Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّوَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠٠) ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ظمه، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى الجماعة عنهم بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن جابراً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﴿يَا أَنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب ضرب؛ أي: اسودّت بالنهار، وذهب ضوؤها (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ِ فِي يَوْمِ شَدِيدٍ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَهُ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُوَّنَ) من باب نصر، وضَرَب؛ أي: يسقطون على الأرض؛ لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث عائشة ﴿يّا: ((حتى إن رجالاً يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن سِجَال الماء لَتُصبّ عليهم مما قام بهم)) (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ تَخْلُهُ: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء (١) أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ يُجاب عن هذه الرواية بجوابين: (١) دعوى الإجماع في هذا غير صحيحة؛ كما سيأتي في كلام الحافظ ردّاً على الغزاليّ، فتنبّه. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف [أحدهما]: أنها شاذّة، مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يُعمل بها . [والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلاً، وليس المراد إطالته نحوَ الركوع. انتهى(١). قال الحافظ تَُّ بعد نقل كلام النوويّ هذا ما نصّه: وتُعقّب بما رواه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو ◌ًا أيضاً، ففيه: (ثم ركع، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد))، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه، والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحدیث صحیح. قال: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا (٢)، وقد نقل الغزاليّ الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه الرواية مشروعيّة إطالة الجلوس بين السجدتين؛ لأنها زيادة ثقة يجب قبولها، كما يشير إليه كلام الحافظ تَّثهُ، فتنبه . (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ) لم يذكر في الرواية تطويل السجدتين، لكن ثبت في حديث أسماء ظّا عند البخاريّ، وأحمد بلفظ: ((فسجد، فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد، فأطال السجود))، وفي رواية سمرة بن جندب حظًّا عند أبي داود، ولفظه: ((ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط))، وفي حديث عبد الله بن عمرو ◌ًا الآتي للمصنّف، بلفظ: ((ثم جُلي عن الشمس، قالت عائشة: ما ركعت ركوعاً قط، ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه)). (ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْواً مِنْ ذَكَ) وفي نسخة: ((من ذلك)) (فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: (١) (شرح النوويّ)) ٢٠٦/٦ - ٢٠٧. (٢) قد ثبت صحّة الحديث، فيتعيّن العمل به، فتبصّر. (٣) ((الفتح)) ٢٤٠/٣. ٦٣ (٣) - جَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّنَّه ◌ِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠٠) ركوعات (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ) بَّهِ: ((إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (عُرِضَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: ((قد عُرِضَ عليّ)) وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ) مرفوع على أنه النائب عن الفاعل (تُولَجُونَهُ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: تُخلونه من جنّة، ونار، وقبر، ومحشرٍ، وغيرها، ثم فصّل بعض ما أجمله في قوله: ((كلُّ شيءٍ تُولجونه)) بقوله: (فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ) قال القاضي عياض: قال العلماء: يَحْتَمِلُ أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فُرِج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله وَلي: ((في عُرْض هذا الحائط))؛ أي: في جهته وناحيته، أو في التمثيل لقرب المشاهدة، قالوا: ويَحْتَمِل أن يكون رؤيةَ علم وعرض وحي باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلاً ما لم يعرفه قبل ذلك، ومن عظيم شأنهما ما زاده علماً بأمرهما، وخشيةً وتحذيراً ودوام ذكر، ولهذا قال ◌َليّ: (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً))، قال القاضي: والتأويل الأول أولى، وأشبه بألفاظ الحديث؛ لما فيه من الأمور الدالّة على رؤية العين، كتناوله * العنقود، وتأّره مخافةَ أن يصيبه لَفْحُ النار. انتهى كلام القاضي تَخْلَثُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. والله تعالى أعلم بالصواب. (حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفاً أَخَذْتُهُ) معنى تناولت: مددت يدي لأخذه، والْقِطْف - بكسر القاف ـ العنقود، وهو فِعْلٌ بمعنى مفعول، كالذِّبْح بمعنى المذبوح، وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم، وأن في الجنة ثماراً، قال النوويّ كَُّ: وهذا كله مذهب أصحابنا، وسائر أهل السنة، خلافاً للمعتزلة. انتهى. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفاً، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ) أي: لم تصل إليه (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا) أي: بسبب هرّة (رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإطعام؛ أي: لم تعطها طعاماً يدفع عنها جوعها (وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأْكُلُ) جملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ خُشَاشِ الْأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وهي هوامُّها، وحشراتها، وقيل: صِغَار الطير، وحَكَى القاضي فتح الخاء وكسرها وضمها، والفتح هو المشهور، قال القاضي: في هذا الحديث ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنها عُذِّبت عليها بالنار، قال: ويَحْتَمِل أنها كانت كافرةً، فزيد في عذابها بذلك. انتهى. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا ليس بصواب، بل الصواب المصرَّح به في الحديث، أنها عُذُّبت بسبب الهرّة، وهو كبيرةٌ؛ لأنها ربطتها، وأصرّت على ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرةً، كما هو مقرَّر في كتب الفقه وغيرها، وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ، وهو تعقّبٌ وجيهٌ. وقوله أيضاً: ((وليس فيه - أي: الحديث - أنها مُذّبت عليها بالنار)) فيه نظر لا يخفى، كيف، والحديث صريح في ذلك، حيث قال وَله: ((وعُرِضت عليّ النار، فرأيت فيها امرأةٌ من بني إسرائيل تُعذّب في هرّة))؛ أي: تعذّب في النار، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكِ) هكذا هو في هذه الرواية، وتقدّم في حديث عائشة ﴿ّا أنه عمرو بن لُحَيّ (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ القاف، وإسكان الصاد؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ) تقدّم في حديث عائشة ◌ُنا سبب تعذيبه بذلك؛ لأنه أول من سيّب السوائب، وجاء في رواية عند ابن إسحاق في ((السيرة)): ((لأنه أول من غَيَّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصل الوصيلة، وحَمَى الحامي))(١). (وَإِنَّهُمْ) أي: الناس (كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا) أي: الشمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفًا) بَّالبناء للفاعل، من باب ضرب، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول (فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ))) أفرد الضمير باعتبار الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ هذا من أفراد المصنّف دخلتُهُ. (١) راجع: ((الفتح)) ١٧٧/٨ (كتاب المناقب)) رقم (٣٥٢١). ٦٥ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَِّّنَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠١) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٠٠/٣ و٢١٠١ و٢١٠٢] (٩٠٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٧٩)، و(النسائيّ) في ((الكسوف)) (١٣٦/٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٧٥٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧٤/٣ و٣٨٢)، و(ابن خُزيمة) في ((صحيحه)) (١٣٨٠ و١٣٨١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٨٤٣ و٢٨٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧٢/٢ و٣٧٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٣٩ و٢٠٤٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٤/٣)، وأما فوائده، فقد تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةَ حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً))، وَلَمْ يَقُلْ: ((مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاح) الْمِسْمعيّ، أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٠) ويقال: قبلها (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨. وقوله: (عَنْ هِشَام) هو الدستوائيّ. وقوله: (حِمْيَرِيَّةٌ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، وفتح الياء التحتانيّة -: نسبة إلى حِمْيَر، وهو من أصول القبائل باليمن، قاله في (اللباب))(١). وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ) الفاعل ضمير عبد الملك بن الصباح. [تنبيه]: رواية عبد الملك بن الصبّاح، عن هشام الدستوائيّ هذه لم أجد (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٦٦/١. ٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّشُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ وَّهِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضاً ثَلَاثَ رَکَعَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا (١) رَكْعَةٌ، إِلَّا الَّتِي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ سُجُودِهِ(٢)، ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ، فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ))، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ(٣)، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ؛ مَخَافَةً أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، (١) وفي نسخة: ((ليس منها)). (٢) وفي نسخة: ((وركوعه نحوٌ من سجوده)). (٣) وفي نسخة: ((حتى تتجلّى)). ٦٧ (٣) - بَابُ بَيّانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَِّّلَهُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠٢) كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَى مَاتَتْ جُوعاً، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ وَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتْنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَائِي هَذِهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ﴿يَا أنه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ وَلِيدِ﴾ أي: كان يوم كسوف الشمس هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله صل*، وأمه مارية القبطيّة، وُلد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتُوفّي سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهراً على الأشهر(١). (فَقَالَ النَّاسُ) أي: بعض الناس، وهم الذين كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد في الجاهلية، فبقي معهم حتى بيّن لهم النبيّ وَّهِ كونه باطلاً (إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) يعني: ابنه ◌َّر، قال في ((الفتح)): وقد ذكر جمهور أهل السير (١) ((المنهل العذب المورود)) ٢٣/٧. ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشره، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي ﴿ كان إذ ذاك بمكة في الحجّ، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصحّ، وجزم النوويّ بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذ بالحديبية، ورجع منها في آخر الشهر. وفيه ردّ على أهل الهيئة؛ لأنهم يزعمون أنه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فَرَضَ الشافعيّ وقوع العيد والكسوف معاً، واعترضه بعض من اعتمد على قول أهل الهيئة، وانتدَبَ أصحاب الشافعيّ لدفع قول المعترض فأصابوا. انتهى(١). (فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه وَهـ صلى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وسجدتان، وهذا كما سبق يُرجح عليه رواية من قال: صلى بركوعين؛ لما سبق، وقوله: (بَدَأَ فَكَبَّرَ) بيان لكيفيّة صلاته تلك (ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ) أي: ركوعاً طويلاً قريباً من قيامه، ولم يثبت في الروايات بيان ما قاله من الأذكار في حال الركوع في تلك الصلاة، ولكنهم اتّفقوا على أنه لا قراءة فيها؛ لورود النهي عن ذلك، وإنما المشروع التسبيح والذكر (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى) أي: قرأ في القيام الثاني قراءة أقلّ من القراءة في القيام الأول، واتّفقوا على أنه يقرأ في القيام الأول الفاتحة وغيرها، واختلفوا في قراءة الفاتحة في القيام الثاني، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أنها لا تصحّ الصلاة إلا بقراءتها أيضاً؛ لأنها تُطلب قبل كلّ ركوع، وقال محمد بن مسلمة: لا يُعيد الفاتحة في القيام الثاني؛ لأنها ركعة واحدة، ولا تُقرأ الفاتحة فیها مرّتین. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن مسلمة هو الظاهر؛ (١) ((الفتح)) ٤٠٣/٣ - ٤٠٤. ٦٩ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّلَّهُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ- حديث رقم (٢١٠٢) لأن صلاة الكسوف، وإن تعدّدت ركوعاتها، هي ركعتان، ومعلوم أن الفاتحة تقرأ في كلّ ركعة مرّة واحدة، لا مرّتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الزُّكُوعَ، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ) لم يذكر في هذه الرواية تطويل الرفع من الركوع الذي يعقبه السجود، لكن تقدّم في رواية جابر الماضية بلفظ: ((ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد)»، وادّعى النوويّ أنها شاذّة، وقد سبق أن الحقّ أنها زيادة صحيحة يجب قبولها (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) تقدّم أنه قد ثبت إطالة السجود في حديث أسماء، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمرو ﴿ه، فتنبّه. (ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضاً ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ) أي: ركوعات (لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ) أي: ركوع (إِلَّا الَّتِي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ سُجُودِهِ) هذا في النسخ بنصب ((نحواً))، ووجهه أن يكون خبراً ((كان)» محذوفةً؛ أي: وكان ركوعه نحواً من سجوده، وأشار في هامش بنسخة محمد ذهني إلى أنه وقع في بعض النسخ: ((نحوٌ)) بالرفع، وهو واضح. (ثُمَّ تَأَخَّرَ) وَرَ عن مكانه الذي يصلي فيه (وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ): هو ابن أبي شيبة شيخه الأول (حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ) أي: صفّ النساء (ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ) أي: في مكانه الذي كان يصلّي فيه قبل التأخّر. قال النوويّ تَخْلُ: فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا: الثلاث متتابعات تبطلها، ويتأولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة، لا متوالية، ولا يصح تأويله على أنه كان خطوتين؛ لأن قوله: ((انتهينا إلى النساء)» يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهنّ وراء الرجال. انتهى(١). (فَانْصَرَفَ) أي: فرغ من الصلاة، وسلّم منها (حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/٦. ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف الشَّمْسُ) بهمزة ممدودة، قال النوويّ تَكَّثهُ: هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا، وكذا أشار إليه القاضي عياض، قالوا: ومعناه: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، وهو من آض يئيض إذا رجع، ومنه قولهم: ((أيضاً))، وهو مصدر منه. انتهى. وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: آض يَئيض أيضاً، مثلُ باع يبيع بيعاً: إذا رجع، فقولهم: افعل ذلك أيضاً معناه افعله عَوْداً إلى ما تقدّم. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّهُ: واختلف النحويّون في ((آض)) هل هي من أخوات ((كان))، فتحتاج إلى اسم وخبر، أو إنما تتعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ؟ على قولين، وهذا الحديث يدلّ على أنها مما تعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ، غير أنه حُذف هنا، وقد يُحذف حرف الجرّ، فينتصب ما يُحذف منه حرف الجرّ، كما قال: وَآضَ رَوْضُ اللَّهْوِ يَبْساً ذَاوِيَا وقد رُوي هذا الحرف هنا: ((أضاءت الشمس))؛ أي: ظهر ضوؤها، يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت بمعنى واحد. انتهى(٢). وقد ذكر الخضريّ كَّتُهُ في ((حاشيته))(٣) أفعالاً مثل ((صار)) في العمل والمعنى، ومنها ((آض))، فقال: وقد جاء مثل ((صار)) في العمل والمعنى ما جمعته بقولي [من الوافر]: تَحَوَّلَ آضَ عَادَ ارْجِعْ لِتَغْنَمْ بِمَعْنَى ((صَارَ)) فِي الأَفْعَالِ عَشْرٌ وَحَارَ فَهَاكَهَا وَاللهُ أَعَلَمْ وَرَاحَ غَدَا اسْتَحَالَ ارْتَدَّ فَاقْعُدْ (فَقَالَ) وَِّ: ((بَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ))، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) يعني: ابن أبي شيبة شيخه الأول ((لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ) أي: من انكساف الشمس والقمر (فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَّلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، و((شيء)) اسم ((ما)) الحجازيةٌ، أو مبتدأ إن كانت تميميّةً، وقوله: (تُوعَدُونَهُ) صفة (١) ((المصباح المنير)) ٣٣/١. (٢) ((المفهم)) ٢ /٥٥٩ - ٥٦٠. (٣) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٥٨/١ - ١٥٩. ٧١ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّوَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ- حديث رقم (٢١٠٢) ((شيء))، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) خبر ((ما))، أو خبر المبتدأ على الوجهين (فِي صَلَائِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ؛ مَخَافَةً أَنْ يُصِيبَنِي) بنصب ((مخافة)) على أنه مفعول من أجله، وهو مصدر ميميّ لـ((خاف))، أي لأجل خوف (مِنْ لَفْحِهَا) بفتح اللام، وسكون الفاء، آخره حاء مهملة؛ أي: من ضرب لهبها، ومن قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]؛ أي: يضرب وجوههم لهبها، قالوا: النفح دون اللفح، قال الله تعالى: ﴿وَلَپن مَّسَتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَيِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]؛ أي: أدنى شيء منه، قاله الهرويّ وغيره(١). (وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم: هي خشبة في طرفها اعوجاجٌ، مثل الصَّوْلَجان، قال ابن دُريد: كلّ عُود معطوف الرأس فهو مِحْجَنٌ، والجمع الْمَحَاجن(٢). (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ، فسكون؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ) أي: أمتعة الحاجّ، فهو على حذف مضاف، و((أل)) للجنس، وفي رواية للنسائيّ: ((سارق الحجيج)) (بِمِحْجَنِهِ) وفي لفظ للنسائيّ: ((وحتى رأيت فيها صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاجّ بمحجنه متكئاً على محجنه في النار يقول: أنا سارق الْمِحْجَن)). (فَإِنْ قُطِنَ) بالبناء للمفعول، قال في ((القاموس)): الْفِطْنة بالكسر: الْحِذْق، فَطِنَ به، وإليه، وله؛ كفَرِحَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ فَظْناً مثلَّثَةً، وبالتحريك، وبضمّتين، وفُطُونَةً، وفَطَانَةً، وفطانيةً مفتوحتين، فهو فاطنٌ، وفَطِينٌ، وفَطُونٌ، وفَطِنٌ، وفَظُنٌ؛ كنَدُسِ، وفَظْنٌّ؛ كعَدْل، جمعه فُظْنٌ بالضمّ، وهي فَطِنةٌ، وفاطنةٌ. انتهى (٣). والمعنى: فإن انتُبِهَ (لَهُ) لما فعله من السرقة بمحجنه (قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي) أي: لست قاصداً أخذه خُفيةً، وإنما مررت به فتعلّق بالمحجن. وفي رواية للنسائيّ: ((فإن فُطِن له قال: هذا من عَمَل الْمِحْجَن)). وقال في ((اللسان)): وصاحب الْمِحْجَن في الجاهليّة رجلٌ كان معه مِحْجَنٌ، وكان يقعُد في جادّة الطريق، فيأخذ بمِحجنه الشيء بعد الشيء من (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/٦. (٣) ((القاموس المحيط)) ٢٥٦/٤. (٢) ((المصباح المنير)) ١٢٣/١. ٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف أثاث الْمَارّة، فإن عُثِرِ عليه اعتلّ بأنه تعلّق بمِحجنه. انتهى(١). (وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول أيضاً (ذَهَبَ بِهِ) بالبناء للفاعل؛ أي: أخذ ذلك المتاع، وذهب به إلى رحله. (وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ) تقدّم أنها امرأة من بني إسرائيل، وفي رواية من حِمْير (الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)، مثلّث الخاء؛ أي: من هوامّها، وحشراتها (حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً) وفي حديث عبد الله بن عمرو ظها عند النسائيّ: ((فلا هي أطعمتها، ولا هي سقتها، حتى ماتت، فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت، وإذا ولّت تنهش أَلْيتها)). وفي الحديث دليلٌ على المعاقبة بتعذيب الحيوان، وإهلاكه بغير حقّ؛ لأن هذه المرأة عُذّبت بسبب ربط هذه الهرّة حتى ماتت، وقد أخرج النسائيّ عن عبد الله بن عمرو ﴿ما يرفعه، قال: ((من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقّها، سأل الله ربك عنها يوم القيامة))، قيل: يا رسول الله فما حقها؟ قال: ((حقُّها أن تذبحها، فتأكلها، ولا تقطع رأسها، فيرمى بها))(٢). (ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظهر (لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ) وقوله: (فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاِي هَذِهِ)) تأكيد لما قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج لَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٠٣] (٩٠٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ (١) راجع: ((لسان العرب)) في مادّة حجن. (٢) حسّنه الشيخ الألبانيّ، وفيه نظر؛ لأن في سنده صهيباً الحذّاء، لم يرو عنه إلا عمرو بن دينار، فهو مجهول حال. ٧٣ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّلَهُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ- حديث رقم (٢١٠٣) رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ وَهـ الْقِيَامَ جِدّاً، حَتَّى تَجَلَّانِ الْغَشْيُ، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِيٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِهِ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَهِ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ، إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيباً، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال - لَا أَدْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ - لَا أَدْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا، ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ(١)، فَتَمْ صَالِحاً، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوِ الْمُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير المذكور في السند الماضي. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب. ٤ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن الْعَوّام، زوج هشام بن عروة الراوي عنها، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في ((الطهارة)) ٦٨١/٣٣. ٥ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي الصدّيق ﴿ّ، زوج الزبير بن الْعَوّامِ رَظُه، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدمت في ((الطهارة)) ٣٣/ ٦٨١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخذَلُهُ. (١) وفي نسخة: ((إنك لمؤمنٌ)). ٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن صحابيّة، هي جدّتهما . شرح الحديث: (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير، وهي زوج هشام الراوي عنها، وبنت عمه (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيقِ ظُّه (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) تقدّم أنه من باب ضرب، وأنه يقال للشمس والقمر على الصحيح (عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ أي: في وقته (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َهُها (وَهِيَ تُصَلِّي) جملة حاليّة من («عائشة)) (فَقُلْتُ) أي: لمّا رأت من اضطرابهم (مَا شَأَنُ النَّاسِ) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء حال الناس؟ (يُصَلّونَ) جملة حاليّة من ((الناس))؛ أي: حال كونهم مصلين صلاة الخسوف (فَأَشَارَتْ) أي: عائشة (بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ) تعني بذلك إلى أن الشمس خسفت، وأن ذلك هو سبب اضطرابهم (فَقُلْتُ: آيَةٌ؟) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، وهو بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أهذه آيةٌ؛ أي: علامة لعذاب الناس، كأنها مقدّمة له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلَآَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أو علامة لقرب زمان القيامة، وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص، مسخّرة لقدرة الله تعالى، ليس لها سلطة على غيرها، بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها . [فإن قلت]: ما تقول فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يُرَى حينئذٍ إلَّا لون القمر، وهو كَمِدٌ لا نور له، وذاك لا يكون إلَّا في آخر الشهر، عند كون النَّيِّرَين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، هل جاز القول به أم لا؟. [قلت]: المقدمات كلَّها ممنوعة، ولئن سلمنا فإن كان غرضهم أن الله ٧٥ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَِّّنَّه ◌ِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠٣) تعالى أجرى سنته بذلك، كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له، فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلاً، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل؛ لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى، قاله في ((العمدة))(١). (قَالَتْ: نَعَمْ) المراد أنها أشارت بـ((نعم))، ففي رواية البخاريّ: ((قلت: آية؟ فأشارت برأسها؛ أي: نعم))، فدلّ على أنها ما تكلّمت بلسانها، وإنما أشارت برأسها، فلا يقال: كيف تكلّمت، وهي في الصلاة؟ (فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْقِيَامَ جِدّاً، حَتَّى تَجَلَّانِي) - بفتح التاء المثناة، والجيم، وتشديد اللام - وأصله تجلّلني؛ أي: علاني، وغطّاني، قال في ((العباب)): تجلّله أي: علاه، وهو مثل: تقضّى البازي، أصله تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهن ياء، وكذلك استثقلوا ثلاث لامات، فأبدلوا من إحداهن ياء(٢). (الْغَشْيُ) بفتح الغين، وإسكان الشين المعجمتين، ورُوي أيضاً بكسر الشين، وتشديد الياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وهو مرض يحصل بطول القيام في الحرّ، وفي غير ذلك من الأحوال، ولهذا جعلت تصبّ عليها الماء، قاله النوويّ رَذَتُهُ(٣) . وقال ابن بطال: الْغَشي: مرضٌ يَعرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضربٌ من الإغماء، إلا أنه دونه، وإنما صبّت أسماء الماء على رأسها مدافعةً له، ولو كان شديداً لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بالإجماع. انتهى. وكونها كانت تتولّى صبّ الماء عليها يدلّ على أن حواسّها كانت مُدركةً، وذلك لا ينقض الوضوء، قاله في ((الفتح)) (٤). وقال في ((العمدة)): ((الغشي)) بفتح الغين المعجمة، وسكون الشين المعجمة، وفي آخره ياء آخرُ الحروف مخففة، مِن غَشِيَ عليه غَشْيَةً وغَشْياً (١) ((عمدة القاري)) ١٤٥/٢، ((كتاب العلم)) رقم (٨٦). (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٤٠/٢ - ١٤١. (٣) ((شرح النووي)) ٢١٠/٦. (٤) ((الفتح)) ٤٩٥/١. ٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف وغَشَيَاناً، فهو مَغْشِيّ عليه، واستغشى بثوبه، وتغشى؛ أي: تغطى به، وقال القاضي: رَوَيناه في مسلم وغيره بكسر الشين، وتشديد الياء، وبإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغِشَاوة، وذلك لطول القيام، وكثرة الحرّ ولذلك قالت: (فجَعَلتُ أَصُبُّ على رأسي، أو على وجهي من الماء)). قال الكرمانيّ: ((الغَشِيّ)) بكسر الشين، وتشديد الياء: مرض معروف، يحصل بطول القيام في الحرّ وغير ذلك، وعرَّفه أهل الطب بأنه تَعَظُل القُوَى المحركة والحساسة؛ لضعف القلب، واجتماع الروح كله إليه. [فإن قلت]: إذا تعطلت القُوَى فكيف صبت الماء؟. [قلت]: أرادت بالغشي الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليها مجازاً، أو كان الصبّ بعد الإفاقة منه. قال بعض الشارحين: ويروى بعين مهملة، قال القاضي: ليس بشيء، وفي ((المطالع)): الغَشِيّ بكسر الشين وتشديد الياء، كذا قيّده الأصيليّ، ورواه بعضهم الغَشْي، وهما بمعنى واحد، يريد الغِشَاوة، وهو الغطاء، ورويناه عن الفقيه ابن محمد، عن الطبريّ ((العَشي)) بعين مهملة، وليس بشيء. انتهى(١). (فَأَخَذْتُ قِرْبَةً) بكسر القاف، وإسكان الراء، جمعها قِرَبٌ، مثلُ سدرة وسِدَر، وهي إناء من جلد، يكون للبن، وللماء (مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ،) قال النوويّ تَُّ: هذا محمول على أنه لم تكثر أفعالها متوالية؛ لأن الأفعال إذا كثرت متوالية أبطلت الصلاة. انتهى (٢). (قَالَتْ) أسماء ◌ِ﴿َّا (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ أي: سلّم من صلاته (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة حاليّة من الفاعل (فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﴿ِ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد ما تقدّم من الحمد والثناء (مَا) نافية، وتقدّم أنها إما حجازيّة، أو تميميّة (مِنْ) زائدة (شَيْءٍ) وقوله: (لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ) في محل الرفع؛ لأنه صفة لـ((شيء))، وهو مرفوع في الأصل، وإن كان جر بـ((من)) الزائدة، واسم ((يكن)) ضمير مستتر فيه، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) (١) ((عمدة القاري)) ١٤٣/٢. (٢) ((شرح النووي)) ٦/ ٢١٠. ٧٧ (٣) - بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّلَّه ◌ِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠٣) جملة في محل النصب على أنها خبر ((لم أكن))، والاستثناء هنا مفرَّغ، وقالت النحاة: كل استثناء مفرغ متصل، ومعناه أن ما قبل ((إلا)) مفرَّغ للعمل فيما بعدها؛ إذ الاستثناء من كلام غير تامّ، فيُلْغَى فيه إلَّا من حيث العمل، لا من حيث المعنى، نحو ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيداً، وما مررت إلَّا بزيد، فالفعل الواقع ههنا قبل ((إلَّا)) مفرّغ لما بعدها، و((إلَّا)) هنا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعنى دون الألفاظ، نحو ((هل))، وغيره، ولا يجوز هذا إلَّا في المنفيّ، فافهم(١). وقوله: (فِي مَقَامِي) بفتح الميم، والجارّ يتعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كوني كائناً في مكاني، وقوله: (هَذَا) بدل، أو عطف بيان لـ((مقامي)) (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، أما الرفع فعلى أن تكون ((حتى)) ابتدائيّةً، و((الجنة)) مرفوعاً على الابتداء، وحذف خبره؛ أي: حتى الجنّة مرئيّةٌ، و((النار)) عطف عليه، كما في قوله: ((أكلت السمكة حتى رأسُها)) برفع الرأس؛ أي: رأسُها مأكولٌ، وهو أحد الأوجه الثلاثة فيه، وأما النصب فعلى أن تكون ((حتى)) عاطفةً عَطَفت ((الجنة)) على الضمير المنصوب في ((رأيته))، وأما الجر فعلى أن تكون ((حتى)) جارةً، أو عاطفة على المجرور السابق، وهو ((شيء))، وإن لزم عليه زيادة ((مِنْ)) مع المعرفة، والصحيح منعه؛ لأنه يُغْتَفر في التابع ما لا يُغتَفر في المتبوع، ولأن المقدَّر لیس کالملفوظ به. [فإن قلت]: مفادُ الإغياء أنه وَ ﴿ لم ير الجنة والنار قبل هذا الوقت، مع أنه رآهما ليلة المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان بلا شكّ. [قلت]: أجيب بأن المراد هنا رؤيتهما في الأرض، بدليل قوله: ((في مقامي هذا))، أو باختلاف الرؤية، أفاده الزرقانيّ تَظْذُ(٢). (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال والشأن (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ) بالبناء للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعه مفعولاً به، وهو النائب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُون وتُخْتَبرون (فِي الْقُبُورِ) قال الباجيّ ◌َخْدُهُ: يقال: إنه أُعلم بذلك في ذلك الوقت، قال: وليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة، (١) ((عمدة القاري)) ١٤٢/٢. (٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٥٣٨/١. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف وإنما معناه إظهار العمل، وإعلامٌ بالمآل والعاقبة، كاختبار الحساب؛ لأن العمل والتكليف قد انقطع بالموت. انتهى. (قَرِيباً، أَوْ) للشكّ من الراوية، وهي فاطمة، شكّت هل قالت أسماء: ((قريباً من فتنة المسيح الدجّال))، أو قالت: (مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال) ولذلك قالت: (لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم (أَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) بَحذف الضمير المنصوب؛ أي: قالته؛ تعني: أنها لا تعلم أيَّ الجملتين المذكورتين قالت أسماء بنت أبي بكر ها. قال في ((العمدة)): ((أيّ)) يجوز أن تكون استفهاميةً، وموصولةً، فإن كانت استفهامية يكون فعل الدراية معلقاً بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون أيّ مبنيةً على الضم، مبتدأ على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وإن كانت موصولة تكون أيّ منصوبةً بأنها مفعول ((لا أدري))، ويجوز أن يكون انتصابها بـ((قالت))، سواء كانت ((أيّ)) موصولةً، أو استفهاميةً، ويجوز أن تكون مِن شَرِيطة التفسير، بأن يشتغل ((قالت)) بضميره المحذوف. انتهى(١). وعند النسائيّ والإسماعيليّ، عن أسماء: ((قام خطيباً، فذكر فتنة القبر التي يُفتن فيها المرء))، فلما ذَكَر ذلك ضجّ المسلمون ضجَّةً، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله وَللتر، فلما سكت ضجيجهم، قلت لرجل قريب مني: بارك الله فيك ماذا قال في آخر كلامه، قال: قال: ((قد أوحيّ إلي أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال)). وللبخاريّ من طريق فاطمة، عن أسماء أيضاً: ((أنه لَغَط نسوة من الأنصار، وإنها ذهبت لِتُسَكِّتهنّ))، فاستفهمت عائشة عما قال. قال الحافظ تَّهُ: يجمع بين هذه الروايات بأنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنها لَمَّا حدثت فاطمة لم تبيّن لها الاستفهام الثاني، قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه على ذلك إلى الآن. انتهى(٢). (فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ) هذا بيان لقوله: ((تفتنون))؛ أي: يؤتى في قبره ملكان: (١) ((عمدة القاري)) ١٤٤/٢. (٢) راجع: ((شرح الزرقانيّ) ٥٣٩/١. ٧٩ (٣) - بَابُ بَيَّانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّنَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٠٣) منكر ونكير (فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ) ((ما)) استفهاميّة مبتدأ، و((علمك)) خبره، والجملة مقول القول، والخطاب فيه للمقبور، بدليل قوله: ((تفتنون في قبركم))، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد؛ لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله. قال في ((العمدة)): قيل: قد يُتَوَهَّم أن فيه التفاتاً؛ لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب، كما قال المرزوقي في شرح الحماسة في قوله: أَحْمِى أَبَاكُنّ يَا لَيْلَى الأَمَادِيَحِ إنه التفات، وكما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]. ثم أجاب بأن الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك، ولا يسمى هذا التفاتاً، إلَّا على قول من يقول: إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى، سواء كان من الضمائر بعضِها إلى بعض، أو من غيرها، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنَى بطريق من الطرق الثلاثة، بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب، والغيبة، أما الشِّعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم؛ لكون المقصود الأعظم هو خطابَ ليلى، وأما الآية فقد قال الزمخشريّ: خَصّ النبي ◌ِل بالنداء، وعمّ بالخطاب؛ لأن النبيّ وَّ ر إمام أمته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهاراً لتقدمه، واعتباراً لترؤسه، وأنه مِدْرَهُ قومه(١) ولسانهم، والذي يصدر عنهم رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّاً مسدَّ جميعهم. انتهى (٢). (بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: بمحمد بَّهِ، وإنما لم يقل: بي؛ لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور، والقائل هما الملكان السائلان المسمّيان بمنكر ونكير. وإنما يقول له الملكان السائلان: ((ما علمك بهذا الرجل))؟، ولا يقولان: (١) قال في ((القاموس)) ٢٨٣/٤: الْمِدْرَهُ كمِنْبَر: السيّد الشريف، والْمُقْدِمُ في اللسان واليد عند الخصومة والقتال. انتهى. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤٦/٢. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف ((رسول الله))؛ امتحاناً له، وإغراباً عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبيّ وَّ، ورفع مرتبته، فيعظمه هو تقليداً لهما، لا اعتقاداً، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: لا أدري، فـ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الَْيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى (١). (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ) كلمة ((أما)) للتفصيل تتضمن معنى الشرط، فلذلك دخلت في جوابها الفاء، وهو قوله: ((فيقول هو محمد)) (أَوٍ) للشكّ من فاطمة أيضاً (الْمُوقِنُ) أي: المصدّق بنبوّة محمد وَّه قال الباجيّ: والأظهر أنه ((المؤمن))؛ لقوله: ((فآمنا))، دون ((أيقنّا))، ولقوله: ((لمؤمن)). انتهى. وقوله: (لَا أَدْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) جملة معترضة بين ((أمَّا)) وجوابها، وهو قوله: (فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات الدالة على نبوته (وَالْهُدَى) أي: الدلالة الموصلة إلى البغية، أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح (فَأَجَبْنَا، وَأَطَعْنَا) أي: قبلنا نبوّته معتقدين حقيقتها، معترفين بها، وأطعناه فيما جاء به إلينا. وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يقول المؤمن هذا الجواب قولاً ثلاث مرّات، وإنما كرّره تأكيداً له (فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ) بفتح النون فعل أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انوَم، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة، وحُذفت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها، ثم قُلبت الواو ألفاً؛ لتحرّكها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ) وفي بعض النسخ: ((إنك لمؤمنٌ)) (فَنَمْ صَالِحاً) منصوب على الحال، ومعنى ((صالحاً)) أي: منتفعاً بأعمالك، وأحوالك؛ إذ الصلاح كون الشيء في حدّ الانتفاع، ويقال: لا رَوْعَ عليك مما يُرَوَّع به الكفار، من عرضهم على النار، أو غيره من عذاب القبر، ويجوز أن يكون معناه: صالحاً لأن تُكْرَم بنعيم الجنة(٢). قال الباجيّ تَّتُهُ: أراد بالنوم العود لِمَا كان عليه من الموت، سمّاه نوماً لِمَا صَحِبه من الراحة، وصلاح الحال. انتهى. (١) ((شرح النووي)) ٦/ ٢١٠. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤٦/٢.