أبي حكيم، عن الثوريّ، بلفظ: ((نهانا رسول الله (َ﴾))، أخرجه الإسماعيليّ، وفيه ردّ على من قال: لا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم يُسَمَّ الناهي فيه؛ لما رآه الشيخان وغيرهما أن كل ما ورد بهذه الصيغة كان مرفوعاً، وهو الأصح عند غيرهما من المحدثين، ويؤيِّد رواية الإسماعيليّ ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدّته أم عطية، قالت: لَمّا دخل رسول الله ﴿ المدينة جَمَع النساء في بيت، ثم بَعَث إلينا عمر، فقال: ((إني رسول رسول الله ◌َ﴿ إليكنّ، بعثني إليكنّ لأبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئاً ... )) الحديث، وفي آخره: ((وأمرنا أن نُخرج في العيد العواتق، ونهانا أن ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز نخرج في جنازة))، وهذا يدلّ على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة . وقولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ولم يُؤَكَّد علينا في المنع، كما أكَّد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كُرِه لنا اتّباعُ الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبيّ كَُّ: قولها: ((ولم يُعزَم علينا))؛ أي: لم يُحَرَّم علينا، ولم يُشدَّد علينا، وظاهر كلامها أنهنّ نُهين عن ذلك نهي تنزيه وكراهة، وإلى منع ذلك صار جمهور العلماء؛ لهذا المعنى، ولقوله بَله: ((ارجعن مأزورات، غير مأجورات))(١)، وإليه ذهب ابن حبيب، وكرهه مالك للشابّة، وفي الأمر المستنكر، وأجازه إذا لم يكن ذلك، وأجازه علماء المدينة؛ لقولها: ((ولم يُعزم علینا)). انتهى(٢). قال في ((الفتح)) بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور: ويدلُّ على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله ◌َيرٍ كان في جنازة، فرأى عُمرُ امرأةً، فصاح بها، فقال: ((دَعْها يا عمر ... )) الحديث، وأخرجه ابن ماجه، والنسائيّ من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة، ورجاله ثقات. وقال المهلَّب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من الشارع على درجات، وقال الداوديّ: قولها: ((نهينا عن اتّباع الجنائز)) أي: إلى أن نصل إلى القبور، وقولها: ((ولم يُعْزم علينا)) أي أن لا نأتي أهل الميت، فنُعَزِّيهم، ونترحم على ميتهم، من غير أن نتبع جنازته. انتهى. قال الحافظ تَُّهُ: وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظرٌ، نعم هو في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ًا أن النبيّ وَل﴿ رأى فاطمة مقبلةً، (١) أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن سلمان، قال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال النسائيّ: متروك الحديث، وضعّفه غيرهما. (٢) ((المفهم)) ٥٩١/٢ - ٥٩٢. ٢٩١ (١١) - بَابُ نَّهْىِ النِّسَاءِ عَنِ اتِبَاعِ الْجَنَائِزِ - حديث رقم (٢١٦٦) فقال: ((من أين جئت؟)) فقالت: رحمت على أهل هذا الميت ميتهم، فقال: ((لعلك بلغت معهم الْكُدَى؟))، قالت: لا ... الحديث(١)، أخرجه أحمد، والحاكم، وغيرهما، فَأَنكّر عليها بلوغ الْكُدَى، وهو بالضم، وتخفيف الدال المقصورة، وهي المقابر، ولم يُنكِر عليها التعزية. وقال المحب الطبريّ تَخْتُ: يَحْتَمِل أن يكون المراد بقولها: ((ولم يعزم علينا))؛ أي: كما عُزِم على الرجال بترغيبهم في اتّباعها بحصول القيراط، ونحو ذلك، والأول أظهر، والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح))(٢)، وهو بحث نفیسٌ . والحاصل أن الراجح في معنى قولها: ((ولم يُعزم علينا)) هو المعنى الأول، وهو أن نهيه وَلهو لنا عن اتّباع الجنائز ليس مؤكّداً كتأكّد سائر المنهيّات التي ذُكرت في تلك البيعة وهي التي اشتملت عليها آية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . (١) أخرج الإمام أحمد كَّلُ في ((مسنده)): (٦٥٣٨) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثنا ربيعة بن سيف المعافريّ، عن أبي عبد الرحمن الحبليّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله إذ بصر بامرأة، لا نظنّ أنه عرفها، فلما توجهنا الطريق، وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله وَلآم . فقال: ((ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟)) قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم، وعزَّيتهم، فقال: (لعلك بلغت معهم الْكُدَى؟)) قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، قال: ((لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جدّ أبيك)). انتهى. وأخرجه أبو داود، والنسائيّ، وقال النسائيّ: ربيعة بن سيف ضعيف، وقال البخاريّ: عنده مناكير، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، وقال: يُخطىء كثيراً، وقال النسائي في رواية: ليس به بأس، وقال الدار قطنيّ: صالح. والحاصل أن ربيعة هذا مختلف فيه، وضعّف الحديث الشيخ الألبانيّ كَذَفُ. (٢) ((الفتح)) ١٨/٤ - ١٩. ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف هنا [٢١٦٦/١١ و٢١٦٧] (٩٣٨)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣١٣) و((الجنائز)) (١٢٧٨)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٦٧)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٧٧)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٤٥٤/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٨٢/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٨/٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٩٠)، و(إسحاق ابن راهويه) في ((مسنده)) (٥/ ٢١٦ - ٢١٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٣/٢٥)، و((الأوسط)) (٦٣/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٧/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم اتّباع النساء الجنائز: قال الإمام ابن المنذر كظّلهُ: اختلفوا في ذلك، فممن روينا عنه أنه كره اتّباعهنّ الجنائز ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وأبو أمامة، وكَرِه ذلك مسروقٌ، والحسن، والنخعيّ، وأحمد، وإسحاق، وكان الأوزاعيّ يرى منع النساء الخروج مع الجنائز، وقد ذُكِر عن عبد الجبّار بن عمر أنه كان في جنازة مع أبي الزناد، وربيعة، ومعهم فيها نساء، قال: فلم أرهما ينكران شهود النساء الجنائز يومئذ، وحُكي عن الزهريّ أنه لم ينكر ذلك، ورُوي عن الحسن البصريّ أنه كان لا يرى بأساً أن تصلي النساء على الجنازة، وهنّ على الدوابّ من غير علّة، وكان مالك لا يرى بذلك بأساً، وكره ذلك لنسائه. قال ابن المنذر تَّتُهُ: أما الذين كرهوا حضور النساء الجنائز، فلعلّ من حجتهم حديث أم عطيّة رَّا، بل قد احتجّ به بعضهم. ثم ساق ابن المنذر تَّثُ لمن رخّص في ذلك، فقال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة، قال: حدّثنا أبو بكر(١)، قال: حدثنا وَكِيعٌ، عن هِشَام بن عُرْوَةَ، عن وَهْبٍ بِن كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بن عَمْرٍو بن عَطَاءٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ كان في جِنَازَةٍ، فَرَأَى عُمَرُ امرأةً، فَصَاحَ بها، فقال له (١) هو: ابن أبي شيبة، هكذا ساقه في ((مصنّفه)) ٢٨٢/٢. ٢٩٣ (١١) - بَابُ نَهْىِ النِّسَاءِ عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ - حديث رقم (٢١٦٧) رسول اللهِ وَّ﴾: ((دَعْهَا يا عُمَرُ، فإن الْعَيْنَ دامعةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ))(١). قال ابن المنذر تَخَّثُ: وقد روينا عن النبيّ وَلهم أنه قال لامرأة: ((صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك))، فإذا كان هذا سبيلها في الصلاة، وقد أُمرن بالتستّر، فالقعود من الجنائز أولى بهنّ وأستر، والله أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من كراهة اتّباع النساء الجنائز هو الأرجح؛ لحديث أم عطيّة حظ ◌ّا المذكور في الباب، وأما القول بتحريمه، ففيه نظر؛ لهذا الحديث، ولحديث أبي هريرة في قصّة عمر ربه، فإنه صريح في الدلالة على الجواز. والحاصل أنه يكره اتّباعهنّ الجنائز؛ لما ذكرناه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل باب. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. (١) هذا الحديث رجاله ثقات، بل هم من رجال الصحيح، وقد ضعّفه بعضهم، ولا أدري سببه، وقوّاه الحافظ في ((الفتح)). (٢) ((الأوسط)) ٣٨٧/٥ - ٣٨٩. ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((هشام)) هو: ابن حسّان القردوسيّ. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى البحث فيه مستوفى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١٢) - (بَابٌّ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٨] (٩٣٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ◌َِِّ، وَنَحْنُ نَفْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: ((اغْسِلْنَهَا ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُوراً، أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَأَذِنَِّي))، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصریین، سوی شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل البصرة. ٢٩٥ (١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨) ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ) وفي رواية للبخاريّ، من طريق ابن جُريج، عن أيوب، سمعت ابن سيرين، وقد رواه أيوب أيضاً عن حفصة بنت سيرين، كما سيأتي بعد حديثين، ومدار حديث أم عطيّة على محمد، وحفصة، ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظه محمد، كما سيأتي مبيّناً. قال ابن المنذر تَخُّْ: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطيّة، وعليه عَوَّلَ الأئمّة. انتهى. (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) ﴿ّا، وفي رواية ابن جريج: ((جاءت أم عطية))، امرأة من الأنصار اللاتي بايعن رسول الله وَر قدمت البصرة، تُبادر ابناً لها، فلم تُدركه. قال الحافظ تَُّ: وهذا الابن ما عَرفتُ اسمه، وكأنه كان غازياً، فقَدِمَ البصرة، فبلغ أم عطيّة، وهي بالمدينة قُدومه، وهو مريض، فَرَحَلت إليه، فمات قبل أن تلقاه، ودلّت بعض الروايات أن قدومها كان بعد موته بيوم، أو يومين انتھی. (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ وَّهِ، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ) وفي الرواية الآتية: ((قالت: دخل علينا رسول الله (وَ ﴿ حين توفّيت ابنته ... )) قال في ((الفتح)): ويُجْمَع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل. وفي رواية خالد الحذّاء، عن حفصة الآتية: ((أن رسول الله وَّر حيث أمرها أن تغسل ابنته ... ))، وفي رواية النسائيّ من طريق هشام بن حسّان، عن حفصة أن مجيئهنّ إليها كان بأمره، وَ، ولفظه: ماتت إحدى بنات النبيّ وَّر، فأرسل إلينا، فقال: ((اغسلنها ... )). ويُجمع بأنه وَلقر أمرها ونسوة سواها أن يغسلن ابنته، فدخلن للغسل، فأتاهنّ النبيّ وَ﴿، ودخل عليهنّ في مكان الغسل، وقال لهنّ ما قال، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: ((ابنته) سيأتي من رواية عاصم الأحول، عن حفصة أنها زينب بنت رسول الله وَّر، قال في ((الفتح)): لم تقع في شيء من رواية البخاريّ ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أُمَامة التي تقدّم ذكرها في ((الصلاة))، وهي أكبر بنات النبيّ وَّل، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبريّ في ((الذيل)) في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم، من طريق عاصم الأحول، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله وَّار، قال رسول الله وَ له: ((اغسلنها ... ))، فذكر الحديث. قال الحافظ: ولم أرها في شيء من الطرق، عن حفصة، ولا عن محمد مسماة إلا في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك، فحَكَى ابن التين، عن الداوديّ الشارح، أنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم، زوج عثمان، ولم يذكر مستنده، وتعقّبه المنذريّ بأن أم كلثوم توفيت، والنبيّ ◌َ ﴿ ببدر، فلم يشهدها، وهو غلط منه، فإن التي توفيت حينئذ رُقَيَّة. وعزاه النوويّ، تبعاً لعياض لبعض أهل السير، وهو قصور شديد، فقد أخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، ولفظه: ((دخل علينا، ونحن نغسل ابنته، أم كلثوم))، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وفيه نظر. وكذا وقع في ((المبهمات)) لابن بشكوال، من طريق الأوزاعيّ، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم ... الحديث، وقرأت بخطّ مغلطاي: زعم الترمذيّ أنها أم كلثوم، وفيه نظر، كذا قال، ولم أر في الترمذيّ شيئاً من ذلك. وقد رَوَى الدُّولابي في ((الذرية الطاهرة)) من طريق أبي الرجال، عن عمرة، أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم، ابنة النبيّ وَلهو ... الحديث. فيمكن ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعاً، فقد جزم ابن عبد البرّ كَّثُ في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق الجمع أولى من الترجيح؛ إذ فيه العمل بالحديثين، بخلاف الثاني، فإن فيه إلغاءَ أحدهما، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال الحافظ تَّلُ: ووقع لي من تسمية النسوة اللاتي حضرن معها - يعني أم عطيّة - ثلاث غيرها، ففي ((الذرّيّة الطاهرة)) أيضاً من طريق ٢٩٧ (١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨) أسماء بنت عُمَيس أنها كانت ممن غسلها، قالت: ومعنا صفيّة بنت عبد المطلب، ولأبي داود من حديث ليلى بنت قَانِف ـ بقاف، ونون، وفاء - الثقفيّة، قالت: كنت فيمن غسلها، وروى الطبرانيّ من حديث أم سلمة شيئاً يومىء إلى أنها حضرت ذلك أيضاً. انتهى(١). (فَقَالَ) ◌َِ: ((اغْسِلْنَهَا) قال ابن بزيزة ◌َُّهُ: استُدِلّ به على وجوب غسل الميت، وهو مبنيّ على أن قوله فيما بعدُ: ((إن رأيتنّ ذلك)) هل يرجع إلى الغسل، أو العدد؟ والثاني أرجح، فثبت الْمُذَّعَى. قال ابن دقيق العيد ◌َُّ: لكن قوله: ((ثلاثاً)) ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد؛ لأن قوله: ((ثلاثاً)) غير مستقلّ بنفسه، فلا بدّ أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار. انتهى. وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك، ومن ثمّ ذهب الكوفيون، وأهل الظاهر، والمزنيّ إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر الحديث، وجاء عن الحسن مثله، أخرجه عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: يغسل ثلاثاً، فإن خرج منه شيء بعدُ فخمساً، فإن خرج منه شيء غسل سبعاً، قال هشام: وقال الحسن: يغسل ثلاثاً، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج، ولم يُزد على ثلاث. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الكوفيون، والظاهرية، والمزني من وجوب غسل الثلاث، وإن خرج منه شيء يُغسل، ولا يعاد الغسل هو الذي يظهر لي؛ لظاهر حديث الباب، وأما القول بإعادة الغسل فيما إذا خرج منه شيء، فمما لا دليل عليه، بل الظاهر أن يغسل الخارج فقط، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً) وفي رواية عاصم، عن حفصة الآتية: ((اغسلنها وتراً، ثلاثاً، أو خمساً))، و((أو)) هنا للتنويع، والنصّ على الثلاث، أو الإشارة (١) ((الفتح)) ٧٠٥/٣ - ٧٠٦. ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز إلى المستحبّ الإيتار، ألا يُرى أنه نقلهنّ من الثلاث إلى الخمس دون الأربع، قاله في ((العمدة))(١) . وقال النوويّ كَّتُهُ: المراد اغسلنها وتراً، وليكن ثلاثاً، فإن احتجتنّ إلى زيادة، فخمساً، وحاصله أن الإيتار مطلوب، والثلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لم يُشْرَع ما فوقها، وإلا زيد وتراً، حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامّة للبدن. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الراجح وجوب الثلاث؛ للأمر به في هذا الحديث، فتنبّه. (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنّث، إذ القاعدة العربية أن يُجعل أول الكلام لمن يُسأل عنه، وآخره لمن يخاطبه، فيقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة، وكيف تلك المرأة يا رجل، قاله ابن الملقّن رَّتُهُ(٢). وفي رواية أيوب، عن حفصة الآتية: ((اغسلنها وتراً ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً)). قال الحافظ تَخُّْ: ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: ((سبعاً)) التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود، وأما ما سواها، فإما ((أو سبعاً))، وإما ((أو أكثر من ذلك))، فيَحْتَمِل تفسير قوله: ((أو أكثر من ذلك)) بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع، وساق من طريق قتادة، أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطيّة، ثلاثاً، وإلا فخمساً، وإلا فأكثر، قال: فرأينا أن أكثر من ذلك سبعٌ، وقال الماورديّ: الزيادة على السبع سَرَف. وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحبّ الزيادة على ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلها مخالفة للنصّ الصحيح الصريح في الزيادة على السبع، إن دعت الحاجة إليها، فإن رواية: ((ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك)) صحيحة، أخرجها المصنّف بعد حدیثین، (١) ((عمدة القاري)) ٥٨/٨. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٢٩/٤. ٢٩٩ (١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨) والبخاريّ برقم [١٢٥٨]، وغيرهما، فلا التفات إلى خلاف من خالفها، فإن السنّة إذا صحّت فهي الحجة برأسها، وإن خالفها الجلّ، إلا لدليل ينسخها، أو يُقَدّم عليها، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب المصير إليها . وقد ترجم النسائيّ تَّتُهُ ترجمة خاصّة بمشروعية الزيادة في الغسل على السبعة، فقال: [٣٤] ((غسل الميت أكثر من سبعة))، واستدلّ بالزيادة المذكورة في هذه الرواية، فللَّه درّه، ما أحسن استنباطه رحمه الله تعالى !!!. وأما قول الحافظ وتبعه العينيّ: لم أر التعبير بقوله: ((أكثر من ذلك)) بعد قوله: ((أو سبعاً)) إلخ، فهو سهو منهما، فقد عرفت أن التعبير به ثابت في ((الصحيحين))، فتنبّه والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) قال العلامة ابن الملقّن ◌َظُّ: وأتى و له بالنون الثقيلة الجماعة النساء من حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلا جماعة منهنّ، لكن نظراً للمصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهنّ، فحسن جمعهنّ في الرواية، وإفراد أم عطيّة في الخطاب. قال: ومعنى ((إن رأيتنّ)) أي: إن رأيتنّ الزيادة في العدد، وعند الاحتياج، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهنّ، وقيل: معناه إن رأيتنّ الغسل، وما أبعده، وبنى المالكية على ذلك منهم المازريّ الخلاف عندهم في وجوب الغسل، فمن قال بالثاني قال: إن غسله سنة، ومن قال بالأول قال: إنه واجب، وهذا مبنيّ على الخلاف في أن التقييد، والاستثناء، والشرط إذا تعقب جُمَلاً، هل يعود إلى جميعها، إلا ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها؟ وتعجّب بعضهم من النوويّ في نقله الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، فإن الخلاف فيه عندهم، حكاه المازريّ وغيره، وقال القرطبيّ: الأولى أنه سنّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه فرضاً هو الحقّ، كما هو قول الجمهور؛ لأمر النبيّ ◌َ﴿ بذلك، وهو للوجوب عند عدم الصارف، كما هنا، والله تعالى أعلم. قال: وليس عند مالك، وبعض أصحابه في غسل الميت تحديد بعدد ٣٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز معيّن، ولكن يُنقّى الميت، ولا يُقْتَصر مع ذلك على ما دون الثلاث، فإن احتيج إلى الزيادة استحبّ الوتر، وليس لذلك عنده حدّ. قال القاضي عياض: وإلى هذا يرجع قول الشافعيّ وغيره من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسل إلى أكثر من ذلك؛ لقوله: ((إن رأيتنّ ذلك))، ونحا أحمد، وإسحاق إلى أن لا يزاد على سبع، والرواية التي أسلفناها تردّ ذلك. انتهى كلام ابن الملقّن ◌َظّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن القول بالزيادة على السبع إذا احتيج إليه هو الصواب؛ لما تقدم من رواية الشيخين وغيرهما: ((أو سبعاً، أو أكثر من ذلك))، والله تعالى أعلم. وقال ابن المنذر: إنما فوّض الرأي إليهنّ بالشرط المذكور، وهو الإيتار، وحَكَى ابن التين عن بعضهم، قال: يحتمل قوله: ((إن رأيتنّ)) أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه: إن رأيتنّ أن تفعلن ذلك، وإلا فالإنقاء يكفي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت الردّ على هذا القول فيما تقدّم، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق. (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) قال في ((القاموس)): ((السِّدْر)) - بكسر فسكون -: شجر النَّبِقِ، الواحدة بِهاء، جمعه سِدْرَات - بكسر فسكون - وسِدِرَات - بكسرتين - وسِدَرَات - بكسر ففتح - وسِدَر - كذلك - وسُدُرٌ - بضمتين -. انتهى بإيضاح (٢). وقال في ((المصباح)): ((السِّدْرّة)): شجرة النَّبِقِ، والجمع سِدَرٌ - بكسر ففتح - ثم يُجمعُ على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتُجمَع السدرة أيضاً على سِدْرَات - بالسكون - حملاً على لفظ الواحد، قال ابن السَّرَّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ - بكسر فسكون - ويريدون الأقلّ؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أطلق السِّدْر في الغَسْل فالمراد به الوَرَقُ المطحون، قال الحجّة في التفسير: والسدر نوعان: أحدهما ينبت في الأَرْياف، فيُنتَفَع بوَرَقه في الغَسْلِ، (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٢٩/٤ - ٤٣٠. (٢) ((القاموس المحيط)) ٤٦/٢.