Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥) ومعناه: تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في ((النهاية))، وقال في ((الفتح)): القعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والجملة في محلّ نصب على الحال من ((الصبيّ)). وقال القرطبيّ: قال الهرويّ: يقال: تقعقع الشيء: إذا اضطرب وتحرّك، ويقال: إنه ليتقعقع لَّحْياه من الكِبَر، وقال غيره: القعقعة هنا صوت النفَس، وحشرجة الصدر، ومنه قعقعة الجلود والترسة والأسلحة، وهي أصواتها . انتھی(١). (كَأَنَّهَا) أي: نفسه (فِي شَنَّةٍ) بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، ووقع في رواية عند البخاريّ: ((حسبتُ كأنها شنّ)»، وعلى هذا، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه، أفاده في ((الفتح)). (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي: سالت بالدموع عينا رسول الله وَّهِ (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ) أي: ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: ((فقال عبادة بن الصامت))، والصواب ما في ((الصحيح))، قاله في ((الفتح)) (مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟، وفي رواية للبخاريّ: ((فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟))، وزاد أبو نعيم في ((المستخرج)): ((وتنهى عن البكاء)). وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ ... إلخ)): معناه: أن سعداً به ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ وَ﴿ نسي، فذكّره، فأعلمه النبيّ وَّ أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما. انتهى (٢). (قَالَ) وَهِ: («هَذِهِ رَحْمَةٌ) أي: الدمعة التي تشاهدونها أثر رحمة من الله (١) ((المفهم)) ٥٧٥/٢. (٢) ((شرح النووي)) ٢٢٥/٦ - ٢٢٦. ١٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز تعالى، وفي رواية: ((هذا رحمة)) بتذكير الإشارة؛ أي: هذا الدمع الذي تراه أثر رحمة من الله تعالى. وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((هذه رحمة)): أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه الله برحمته، وهو المعنيّ بقوله وقلقه: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء))، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن الله تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]. انتهى(١). (جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ) أي: إن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمّد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهيّ عنه الجزع، وعدم الصبر. (وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)) وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب الطبّ)): ((ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء)). و((مِنْ)) في قوله: ((من عباده)) بيانية، وهي حال من المفعول، وهو ((الرحماء))، وقُدِّم عليه ليكون أوقع، و((الرحماء)): جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، عند أبي داود وغيره: ((الراحمون يرحمهم الرحمن))، و((الراحمون)) جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة. وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ ((الرحماء)) في حديث الباب بما حاصله: أن لفظ الجلالة دالٌ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقاً للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جارياً على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دالّ على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، والله تعالى أعلم، ذكره في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) «المفهم)) ٢ /٥٧٥ - ٥٧٦. (٢) ((الفتح)) ٣٨/٤. ١٨٣ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ظًّا هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢١٣٥/٦ و٢١٣٦) (٩٢٣)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٨٤) و((المرضى)) (٥٦٥٥) و((القدر)) (٦٦٠٢) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٥٥) و((التوحيد)) (٧٣٧٧ و٧٤٤٨)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٢٥)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٦٨) و((الكبرى)) (١٩٩٥)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٨٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٠٤/٥ و٢٠٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٦٤)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤٦١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٨/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة. ٢ - (ومنها): مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر؛ ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك. ٣ - (ومنها): جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة. ٤ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: ((إن ابناً لي قُبض))، مبالغةً في ذلك؛ لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك. ٥ - (ومنها): مشروعيّة إبرار القسم. ٦ - (ومنها): أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاوماً للحزن بالصبر. ٧ - (ومنها): إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله. ٨ - (ومنها): تقديم السلام على الكلام. ٩ - (ومنها): عيادة المريض، ولو كان مفضولاً، أو صبيّاً صغيراً. ١٠ - (ومنها): أن أهل الفضل لا ينبغي أن يقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرّة. ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ١١ - (ومنها): استفهام التابع من إمامه عما أشكل عليه، مما يتعارض ظاهره. ١٢ - (ومنها): حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: ((يا رسول الله)) على الاستفهام. ١٣ - (ومنها): الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين. ١٤ - (ومنها): جواز البكاء من غير نوح ونحوه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم البكاء على الميت: قال النوويّ كَّثُ في ((شرح المهذّب)): قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى؛ لحديث جابر بن عَتِيك ◌َظُه أن رسول الله وَه جاء يعود عبد الله بن ثابت ... الحديث، حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ وغيرهم(١). (١) قال الإمام أبو داود كَّتُ (٣١١١): حدّثنا القعنبيّ، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عَتيك، عن عتيك بن الحارث بن عتيك، وهو جدّ عبد الله بن عبد الله أبو أمه، أنه أخبره أن عمه جابر بن عتيك أخبره، أن رسول الله وَ التر جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله ◌َّر، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله وَ ل﴿، وقال: ((غُلِبنا عليك يا أبا الربيع))، فصاح النسوة، وبَكَين، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال رسول الله وَّهُ: ((دعهنّ، فإذا وجب، فلا تبكين باكية))، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: ((الموت))، قالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً، فإنك كنت قد قضيت جهازك، قال رسول الله رضا ه : ((إن الله ت قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟» قالوا: القتل في سبيل الله تعالى، قال رسول الله وَلجر: ((الشهادة سبع، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بِجُمْع شهيد)». انتهى. ١٨٥ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥) ولفظ الشافعيّ في ((الأمّ)): وأرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن، وقال صاحب ((الشامل)) وطائفة: يكره البكاء بعد الموت؛ لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ مُحْتَمِلٌ، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة، أما الندب والنياحة، ولَظْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشَّعْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعيّ في ((الأمّ))، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين تَظُه: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا كان مختاراً، فإن كان مغلوباً لم يُؤاخَذ به؛ لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ تَخْتُهُ في ((الأمّ)»: وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(١) . وقال الحافظ أبو عمر كَّهُ في ((التمهيد)): وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول الله وَلجه: ((دعهنّ - يعني يبكين حتى يموت - ثم لا تبكينّ باكية))، يريد - والله أعلم - لا تبكينّ نياحاً، ولا صِيَاحاً بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُذْبة، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس ◌ًا في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللهُ أضحك، وأبكى. وقال في ((الاستذكار)) ما حاصله: الصِّيَاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء. بكى رسول الله وَّر على إبراهيم ابنه، وقال: ((إنها رحمة))، أخرجه مسلم. (١) راجع: ((المجموع)) ٢٨٠/٥ - ٢٨١. ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وبَكَى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: ((إنما هي رحمة، جعلها الله في قلوب عباده))، أخرجه أبو داود. وعن أنس ◌ُ: ((أن النبيّ وَّ نَعَى جعفراً، وزيداً، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان))، أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة تظله: ((زار رسول الله بص له قبر أمه، فبكى، وأبكى مَن حوله))، أخرجه مسلم. وروى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت بن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَوْح. وثبت عن النبيّ وَ﴿ أنه نَهَى عن النَّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطيّة، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم عه، وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخّص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت. وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ لتر، لما رجع من أحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: ((لكن حمزة لا بواكي له))، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول الله وَل﴾ من الليل، فسمعهنّ، وهنّ يبكين، فقال: ((وَيْحَهُنّ، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم)). وعن أبي هريرة ◌ُه قال: مُرّ على النبيّ ونَ﴿ بجنازة يُبكَى عليها، وأنا معه، وعمر بن الخطاب ... الحديث(١). انتهى كلام الحافظ (١) الحديث أخرجه النسائيّ بسنده، عن سلمة بن الأزرق، قال: سمعت أبا هريرة قال: مات ميت من آل رسول الله وَ*، فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهنّ، ويطردهنّ، فقال رسول الله وَالَ: ((دعهنّ يا عمر، فإن العين دامعة، والقلب مُصَابٌ، والعهد قريبٌ))، والحديث صحيح، وقد ضعفه بعضهم؛ لجهالة سلمة بن الأزرق، لكن الحقّ أنه معروف، قد عرفه ابن عمر، واعتمد عليه، راجع= ١٨٧ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥) أبي عمر كَّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن الأحاديث الدّالّة على إباحة البكاء دون النوح حديث جابر ظه في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أحد، فقد أخرج قال: لَمّا قُتِل أبي جعلت أكشف الثوب عن الشيخان عن جابر بن عبد الله وجهه أبكي، وينهوني عنه، والنبيّ ◌َّ لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبيّ ◌َله: ((تبكين، أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه)) . ومنها: حديث أبي هريرة به قال: ((زار النبيّ ◌َل قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله .... )) الحديث، أخرجه مسلم، وسيأتي. ومنها: حديث أنس ﴿به أن النبيّ وَّ ذَرَفَت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال: ((إنها رحمة))، ثم قال: ((العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا)). متفق عليه. وهو عند الترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر ظُه بلفظ: إن النبيّ وَّ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبيّ وَ﴾، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: ((لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان)). ومنها: حديث عائشة ضيها، قالت: ((رأيت رسول الله وَّه يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل))، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس رضيًا، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئاً لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول الله وَله إليها، نظر غضبان، فقال: ((وما يدريكِ؟))، قالت: يا رسول الله فارسك، = الكلام في هذا في ((شرح النسائيّ))، وأيضاً للحديث شواهد كثيرة، مذكورة هناك، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((الاستذكار)) ٣١٢/٨ - ٣١٤. ١٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وصاحبك، فقال رسول الله وَالر: ((والله إني رسول الله، وما أدري ما يُفْعَل بي))، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول الله وَلقه، قال رسول الله قال: (الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون))، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله وَ لقه بيده، وقال: ((مهلا يا عمر)»، ثم قال: ((ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان))، ثم قال: ((إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله وم، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان)). انتهى. قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في («مجمع الزوائد» ١٧/٣: وفيه عليّ بن زید، وفيه كلام، وهو موثّق. انتهى. ومنها: ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله و الجر، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من هذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقاً، قبل الموت، وبعده، إذا خلا عن النياحة، وشَقِّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه. ومن هنا يُعلم الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته. وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقاً، ومقيّداً بما بعد الموت تُحْمَل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله وَل# في الحديث المتقدّم: ((ولكن نهيت عن صوتين ... )). وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: ((إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله رَك، ومن الرحمة ... )). وقوله في حديث ابن عمر السابق: ((إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب ... )). فيكون معنى قوله وَله: ((لا يبكين على هالك بعد اليوم))، وقوله: ((فإذا وجب فلا تبكين باكية)) النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح. ١٨٩ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٦) وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده، ويردّه ما تقدم من حديث أبي هريرة ظه من قصّة زجر عمر للباكيات، وحديث عائشة رضيّنا في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر المتقدّم، وحديث أبي هريرة به في قصة بكاء النبيّ و ◌َ﴿ عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس ها في قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول الله صل*، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه. وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعيّ تَخْذّقُهُ، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم. والحاصل أن الجمع الأول هو الحقّ والصواب، كما أفاده العلامة الشوكانيّ رَّتُهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعاً عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ حَمَّادٍ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفّيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٣٥٨/٦٣. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن عاصم الأحول، هذه ساقها البيهقيّ في ((الكبرى)) (٦٨/٤) فقال: (١) راجع: ((نيل الأوطار)) ١٢٣/٤ - ١٢٤. ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز (٦٩٤١) أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهديّ، عن أسامة بن زيد ﴿ قال: أُتِي النبيُّ وَّ بابنة ابنته، ونفسها تقعقع، كأنها في شَنّ، فقال رسول الله وَله: (لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكلُّ إلى أجل مسمى))، قال: وبكى، فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله أتبكي، وقد نهيت عن البكاء؟ فقال رسول الله وله: ((إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْلهُ المذكور أول الكتاب قال : [٢١٣٧] (٩٢٤) - (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَعُودُهُ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ(٢)، فَقَالَ: ((أَقَدْ قَضَى؟)) قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ بَكَوْا، فَقَالَ: ((أَلَا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْع الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((في غشيته)). ١٩١ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٧) ٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ(١) الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريباً . ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، تقدّم قريباً أيضاً. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ) هو: سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن الْمُعَلّى، ويقال: ابن أبي المعلى الأنصاري المدني القاضي، ثقة [٣]. رَوَى عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن حسین . وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، وعمارة بن غَزِيّة، وعمرو بن الحارث، وزيد بن أبي أُنيسة، وفُليح بن سليمان، وغيرهم. قال ابن معين: مشهورٌ، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ذكر ابن سعد أنه سعيد بن أبي سعيد الحارث بن أوس بن المعلَّى، وصوّبه أبو أحمد الدمياطي، والله أعلم، قاله الحافظ ◌َّثهُ(٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده . ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا، تقدّم قريباً. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف كَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه ومنهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى سعيد، وهو الصحابيّ ومدنيّان، وأما الصحابيّ، فقد سبق الكلام فيه قريباً. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ) قاضي المدينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن (١) بتشديد الواو. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ١٤/٤. ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الخطّاب ◌ِ﴿يَا أنه (قَالَ: اشْتَكَى) أي: مَرِضَ (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بن دُلَيم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أحد النقباء ليلة العقبة، وأحد الأجواد، وقع في ((صحيح مسلم)) أنه شهد بدراً، والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيّأ للخروج، فنُهِس، فأقام، مات رظُه بأرض الشام سنة خمس عشرة، وقيل غير ذلك، وليس له في ((الصحيحين)) رواية، وإنما له ذكر فقط. (شَكْوَى) بلا تنوين، ويُنوّن أيضاً، كما قاله في ((القاموس))، وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة ل((شكوى)) (فَأَتَى رَسُولُ اللهِ وَهـ يَعُودُهُ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه زائراً له (مَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﴿َه، وفي رواية عمارة بن غزيّة التالية: ((فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر)) (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ) زاد في رواية عمارة بن غزية التالية: ((فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله وَلآ، وأصحابه الذين معه)) (وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ) بفتح الغين، وكسر الشين المعجمتين، وتشديد الياء، قال القاضي عياض: هكذا رواية الأكثرين، قال: وضبطه بعضهم بإسكان الشين، وتخفيف الياء، وفي رواية البخاريّ ((في غاشية))، وكله صحيح، وفيه قولان: أحدهما: من يغشاه من أهله، والثاني: ما يغشاه من کرب الموت. انتھی. وفي نسخة: ((في غَشْيَتِهِ)). ووقع في رواية للبخاريّ: ((فوجده في غاشية أهله))، قال في ((الفتح)): قوله: ((في غاشية أهله)) بمعجمتين: أي الذين يَغْشَونه للخدمة وغيرها، وسقط لفظ ((أهله)) من أكثر الروايات، وعليه شرح الخطابيّ، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية الْغَشْيَةُ من الكرب، ويؤيده ما وقع في رواية مسلم: ((في غَشْيَتِهِ)، وقال التوربشتيّ: الغاشية هي الداهية، من شرّ، أو من مرض، أو من مكروه، والمراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي هو فيه، لا الموت؛ لأنه أفاق من تلك المرضة، وعاش بعدها زماناً. انتهى(١). (فَقَالَ) وَهِ: ((أَقَدْ قَضَى؟») بالبناء للفاعل، يقال: قَضَى فلانٌ، كَرَمَى: إذا مات، والقاضية: الموت؛ أي: أقد مات، وخرج من الدنيا؟ ظنّ و ◌َلي أنه (١) ((الفتح)) ٦٨/٤. ١٩٣ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٧) مات، فسأل عن ذلك، فـ(قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ﴾ أي: لم يمت (فَبَكَى رَسُولُ اللهِ﴾ أي: رحمةً عليه، يقال: بكَى يبكي بُكّى، وبُكاءً بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]: بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بَكَيْتُهُ، وبَكَيتُ عليه، وبَكَيتُ له، وبَكَيتُهُ بالتشديد، وبَكَت السماءُ: أمطرت(١). (فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ وَّه) في نسبة البكاء إلى الرؤية إشارة إلى أنه لم يكن إلا خروج الدمعة، (بَكَوْا) بفتح الكاف، كَرَمَوْا، قال في ((الفتح)): في هذا إشعارٌ بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبيّ وَّ؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ولم يعترضه بمثل ما اعتَرَضَ به هناك، فدَلّ على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضرّ. انتهى(٢). (فَقَالَ) وَلِ: ((أَلَا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللهَ) بكسر الهمزة استئنافاً؛ لأن قوله: ((تسمعون)) لا يقتضي مفعولاً؛ لأنه جُعل كاللازم، فلا يقتضي مفعولاً؛ أي: ألا توجدون السماعَ، كذا قرّره البرماويّ، والحافظ، كالكرمانيّ، وقد تعقّب ذلك العينيّ، فقال: وما المانع أن يكون بالفتح في محلّ المفعول لـ((تسمعون))، وهو الملائم لمعنى الكلام. انتهى. وقال القسطلانيّ: لكن الذي في روايتنا بالكسر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر جواز الأمرين، لكن إن تعينت الرواية بالكسر، كما قال القسطلانيّ، فيتعيّن ما قاله الأولون، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال الحافظ تَّلُهُ: وفيه إشارة إلى أنه فَهِم من بعضهم الإنكار، فَبَيَّن لهم الفرق بين الحالتين. انتهى. (لَا يُعَذِّبُ بِدَمْع الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: هذا يدلّ (١) ((المصباح المنير)) ٥٩/١. (٢) ((الفتح)) ٦٨/٤. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائزٌ قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه مندوبٌ إليه؛ لأنه وَ لّ قد قال فيه: ((إنها رحمة))، والرحمة مندوبٌ إليها، فأما النياحة التي كانت الجاهليّة تفعلها، من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من الخصال الدنيويّة، والمذمومة، والصُّراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى التسخّط، والعبث، من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، فكلُّ ذلك محرَّمٌ، من أعمال الجاهليّة، ولا يُختَلف فيه، فأما بكاءٌ وصُراخٌ لا يكون معه شيء من ذلك، فهو جائزٌ قبل الموت، مكروهٌ بعده، أما جوازه فبدليل حديث جابر بن عتيك الذي أخرجه مالك، وذلك أن رسول الله وكلمته جاء يعود عبدَ الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب عليه فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله وَ له، وقال: ((غُلِينا عليك يا أبا الربيع))، فصاح النسوة، وبكين، فجعل جابر يُسَكِّتهنّ، فقال رسول الله وَ له: ((دعهنّ، فإذا وجب فلا تَبْكِيَنّ باكية))، قالوا: يا رسول الله وما الوجوب؟ قال: ((إذا مات ... )) الحديث(١). قال: ووجه الاستدلال أنه وَجه أقرّهنّ على البكاء، والصياح قبل الموت، وأمر بتركهنّ على ذلك، وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛ لما في حديث جعفر من بكائهنّ بعد الموت، وإعلام النبيّ ◌َ ﴿ بذلك، ونهيهنّ عنه، فلما لم ينكففن قال للمبلّغ: ((احثُ في أفواههنّ التراب))(٢)، ولم يبالغ في الإنكار عليهنّ، ولا زجرهنّ، ولا ذمّهنّ، ولو كان ذلك محرّماً لفعل كلّ ذلك، والله أعلم. قال: وبهذا الذي قرّرناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب، ويصحّ جمعها، فتمسّك به، فإنه حسنٌ جدّاً، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ◌َظُّهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ كمال، إلا أن (١) حديث صحيح راوه مالك في ((الموطأ)) ٢٣٣/١، وأبو داود برقم (٣١١١)، والنسائيّ ١٨٤٦. (٢) سيأتي للمصنّف برقم (٩٣٥). (٣) ((المفهم)) ٥٧٦/٢ - ٥٧٧. ١٩٥ (٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٧) قوله: ((إنه مكروه، وليس بمحرّم)) فيه نظر لا يخفى، ومن الغريب احتجاجه عليه بقصّة جعفر ظه، وفيه إنكار النبيّ وَّ، ومبالغته في ذلك حيث أمر أن يُحتى التراب في أفواههنّ، وهل معنى الإنكار إلا هذا؟، وكيف يقول: ولا زجرهنّ، أليس هذا الزجر؟ إن هذا لهو العجب، والله تعالى أعلم. (وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا) أي: تكلّم بسوء، من الجزع والنياحة (وَأَشَارَ) ◌َهـ (إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ))) أي: بهذا، إن قال خيراً، كالاسترجاع، واستسلم لقضاء الله تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: ((أو يرحم))؛ أي: إن لم يُنفّذ الوعيد. وزاد في رواية البخاريّ تَّلُهُ: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وكان ابن عمر ﴿يَا يضرب فيه بالعصا، ويَرمي بالحجارة، ويَحْثِي بالتراب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر لطفي (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٣٧/٦] (٩٢٤) و[٢١٣٨/٧] (٩٢٥)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٠٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٦٥ و٢٠٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٦٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب عيادة المريض. ٢ - (ومنها): عيادة الفاضل للمفضول، والإمام أتباعه مع أصحابه. ٣ - (ومنها): فيه النهيُ عن المنكر، وبيان الوعيد عليه. ٤ - (ومنها): جواز البكاء عند المريض. ٥ - (ومنها): جواز اتباع القوم للباکي في بكائه. ٦ - (ومنها): يستفاد من زيادة البخاريّ المذكورة أن الميت يُعَذَّب ببكاء ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز أهله، وسيأتي البحث في ذلك مستوفى قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٧) - (بَابُ عِيَادَةِ الْمَرْضَى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٣٨] (٩٢٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَم، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ، يَعْنِي ابْنَ غَزِيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بَّنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((يَا أَخَا الْأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟) فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟))، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلَا خِفَاقٌ، وَلَا قَلَانِسُ، وَلَا قُمُصٌ، نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ، حَتَّى ◌ِثْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) الزَّمِنُ، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَم) بن عبد الله الثقفيّ، أبو جعفر البصريّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ [١٠] (خ م د س) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٦/٧. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) تقدّم قريباً أيضاً. والباقيان ذكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى) هكذا في هذه الرواية هو: سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن المعلّى، كما سبق في الرواية الماضية، نسب أباه هنا ١٩٧ (٧) - بَابُ عِيَادَةِ الْمَرْضَى - حديث رقم (٢١٣٨) ٠٠٠ لجدّه (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﴿ه (أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لا يُعرف اسمه، كما قال صاحب ((التنبيه)) (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي: النبيّ وَّهِ (ثُمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا أَخَا الْأَنْصَارِ) أي: صاحبهم، ومن هو من نسبهم (كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟)) قال القرطبيّ تَُّ: فيه دليلٌ على حسن التعاهد، وتفقّد الإخوان، والسؤال عن أحوالهم إذا فُقدوا، وعلى الاستلطاف في السؤال عنهم. انتهى(١). (فَقَالَ) الأنصاريّ: (صَالِحٌ) أي: لا بأس به، فهو في قيد الحياة، يُرجى أن يبرأ من مرضه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟») أي: من الذي يريد أن يزوره في بيته معي؟. قال القرطبيّ كَّلُهُ: وفيه الحضّ على عيادة المرضى، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تدلّ على ندبيّتها، وكثرة ثواب فاعلها، وهي مندوبةٌ، وقد تجب إذا خيف على المريض ضيعةٌ، فإن التمريض واجب على الكفاية، فمن قام به سقط عن غيره. انتهى(٢). (فَقَامَ) بَرِ (وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ) هكذا النسخ، قال الفيّوميّ: ((البِضْعُ)) في العدد بالكسر، وبعض العرب يفتحه، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: بضع رجال، وبضع نسوة، ويُستعمَل أيضاً من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في ((بضع)) مع المذكر، وتُحْذَف مع المؤنث، كالنَّيِّفِ، ولا يُستعمَل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بضعةٌ وعشرون رجلاً، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البضع والبضعة في العدد قطعةٌ مُبْهَمةٌ غير محدودة. انتهى(٣). [تنبيه]: لم يُذكر من هؤلاء البضعة عشر غيرُ من تقدّم ذكرهم في الحديث الماضي، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر؛ لأنه قال في هذه الرواية: ((وقمنا معه))، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٥٧٨/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٠/١. (٢) ((المفهم)) ٥٧٨/٢. ١٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز [تنبيه آخر]: نسخ ((صحيح مسلم)) التي بين أيدينا هكذا بلفظ: ((ونحن بضعة عشر))، ووقع في مختصر القرطبيّ لـ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((ونحن سبعة عشر))، ولا أدري من أين أخذه، فليُحرَّر، والله تعالى أعلم. (مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ) بالكسر جمع نعل، وهي الحذاء، وهي مؤنّثة، وتُجمع أيضاً على أَنْعُل، كسهم، وأسهم، وسِهَام (وَلَا خِفَاقٌ) بالكسر أيضاً جمع خُفّ، وهو ما يُلْبَسُ في الرجل من جلد رقيق(١). (وَلَا قَلَانِسُ) بالفتحِ: جمع قَلَنْسُوة، بوزن فَعَنْلُوة، بفتح العين، وسكون النون، وضمّ اللام، قاله في ((المصباح))، وقال في ((القاموس)): والْقَلَنْسُوةُ، والْقُلَنْسِيَةُ إذا فتحت ضممت السين، وإذا ضممت كسرتها، تُلْبس في الرأس، جمعها فلانِسُ، وقلانيسُ، وقَلَنْسٍ، وأصله قَلَنْسُوٌ، إلا أنهم رَفَضُوا الواو؛ لأنه ليس اسم آخره حرف علّة قبلها ضمّة، فصار آخِرَهُ ياءٌ مكسورٌ ما قبلها، فكان كقاضٍ، وقَلَاسِيٍّ، وفَلَاسٍ. انتهى(٢). (وَلَا قُمُصٌ) بضمّتين: جمع قميصٍ، قال في ((القاموس)): القَمِيص، وقد يؤنّث: معروفٌ، أو لا يكون إلا من قطن، وأما من الصوف، فلا. جمعه قُمَصٌ، وأَقِمِصةٌ، وقُمْصانٌ. انتهى(٣). (نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ) بالكسر: سَبَخة، قال في ((القاموس)»: السَّبَخَةُ محرّكةً، ومُسكّنةً: أرض ذاتَ نَزّ ومِلْحِ، جمعها سِبَاخٌ. انتهى(٤). وقال في ((المصباح)): سَبِخَت الأرض سَبَخاً، من باب تَعِبَ، فهي سَبِخَةٌ بكسر الباء، وإسكانُهَا تخفيفٌ، وأسبخت بالألف لغةٌ، ويُجمَع المكسور على لفظه سَبِخَاتٍ، مثل كَلِمَة وكَلِمَاتٍ، ويُجمَع الساكن على سِبَاخِ، مثل كَلْبة وكِلابٍ، وموضع سَبَخْ، وأرضٌ سَبَخَةٌ بفتح الباء أيضاً: أي: مِلْحَةٌ. انتهى (٥). قال النوويّ كَّلُهُ: فيه ما كانت الصحابة ﴿ه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، واطّراح فُضُولها، وعدم الاهتمام بفاخر اللباس ونحوه، وفيه (١) ((المعجم الوسيط)) ٢٤٧/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ٣١٥/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٢٦٣/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٤٢/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ٢٦١/١. ١٩٩ (٧) - بَابُ عِيَادَةِ الْمَرْضَى - حديث رقم (٢١٣٨) جواز المشي حافياً، وعيادة الإمام والعالم المريض مع أصحابه. انتهى (١). (حَتَّى جِئْنَاهُ) أي: سعد بن عُبادة (فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ) أي: ليكون المكان خالياً للنبيّ وَل﴾، وأصحابه الذين معه (حَتَّى دَنَا) أي: اقترب من سعد (رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ). وقال القاضي عياض كَخَّتُهُ: في هذا الحديث من الفوائد: زيارة الأئمة، وأهل الفضل المرضى، وحضّه على ذلك أصحابه بقوله: ((من يعوده منكم؟»، وفيه السؤال للحاضرين عن أحوالهم، وكذلك إذا كانوا في شدّة، ولا يكلّفون هم من ذلك ما عساه يشقّ من الجواب عليهم، وفيه حضور الناس عند من احتُضِر، وهو مما يتعيّن على كافّتهم، وبخاصّة لآله وقرابته، وقد ترك ابن عمر صلاة الجمعة حين دُعي لاحتضار سعيد بن زيد؛ لشدّة حاجة الميت حينئذ إلى من ينظر فيه، ويرفق به، ويقوم عليه، وفيه أن للرجل حقّاً في مثل هذا، وأنه من جاء لعيادة، أو قضاء حاجة عند كبير، ثم جاء غيره، وقد ضاق المجلس عن الداخل أن ينصرف الأول، أو يفسح له عن قرب المزور حتى يقضي أربه منه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، لا كما ظنّه بعضهم من أنه من أفراد المصنّف(٣)، قال الحافظ تَُّ في ((النكت الظراف)): هو طرف من الحديث الأول، ومن ثمّ ذكره الحميديّ في المتّفق عليه، لا في أفراد مسلم. انتهى (٤). ولهذا اكتفيت في تخريجه بما سبق هناك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكُلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (١) ((شرح النووي)) ٢٢٧/٦. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٦٦/٣. (٣) هكذا جعله الشيخ عبد الله بن صالح العبيلان في كتابه («إرشاد القاري إلى أفراد مسلم عن البخاري)) ١٦٦/١، وكذا جعل له الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رقماً خاصّاً به غير رقم الحديث الماضي، وكذا جعله أصحاب البرامج الحديثية من أفراد مسلم، والأولى ما ذكرته في شرحي، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (٤) ((النكت الظراف على تحفة الأشراف)) ٤٢٩/٥ - ٤٣٠. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز (٨) - (بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٣٩] (٩٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ) المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنَ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، الإمام الحجة الناقد البصير، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. ٤ - (ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ) بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات ◌َظُه سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢، ولطائف الإسناد، وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي، وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ