Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٤٤/١ و٢٠٤٥ و٢٠٤٦] (٨٨٤)، و(البخاريّ)
(٩٨ و٨٦٣ و٩٦٢ و٩٦٤ و٩٧٥ و٩٧٧ و٩٨٩ و١٤٤٩ و٤٨٩٥ و٥٢٤٩
و٥٨٨٠ و٥٨٨٣ و٧٣٢٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٤٢)، و(ابن ماجه)
في إقامة ((الصلاة)) (٢٧٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٧٩/٣)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/١ و٢٨٥ و٣٣١
و٣٤٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٤٥٦/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١٤٥٨)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٦/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٩٨٦ و١٩٨٧ و١٩٨٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٧/٣)، و(الطحاويّ)
في ((شرح معاني الآثار)) (٣٥٢/٤) و((مشكل الآثار)) (١٨٧/١٥)، والله تعالى
أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة صلاة العيدين، قال الإمام ابن دقيق العيد وَخْذَّلهُ: لا
خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعاً، وقد تواتر بها النقل
الذي يَقطَع العذرَ، ويُغني عن أخبار الآحاد، وإن كان هذا الحديث من آحاد ما
يدُلّ عليها، وقد كان للجاهلية يومان مُعَدّان للَّعِب، فأبدل الله المسلمين منهما
هذين اليومين اللذين يَظْهَر فيهما تكبيرُ الله، وتحميده، وتمجيده، وتوحيده،
ظهوراً شائعاً، يُغِيظ المشركين، وقيل: إنهما يقعان شكراً على ما أنعم الله به
من أداء العبادات التي في وقتهما، فعيد الفطر شكراً لله تعالى على إتمام صوم
شهر رمضان، وعيد الأضحى شكراً على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها
إقامة وظيفة الحج. انتهى(١).
٢ - (ومنها): أنه دليل لمذهب العلماء كافّةً أن خطبة العيد بعد الصلاة،
قال القاضي عياض تَخُّْهُ: هذا هو المتّفَق عليه من مذاهب علماء الأمصار،
وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبيّ وَّ، والخلفاء
الراشدين بعده، إلا ما رُوي أن عثمان في شطر خلافته الأخير قَدَّم الخطبة؛
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٢٤/٢ - ١٢٥.

٤٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
لأنه رأى من الناس مَن تفوته الصلاة، ورُوي مثله عن عمر، وليس بصحيح،
وقيل: إن أول مَن قدَّمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية،
وقيل: زيادٌ بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير في آخر أيامه،
ذكره النوويّ دكّتُهُ.
وقال ابن دقيق العيد تَخْدَثُ: قد ثبت أن الصلاة مقدمة على الخطبة في
صلاة العيد، وهذا الحديث يدل عليه، وقيل: إن بني أمية غَيَّروا ذلك، وجميع
ما له خُطَبٌ من الصلوات، فالصلاة مقدَّمة إلا الجمعة، وخطبة يوم عرفة، وقد
فُرِّق بين صلاة العيد والجمعة بوجهین:
[أحدهما]: أن صلاة الجمعة فرض عين، ينتابها الناس من خارج
المصر، ويدخل وقتها بعد انتشارهم في أشغالهم، وتصرفاتهم في أمور الدنيا،
فقُدِّمت الخطبة فيها، حتى يتلاحق الناس، ولا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض
لا يُقْضَى على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد.
[الثاني]: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقةً، وإنما قُصِرت
بشرائط، منها الخطبتان، والشرط لا يتأخر، وتتعذر مقارنة هذا الشرط
للمشروط الذي هو الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛
إذ ليست مقصورة عن شيء آخر بشرط، حتى يلزم تقديم ذلك الشرط.
انتھی(١).
٣ - (ومنها): بيان استحباب وعظ النساء، وتذكيرهنّ الآخرة، وأحكام
الإسلام، وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ، ويستحب حثُّهنّ على الصدقة،
وتخصيصهنّ بذلك في مجلس منفرد، قال النوويّ: وهذا إذا لم يترتب على
ذلك مفسدةٌ، وخوفٌ على الواعظ، أو الموعوظ، أو غيرهما.
٤ - (ومنها): أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال، ومجامعهم يكُنّ بِمَعْزِل
عنهم؛ خوفاً من فتنة، أو نظرة، أو فكر ونحوه.
٥ - (ومنها): أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل تكفي فيها
المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهنّ، ولا من
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٢٤/٢ - ١٢٥.

٤٢٣
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤)
بلال، ولا من غيره، قال النوويّ: وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وقال أكثر
أصحابنا العراقيين: تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ؛ كالهبة، والصحيح الأول،
وبه جزم المحققون. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: اشتراط التلفّظ بالإيجاب والقبول في
المعاملات؛ كالبيع والشراء فيه، والهبة والنكاح مما لا دليل عليه، والحقّ عدم
الاشتراط، وقد حقّقته في ((كتاب النكاح)) من ((شرح النسائيّ)) فراجعه، تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف
ذلك على ثُلُث مالها، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال
مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضاء زوجها، ودليلنا من الحديث
أن النبيّ ◌َ﴿ لم يسألهنّ، استأذنّ أزواجهنّ في ذلك أم لا؟، وهل هو خارج
من الثلث أم لا؟، ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، وأشار القاضي إلى
الجواب عن مذهبهم بأن الغالب حضور أزواجهنّ، فتركهم الإنكار يكون رضاء
بفعلهنّ، وهذا الجواب ضعيف، أو باطلٌ؛ لأنهنّ كنّ معتزلات، لا يعلم
الرجال مَنِ المتصدقة منهنّ من غيرها؟ ولا قدر ما تتصدق به، ولو علموا
فسكوتهم ليس إذناً. انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ.
وعبارة ((الفتح)): واستُدِلّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير
توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها؛ كالثلث، خلافاً لبعض
المالكية، ووجه الدلالة من القصّة ترك الاستفصال عن ذلك كلّه، قال
القرطبيّ: ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حُضُوراً؛ لأن ذلك لم يُنْقَل،
ولو نُقِل فليس فيه تسليم أزواجهنّ لهنّ ذلك؛ لأن مَن ثبت له الحقّ فالأصل
بقاؤه حتى يُصَرِّح بإسقاطه، ولم يُنقل أن القوم صَرَّحُوا بذلك. انتهى. وأما
كونه من الثلث فما دونه، فإن ثبت أنهنّ لا يجوز لهنّ التصرف فيما زاد على
الثلث لم يكن في هذه القصة ما يدلّ على جواز الزيادة. انتهى.
وقال في ((العمدة)): [فإن قلت]: احتجّ مالك ومن تبعه في ذلك بما
خرّجه أبو داود، من حديث موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن داود بن أبي
هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
رسول الله ◌َي﴾ قال: ((لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها)).
وبما خرّجه النسائيّ، وابن ماجه، من حديث أبي كامل، عن خالد،
يعني: ابن الحارث، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره، عن
عبد الله بن عمرو، أن رسول الله وسلم قال: ((لا يحل لامرأة عطية إلَّا بإذن
زوجها)).
قال البيهقيّ: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث
عمرو بن شعيب، لزمه إثباته.
والجواب عنه من أوجه:
(أحدها): معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز عند
الإطلاق، وهي أقوى منه، فقُدِّمت عليه، وقد يقال: إنه واقعة حال، فيمكن
حملها على أنها كانت قدر الثلث.
(الثاني): على تسليم الصحة إنه محمول على الأولى والأدب، ذكره
الشافعيّ في ((البويطيّ))، قال: وقد أَعْتَقَت ميمونة ◌ُّا، فلم يَعِبِ النبيّ ◌َل
عليها، وكما يقال: ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر، إلَّا بإذنه، فإن فَعَلت
فصومها جائز، ومثله إن خرجت بغير إذنه، فباعت، فهو جائز.
(الثالث): الطعن فيه، قال الشافعيّ: هذا الحديث سمعناه، وليس
بثابت، فيلزَمَنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم الأمر، ثم المنقول،
ثم المعقول.
قيل: أراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة:
٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيْئًا فَرًِّا﴾ [النساء: ٤]،
وقوله: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُؤْصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَأَيْئَلُواْ الْيَنَ﴾ الآية [النساء: ٦]،
ولم يفرّق، فدلَّت هذه الآيات على نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها .
وقال رَ﴿ لزوجة الزبير ﴿ها: ((ارضَخِي، ولا تُوعي، فيوعيَ اللهُ عليك))،
متّفَقٌ عليه، وقال: ((يا نساء المسلمات لا تَحْقِرَنّ جارة لجارتها، ولو فِرْسِن
شاة))، واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها من كل شيء، فلم يُنكر
ذلك ابن عمر
.

٤٢٥
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤)
وقد طَعَنَ ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب، بأن قال: صحيفة
منقطعة، وقد علمتَ أن شعيباً صَرَّح بعبد الله بن عمرو، فلا انقطاع.
وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند،
وحبيب المعلِّم، عن عمرو به، ثم قال: صحيح الإسناد.
ثم ذكر ابن حزم من حديث ابن عمر ها سئل رسول الله وَله: وما حقّ
الزوج على زوجته؟ قال: ((لا تصدق إلَّا بإذنه، فإن فعلت كان له الأجر،
وعليها الوزر)).
ثم قال: هذا خبرها لكِّ؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول،
وليث بن أبي سُليم، وليس بالقويّ، وهو غريب منه، فإن موسى بن أعين رَوَى
عن جماعة، وعنه جماعة، واحتج به الشيخان، ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة،
والنسائي.
نعم فيه الحسن بن عبد الغفار، وهو مجهول، وليته أعلّه به.
ثم ذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن شُرَحبيل بن مسلم الخولانيّ،
عن أبي أمامة، رفعه: ((لا تنفق المرأة شيئاً من بيت زوجها إلَّا بإذنه))، قيل: يا
رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ((ذلك أفضل أموالنا)).
ثم قال: إسماعيل ضعيفٌ، وشُرَحبيل مجهول، لا يُدْرَى من هو؟.
وهذا عجيب منه، فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين، وشُرَحبيل
شاميّ، وحاشاه من الجهالة، روى عنه جماعة، قال أحمد: هو من ثقات
الشاميين، نعم ضعفه ابن معين، وقد أخرجه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال:
حسنٌ.
(الرابع): من أوجه الجواب ما قيل: إن المراد من مال زوجها، لا من
مالها، وفيه نظرٌ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أنّ الأرجح في هذه المسألة
هو الذي ذهب إليه الجمهور من جواز صدقة المرأة من مالها دون استئذان
زوجها، ولا يقدّر ذلك بثلث ولا غيره؛ لقوّة الأدلّة على ذلك، وأما الأحاديث
(١) ((عمدة القاري)) ١٢٤/٢.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
التي أورودها فلا تعارض أدلّة الجواز؛ لإمكان حملها على أن الأولى
والأحسن لها أن تستأذن زوجها؛ تطييباً لخاطره، وإدخالاً للمسرّة عليه، وهذا
الحمل أولى؛ للجمع بين الأحاديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧ - (ومنها): مشروعيّة خروج النساء إلى المصلَّى.
٨ - (ومنها): جواز التفدية بالأب والأمِّ، وملاطفة العامل على الصدقة
بمن يدفعها إليه.
٩ - (ومنها): بيان أن الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنه وَلُ أمرهنّ
بالصدقة، ثم عَلَّل بأنهنّ أكثر أهل النار؛ لما يقع منهنّ من كفران النعم، وغير
ذلك.
١٠ - (ومنها): أن فيه بذلَ النصيحة، والإغلاظ بها لمن احتيج في حقّه
إلى ذلك، والعناية بذكر ما يُحتاج إليه؛ لتلاوة آية الممتحنة؛ لكونها خاصّة
بالنساء.
١١ - (ومنها): جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان
الطالب غير محتاج.
قال في ((الفتح)): وأَخَذَ منه الصوفية جواز ما اصطلحوا عليه من الطلب،
ولا يخفى ما يُشترط فيه من أن المطلوب له أيكون غير قادر على التكسب
مطلقاً، أو لما لا بُدّ له منه؟. انتهى.
١٢ - (ومنها): أن في مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يَعِزّ عليهنّ من
حليهنّ مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالةً على رفيع مقامهنّ في الدين،
وحرصهنّ على امتثال أمر الرسول بَّه، ورضي الله عنهنّ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة العيدين:
(اعلم): أنهم اختلفوا في حُكمها، فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه،
وجماهير العلماء: سنة مؤكّدة، وقال أبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية: هي
فرض كفاية، وقال أبو حنيفة: هي واجبة، فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل
موضع من إقامتها قوتلوا عليها، كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: إنها سنة لم

٤٢٧
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٥)
يقاتلوا بتركها، كسنة الظهر، وغيرها، وقيل: يقاتلون؛ لأنها شعار ظاهر، قاله
النووي في ((شرح مسلم)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور من أنها سنة مؤكّدة هو
الراجح؛ لحديث طلحة بن عبيد الله رضيبه عند الشيخين وغيرهما: أن رجلاً جاء
إلى النبيّ وَ﴿، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله وَّ: ((خمس
صلوات في اليوم والليلة))، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطّوّع)).
وحديث معاذ تظنه المشهور، فقد أخرج الشيخان وغيرهما، عن ابن
عباس ﴿يَا، أن النبيّ وَّ﴿ بعث معاذاً بظل اله إلى اليمن، فقال: ((ادعهم إلى
شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله
قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك
فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد
على فقرائهم)).
ففي هذين الحديثين دلالة ظاهرة على أن صلاة العيد تطوع غير فريضة،
والله تعالى أعلم. واتفقوا على أن أوّل عيدٍ صلّاهُ النبيّ وَّهُ عيدَ الفطر في السنة
الثانية من الهجرة، وهي التي فُرِض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه وٍَّ إلى أن
توفّاه الله تعالى، وقيل: شُرع عيد الأضحى أيضاً في السنة الثانية من الهجرة(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٤٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو
بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِهِ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، قَالَ: ثُمَّ
خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ
بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢١/٥ -٢٢.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ حجّةٌ، فقيهٌ عابدٌ [٥] (١٣١) عن (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص ٣٠٥.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٤٤٢/٨٣.
و((ابن عبّاس)) ذُكر قبله.
وقوله: (لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ) بفتح اللامين، اللام الأولى جواب قسم
محذوف، يتضمنه لفظ ((أشهد))؛ لأنه كثيراً مّا يُستعْمَل في معنى القسم، تقديره:
والله لقد صلى، ومعناه: أحلف بالله على أن رسول الله وَ لقوله صلى صلاة العيد
قبل الخطبة .
وقوله: (فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) ((رأى)) هنا بمعنى ((ظنّ))، وقد صُرّح
به في رواية البخاريّ، ولفظه: ((فظنّ أنه لم يُسمع النساء)»، وفيه دليلٌ على أن
على الإمام افتقادَ رعيته، وتعليمهم، ووعظهم.
وقوله: (فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ).
وقوله: (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) هي ما تُبْذَل من المال؛ لثواب الآخرة، وهي .
تتناول الفريضة والتطوع، لكن الظاهر أن المراد بها هنا هو الثاني، قاله في
((العمدة))(١)
.
(وَبِلَاَلٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ) قال النوويّ تَخْذُ: ((قائل)) بهمزة قبل اللام، يكتب
بالياء؛ أي: فاتحاً ثوبه للأخذ فيه، وفي الرواية الأخرى: ((وبلال باسط ثوبه)):
(١) ((عمدة القاري)) ١٢٣/٢.

٤٢٩
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٦)
معناه أنه بسطه ليجمع الصدقة فيه، ثم يُفَرِّقها النبيّ وَّل على المحتاجين، كما
كانت عادته ◌َلّ في الصدقات المتطوع بها والزكوات، وفيه دليلٌ على أن
الصدقات العامّة أنما يَصْرِفها في مصارفها الإمام. انتهى(١).
وقوله: (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ) ((جعلت)) من أفعال المقاربة، وهي مثل ((كاد)) في
الاستعمال، تَرْفَع الاسم، وخبرُهُ الفعل المضارع بغير ((أن))، وهو متأوَّل باسم
الفاعل، فتقديره هنا: فجعلت المرأة ملقيةً الخاتم ... إلخ.
وقوله: (وَالْخُرْصَ) بضمّ الخاء المعجمة، وكسرها، وسكون الراء:
الحلقة الصغيرة، من الْحَلْي، وهو من حولي الأُذُن، قاله ابن الأثير ◌َذْهُ(٢).
وقال في ((القاموس)): و((الخرص)) بالضمّ، ويُكسر: حَلَقَة الذهب
والفضّة، أو حَلَقة الْقُرْط، أو الحلَقَةُ الصغيرة من الْحُلِيّ، جمعه خِرْصَان.
(٣)
انتهى(٣).
وقوله: (وَالشَّيْءَ) من عطف العامّ على الخاصّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وحَدَّثَنِي
يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ
نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قريباً.
٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم البغداديّ، ثقةٌ حافظ
[١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٠٠/٢.
(٢) راجع: ((النهاية)) ٢٢/٢.

٤٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قريباً.
٤ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم قريباً أيضاً.
و((أيوب)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب هذه ساقها البيهقيّ في ((الكبرى))
(٦٠/٦) فقال:
(١١١١١) وحدّثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب،
قال: سمعت عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: أشهد على رسول الله وَالچ،
أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس، أنه قال: إن رسول الله وَل خطب بعد
الصلاة في يوم عيد، ثم أَتَى النساء، وظَنّ أنه لم يُسمعهنّ، وبلال معه،
فوعظهنّ، وأمرهنّ بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي الخاتم، والقرط، وبلال يأخذ
في ناحية ثوبه. انتهى.
وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، فقد ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ،
فقال :
(١٤٤٩) حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا إسماعيل، عن أيوب، عن عطاء بن أبي
رباح، قال: قال ابن عباس : أشهد على رسول الله و ﴿ لصلى قبل الخطبة،
فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهنّ، ومعه بلال، ناشر ثوبه، فوعظهنّ، وأمرهنّ
أن يتصدقن، فجعلت المرأة تُلقي، وأشار أيوب إلى أذنه، وإلى حلقه. انتهى.
وقوله: ((وأشار أيوب)) هو أيوب السختيانيّ المذكور في السند، ((إلى
أذنه)) أي: إلى ما في أذنه، وأراد به الحلق، والقُرْط، وإلى ما في حلقه، وأراد
به القلادة(١) .
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٤٧] (٨٨٥) - (وَحَدَّثَنَا(٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٩/٩.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٤٣١
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٧)
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي (١) عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ،َّ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ
قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ وَ نَزَلَ، وَأَتَى النِّسَاءَ،
فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِيْنَ النِّسَاءُ صَدَقَةً(٢)،
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَّةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا حِينَئِذٍ، تُلْقِي
الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقّاً عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ
النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ، فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ(٣)، وَمَا
لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ◌ًِّا، تقدّم قريباً أيضاً.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ضَّا (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: قال عطاء: سمعت
جابر بن عبد الله ◌ُها (يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَِّهِ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ) وفي الرواية التالية:
((قال: شهِدت مع رسول الله وَّ الصلاة يوم العيد)) (فَصَلَّى) أي: أراد أن
يصلي (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدّم
الكلام عليه مستوفى في شرح حديث ابن عبّاس ﴿ّا (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا
فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ وََّ﴾ أي: من خطبته (نَزَلَ) أي: من منبره (وَأَتَى النِّسَاءَ) أي: إلى
صفوفهنّ (فَذَكَّرَهُنَّ) من التذكير، وهو الوعظ (وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ) التوكّؤْ
على العصا هو التحمّل عليها، والمراد أنه كان معتمداً على يد بلال پته، كما
تفيده رواية ((صحيح البخاري))، قاله السنديّ كَّتُهُ، والجملة في محلّ نصب
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) وفي نسخة: ((يحقّ عليهم)).
(٢) وفي نسخة: ((الصدقة)).

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
على الحال من الفاعل (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) أي: ليأخذ الصدقة، والجملة حال
أيضاً (يُلْقِينَ النِّسَاءُ) هكذا هو في النسخ: ((يُلقين النساءُ))، وهو جائز على لغة
((أكلوني البراغيث))، وسمّاها ابن مالك تَخُّْ لغة ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل،
وملائكة بالنهار))، وإليها أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوًا وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وقوله: (صَدَقَةً) منصوب على المفعوليّة، وفي نسخة: ((الصدقة))، قال ابن
جُرِيج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْم الْفِطْرِ؟) بنصب ((زكاةَ)) بفعل مقدّر دلّ عليه قوله:
(يُلقين)) (قَالَ) عطاء (لَا) أيَ: ليس هذا المدفوع زكاة الفطر (وَلَكِنْ) بتخفيف
النون حرف استدراك (صَدَقَةً) بالنصب مفعولاً لمقدّر؛ أي: يُلقين صدقةً،
ويَحْتمل الرفع خبراً لمحذوف؛ أي: هي صدقةٌ، وقوله: (يَتَصَدَّقْنَ بِهَا) صفة
لـ((صدقةً))، وقوله: (حِينَئِذٍ) ظرف لـ((يتصدّقن))؛ أي: يتصدّقن في ذلك الوقت
(تُلْقِي) بضمّ أوله، من الإلقاء (الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا) بفتحات: هي الخواتيم العظام،
أو هي التي لا فصوص لها، كما تقدّم بيانه، وقوله: (وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ) هكذا
هو في النسخ مكررٌ، وهو صحيحٌ، ومعناه: ويلقين كذا، ويلقين كذا، كما
ذكره في باقي الروايات، قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقّاً) هكذا بالنصب،
وهو مفعول لفعل مقدّر؛ أي: أتراه حقّاً (عَلَى الْإِمَام الْآنَ) أي: في الوقت
الحاضر، والمراد بعد موت النبيّ وَ﴿ ﴿أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ) أي: من
خطبته (فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ) عطاء (إِي) بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة بمعنى
نعم، قال ابن هشام الأنصاريّ تَذُّهُ: ((إِيْ)) بالكسر والسكون: حرف جواب
بمعنى (نَعَم))، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبِر، ولوعد الطالب،
فتقع بعد قام زيد، وهل قام زيد؟، واضرب زيداً، ونحوهنّ، كما تقع ((نعم))
بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى:
﴿وَيَسْتَِّثُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِهَ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا
قبل القسم، وإذا قيل: إِيْ والله، ثم أسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحها
وحذفها، وعلى الأول، فيلتقي ساكنان على غير حدِّهما. انتهى(١).
(١) ((مغني اللبيب)) ١٠٥/١ - ١٠٦.

٤٣٣
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٧)
وقوله: (لَعَمْرِي) قال في ((القاموس)): الْعَمْرُ بالفتح، وبالضمّ، ويضمّتين:
الحياةُ، جمعه أَعمارٌ. انتهى(١).
وقال في ((النهاية)): الْعَمْرُ بالفتح الْعُمْرُ، ولا يُستعمل في القسم إلا
المفتوح. انتهى(٢).
وقال في ((المصباح)): وَعَمِرَ يَعْمَرُ، من باب تَعِبَ عَمْراً بفتح العين
وضمّها: طال عُمْرُهُ، فهو عامر، ويتعدّى بالحركة والتضعيف، فيقال: عَمَرَهُ الله
يَعْمُرُهُ، من باب قَتَلَ، وعَمَّره تعميراً؛ أي: أطال عُمْره، وتدخل لام القسم
على المصدر المفتوح، فتقول: لَعَمْرُك لأفعلنّ، والمعنى: وحياتِكَ وبقائك.
(٣)
انتھی
١.
فتبيّن بما ذُكر أن ما هنا بفتح العين المهملة، وسكون الميم.
[فإن قلت]: كيف يحلف بحياته، والحلف بغير الله ممنوعٌ؟.
[قلت]: الظاهر أنه ما أراد الحلف هنا، إنما هو مجرّد تأكيد الكلام،
كما يقال: تربت يمينه، وحلقى، وعقرى، مما لا يُراد به حقيقته، والله تعالى
أعلم.
(إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ) أي: إنه من الأمور الثابتة شرعاً على الأئمة، وفي
نسخة: (يَحِقّ عليهم)) (وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟) ((ما)) استفهامية؛ أي: أيُّ
شيء منعهم من فعله؟، والاستفهام للإنكار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٤٧/١ و٢٠٤٨] (٨٨٥)، و(البخاريّ) في
((العيدين)) (٩٥٨ و٩٧٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٤١)، و(النسائيّ) في
(١) ((القاموس المحيط)) ٩٥/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٢٩/٢.
(٢) ((النهاية)) ٢٩٨/٣.

٤٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
((العيدين)) (١٥٧٥) وفي ((الكبرى)) (١٧٨٤ و١٥٦٢ و١٧٦٢ و١٧٦٥)، و(عبد
الرزّاق) في («مصنّفه)) (٢٧٨/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/١ و٢٩٦/٣
و٣١٤ و٣١٨ و٣٨١ و٣٨٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦١٠ و١٦١٨)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٦٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٨٩
و١٩٩٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤١٥/٣)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح
حديث ابن عبّاس ﴿ّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٤٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّ﴿ِ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرٍ أَذَانٍ، وَلَا
إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئاً عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ
النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ،
فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ))، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ،
فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ))، قَالَ:
فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ، مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ، وَخَوَاتِمِهِنَّ(١)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) وفي نسخة: ((وخواتيمهنّ)).

٤٣٥
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٨)
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿َّ أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت (مَعَ
رَسُولِ اللهِ ﴿ِ الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة لـ((شهِدت))، وقوله: (يَوْمَ الْعِيدِ)
منصوب على الظرفّة له (فَبَدَأَ) بالهمزة؛ لأنه بمعنى ابتدأ، وأما بدا بمعنى ظهر،
فغير مهموز، ولا يناسب هنا (بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على
الخطبة، فلو بدأ بالخطبة، فقد أساء، قال ابن الملقّن: وفي احتسابها احتمال
لإمام الحرمين. انتهى. (بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ) فيه عدم الأذان والإقامة الصلاة
العيد، وهو مجمع عليه اليوم، وهو المعروف من فعل النبيّ وَّر، وخلفائه
الراشدين، ونُقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله ومن بعده،
وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - (ثُمَّ قَامَ) وِّ
(مُتَوَكِّئاً عَلَى بِلَالٍ) التوكّؤ: التحامل، والمراد هنا: الميل في قيامه متحاملاً
على بلال رؤيته، فيؤخذ منه القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على
آدميّ، ولا يتعيّن القوس والعصا، كما قاله الفقهاء، وجواز استعانة العالم بمن
يخدُمُهُ(١). (فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ) ((التقوى)) أصلها وَقْوَى؛ لأنها من وَقَى يَقِي،
فأُبدلت الواو تاءً كما أُبدلت في تُراب، وتُخمة، والأصل وُرابٌ، ووُخمة،
فكأن المتّقي يجعل بينه وبين النار وِقَايةً، قالوا: هي عبارة عن امتثال أوامر الله
تعالى، واجتناب نواهيه (وَحَثَّ) أي: حرّض وحرص (عَلَى طَاعَتِهِ) هي الانقياد
للأوامر، وأصلها طوعة؛ لأنها من طاع يطوع: إذا انقاد، فقُلبت الواو ألفاً؛
لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والحثّ على الطاعة يكون بأمرين: الأول بالترغيب
في الجزاء عليها، والثاني بالترهيب من تركها بفوات ثوابها، وترتّب العقاب
عليه (وَوَعَظَ النَّاسَ) الوعظ: هو الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ
مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: تأمرون، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ
بِوَحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]؛ أي: آمركم، وهو النصح أيضاً، والتذكير بالعواقب
(وَذَكَّرَهُمْ) التذكير يكون بالنعم، ودفع النقم، واستحقاق الله ◌ُعَلَ الطاعةَ
والتنزيه، والتحميدَ، والتوحيدَ، والشكرَ على ذلك كلّه، وعلى التوفيق له.
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٦/٤.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
قال ابن دقيق العيد تَخّْتُهُ: وهذه المقاصد التي ذَكَرَها الراوي من الأمر
بتقوى الله، والحثّ على طاعته، والموعظة، والتذكير، هي مقاصد الخطبة،
وقد عَدَّ بعض الفقهاء من أركان الخطبة الواجبة الأمرَ بتقوى الله، وبعضهم
جَعَل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، وما يتأدى به الواجب في الخطبة
الواجبة تتأدى به السنة في الخطبة المسنونة. انتهى(١).
(ثُمَّ مَضَى) النبيّ ◌َِّ (حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ) هذا ظاهر في أن إتيانه وٍَّ إلى
النساء كان بعد فراغه من الخطبة، لا في أثنائها، كما زعم ذلك القاضي
عياض، وقد تقدّم تعقّبه (فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: (تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ)
أي: أكثر جنس النساء، لا أكثر المخاطبات (حَطَبُ جَهَنَّمَ))) أي: وقودها،
قال في ((القاموس)): الْحَطَبُ محرّكةً: ما أُعدّ من الشجر شَبُوباً، وقال أيضاً:
الشَّبُوب - أي بالفتح -: ما تُوقَد به النار. انتهى. (فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) قال صاحب
((التنبيه)): لا أعرفها(٢). (مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ) بكسر السين المهملة، وفتح الطاء
المخفّفة، وأصل هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، أو المعنى أنها
جالسة في وسطهنّ.
قال النوويّ تَخَّلُهُ: هكذا هو في النسخ: ((سِطَة النساء)) بكسر السين،
وفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ: ((واسطة النساء))، قال القاضي
عياض: معناه: من خيارهنّ، والوسط: العدل والخيار، قال: وزعم حُذّاق
شيوخنا أن هذا الحرف مُغَيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سَفِلَة النساء(٣)،
وكذا رواه ابن أبي شيبة في ((مسنده))، والنسائيّ في ((سننه))، وفي رواية لابن
أبي شيبة: ((امرأة ليست من عِلّيّة النساء))، وهذا ضِدّ التفسير الأول، ويَعْضِده
قوله بعده: ((سَفْعَاءُ الخدين))، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: وهذا الذي الدَّعَوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي
صحيحة، وليس المراد بها: من خيار النساء، كما فسره، هو بل المراد: امرأة
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٣٠/٢.
(٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) (ص١٦٩).
(٣) ((السَّفِلَةُ)): بفتح السين، وكسر الفاء: الساقطة من الناس.

٤٣٧
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَّا - حديث رقم (٢٠٤٨)
من وسط النساء، جالسةٌ في وسطهنّ، قال الجوهريّ وغيره من أهل اللغة:
يقال: وَسَطتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطاً، وسِطَةً: أي: توسطتهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل مما ذُكر من تفسير ((سِطَةِ النساء))
ثلاثة معان: خيار النساء، وسَفِلَةُ النساء، وجالسةٌ في وسطهنّ، وما قاله النوويّ
أقرب، والله تعالى أعلم.
(سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) بفتح السين، بوزن حمراء؛ أي: فيهما تغير وسواد،
السُّفْعَةُ نوع من السواد، وليس بالكثير، وقيل: هي سواد مع لون آخر، وقال
الفيّوميّ: السُّفْعَة وِزَان غُرْفة: سواد مُشْرَبٌ بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب
تَعِبَ: إذا كان لونه كذلك، فالذكر أسفَعُ، والأنثى سَفْعَاء، مثل أحمر وحمراء.
انتھی .
وقال ابن الملقّن تَخْتُ: قوله: ((سفعاء الخدّين)): هو بضمّ السين،
وفتحها، حكاهما صاحب ((المطالع))، قال: وهو شُحُوب، وسوادٌ في الوجه،
وفي ((البارع))، و((الصحاح)): هو سواد الخدّين من المرأة الشاحبة، وقال
الأصمعيّ: هو حمرة يعلوها سواد، وقال ابن دقيق العيد: الأسفع، والسَّفْعَاءُ
من أصاب خدّه لون يُخالف لونه الأصليّ، من سواد، أو خُضرة، أو غيره.
انتهى(١).
(فَقَالَتْ) تلك المرأة (لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: لأيّ شيء كنّا أكثر حطب
جهنّم؟ (قَالَ) وَِّ ((لِأَنْكُنَّ تُكْثِرْنَ) بضمّ أوله، من الإكثار (الشَّكَاةَ) بفتح الشين:
أي: التشكّي، قال القرطبيّ ◌َُّهُ: يعني: التشكّي بالأزواج؛ أي: يكتمن
الإحسان، ويُظهرن التشكّي كثيراً. انتهى.
وقال في ((الصحاح)): شَكَوتُ فلاناً أشكوه شَكْواً، وشَكِيّةً، وشَكَاةً: إذا
أخبرت عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٍّ، والاسم: الشَّكْوَى، وقال غيره:
الشِّكَايةُ والشَّكِيّة: إظهار ما يُصيبك به غيرك من المكروه، والاشتكاء: إظهار
ما بك من مكروه، أو مرض، ونحوه. انتهى (٢).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٣٦/٤.
(٢) ((العدّة حاشية العمدة)) ١٧٣/٣.

٤٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
وقال ابن الملقّن تَّتُ: ألف الشكوى منقلبة عن واو؛ كالصلاة،
والزكاة، والشكاة، والشكاية بمعنى واحد؛ أي: تَكْتُمن الإحسانَ، وتظهرن
الشكوى، ولا شكّ أن الشكاية في الأصل جائزة إذا اضطرّ إليها، فإذا أُكثر
منها دلّ ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، فاقتضى دخول النار(١).
وقال ابن دقيق العيد تَظُّْ: وتعليله وَّله بالشَّكاة، وكفران العشير، دليل
على تحريم كفران النعمة؛ لأنه جعله سبباً لدخول النار، وهذا السبب في
الشكاية يجوز أن يكون راجعاً إلى ما يتعلق بالزوج، وجحد حقِّه، ويجوز أن
يكون راجعاً إلى ما يتعلق بالله تعالى، من عدم شكره، والاستكانة لقضائه،
وإذا كان النبيّ وَّ﴿ قد ذكر ذلك في حقّ مَن هذا ذنبه، فكيف بمن له منهنّ
ذنوب أكثرُ من ذلك، كترك الصلاة، والقذف. انتهى (٢).
وقال الفاكهيّ: والأول أظهر؛ لأن الشكاية من الله تعالى لا يختصّ
بالنساء، وقال الحلبيّ: ويؤيّده أنه قرنه بقوله: ((وتكفرن العشير)). انتهى (٣).
(وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ))) قال أهل اللغة: يقال: العشير: هو المعاشر،
والمخالط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج، وقال آخرون: هو كلُّ مخالط،
قال الخليل: يقال هو العَشِير والشَّعِير على القلب، ومعنى الحديث: أنهن
يَجْحَدن الاحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلة معرفتهنّ، فيُستدلُّ به على ذمّ مَن
يجحد إحسان ذي إحسان، قاله النوويّ كَُّ(٤).
وقال في ((الفتح)): الْعَشِيرُ: فَعِيل بمعنى مُعاشر، مثل أَكِيل بمعنى مؤاكل؛
أي: تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أو أعمّ من ذلك. انتهى.
وقال في ((الإعلام)): معنى العشير عند الأكثرين: الزوج، وهو معدول عن
اسم الفاعل للمبالغة، وقيل: هو كلُّ مخالط، وقد أحسن الحريريّ تَخْتُهُ حيث
قال في ((مقاماته)): وَأَفِي العشير، وإن لم يواف بالعشير، أراد بالأول المعاشر،
وبالثاني الْعُشْرِ، فإنه يقال: عُشْر وعَشِير، ومِعْشَار بمعنى.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ١٣١/٢.
(١) ((الإعلام)) ٢٣٦/٤.
(٣) ((العدّة حاشية العمدة)) ١٧٣/٣ - ١٧٤.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/٦ - ١٧٦.

٤٣٩
(١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٨)
قال: ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلّة معرفتهنّ،
فإن الزوج قوّامٌ على المرأة بالنفقة، والكسوة، والسكنى، وغضّ بصرها عن
المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه، فقال
تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤].
واعلم أن الكفر عند الإطلاق لا يُطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام،
وقد يُطلق على الكفر المنافي لكماله؛ لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعاً
وعادةً، لا للخروج من الإسلام. انتهى(١).
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ كَظُّ: إنما خصّ كفران العشير من بين
أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله وَله: ((لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد
لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) (٢)، فقرن حقّ الزوج على الزوجة بحقّ الله،
فإذا كفرت المرأة حقّ زوجها - وقد بلغ من حقّه عليها هذه الغاية - كان ذلك
دليلاً على تهاونها بحقّ الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر دون كفر، لا
يُخرج عن الملّة. انتهى(٣).
(قَالَ) جابر رَظُه (فَجَعَلْنَ) أي: أخذن وشرعن (يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ) بضمّ
الحاء المهملة، وكسرها، والضمّ أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر
القرّاء على الضمّ، واللام مكسورة، والياء مشدّدةٌ، وهو جمع حَلْيٍ، بفتح،
فسكون، كفَّلْسٍ وفُلُوس، أفاده في ((الإعلام))، و((المصباح))(٤).
(يُلْقِينَ فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ) ((يُلقين)) بضمّ أوله، من الإلقاء، والجملة في محلّ
نصب على الحال (مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ) جمع قُرط، قال في ((المصباح)): القُرط: ما
يُعلّق في شحمة الأذن، والجمع أَقْرِطَة، وقِرَطَة، وزان عِنْبَة. انتهى(٥).
وقال في ((القاموس)): الْقُرْط بالضمّ: ما يُعلّق في شحمة الأذن، جمعه
أَقراطٌ، وقِرَاطٌ، وقُرُوطٌ، وقِرَطَةٌ، كقِرَدَة. انتهى (٦)، ونحوُه في ((اللسان)).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤/ ٢٣٧.
(٣) راجع: ((الفتح)) ١/ ١٠٥.
(٢) حديث صحيح.
(٤) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٤١/٤، و((المصباح)) ١٤٩/١.
(٥) ((المصباح المنير)) ٤٩٨/٢.
(٦) ((القاموس)) ٣٧٨/٢.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين
وقال النوويّ: قال ابن دُرَيد: كل ما عُلِّق في شحمة الأذن فهو قُرْط،
سواء كان من ذهب، أو خَرَز، وأما الْخُرْص فهو الحلقة الصغيرة من الْحَلْي،
قال القاضي: قيل: الصواب قِرَطَتهنّ بحذف الألف، وهو المعروف في جمع
قُرْط، كخُرْج وخِرَجَة، ويقال في جمعه: قِرَاط، كُرُمْحِ ورِمَاح، قال: لا يبعد
صحّة أقرطةً، ويكون جمعَ جمعٍ؛ أي: جمع قِرَاط، لا سيّما وقد صحّ في
(١).
.
الحديث. انتهى
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن ما تقدّم في عبارة ((المصباح)) من أن
(أقرطة)) جمع قُرْط صريح في کونه جمعاً، فلا داعي لدعوی کونه جمع جمع،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَخَوَاتِمِهِنَّ) وفي بعض النسخ: ((وخواتيمهنّ)) بالياء بعد التاء، وهو:
جمع خاتم، هي: حَلْقَة ذات فَصّ من غيرها، فإن لم يكن لها فصّ فهي فَتَخَةٌ،
بفاء، وتاء مثنّاة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة، قاله في ((المصباح))(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد جاء بيان مسائله في شرح حديث ابن
عبّاس ◌ًِّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٤٩] (٨٨٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي (٣) عَطَاءُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنّْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ،
قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ،
فَأَخْبَرَنِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ
الْفِطْرِ، حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَمَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا
نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَلَا إِقَامَةَ).
(١) ((شرح النووي)) ١٧٦/٦.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) ((المصباح المنير)) ١٦٣/١.