Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٢)
وقوله: ((الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ))) وفي نسخة: بـ((الصلاة جامعة))؛ أي: ينادي
بذلك، أو يقول ذلك.
وفي رواية النسائيّ: ((فأمر منادياً ينادي أن الصلاة جامعة))، و((الصلاةَ))
منصوب على الإغراء، ونصب ((جامعةً)) على الحال.
قال بعضهم: يجوز في ((الصلاة جامعة)) نصبهما على أن الأول مفعول
لمحذوف، والثاني منصوب على الحال؛ أي: احضروا الصلاة حال كونها
جامعةً، ورفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ورفع الأول على أنه مبتدأ، خبره
محذوف؛ أي: الصلاةُ حاضرةٌ، ونصب الثاني على الحال، ونصب الأول؛
لما تقدّم، ورفع الثاني على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هي جامعة.
وإسناد الجمع إليها مجاز عقليّ، من قبيل الإسناد إلى السبب.
وقوله: (فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: أربع
ركوعات، من تسمية الجزء باسم الكلّ.
وقوله: (فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه ركع ركوعين، وسجد
سجدتين في كلّ واحدة من الركعتين.
قال الحافظ ابن عبد البرّ كَّتُهُ: هذا أصحّ ما في هذا الباب، وباقي
الروايات المخالفة معلّلة ضعيفة. انتهى.
[تنبيه]: هذه الرواية أخرجها البخاريّ في ((صحيحه)) مطوّلة، فقال:
(١٠٦٦) - حدّثنا محمد بن مِهْران، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال:
أخبرنا ابن نَمِر، سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ◌ُّا: جهر النبيّ ◌َّل
في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبّر فركع، وإذا رفع من
الركعة، قال: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد))، ثم يعاود القراءة في
صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وقال الأوزاعيّ
وغيره: سمعت الزهريّ، عن عروة، عن عائشة واثنا: ((أن الشمس خسفت على
عهد رسول الله وَلتره، فبعث منادياً بـ(الصلاة جامعة))، فتقدم، فصلى أربع ركعات
في ركعتين، وأربع سجدات، وأخبرني عبد الرحمن بن نَمِر سمع ابن شهاب
مثله، قال الزهريّ: فقلت: ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير ما صلى إلا
ركعتين مثل الصبح، إذا صلى بالمدينة، قال أجل: إنه أخطأ السنة، تابعه

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ في الجهر. انتهى.
والحديث دليلٌ على مشروعيّة النداء بـ((الصلاة جامعة)) عند الكسوف، قال
النوويّ كَّقُ: فيه دليل للشافعيّ، ومن وافقه أنه يستحب أن ينادى لصلاة
الكسوف: ((الصلاة جامعة))، وأجمعوا أنه لا يؤذّن لها، ولا يقام. انتهى.
وفيه أيضاً مشروعيّة الاجتماع لصلاة الكسوف، وصلاتها جماعةً، وبيان
كيفيّة صلاتها بأنها ركعتان، في كلّ ركعة ركوعان، وسجدتان، وهذه أرجح
الكيفيّات، كما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٠٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم،
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَّنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي
رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ نَمِرٍ) - بفتح النون، وكسر الميم - اليحصبيّ، أبو
عمرو الدمشقيّ، ثقةٌ، لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم [٨].
رَوَى عن الزهريّ، ومكحول الشاميّ، وروى عنه الوليد بن مسلم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ابن نَمِر الذي يروي عن الزهريّ ضعيفٌ،
وقال دُخَيم: صحيح الحديث عن الزهريّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس
به بأسٌ، كان كاتباً، حضر مع ابن هشام والزهريُّ يُملي عليهم، وقال أبو
حاتم: ليس بقويّ، وسليمان بن كثير، وسفيان بن حسين أحبّ إلي منه، لا
أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم، وذكره ابن حبان في ((الثّقات))، وقال: من
ثقات أهل الشام، ومتقنيهم، وقال ابن عديّ: في حديثه عن الزهريّ، عن
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٤٣
(١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٣)
عروة، عن مروان، عن بسرة، أن النبيّ وَل ﴿ أمر بالوضوء في مسّ الذكر،
والمرأة مثل ذلك، قال: وهذه الزيادة التي ذُكرت في متنه: ((والمرأة مثل ذلك))
لا يرويها عن الزهريّ غير ابن نَمِر هذا، وقال يحيى بن معين: هو ضعيف في
الزهريّ، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما روى عن الزهري، ولا في متونه إلا
ما ذكرتُ من قوله: ((والمرأة مثل ذلك))، وهو في جملة مَن يُكتب حديثه من
الضعفاء، وابن نَمِر هذا له عن الزهريّ غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة.
انتھی.
وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حديثه عن الزهريّ مستوٍ، وقال أبو أحمد
الحاكم: مستقيم الحديث، وقال ابن الْبَرْقيّ: ثقةٌ، وقال الذَّهْلَيّ: عبد الرحمن بن
نَمِر، وعبد الرحمن بن خالد ثقتان، ولا تكاد تجد لابن نَمِر حديثاً عن الزهريّ
إلا ودَوَّن الحديث مثله، يقول: سألت الزهريّ عن كذا، فحدّثني عن فلان
وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه، ولا أعلم رَوَى عنه غير الوليد، وكذا قال
دُخَیم: لم يرو عنه غير الوليد.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن عبد الرحمن بن نَمِر هذا ثقةٌ،
وإنما ضعّفه ابن معين في حديث واحد، كما بيّنه ابن عديّ في كلامه السابق،
وقد وثّقه الأكثرون، ولا سيّما الإمام الذَّهليّ، فإن له تخصّصاً بأحاديث
الزهريّ، ومعرفة الرواة عنه، فقد أثنى عليه، كما سمعته آنفاً، فتبصّر، والله
تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، ولم يخرج له
الشيخان سوى هذا الحديث الواحد في الكسوف، وهو متابعة.
وقال في ((الفتح)): عبد الرحمن بن نَمِر دِمشقيّ، وثقه دُحيم، والذُّهْليّ،
وابن الْبَرْقيّ، وآخرون، وضعفه ابن معين؛ لأنه لم يرو عنه غير الوليد، وليس
له في ((الصحيحين)) غير هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعيّ، وغيره.
انتھی(١).
والباقون ذُكروا قبله.
(١) ((الفتح)) ٥٤٩/٢.

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
وقوله: (جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ) فيه دليلٌ على استحباب الجهر
في صلاة الخسوف، وفيه خلاف بين العلماء، وهذا هو المذهب الصحيح.
قال في ((الفتح)): استُدِلّ به على الجهر في صلاة الخسوف بالنهار،
وحمله جماعة ممن لم يَرَ بذلك على كسوف القمر، وليس بجيّد؛ لأن
الإسماعيليّ رَوَى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد، بلفظ: (كَسَفَت
الشمسُ في عهد رسول الله وَ 98))، فذكر الحديث، وكذا رواية الأوزاعي التي
بعده صريحة في الشمس. انتهى.
وقال أيضاً: واستَدَلّ بعضهم على ضعف رواية عبد الرحمن بن نَمِر في
الجهر بأن الأوزاعيّ لم يذكر في روايته الجهر، وهذا ضعيفٌ؛ لأن من ذكر
حجةٌ على من لم يذكر، لا سيما والذي لم يذكره لم يتعرض لنفيه، وقد ثبت
الجهر في رواية الأوزاعيّ عند أبي داود، والحاكم، من طريق الوليد بن مَزْيَد
عنه، ووافقه سلیمان بن کثیر وغيره، کما تری. انتھی(١).
وقال الإمام ابن المنذر تَخُّْهُ: اختلف أهل العلم في الجهر بالقراءة في
صلاة خسوف الشمس :
فقال طائفة: يجهر بالقراءة فيها، فممن رَوينا عنه أنه جهر بالقراءة في
صلاة كسوف الشمس علي بن أبي طالب، وفعل ذلك عبد الله بن يزيد،
وبحضرته البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه.
وقالت طائفة: لا يجهر في كسوف الشمس بالقراءة، هذا قول مالك،
ـا،
والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واحتجّ مالك، والشافعيّ بحديث ابن عباس
حيث قال: ((قرأ نحواً من سورة البقرة))؛ إذ لو كان النبيّ وَلقر جهر بالقراءة
لأخبر ابن عباس بالذي قرأه، ولا يحتاج أن يقدّر بنحو سورة البقرة.
واحتجّ من رأى الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف بأن الذي احتجّ به
مالك، والشافعيّ حجة لو لم يأت غيره، وعائشة تخبر أنه جهر بالقراءة، فقبول
خبرها أولى؛ لأنها في معنى شاهد، فقبول شهادتها يجب، والذي لم يحك
(١) ((الفتح)) ٣/ ٤٣٧.

٤٥
(١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٣)
الجهر في معنى نافٍ، وليس بشاهد، وقد يجوز أن يكون ابن عباس من
الصفوف بحيث لم يسمع قراءة النبيّ وَ﴿، فقدّر ذلك بغيره، وتكون عائشة
سمعت الجهر، فأدّت ما سمعت.
وقال إسحاق: لو لم يأت في ذلك سنة لكان الجهرُ أشبه الأمر، تشبيهاً
بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وكل ذلك نهاراً، قال: وأما كسوف القمر فقد
أجمعوا على الجهر في صلاته؛ لأن قراءة الليل على الجهر.
قال ابن المنذر تَخّلُهُ: بهذا أقول، يجهر بالقراءة في صلاة كسوف
الشمس والقمر. انتهى كلام ابن المنذر تَّتُهُ بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر ◌َّتُهُ من
مشروعية الجهر بالقراءة هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث الباب، وليس
للقائلين بعدم الجهر دليل صريح صحيح، فحديث ابن عباس ﴿يا عرفت تأويله
آنفاً، وحديث سمرة الذي أخرجه النسائيّ: ((أن النبيّ وَّه صلى بهم في كسوف
الشمس، لا نسمع له صوتاً))، غير صحيح؛ لأن الراوي عن سمرة رظُه ثعلبة بن
عِبَاد لم يرو عنه غير الأسود بن قيس، فهو مجهول، وعلى تقدير صحته فهو
مثل حديث ابن عباس ﴿ًّا، وذلك أن يُحمَل على أنه نَفَى عدمَ سماعه لقراة
النبيّ وَّهِ؛ لُبُعده، ولا يلزم من ذلك عدم جهره، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الإمام البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه)) بعد إيراد رواية
عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهريّ ما نصّه: تابعه سفيان حسين، وسليمان بن
كثير، عن الزهريّ في الجهر. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين، عن
الزهري في الجهر))، يعني: بإسناده المذكور، ورواية سليمان وصلها أحمد،
عن عبد الصمد بن عبد الوارث عنه، بلفظ: ((خَسَفَت الشمسُ على عهد
النبيّ وَ﴿، فأتى النبيّ ◌َ له فكبّر، ثم كبر الناس، ثم قرأ، فجهر بالقراءة ... ))
الحديث، ورويناه في مسند أبي داود الطيالسيّ، عن سليمان بن كثير، بهذا
الإسناد مختصراً: أن ((النبيّ وَّل هو جهر بالقراءة في صلاة الكسوف)).
(١) ((الأوسط)) ٢٩٦/٥ - ٢٩٨.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
وأما رواية سفيان بن حسين، فوصلها الترمذيّ، والطحاويّ، بلفظ:
((صَلّى صلاة الكسوف، وجهر بالقراءة فيها)).
وقد تابعهم على ذكر الجهر عن الزهريّ عُقَيل، عند الطحاويّ،
وإسحاقُ بن راشد، عند الدارقطنيّ، وهذه طرقٌ يَعْضِد بعضها بعضاً يفيد
مجموعها الجزم بذلك، فلا معنى لتعليل مَن أعلّه بتضعيف سفيان بن حسين
وغيره، فلو لم يَرِد في ذلك إلا رواية الأوزاعيّ لكانت كافيةً.
وقد ورد الجهر فيها عن عليّ مرفوعاً وموقوفاً، أخرجه ابن خزيمة،
وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن
المنذر، وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربيّ من المالكية، وقال
الطبريّ: يُخَيَّر بين الجهر والإسرار.
وقال الأئمة الثلاثة: يُسِرّ في الشمس، ويجهر في القمر، واحتجّ الشافعي
بقول ابن عباس: ((قرأ نحواً من سورة البقرة))؛ لأنه لو جهر لم يحتج إلى تقدير.
وتُعُقِّب باحتمال أن يكون بعيداً منه، لكن ذكر الشافعيّ تعليقاً عن ابن
عباس أنه صلى بجنب النبيّ وَّ﴿ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفاً، ووصله
البيهقيّ من ثلاثة طُرُق أسانيدها واهية، وعلى تقدير صحتها، فمثبت الجهر معه
قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز،
وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذيّ: ((لم يسمع له
صوتاً))، وأنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر.
قال ابن العربيّ: الجهر عندي أولى؛ لأنها صلاة جامعةٌ يُنادَى لها،
ويُخطَب، فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ساقه الحافظ تَُّ من الأدلّة كون
المذهب الأرجح مذهبَ من قال باستحباب الجهر في قراء صلاة الخسوف؛
لقوّة أدلته، وكون الأحاديث المرويّة بخلافه ضعيفة، أو محتملة للتأويل، كما
أسلفت وجهه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الفتح)) ٤٣٧/٣ - ٤٣٨.

٤٧
(١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٤] (٩٠٢) - (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبو تَمَّام،
المدنيّ، ابن عمّ المصطفىَ بَّر، أمه أم ولد.
رَوَى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والحجاج بن
عمرو بن غزيّة.
ورَوى عنه الأعرج، والزهريّ، وأبو الأَصبغ الشُّلَمي مولى بني سُليم،
قال يعقوب بن شيبة: يُعدّ في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ممن وُلد على
عهد النبيّ وَلهو.
وقال مصعب الزبيريّ: كان فقيهاً فاضلاً، لا عقب له، وقال ابن حبّان
في ((الثقات)): كان رجلاً صالحاً فاضلاً فقيهاً، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن
مروان.
ويُروى أن معاوية سأل رجلاً عن أعبد الناس بالمدينة؟ فقال: كثير بن
العبّاس، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وقال: لم يبلغنا أنه
روى عن النبيّ ◌َّهه شيئاً، وكان رجلاً صالحاً فقيهاً، ثقة، قليل الحديث.
وروى ابن منده، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) حديثاً يدلّ على
صحبته، لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد اختُلف عليه فيه، وقال
البغويّ: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن
عبد الله بن الحارث، قال: كان النبيّ وَّ﴿ يَصُفّ عبد الله، وعُبيد الله، وكثيراً
بني العباس، ويقول: ((مَن سبق فله كذا ... )) الحديث، قال الحافظ: وهو
مرسل جيّد الإسناد، وقد رواه أحمد بن حنبل في ((مسنده)) عن جرير مثله،
وقال الدار قطنيّ في كتاب ((الإخوة)): روى عن النبيّ وَّ مراسيل.
روى له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم حديث
الباب، وعند المصنّف، والنسائي حديث العباس في غزوة حنين.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر ﴿هَا، تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ ... إلخ) عطف على ما قبله بعاطف مقدّر، فهو
موصول بالإسناد الأول، وليس معلّقاً.
[فائدة]: حذف حرف العطف جائز، ولكن بابه الشعر؛ كقوله:
بِرَمْلٍ يَبْرِينَ جَاراً شَدَّ مَا اغْتَرَبَا
إِنَّ امْرَأَ رَهْطُهُ بِالشَّامِ مَنْزِلُهُ
وحكى أبو زيد: ((أكلتُ خبزاً، لحماً، تمراً))، قيل: بحذف الواو، وحكى
أبو الحسن الأخفش: ((أعطه درهماً، درهمين، ثلاثة))، بحذف ((أو))، وخرّج
على ذلك آيات، منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾﴾ [الغاشية: ٨] عطفٌ
على ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ خَشِعَهُ ﴾﴾ [الغاشية: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ
اُلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] فيمن فتح الهمزة، فهو عطف على ﴿أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله: ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ
أَجِدُ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]؛ أي: و﴿قُلْتَ﴾، وإلى هذا أشار شيخنا المناسيّ دَّثُ:
وَقَالَ فِي ((التَّسْهِيلِ)) نَثْراً يَظْهَرُ
وَبَابُهُ الشِّعْرُ وَقِيلَ نَادِرُ
أَتَتْكَ فِي ((الْمُغْنِي)) مُرَتَّباً (١)
حَكَى أَبُو الْحَسَنِ فِي الآيَاتِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًِّا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٩٤/١ و٢٠٩٥] (٩٠٢)، و(البخاريّ) في
((الكسوف)) (١٠٤٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٨١)، و(النسائيّ) في
((الكسوف)) (١٢٩/٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٤٥٧)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٢٠٣٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
(١) راجع: ((فتح القريب المجيب)) ٥٠٩/٢ - ٥١٠.

٤٩
(١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٥ - ٢٠٩٦)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ يُحَدِّثُ،
أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، بِمِثْلِ مَا
حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤذِّب الشاميّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م كد) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة))
١٠ / ١١٧٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمْصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤)
(ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٠/ ١١٧٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) أبو الْهُذِيلِ الْحِمْصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ،
من [٧] (ت٦ أو ٧ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٠/ ١١٧٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن الوليد، عن الزهريّ هذه، لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ:
حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدَّقُ، حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ(١)، أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَامَ قِيَاماً شَدِيداً، يَقُومُ قَائِماً، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ
يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثٍ رَكَّعَاتٍ، وَأَرْبَع سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ، وَقَدْ
(١) وفي نسخة: ((من أصدّق حديثه، يريد عائشة)).

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ))، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ:
(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانٍ (١) لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ
بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفاً، فَاذْكُرُوا اللهَ، حَتَّى يَنْجَلِيَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ
حافظٌ إمام حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ
[٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب أيضاً.
٥ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل
مكة، وُلد في عهد النبيّ وَّر، من كبار التابعين، مجمع على ثقته [٢] (ت٦٨)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
و((عائشة)) پتا ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن
ما جه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، من ابن جريج.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وعائشة ﴿يا سبق الكلام
فيها قريباً.
(١) وفي نسخة: ((لا ينكسفان)).

٥١
(١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٦)
شرح الحديث:
عن عطاء بن أبي رباحٍ كَّتُ أنه قال: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بتصغير
الاسمين (يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ) ((من)) في محلّ رفع على الفاعليّةَ، والعائد
محذوفٌ؛ أي: قال عبيد بن عمير: حدّثني الشخص الذي أصدّقه؛ لكونه ثقةً.
[فإن قلت]: هذا يكون من قبيل التعديل على الإبهام، والراجح أنه لا
يُقبل، فكيف احتجّ به المصنّف نَذَتُهُ؟ .
[قلت]: لا يضرّ هذا الإبهام هنا؛ لأن الرواية التالية أزالت الإبهام،
حيث صرّح فيها عُبيد بن عُمير بأنها عائشة ◌َؤُها، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
(حَسِبْتُهُ بُرِيدُ عَائِشَةَ) وفي نسخة: ((حدّثني من أصدّق حديثه، یرید
عائشة))، يعني أن عطاءً قال: فظننت أن عبيد بن عُمير يريد بالمبهم في قوله:
((من أُصدِّق)) عائشةَ.
(أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ) وفي رواية النسائيّ: (كَسَفَت الشمس)) (عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) أي: في وقته، فـ((على)) بمعنى ((في))، وقد تقدّم أن ذلك في
السنة العاشرة من الهجرة (فَقَامَ قِيَاماً شَدِيداً) وفي رواية النسائيّ: ((فقام بالناس
قياماً شديداً))، وقوله: (يَقُومُ قَائِماً) بيان للقيام الشديد، وهذا من قبيل إحضار
هيئة القيام في الحال، فلذلك أتى بصيغة المضارع، وكذا ما بعده، قاله
السنديّ ركآتُ.
(ثُمَّ بَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكْعَتَيْنٍ فِي ثَلَاثٍ
وَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) أراد بالركعات هنا الركوع، وهذه إحدى الكيفيّات
لصلاة الكسوف، يركع في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وتقدّم ترجيح رواية
ركوعين في كلّ ركعة؛ لأنها رواية جمهور الحفّاظ، فلا تغفل.
زاد في رواية النسائيّ: ((حتى إن رجالاً يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن
سِجال الماء لتُصبّ عليهم بما قام بهم)).
(فَانْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) وفي رواية النسائيّ: ((فلم ينصرف حتى
تجلّت الشمس)).
(وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ))، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ))) أي: مع ((ربنا ولك الحمد))؛ لما سبق أنه وَّر جمع بينهما، فتنبّه.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
(فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانٍ)
من باب ضرب، وفي نسخة: ((لا ينكسفان)) (لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ) تقدّم أن
هذا قاله * ردّاً لما زعمه بعض الناس من أن الشمس انكسفت لموت ابنه
إبراهيم ◌ُه (وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللّهِ) أي: علامتان عظيمتان دالّتان على عظيم
قدرة الله (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفاً) وفي رواية النسائيّ: ((فإذا
كُسِفَا)» (فَاذْكُرُوا اللهَ) وفي رواية النسائيّ: ((فافزعوا إلى ذكر الله رَك))، وفي
رواية أبي داود: ((فافزعوا إلى الصلاة))، وهي أخصّ (حَتَّى يَنْجَلِيَا))) أي:
ينكشفا، ويزول ما بهما من الكسوف.
والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله في حديث عائشة المذكور أول
الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنٍ أَبِي
رَبَاحِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّهِ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ
سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩]
(ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٥٣
(٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ - حديث رقم (٢٠٩٨)
٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
من كبار [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ) أي: صلَّى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث
ركوعات، وسجدتان، وقد تقدّم أن الجمهور على ترجيح رواية: صلّى ركعتين
في كلّ ركعة ركوعان؛ لكثرة رواتها الحفاظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٢) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٩٨] (٩٠٣) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
- يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْبَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ:
أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي
الْقُبُورِ؟، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيرِ عَائِذاً بِاللهِ، ثُمَّ رَكِبَ
رَسُولُ اللهِ وَلِهِ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَباً، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجْتُ فِي
نِسْوَةٍ بَيْنَ ظَهْرَى الْحُجَرِ (٢) فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنْ مَرْكَبِهِ، حَتَّى
انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ
دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ(٣)، ثُمَّ
رَفَعَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: ((إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، كَفِتْنَةِ
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((دون الركوع الأول)).
(٢) وفي نسخة: ((بين ظهراني الحجر)).

٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
الدَّجَّالِ))، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ بَعْدَ
ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) البصريّ، مدنيّ الأصل، تقدّم قبل
بابین.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٣ - (يَحْبَى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ
ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣]
ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ُنا، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن
ماجه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من أوله إلى آخره، وشيخه، وإن
كان بصريّاً، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّ (أَنَّ يَهُودِيَّةً) أي: امرأة يهوديّة
(أَتَتْ عَائِشَةَ) ﴿َّا (تَسْأَلُهَا) أي: شيئاً من الصدقة (فَقَالَتْ) لَمّا أعطتها ما
سألتها؛ مكافأة على إحسانها (أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وفي هذا دليلٌ على
أن اليهودية كانت تعلم عذاب القبر، إما سمعت ذلك من التوراة، أو في كتاب
من كتبهم، قاله في ((العمدة))(١).
(١) ((عمدة القاري)) ٧٨/٧.

٥٥
(٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ - حديث رقم (٢٠٩٨)
ولا يعارض هذا ما سبق في باب الدعاء بعد التشهد من طريق منصور،
عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة ﴿ها: ((قالت: دخل عليّ عجوزتان من
عجائز اليهود، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ... ))؛ لأنه يُحمل
على أن إحداهما تكلمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنَسَبت القول إليهما
مجازاً، والإفراد يُحْمَل على المتكلمة.
قال الحافظ تَخُّْ: ولم اقف على اسم واحدة منهما.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﴿َا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟)
بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أيُعذّب الناس ... إلخ؟ (قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ
عَائِشَةُ) ◌ِّنَا (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿ عَائِذاً بِاللهِ) قال ابن السيد: هو منصوب على
المصدر الذي يجيء على مثال فاعل، كقولهم: عُوفي عافيةً، أو على الحال
المؤكّدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله
عائذاً، ولم يُذكر الفعل؛ لأن الحال نائبة عنه، ورُوي: ((عائذٌ بالله)) بالرفع؛
أي: أنا عائذ بالله.
[فإن قلت]: هذا الحديث، ومثله ما تقدّم أيضاً من طريق ابن شهاب،
عن عروة، عن عائشة ◌َّا قالت: دخلت عليّ امرأة من اليهود، وهي تقول:
هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ◌َ﴿ وقال: ((إنما
تُفتن يهودُ)) يدلّ على أنه وَله أنكر على اليهوديّة.
وحديث عائشة ﴿يا من رواية مسروق، عنها، أن يهودية دخلت عليها،
فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة
رسول الله ◌َ﴿ عن عذاب القبر، فقال: ((نعم عذاب القبر حقٌّ))، رواه البخاريّ،
يدلّ على تصديقه لها، فكيف يوفَّق بينهما؟.
[قلت]: أجاب النوويّ تبعاً للطحاويّ وغيره بأنهما قصّتان، فأنكر
النبيّ وَّيه قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أوحي إليه ويّالقول بذلك، ولم يُعلم
عائشة بذلك، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها
مستندةً إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ ◌َ ه بأن الوحي نزل بإثباته. انتهى.
وقال الكرمانيّ تَُّ: يَحْتَمِل أنه وال﴿ كان يتعوذ سرّاً، فلما رأى استغراب
عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به. انتهى.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
وكأنه لم يقف على رواية الزهريّ، عن عروة التي ذكرناها، ففيها بعد
إنكاره * على اليهوديةٌ، وقولِهِ: ((إنما تُفتن يهود، أنه لبث ليالي، ثم قال
لعائشة: ((هل شَعَرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور))، وفي حديث الباب
أيضاً بعد قوله وسط ه: ((عائذاً بالله من ذلك))، فقال في آخره: ((إني رأيتكم تفتنون
في القبور))، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر.
وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن
عمرو بن سعيد الأُمويّ، عن عائشة ◌ّا أن يهوديةً كانت تخدُمها، فلا تصنع
عائشة إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر،
قالت: فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب
دون يوم القيامة، ثم مَكَث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم
نصف النهار، وهو ينادي بأعلى صوته: ((أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب
القبر، فإن عذاب القبر حقّ)).
وفي هذا كله أنه وَسٍ﴿ إنما عَلِم بعذاب القبر بالمدينة في آخر الأمر، كما
تقدّم تاريخ صلاة الكسوف قريباً.
قال في ((الفتح)) ما حاصله: قد استُشكِل هذا - يعني كونه ربَّ إنما عَلِم به
في آخر حياته - مع قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية
[إبراهيم: ٢٧]، فإنها مكيّة، وهي نزلت في عذاب القبر، كما أخرجه الشيخان
من حديث البراء ◌َظُه، وكذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾
الآية [غافر: ٤٦].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حقّ
من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الثانية في حقّ آل فرعون، وإن
التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ وَ لّ إنما هو وقوع
عذاب القبر على الموحدين، ثم أَعْلِم ◌َّ ر أن ذلك قد يقع على من يشاء الله
منهم، فجزم به، وحَذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه؛ تعليماً لأمته، وإرشاداً،
فانتفى التعارض بحمد الله تعالى. انتهى(١)، وهو تحقيق نفيسٌ.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٦٢/٤ ((كتاب الجنائز)) رقم (١٣٦٩).

٥٧
(٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفٍ - حديث رقم (٢٠٩٨)
(ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَباً) يَحْتَمِل أن يكون مصدراً ميميّاً؛
أي: رُكوباً، ويَحْتَمِل كونه بمعنى اسم المفعول؛ أي: مركوباً، ويَحْتَمِل أن
يكون منصوباً على الظرفيّة، بل هذا هو الذي يدلّ عليه السياق؛ أي: مكان
رُكوب؛ يعني: أنه ركب إلى محلّ أراد فيه قضاء حاجة (فَخَسَفَتِ) من باب
ضرب (الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ) رَّا (فَخَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ) أي: معهنّ (بَيْنَ ظَهْرَيٍ
الْحُجَرِ) وفي نسخة: ((بين ظهراني الحجر))، وهو بفتح الظاء المعجمة، والنون
على التثنية، و((الْحُجَر)) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الجيم: جمع حُجْرة بسكون
الجيم، قيل: المراد بين ظهر الحجر، والنون والياء زائدتان، وقيل: بل الكلمة
كلّها زائدة، والمراد بالْحُجَر بيوت أزواج النبيّ وَيَ(١).
وقولها: (فِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أن ((في)) بمعنى ((إلى))، في قوله تعالى:
﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٩]، ومتعلّقة بـ((خرجنا)) (فَأَتَّى
رَسُولُ اللهِ وَلِ مِنْ مَرْكَبِهِ) أي: محلّ ركوبه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّهُ) أي: محلّ
وقوفه في حال الصلاة (الَّذِي كَانَ يُصَلِّ فِيهِ) فيه أن السنّة في صلاة الكسوف
أن تصلّ في المسجد بخلاف الاستسقاء، فإنها في الصحراء، كما سبق في بابه
(فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعاً
طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعاً
طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ) وفي نسخة: ((دون الركوع الأول)) (ثُمَّ رَفَعَ) أي:
رأسه، زاد في رواية النسائيّ: ((ثم سجد، ثم قام الثانية، فصنع مثل ذلك، إلا
أن ركوعه، وقيامه دون الركعة الأولى، ثم سجد، وتجلّت الشمس)) (وَقَدْ
تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: ((إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) وفي رواية النسائيّ:
((فلما انصرف قعد على المنبر، فقال فيما يقول: إن الناس يُفتنون في قبورهم)»
(كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ))) أي: فتنة شديدة جدّاً، وامتحاناً هائلاً، مثل فتنته، ولكنْ
﴿ُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
(١) ((الفتح)) ٤١٩/٣ ((كتاب الكسوف)) رقم (١٠٥٠).

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
وقد فُسّرت الفتنة في القبور بما سيأتي في حديث أسماء عنها قالت:
((فيؤتى أحدكم، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو
محمد، هو رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وأطعنا، ثلاث مرار،
فيقال له: نَمْ، قد كنا نعلم إنك لَتُؤْمِن به، فَتَمْ صالحاً، وأما المنافق فيقول: لا
أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)).
(قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﴿ّا (تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَهـ
بَعْدَ ذَلِكَ) الوقت الذي وقعت فيه حادثة الكسوف (يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ،
وَهَذَابِ الْقَبْرِ) أي: لأنه أُوحي إليه بأن الناس يفتنون في قبورهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وبيان سائر مسائله في الباب
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (ح)
وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا
الْإِسْتَادِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الشهير الكوفيّ، ثم المكيّ، من كبار
[٩] (ت١٩٨) عن (٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: إن كلّاً من عبد الوهّاب،

٥٩
(٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ - حديث رقم (٢٠٩٩)
وسفيان بن عيينة رويا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ بإسناده
السابق، وبمثل معنی حدیث سليمان بن بلال عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الوهاب، وسفيان عيينة كلاهما عن يحيى بن سعيد
هذه ساقها أبو نعيم كَُّ في ((مستخرجه)) (٤٨٩/٢) فقال:
(٢٠٣٥) حدّثنا حبيب، ثنا يوسف، ثنا ابن أبي بكر، ثنا عبد الوهاب
الثقفيّ (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ،
ثنا سفيان بن عيينة، قالا: سمعت يحيى بن سعيد يقول (ح) وثنا عبد الله بن
محمد بن أحمد، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا محمد بن عبيد بن حساب، ثنا
حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، أخبرتني عمرة، أن يهودية أتت عائشة
تستطعم، قالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فقلت: يا رسول الله، أيعذب
الناس في قبورهم؟ فقال: ((عائذاً بالله))، ثم ركب رسول الله صلفي ذات غداة
مركباً، فخَسَفَت الشمس، قالت: فخرجت في نسوة بين ظهراني الْحُجَر في
المسجد، فأتى رسول الله و858* من مركبه، فقعد في مصلاه الذي كان يصلي
فيه، فقام الناس وراءه، فقام قياماً طويلاً، ثم ركع فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع
رأسه، فقام قياماً طويلاً، قالت: ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه، وسجد
سجوداً طويلاً، ثم رفع رأسه، فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم
ركع، فركع ركوعاً طويلاً، وهو دون ذلك الركوع، ثم رفع، وسجد، فانحلت
الشمس، ثم قام، فقال: ((إني رأيتكم تفتنون في القبور، كفتنة الدجال))،
قال(١): فكنت أسمع رسول الله ولم يتعوذ في صلاته من عذاب النار، ومن
عذاب القبر.
قال: لفظ عبد الوهاب، وحديث حماد بن زيد مختصر. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه ((قالت))، كما هو عند المصنّف، فتأمل.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف
(٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ،
مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٠٠] (٩٠٤) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهِ فِي يَوْمَ شَدِيدِ الْحَرِّ،
فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَهِ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا بَخِرُونَ، ثُمَّ رَكَعَ
فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ
فَصَنَعَ نَحْواً مِنْ ذَاَ(١)، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُ
عُرِضَ عَلَيَّ (٢) كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ، فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا
قِطْفاً أَخَذْتُهُ، أَوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفاً، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ،
فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ
تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي
النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّ لِمَوْتٍ عَظِيم،
وَإِنَّهُمَا آَيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف
البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ
مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ) تقدّم قبل باب.
(١) وفي نسخة: ((نحواً من ذلك)).
(٢) وفي نسخة: ((قد عُرِض عليّ)).