Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٨) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى - حديث رقم (٢١٤٠)
تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: ((اتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي))، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي
بِمُصِيبَتِي(١)، فَلَمَّا ذَهَبَ قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَنَتْ
بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا
الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ))، أَوْ قَالَ: ((عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقةٌ
[٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه هذا، وكذا الذي قبله كلاهما ممن اتّفق الجماعة
بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه كسابقه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع، وقد مرّ
تصريح ثابت بالسماع في السند الماضي.
٦ - (ومنها): أن أنساً ظُه ذو مناقب جمّة، فهو الخادم الشهير خدم
النبيّ وَّه عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو من المكثرين السبعة، وآخر
من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاز المائة، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) ظُه، تقدّم في الرواية الماضية: ((عن ثابت، قال:
سمعت أنس بن مالك)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَتَّى عَلَى امْرَأَةٍ) لا يعرف اسمها
(١) وفي نسخة: ((وما تبالي مصيبتي)).

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(تَبْكِي) وفي رواية البخاريّ: ((مرّ النبيّ ◌َّهِ بامرأة تبكي عند قبر)) (عَلَى صَبِيٍّ
لَهَا) أي: لأجل موت ولدها الصغير، هذا يُشعر بأنه ولدها، وصَرَّح به في
مرسل يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق، ولفظه: قد أصيبت بولدها،
وأخرج البخاريّ في أوائل (كتاب الأحكام)) من ((صحيحه)) من طريق أخرى عن
شعبة، عن ثابت، أن أنساً قال لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم،
قال: كان النبيّ ◌َّ مرّ بها، فذكر هذا الحديث(١).
(فَقَالَ لَهَا: «اتَّقِ اللهَ) في رواية أبي نعيم في ((المستخرج»: فقال: ((يا
أمة الله اتقي الله))، قال القرطبيّ: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد، من
نَوح، أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى، يؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير
المذكور: ((فسمع منها ما يَكْرَه، فوقف عليها))، وقال الطيبيّ: قوله: ((اتقي الله))
توطئة لقوله: (وَاصْبِرِي))) كأنه قيل لها: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا
تجزعي؛ ليحصل لك الثواب.
(فَقَالَتْ) جاهلةً بمن يُخاطبها، وظانّةً أنه من آحاد الناس (وَمَا) نافية
(تُبَالِي بِمُصِيبَتِي) وفي بعض النسخ: ((وما تبالي مصيبتي))، بحذف الباء
الموحّدة، قال النوويّ نَّتُهُ: فيه صحّة قول الإنسان: ما أُبالي بكذا، والردّ
على من زعم أنه لا يجوز إثبات الباء، وإنما يقال: ما باليتُ كذا، وهذا غلطٌ،
بل الصواب جواز إثبات الباء وحذفها، وقد كثُر ذلك في الأحاديث. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ ◌َّفُ: قولهم: لا أباليه، ولا أبالي به؛ أي: لا أهتمّ به،
ولا أكترث له، قال: ولا تُستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى
القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالاً
له، وقال أبو زيد: ما باليتُ به مبالاةً، والاسم البِلاءُ وزانُ كتاب، وهو الهمّ
الذي تُحَدِّث به نفسك. انتهى(٣).
وفي رواية البخاريّ: ((قالت: إليك عنّي، لم تُصَب بمصيبتي، ولم
تعرفه))، وفي رواية له: ((فإنك خِلْوٌ من مصيبتي))، وهو بكسر المعجمة وسكون
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٤/٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٧/٦.

٢٠٣
(٨) - بَابُ الصَّيْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى - حديث رقم (٢١٤٠)
اللام، ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة ◌ُبه: ((إنها قالت: يا عبد الله إني أنا
الحرَّى الثَّْلَى، ولو كنت مصاباً عَذَرتني)).
(فَلَمَّا ذَهَبَ) وَلَ من عند المرأة (قِيلَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: ((فَمَرَّ بها
رجل، فقال لها: إنه رسول الله، فقالت: ما عرفته))، وفي رواية أبي يعلى
المذكورة: ((قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا))، وللطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق
يوسف بن عَطِيَّة(١)، عن أنس، أن الذي سألها هو الفضل بن العباس(٢).
(إِنَّهُ) أي: الشخص الذي كلّمك الآن هو (رَسُولُ اللهِ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ
الْمَوْتِ) أي: من شدة الكرب الذي أصابها لَمّا عَرَفَت أنه وجَّهِ خَجَلَاً منه ومَهَابةً،
وإنما اشتبه عليها النبيّ وَّ ر حينما كلّمها؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس
وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
(فَأَتَتْ بَابَهُ) للاعتذار إليه فيما قالته (فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ) أي:
حارسين للباب يمنعون الناس من الدخول عليه، وفي رواية للبخاريّ: ((بوّاباً))
بالإفراد.
(١) وقع في ((الفتح)) بلفظ: ((من طريق عطية))، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) نصّ الطبرانيّ في ((المعجم الأوسط)) ٢٢٢/٦: (٦٢٤٤) حدّثنا محمد بن عليّ
الصائغ، قال: نا سعيد بن منصور، قال: نا يوسف بن عطية السعديّ عن عطاء بن
أبي ميمونة، قال: ثنا أنس بن مالك، أن رسول الله و ﴿ أمر الفضل بن عباس أن
يُعِدّ له طَهُوره، فانطلق رسول الله وَلاَ لحاجته، وكان إذا كانت له حاجة تباعد،
حتى لا يكاد يُرَى، فلما قضى رسول الله وَّ حاجته أقبل راجعاً، فمَرّ بإمرأة عند
قبر ميت لها، وهي تُعَدِّد، وتعَوِّل، فقام رسول الله وَلّ عليها، وهي لا تعرفه، فقال
لها: ((اتق الله، واصبري)»، قالت: يا عبد الله اذهب لحاجتك، فقال لها ثلاثاً، ثم
انصرف، فجاء فأخذ الْمِظْهَرة من الفضل، فقام الفضل، فأتى المرأة، فقال لها: ما
قال لك رسول الله وَ﴿؟، فقامت: فقالت: يا ويلها هذا رسول الله وَله؟، ولم
أعرفه، فسعت حتى لحقته على باب المسجد، فقالت: يارسول الله، والله ما
عرفتك، فقال لها رسول الله وَفيه: ((الصبر عند الصدمة الأولى))، قالها ثلاثاً.
قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن عطاء بن أبي ميمونة إلا
يوسف بن عطية، تفرد به سعيد بن منصور. انتهى.
و((يوسف بن عطيّة الصفّار))، قاله عنه في ((التقريب)): متروك.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قال الزين ابن الْمُنِّير تَخْتُ: فائدة هذه الجملة من هذا الخبر بيان عذر
هذه المرأة في كونها لم تعرفه، وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوّاباً مع
قدرته على ذلك؛ تواضعاً، وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى،
كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة، فلم تعرفه مع ما
كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.
وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه النبيّ 43 *
استَشْعَرت خوفاً وهيبةً في نفسها، فتصورت أن نبيّ الله وَّ و مثل الملوك
والعظماء، له حاجب، وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر
(١)
بخلاف ما تصورته. انتهى
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ) أي: قالت المرأة معتذرةً إليه وَلّ:
اعذرني من تلك الرّة وخشونتها (فَقَالَ) بَ ﴿ِ ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ))
أي: الكامل الذي يُوفّى صاحبه الثواب بغير حساب هو الذي حصل عند أول
صدمة؛ أي: ضربة يُضربها الشخص، وهو كناية عن أول وقوع المصيبة،
وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: ((عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ))) أي: بالتعريف.
وحاصل المعنى: إذا وقع الثبات أول شيء يَهْجُم على القلب من
مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل
الصَّدْم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.
وقال الخطابيّ تََّتُهُ: المعنى أن الصبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان
عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه إذا طالت الأيام يَسْلُو، ويصير
طبعاً، فلا يؤجر عليه.
وحَكَى الخطابيّ عن غيره أن المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنها ليست
من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره.
وقال ابن بطال تَخّْتُهُ: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك، وفقد
الأجر.
وقال الطيبيّ نَّتُهُ: صدر هذا الجواب منه وَلول عن قولها: ((لم أعرفك))
(١) ((الفتح)) ٢٥/٤.

٢٠٥
(٨) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى - حديث رقم (٢١٤٠)
على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار إليّ، فإن من شيمتي أن لا
أغضب إلا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسكِ الثواب الجزيل، والكرامة،
والفضل من الله تعالى بالجزع وعدم الصبر عند فجأة الفجيعة. انتهى (١).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ◌َُّهُ: فائدة جواب المرأة بذلك، أنها لما جاءت
طائعةً لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرةً عن قولها الصادر عن الحزن،
بَيَّن لها أن حقّ هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه
الثواب. انتهى.
ويؤيد هذا أن في رواية أبي هريرة المذكورة: ((فقالت: أنا أصبر، أنا
أصبر))، وفي مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: ((فقال: اذهبي إليك، فإن
الصبر عند الصدمة الأولى))، وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن: ((والْعَبْرَة
لا يملكها ابن آدم)»، قاله في ((الفتح)»(٢).
[تنبيه]: أورد البخاريّ كَّلُ هذا الحديث في ((باب زيارة القبور))، مع
احتمال أن تكون المرأة المذكورة تأخرت بعد الدفن عند القبر، والزيارة إنما
تُطلَق على من أنشأ إلى القبر قصداً من جهة استواء الحكم في حقها، حيث
أمرها بالتقوى والصبر لَمّا رأى من جَزَعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها،
فدلّ على أنه جائزٌ، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها، فأقامت عند
القبر بعد الدفن، أو أنشأت قصد زيارته بالخروج بسبب الميت، قاله في
((الفتح))، وسيأتي حكم زيارة القبور في أواخر أبواب الجنائز - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
◌َلُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤١٩/٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٥/٤ - ٢٦.

٢٠٦
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٣٩/٨ و٢١٤٠ و٢١٤١] (٩٢٦)، و(البخاريّ)
في ((الجنائز)) (١٢٥٢ و١٢٨٣ و١٣٠٢) و((الأحكام)) (٧١٥٤)، و(أبو داود) في
((الجنائز)) (٣١٢٤)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٨٨)، و(النسائيّ) في ((الجنائز))
(٤/ ٢٢)، و((عمل اليوم والليلة)) (١٠٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣/
٥٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥٥١/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣٠/٣
و١٤٣ و٢١٧)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الأوسط)) (٢٢٢/٦)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٢٣٨/٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٦٧ و٢٠٦٨)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٦٥/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّر من التواضع، والرفق بالجاهل،
ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر.
٢ - (ومنها): بيان أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ مَن يحجبه عن حوائج
الناس.
٣ - (ومنها): بيان أن من أُمِر بمعروف ينبغي له أن يَقْبَل، ولو لم يعرف
الآمر.
٤ - (ومنها): بيان أن الجزَع من المنهيات؛ لأمره وَلي لهذه المرأة
بالتقوى، مقروناً بالصبر.
٥ - (ومنها): أن فيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر
الموعظة .
٦ - (ومنها): أن المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المنويّ لا أثر لها،
وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عمرةَ أن عمرة لا
تطلق .
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر
رجلاً أو امرأةً، وسواء كان المزور مسلماً أو كافراً؛ لعدم الاستفصال في
ذلك.

٢٠٧
(٨) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى - حديث رقم (٢١٤١)
قال النوويّ: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز
زيارة قبر الكافر، وهو غلط. انتهى.
وحجة الماورديّ قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهٍِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وفي
الاستدلال به نظرٌ لا يخفى، قاله في ((الفتح))(١)، وسيأتي تمام البحث في مسألة
زيارة القبور في آخر أبواب الجنائز - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٤١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(٢) يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -
يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
عَمْرٍو (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، خَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالُوا جَمِيعاً:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، بِقِصَّتِهِ، وَفِي حَدِيثٍ
عَبْدِ الصَّمَدِ: مَّ النَّبِيُّ ◌َهِ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت٢٨٦) (ع) تقدم في ((لإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م د ت
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢٠.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو) القيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) البُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٧.
(١) ((الفتح)) ٢٦/٤.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٦ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم،
أبو سهل التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
و((شعبةُ)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد شعبة المتقدّم، وهو: عن ثابت
الْبُنانيّ، عن أنس بن مالك
[تنبيه]: أما رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، فقد ساقها، أبو
نعيم في ((مستخرجه)) (١١/٣ - ١٢) مقرونة برواية عثمان بن عمر عنه، فقال:
(٢٠٦٨) حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن
يحيى بن منده، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عُمَر (١)، ثنا أبو أحمد
الغطريفيّ، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد بن
الحارث، قالا: ثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، أن النبيّ وَ ل﴿ أتى على امرأة
تبكي على صبيّ لها، فقال لها: ((اتقي الله، واصبري))، قالت: وما تبالي أنت
بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله بَ لجر، فأخذها مثل الموت، فأتت
بابه، فلم تَجِد على بابه بوّابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال:
((إنما الصبر عند أول صدمة، أو أول الصدمة)).
وأما رواية عبد الملك بن عمرو، وهو أبو عامر الْعَقَديّ، فقد ساقها أبو
نعيم أيضاً مقرونة برواية أبي داود، فقال:
(٢٠٦٧) حدّثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح)
وثنا عبد الرحمن بن العباس الأطروش، من لفظه، ثنا محمد بن يونس، ثنا أبو
عامر العقديّ (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن
حنبل، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، قالوا: ثنا شعبة، عن ثابت، قال:
سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله وَليقول: ((الصبر عند أول صدمة)).
وأما رواية عبد الصمد، عن شعبة فقد ساقها البخاريّ في ((الأحكام))، فقال:
(٧١٥٤) حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا شعبة،
(١) هنا محل (ح) للتحويل، لكن النسخة خالية عنها، فليُتنبّه.

٢٠٩
(٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٢)
حدثنا ثابت البنانيّ، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول لامرأة من أهله:
تعرفين فلانة؟ قالت: نعم، قال: فإن النبيّ وَ﴿ مَرّ بها، وهي تبكي عند قبر،
فقال: ((اتقي الله، واصبري))، فقالت: إليك عني، فإنك خِلْوٌ من مصيبتي،
قال: فجاوزها، ومضى، فمَرّ بها رجلٌ، فقال: ما قال لك رسول الله وَلا؟
قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله وَالر، قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد
عليه بوّاباً، فقالت: يا رسول الله، والله ما عرفتك، فقال النبيّ وَّ: ((إن الصبر
عند أول صدمة)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٤٢] (٩٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ(١)، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ حَقْصَةَ بَكَّتْ عَلَى عُمَرَ،
فَقَالَ: مَهْلاً يَا بُنَّةُ، أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ
أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم الْعُمريّ، أبو عثمان
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
(١) وفي نسخة: ((عن عبيد الله بن عمر، عن نافع)).

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٥ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطاب ﴿هَا، تقدّم قبل باب.
٧ - (عُمَرُ) بن الخطّاب بن نُفَيل بن عديّ القرشيّ العدويّ، أحد الخلفاء
الراشدين، استُشهد نظُه في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
رجال هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ،
والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر ظْهَا (أَنَّ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب أم
المؤمنين ينا، تزوّجها النبيّ وَله بعد خُنيس بن حُذافة، سنة ثلاث من الهجرة،
وماتت سنة (٤٥)، تقدّمت ترجمتها في ((صلاة المسافرين وقصرها)) (١٥/
١٦٧٦). (بَكَتْ عَلَى عُمَرَ) أي: لَمّا طُعِن ◌َ﴿به، وأُغمي عليه (فَقَالَ) أي: لَمَا
أفاق من إغمائه (مَهْلاً) بفتح الميم، وسكون الهاء، وتفتح، اسم من التمهّل،
يقال: تمهّل في أمرك تمهُّلاً: أي اتّئِدْ فيه، ولا تعجل، ونصبه على المصدريّة،
فهو مصدر ناب مناب الفعل، كما قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابٍ﴾ [محمد: ٤]،
فعامله يُحذف وجوباً؛ لنيابته عنه، قال في ((الخلاصة)):
مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلاَ الَّذْ كَانْدُلَا
وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلَا
أي: تمهّلي تمهّلاً (يَا بُنَيَّةُ) تصغير بنتِ (أَلَمْ تَعْلَمِي) استفهام إنكار
وتوبيخ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))؟) أي:
بسبب بكائهم على موته، واختلف في معنى هذا الحديث على أقوال، والراجح
أنه يعذّب إذا كان ذلك من عادته وسنّته، كما هو مذهب الإمام البخاريّ تَُّ،

٢١١
(٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٢)
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب ظ ◌ُه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٤٢/٩ و٢١٤٣ و٢١٤٤ و٢١٤٥ و٢١٤٦
و٢١٤٧ و٢١٤٨] (٩٢٧)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٨٨ و١٢٨٩ و١٢٩٠
و١٢٩٢ و٣٩٧٩)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٠٢ و١٠٠٤ و١٠٠٦)،
و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٤٨ و١٨٥٠ و١٨٥٣ و١٨٥٥ و١٨٥٦ و١٨٥٧
و١٨٥٨)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦/١
و٤١ و٤٢ و٤٤ و٤٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٦٩ و٢٠٧٠ و٢٠٧١
و٢٠٧٢ و٢٠٧٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧١/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله وَي: ((الميت
يعذّب ببكاء أهله عليه)):
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
(الأول): حَمْلُهُ على ظاهره، وهو بيِّنٌ من قصّة عمر مع صُهيب
،
كما سيأتي في الباب.
ويَحْتَمِل أن يكون عمر ◌ُّه كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا
کان قادراً على النھي، ولم يقع منه، فلذلك بادر إلی نھي صُهيب
عنه ،
ese
و کذلك نھی حفصة
وممن أخذ بظاهره أيضاً عبد الله بن عمر، فرَوَى عبد الرزّاق أنه شهد
رافع بن خَدِيج، فقال لأهله: ((إن رافعاً شيخ كبير، لا طاقة له بالعذاب، وإن
المیت یُعذّب بیکاء أهله علیه)).
(الثاني): قول من ردّ هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ الآية [فاطر: ١٨] وممن رُوي عنه الإنكار مطلقاً أبو
هريرة ظه، كما رواه أبو يعلى من طريق بكر بن عبد الله المزنيّ، قال: قال

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
أبو هريرة : ((والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله، فاستُشهد،
فَعَمَدَت امرأته، سَفَهاً وجهلاً، فبكت عليه، ليُعذّبنّ هذا الشهيد بذنب هذه
السفيهة؟))، وإلى هذا جَنَح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد وغيره.
(الثالث): تأويل من أَوَّل قوله: ((ببكاء أهله عليه)) على أن الباء للحال؛
أي: أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدّة بكائهم
غالباً إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يُسأل، ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن
معنى الحديث: إن الميت يُعذّب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن
يكون بكاؤهم سبباً لتعذيبه، حكاه الخطابيّ.
قال الحافظ تَّقُ: ولا يخفى ما فيه من التكلّف، ولعلّ قائله إنما أخذه
من قول عائشة ﴿ها: إنما قال رسول الله وَله: ((إنه ليعذّب بمعصيته، أو بذنبه،
وإن أهله لييكون عليه الآن))، وعلى هذا يكون خاصّاً ببعض الموتى.
(الرابع): تأويل من أوّله على أن الراوي سمع بعض الحديث، ولم
يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لِمَعهود معيّن، كما جزم به أبو بكر الباقلّانيّ
وغيره، وحجتهم ما سيأتي عن عائشة ﴿ّا أنه ذُكِرَ لها أن عبد الله بن عمر
يقول: إن الميت ليعذّب ببكاء الحيّ عليه، فقالت: يغفر الله لأبي
عبد الرحمن ... الحديث.
(الخامس): تأويل من أوّله على أن ذلك مختصّ بالكافر، وأن المؤمن لا
يُعذّب بذنب غيره أصلاً، وهو بيّنٌ من رواية ابن عباس، عن عائشة رضيّا كما
سيأتي.
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وهذه التأويلات عن عائشة ﴿يا متخالفة، وفيه إشعار
بأنها لم ترُدّ الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن.
قال الداوديّ: رواية ابن عباس، عن عائشة ما أثبتت ما نفته عمرة،
وعروة عنها، إلا أنها خصّته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء
أهله، فأيّ فرق بين أن يزداد بفعل غيره، أو يعذّب ابتداء؟.
وقال القرطبيّ: إنكار عائشة ﴿يا ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة،
أو النسيان، أو على أنه سمع بعضاً، ولم يسمع بعضاً بعيد؛ لأن الرواة لهذا

٢١٣
(٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٢)
المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله
على محمل صحيح.
وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة طا بضروب من
الجمع :
أولها: طريقة البخاريّ، حيث ترجم بقوله: باب قول النبيّ وَله: ((يعذّب
الميت ببعض بكاء أهله عليه)) إذا كان النوح من سنته، لقول الله تعالى: ﴿قُوَأ
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية [التحريم: ٦] وقال النبيّ ◌َّ: ((كلكم راع، ومسؤول
عن رعيته))، فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة ﴿ها: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ... إلخ.
ثانيها: وهو أخصّ من الذي قبله ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال
المزنيّ، وإبراهيم الحربيّ، وآخرون، من الشافعية وغيرهم، حتى قال أبو الليث
السمرقنديّ: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النوويّ عن الجمهور قالوا:
وكان معروفاً للقدماء حتى قال طَرَفَة بن العبد [من الطويل]:
إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدٍ
واعتُرض بأن التعذيب بسبب الوصيّة يُستَحَقّ بمجرّد صدور الوصيّة،
والحديث دالٌ على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال.
والجواب أنه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن
لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلاً.
ثالثها: يقع ذلك أيضاً لمن أهمل نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود،
وطائفة، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقّق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا
ظنّ أنهم يفعلون ذلك.
قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النَّوْح، وعرف أن
أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يُعلِمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه،
فإذا عُذّب على ذلك عُذِّب بفعل نفسه، لا بفعل غيره بمجرده.
رابعها: معنى قوله: ((يعذّب ببكاء أهله))؛ أي: بنظير ما يَبكيه أهله به،
وذلك أن الأفعال التي يُعَدِّدُون بها عليه غالباً تكون من الأمور المنهيّة، فهم

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
يمدحونه بها، وهو يعذّب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يمدحونه به، وهذا اختيار
ابن حزم، وطائفة، واستُدِلَّ له بما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر ﴿
قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له ... الحديث، وفيه: ((إن الله لا يعذب
بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو
يرحم ... )) الحديث.
قال ابن حزم: فصحّ أن البكاء الذي يعذَّب به الإنسان ما كان منه
باللسان، إذ يَندُبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفها في غير
طاعة الله، وجُوده الذي لم يضعه في الحقّ، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر،
وهو يعذّب بذلك.
وقال الإسماعيليّ: كثُر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلٌّ مجتهداً
على حسب ما قُدِّر له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم
كانوا في الجاهلية يُغِيرون، ويَسْبُون، ويَقتُلُون، وكان أحدهم إذا مات بكته
باكيته بتلك الأفعال المحرّمة، فمعنى الخبر أن الميت يُعذّب بذلك الذي يبكي
عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما
ذُكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحقّ العذاب عليها .
خامسها: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يُنْدَبه أهله به، كما رَوَى
أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((الميت يعذّب ببكاء الحيّ، إذا قالت
النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جُبِذَ الميتُ، وقيل له: أنت عضدها،
أنت ناصرها، أنت كاسيها؟))، ورواه ابن ماجه: ((يُتَعْتَعُ به، ويقال: أنت
كذلك؟))، ورواه الترمذيّ بلفظ: ((ما من ميت يموت، فتقوم نادبته، فتقول:
واجبلاه، واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وُكل به ملكان يلهزانه، أهكذا
كنت؟))، وشاهده ما رواه البخاريّ في ((المغازي)) من حديث النعمان بن
بشير ﴿ها، قال: ((أَغمِي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي، وتقول:
واجبلاه، واكذا، واكذا، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئاً إلا قيل لي: أنت
كذلك؟».
سادسها: معنى التعذيب تَألَّم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها،

٢١٥
(٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٢)
وهذا اختيار أبي جعفر الطبريّ من المتقدّمين، ورجحه ابن المرابط، وعياض،
ومن تبعه، ونصره ابن تيمية، وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث
قيلة - بفتح القاف، وسكون التحتانية - بنت مخرمة - بفتح الميم، وسكون
المعجمة - الثقفية ﴿ها قال: قلت: يا رسول الله قد ولدته، فقاتل معك يوم
الربَذَة، ثم أصابته الحمّى، فمات، ونزل عليّ البكاء، فقال رسول الله وَلير:
((أيُغْلَب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفاً، وإذا مات استرجع،
فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي، فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله
لا تعذّبوا موتاكم)).
وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة،
وابن أبي شيبة، والطبرانيّ، وغيرهم، وأخرج أبو داود، والترمذيّ أطرافاً منه،
قال الطبريّ: ويؤيده ما قاله أبو هريرة: إن أعمال العباد تُعرَض على أقربائهم
من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير
،
مرفوعاً، أخرجه البخاريّ في ((تاريخه))، وصححه الحاكم، قال ابن المرابط:
حديث قَيلة نصّ في المسألة، فلا يُعدَل عنه.
واعترضه ابن رُشد بأنه ليس نصّاً، وإنما هو مُحْتَمِل، فإن قوله: ((فيستعبر
إليه صويحبه)) ليس نصّاً في أن المراد به الميت، بل يَحْتَمِل أن يراد به صاحبه
الحيّ، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه.
قال الحافظ تَُّ بعد ذكر هذه التوجيهات: ويَحْتَمِل أن يُجمَع بين
التوجيهات، فينزّل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلاً: من كانت طريقته
النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ بذلك عذّب بصنعه، ومن كان ظالماً،
فنُدب بأفعاله الجائرة عذّب بما نُدِب به، ومن كان يَعرِف من أهله النياحة،
فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضياً بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض
عذّب بالتوبيخ، كيف أهمل النهي؟، ومن سَلِمَ من ذلك كله، واحتاط، فنهى
أهله عن المعصية، ثم خالفوه، وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من
مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الجمع فيه تكلّف، بل
الأولى الترجيح بين هذه التوجيهات، كما سيأتي قريباً .

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وحكى الكرمانيّ تفصيلاً آخر، وحسّنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ،
وحال يوم القيامة، فيُحْمَل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]
على يوم القيامة، ويُحْمَل هذا الحديث، وما أشبهه على البرزخ، ويؤيّده أن
مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاضَةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، فإنها دالّة على جواز وقوع التعذيب
على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون حال البرزخ
بخلاف حال يوم القيامة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي قاله الكرمانيّ يعارضه ما في
بعض الأحاديث من التنصيص بأن ذلك التعذيب إنما يكون في القيامة، فقد
أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة حظبه، مرفوعاً: ((من نِيح عليه، فإنه
یعذّب بما نیح عليه يوم القيامة)).
إذا علمت هذه الأقوال بما لها، وما عليها، فأرجحها عندي ما ذهب إليه
الإمام البخاريّ تَّتُهُ، من أن ذلك إذا كان من سنّته، كما أسلفنا قوله في
ذلك.
والحاصل أن هذا التعذيب في حقّ من له تسبب في بكاء أهله عليه، بأن
يكون البكاء من سنته وطريقته، أو أوصى به في حياته، أو عَرَف أن أهله
سيفعلون ذلك، وأهمل النهي والزجر عنه، وهذا التوجيه أقرب التوجيهات
عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم في الباب الماضي.

٢١٧
(٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٤)
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يُدلّس، رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النون فعل ماضٍ مغيّر الصيغة، وقال
النوويّ تَكْثُهُ: قوله: ((بما نِيح عليه)) بإثبات الباء، وحذفها، وهما صحيحان،
وفي رواية بإثبات ((في قبره))، وفي رواية بحذفها. انتهى.
والنَّوْحُ: رفع الصوت بتعديد شمائل الميت، ومحاسن أفعاله، يقال:
ناحت المرأة على الميت: إذا ندبته؛ أي: بكت عليه، وعدّدت محاسنه،
وقيل: النوح بُكاءٌ مع صوت(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تخَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٤٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَّه
قَالَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)(٢).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((المرعاة)) ٤٧٣/٥.
(٢) وفي نسخة: ((ما نيح عليه)).

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، يدلّس، واختلط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ،
فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَّ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ
لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ»؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ) أي: ابن الخطّاب ◌ُه، والفعل مبنيّ للمفعول؛
أي: طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وستأتي قصّته قريباً.
وقوله: (أُغْمِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضاً، يقال: غُمِي على المريض
ثلاثيّاً مبنيّاً للمفعول، فهو مغميّ عليه على مفعول، وأَغمي عليه إغماء بالبناء
للمفعول أيضاً، ومعناه: غُشي عليه.

٢١٩
(٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٦)
(فَصِيحَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: صرخ أهل البيت، ورفعوا
أصواتهم.
وقوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ) أي: رجع من إغمائه، يقال: أفاق المجنون إفاقةً:
رجع إليه عقله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ (١)، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الشَّيْيَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا
أَخَاهْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ
لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ الْحَيِّ»؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ
[٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨.
٢ - (أَبُو بُرْدَةَ) عامر، أو حارث بن أبي موسى الأشعريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم أبو موسى الأشعريّ ظُه، تقدّم
قريباً أيضاً.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (جَعَلَ صُهَيْبٌ) هو ابن سِنان الروميّ الصحابيّ المشهور بَظُه،
أبو يحيى النَّمَريّ، من النَّمِر بن قاسط، ويُعرَف بالرُّوميّ؛ لأنه أقام في الروم
مدةً، وهو من أهل الجزيرة سُبِي من قرية نِينُوَى، من أعمال الْمَوْصِل، وقد كان
أبوه أو عمه عاملاً لكسرى، ثم إنه جُلِب إلى مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان
القرشيّ التيميّ، ويقال: بل هَرَب، فأتى مكة، وحالف ابن جدعان.
(١) زاد في نسخة: ((السعديّ)).

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وقال أبو عمر بن عبد البرّ: كان أبو صهيب، أو عمه عاملاً لكسرى على
الأُبُلَّة، وكانت منازلهم بأرض الْمَوْصِل، فأغارت الروم عليهم، فسَبَت صهيباً،
وهو غلام، فنشأ بالروم، ثم اشترته كَلْبٌ، وباعوه بمكة لعبد الله بن جُدْعان،
فأعتقه، وأما أهله فيزعمون أنه هَرَب من الروم، وقَدِم مكة. انتهى(١).
وهو من السابقين الأولين المعذّبين في الله تعالى، هاجر إلى المدينة،
ومات ظُه بها سنة (٣٨)، وتقدّمت ترجمته في ((كتاب الإيمان)) [٤٥٦/٨٦].
وقوله: (وَا أَخَاهْ) ((وا)) حرف نُدبة، والألف في ((أخاه)) مزيدة لتطويل مدّ
الصوت، والهاء هاء السكت يجوز زيادتها في الوقف، وحذفها، كما قال في
«الخلاصة» :
وَإِنْ تَشَا فَالْمَدَّ وَالْهَا لَا تَزِدْ
وَوَاقِفاً زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ
وقوله: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ)) قالَ في ((الفتح)): الظاهر أن
الحيّ مَن يقابل الميت، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به القبيلة، وتكون اللام فيه
بدل الضمير، والتقدير: يُعَذَّب ببكاء حَيِّه؛ أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرواية
الأخرى: ((ببكاء أهله))، وفي الرواية التالية: ((من يُبكى عليه يعذب))، وهي
أعمّ، وفيه دلالة على أن الحكم ليس خاصّاً بالكافر، وعلى أن صهيباً أحدٌ من
سمع هذا الحديث من النبيّ (آلے، وكأنه نسیه، حتى ذگره به عمر ټڅته.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر ◌َّتُهُ: أنكر عمر على صهيب ﴿ّ بكاءه؛ لرفع
صوته بقوله: ((وا أخاه))، فَفَهِم منه أن إظهاره لذلك قبل موت عمر رظُهُ يُشعر
باستصحابه ذلك بعد وفاته، أو زيادته عليه، فابتدره بالإنكار لذلك، والله
أعلم.
وقال ابن بطال كَّتُ: إن قيل: كيف نَهَى عمر صهيباً عن البكاء، وأقرّ
نساء بني المغيرة على البكاء على خالد؟(٢).
(١) راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ١٧/٢ - ٢٦.
(٢) قصّة خالد هي ما علّقه البخاريّ كَُّ في ((الصحيح)) بقوله: وقال عمر بنظُه: ((دعهنّ
يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقعٌ، أو لقلقة))، والنقع: التراب على الرأس،
واللقلقة: الصوت. انتهى.
=