Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (٢١) - بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (٢٠٤٠) لَا يُصَلِّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي(١) وَكْعَتَيْنٍ فِي بَيْتِهِ، قَالَ بَحْيَى: أَظُنُّنِي(٢) قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلْبِنَّةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وکلهم ذُكروا قبله، غیر: ١ - (مالك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين، وإمام المجتهدين، [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُ، وهو (١٣٤) من رباعيّات الكتاب، وهو أصحّ الأسانيد، فقد نُقل عن البخاريّ أنه قال: أصحّ الأسانید کلّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر څًا. وقوله: (أَنَّهُ وَصَفَ ... إلخ) الضمير لابن عمر حًُّا. وقوله: (قَالَ: فَكَانَ ... إلخ) وفي نسخة: ((فقال ... إلخ)). وقوله: (فَيُصَلِّي) وفي نسخة: ((فصلّى)). وقوله: (قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّنِي قَرَأْتُ: فَيُصَلِّ، أَوْ أَلْبَقَّةَ) قال النوويّ نَّهُ: معناه أظنّ أني قرأت على مالك في روايتي عنه: ((فيصلّي))، أو أجزم بذلك، فحاصله أنه قال: أظنّ هذه اللفظة، أو أجزم بها. انتهى (٣). ووقع في بعض النسخ: ((أظنّه)) بضمير الغائب، وعليه فالضمير للشأن، والجملة بعده مفسّرة له. وقال القاضي عياض تَخْتُ: قوله: ((أظن قرأت ... إلخ)) هذا لفظ يُشكل ظاهره، وتفسيره أنه شكّ هل قرأ على مالك قوله: فيُصلي ركعتين، أو غير هذا اللفظ، كيركع، أو سقط من كتابه لفظة ((يصلي))؟ ثم غَالَبَ ظنه وقوع هذه اللفظة وشهرتها في حديث مالك، قال: أو ألبّة؛ أي: أنا متردّد بين الظنّ واليقين في هذه اللفظة؛ تحرّياً في الأداء، قال: وكان تَّتُ مع علمه وحفظه (١) وفي نسخة: ((فصلى)). (٣) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٧٠. (٢) وفي نسخة: ((أظنه)). ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة كثير التشكك في الألفاظ؛ لورعه وتقاه حتى لُقِّب بالشكّاك. انتهى(١). [فائدة مهمّة]: قال العلامة ابن عابدين تَّلُهُ في ((الفوائد العجيبة)): قولهم: ((لا أفعله البَتَّةَ))، هي مصدر من البَتّ بمعنى القطع، وفي ((القاموس)): لا أفعلُهُ البَّةَ، وبَّةً لكلِّ أمرٍ لا رَجْعَةً فيه. انتهى. والمشهور على الألسنة أنّ همزتها همزة قطع، وبه صَرَّح الإِمام الكِرْمانيّ في ((شرحِ البخاريّ))، وردّه الحافظ ابنُ حجر في شرحه ((فتح الباري)) بما حاصله أَنَّه لم يَرَ أحداً من أهل اللغة صرَّحَ بذلك، ونازعه البدر العَيْنيّ في ((شرحه)) أيضاً بأنّ عدم رؤيته واطلاعه على التصريح بذلك لا يُنافي وجوده. قال ابن عابدين: القياس يقتضي ما قاله الحافظ، فإنّه من المصادر الثلاثية، وهمزاتها همزة وصل، وبمنازعة العينيّ لا يثبت المدَّعى، نَعَمْ قد يُقال من حُسْنِ الظنِّ بالإِمام الكِرْماني أنّه لا يقولُ ذلك من رأيه مع مخالفته لقياسه على نظائره، فلولا وقوفه على ثَبَت في ذلك لما قاله. وصرّح بعض الفضلاء بأنّ المشهور كونها همزة قطع، وأنّه مما خالف القياس، وهو يؤيد ما قاله الكِرْمانيّ، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. قال: ثمّ رأيت في ((الشرح الكبير)) للعلامة الدمامينيّ على ((المغني)) عند قوله في ((باب الهمزة)): ولو كان على الاستفهام الحقيقيّ لم يكن مدحاً البثَّةَ، ما نَصُّهُ: هي بمعنى القول المقطوع به، قالَ الرضيّ: وكأنَّ اللام فيها في الأصل للعهد؛ أي: القَطْعَة المعلومة التي لا تردّد فيها، فالتقدير هنا: أجزمُ بهذا الأمر، وهو أنّه لو كان على حقيقة الاستفهام لم يكن مدحاً قَطْعةً واحدةً، والمعنى أنّه ليس فيه تردّد، بحيث أجزم به، ثُمّ يبدو لي، ثُمّ أجزمُ به مرة أخرى، فيكون قطعتين، أو أكثر، بل هو قطعة واحدة لا يُثَنَّى فيها النظر، فالبَّة بمعنى القَطْعَة، ونصبها نصب المصادر. انتهى. وفي هذا إشارة ظاهرة إلى أنّ الهمزة همزة وصل، بل كلام الرضيّ كالصريح في ذلك، اللهمّ إلّا أنْ يكونَ ذلك بناءً على ما هو القياس، فلا يُنافي ما قدّمناه من أنّ قطع همزتها مما خالف القياس. (١) ((إكمال المعلم)) ٢٨٧/٣ - ٢٨٨، و((شرح الأبيّ)) ٣٢/٣ - ٣٣. ٤٠٣ (٢١) - بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (٢٠٤١) قال: ثُمَّ رأيتُ التصريح بذلك في ((تصريح الشيخ خالد الأزهريّ) في بحث المعرفة حيث قال: البَثَّة بقطع الهمزة سماعاً، قاله شارح اللباب، والقياس وصلها. انتهى. فليتأمّل. وجاء في ((لباب الإعراب)): أنّ الأكثر فيه التعريف، وقطع الهمزة بمعزل عن القياس، لكنه مسموع. انتهى كلام ابن عابدين تَذْتُهُ(١) وقال المرتضى الزَّبِيديّ كَّتُهُ في ((شرح القاموس)) عند قوله: ((ولا أفعله البتّةَ، وبَتَّةً لكلّ أمر لا رجعة فيه))، ما نصّه: ونصبه على المصدر، قال ابن برّيّ: مذهب سيبويه وأصحابه أن البتّة لا تكون إلا معرفة لا غير، وإنما أجاز تنكيره الفرّاء وحده، وهو كوفيّ، ونقل شيخنا عن الدمامينيّ في ((شرح التسهيل)): زَعَمَ في ((اللباب)) أنه سُمِع في ((البنّة)) قطع الهمزة، وقال شارحه في ((العباب)): إنه المسموع، قال البدر: ولا أعرف ذلك من جهة غيرهما، وبالغ في ردّه وتعقُّبه، وتصدّى لذلك أيضاً عبد الملك العصاميّ في حاشيته على شرح القطر. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام المحقّقين أن الصواب في همزة ((البتّة)) أنها وصل، على ما هو القياس، وليست بقطع؛ لأن ذلك لم يثبت عند المحققين، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَثّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤١] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَانَ يُصَلِّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي. (١) ((الفوائد العجيبة)) ٥٢/١ - ٥٤. (٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٥٣٤/١. ٤٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قبل باب. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ المشهور، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. والباقون ذُكروا في الباب. وشرح الحديث واضحٌ، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ . (٢٢) - (بَابُ الَّهْي عَنْ وَصْلِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ بِالْكَلَامِ، أَوِ الْخُرُوجِ مِنْ مَحَلِّهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٢] (٨٨٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِ عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِّبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ (١)، حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ). (١) وفي نسخة: ((أن لا توصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج)) بحذف لفظة ((بصلاة)). (٢٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ وَصْلِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَة ... إلخ - حديث رقم (٢٠٤٢) ٤٠٥ رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) المذكور في الباب. ٢ - (غُنْدَرٌ) هو: محمد بن جعفر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) - بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الواو - المكيّ، مولى بني عامر، ثقة [٤] (م د) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٧٧/٤٣. ٥ - (السَّائِبُ ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ) بن سعيد بن ثُمَامة الْكِنْديّ، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعْرَف بابن أخت النَّمِر، صحابي صغير، له أحاديث قليلةٌ، وحُجَّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عُمَر ◌َُّه سوقَ المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ٤ (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧/ ١٧١٢. ٦ - (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم قبل الفتح، وكَتَبَ الوحيّ، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعمر بن عطاء، تفرّد به المصنّف، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه من اشتَهَر بالكنية، وهو غُنْدر بضمّ أوله، وسكون النون، وفتح الدال، وتُضمّ، ومعناه المشاغب، ولقبّه به ابن جُريج لَمّا ورد البصرة، كان يكثر التشغيب عليه، وأهل الحجاز يُسَمُّون المشغِّب غُندراً(١). فيها . ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٨٥/٩. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْج) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) بضمّ، ففتح (أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُّبَيْرٍ) بن مُطْعِم النوفليّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ المتوفَّى سنة (٩٩هـ)، تقدّمت ترجمته في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٢. (أَرْسَلَهُ) أي: أرسل عمر بن عطاء (إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ) بن جبل خال يزيد بن سعيد، والد السائب، قال في ((الإصابة)): والنَّمِر خال أبيه يزيد، هو النَّمِر بن جَبَل، ووَهِمَ من قال: إنه النَّمِر بن قاسط. انتهى(١). (يَسْأَلُهُ) جملة حاليةٌ من المفعول (عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ) أي: من السائب (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ﴿هَا، (فِي الصَّلَاةِ) والمعنى أن نافعاً أرسل عمر بن عطاء يسأل السائب بن يزيد عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فأنكره عليه (فَقَالَ) السائب (نَعَمْ) المناسب من معانيها هنا الوعد، كأنه يعده بالإخبار، ثم أخبره، فقال: (صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي: مع معاوية رَّبُه (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها (فِي الْمَقْصُورَةِ) اسم مفعول من قصر الشيء: إذا حبسه، قال الفيّوميّ كَُّ: وقصرته قَصْراً: حبستُهُ، ومنه ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ (٣)﴾ [الرحمن: ٧٢]، ومقصورة الدار: الْحُجْرة منها، ومقصورة المسجد أيضاً، وبعضهم يقول: هي مُحَوَّلةٌ عن اسم الفاعل، والأصل: قاصرةٌ؛ لأنها حابسةٌ، كما قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]؛ أي: ساتراً. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخْثُ: المقصورة: موضع من المسجد، تُقصَر على الملوك والأمراء، وأوّل من عَمِلَ ذلك معاوية ظُه لَمّا ضربه الخارجيّ، واستَمَرّ العمل عليها؛ لهذه العلّة؛ تحصيناً للأمراء، فإن كان اتّخاذها لغير تلك العلّة فلا يجوز، ولا يُصلَّى فيها؛ لتفريقها الصفوف، وحيلولتها بين الإمام وبين المصلّين خلفه مع تمكّنهم من مشاهدة أفعاله، وقد أجازها بعض المتأخّرين لغير التحصین، وفیه بُعْدٌ. انتهى(٣). (فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قُمْتُ فِي مَقَامِي) أي: قمت في مكاني الذي صلّيت فيه (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٧/٣. (٣) ((المفهم)) ٥١٩/٢. (٢) ((المصباح المنير) ٥٠٥/٢. ٤٠٧ (٢٢) - بَابُ الَّهْىِ عَنْ وَصْلِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَة ... إلخ - حديث رقم (٢٠٤٢) الجمعة (فَصَلَّيْتُ) أي: النافلة من غير فاصل بينها وبين الفرض (فَلَمَّا دَخَلَ) أي: معاوية ظُه بيته (أَرْسَلَ إِلَيَّ) أي: للحضور عنده حتى يُبين له خطأه (فَقَالَ: لَا تَعُدْ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من العودة؛ أي: لا ترجع (لِمَا فَعَلْتَ) أي: من وصل النافلة بالفريضة في محلّ واحد (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا) بفتح أوله، وسكون ثانيه، مضارع وَصَلَ الشيءَ بغيره (بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ) بحذف إحدى التاءين، وأصله حتى تتكلّم، كما قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) (أَوْ تَخْرُجَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه من الخروج؛ أي: تنتقل من محلّ الجمعة إلى محلّ آخر من المسجد، ويؤيّد هذا قوله: ((حتى تكلّم))؛ لأن التكليم يكون في المسجد. ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد الخروج من المسجد، فيكون المراد أداء سنّة الجمعة في البيت، وهذا يؤيّده عموم قوله وَّه: ((صلَّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))، وكذا فعله ◌َّلغير، كما سبق في حديث ابن عمر ◌ّ، والاحتمال الأول أقرب، والله تعالى أعلم. ثم ذكر معاوية ربه دليلاً ما قاله بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّل أَمَرَنَا بِذَلِكَ) أي: بما ذُكر من التكليم، أو الخروج، وقوله: (أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاَةٌ بِصَلَاةٍ) عطف بيان، أو بدل من اسم الإشارة. قال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((ألا توصل بصلاة)) هكذا وقع في إحدى الروايتين، وقد رُوي: ((ألا نُوصل صلاةً))، فالأولى: ((تُوصَلَ)) بالتاء مبنيّاً لما لم يُسمَّ فاعله، وفيه ضمير هو المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، و((بصلاة)) مُتعلّق به، فعلى هذا يكون النهي مخصوصاً بالجمعة لفظاً، والرواية الأخرى: ((نُوصِلَ)) بالنون مبنيّاً للفاعل، و((صلاةً)) مفعول، وهذا اللفظ يعُمّ جميع الصلوات. انتهى(١). (حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ) بنون المتكلّم، وفي رواية أبي داود: ((حتى تتكلّم، أو تخرج)) بتاء الخطاب. قال البيهقيّ ◌َّتُهُ في ((معرفة السنن والآثار)) بعد إخراجه هذا الحديث: (١) ((المفهم)) ٥٢٠/٢. ٤٠٨ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة قال الشافعيّ في ((سنن حرملة)): هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، وهذا في مثل ما رُوي عن النبيّ ◌َِّ أنه مَرّ برجل يصلي ركعتي الفجر حين أقيمت الصلاة، فقال: ((أصلاتان معاً؟))، كأنه أحبّ أن يَفْصِلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام، يفصل بعد السلام، وقد رُوي أن النبيّ وَّرَ اضطجع بعد ركعتي الفجر، ثم أخرج بسنده عن الشافعيّ، عن سفيان، عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس ﴿ه أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلّم، أو يتقدم، وربما حدثه، فقال: إذا صلى أحدكم المكتوبة، ثم أراد أن يصلي بعدها، فلا يصلي حتى يتقدم، أو يتكلّم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية ربه هذا من أفراد المصنّف تَخْذّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٤٢/٢٢ و٢٠٤٣] (٨٨٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٩/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٠٥ و١٨٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٨٤ و١٩٨٥)، و(البيهقيّ) في ((المعرفة)) (٥٢٢/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة فصل النافلة عن الفريضة، إما بالكلام، أو الخروج من محلّها، والأفضل الخروج إلى البيت؛ لما تقدّم من قوله اليه: ((صلُّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْذَثُ: فيه دليلٌ على جواز اتخاذ المقصورة في المسجد إذا رآها وليّ الأمر مصلحةً، قالوا: وأول من عملها معاوية بن أبي سفيان ◌ًّا، حين ضربه الخارجيّ. وقال القاضي عياض ◌َّتُهُ: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف، وصَلَّوا فيها، منهم الحسن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم. (١) ((معرفة السنن والآثار)) ٥٢٢/٢. ٤٠٩ (٢٢) - بَابُ التَّهْىٍ عَنْ وَصْلِ النَّفِلَةِ بِالْفَرِيضَة ... إلخ - حديث رقم (٢٠٤٣) وكَرِهها ابنُ عمر، والشعبيّ، وأحمد، وإسحاق، وكان ابن عمر ظَّا إذا حضرت الصلاة، وهو في المقصورة، خرج منها إلى المسجد. قال القاضي: وقيل: إنما تصح فيها الجمعة إذا كانت مباحةً لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس ممنوعةً من غيرهم، لم تصح فيها الجمعة؛ لخروجها عن حكم الجامع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم صحّة الجمعة إذا كانت ممنوعة على الناس، مما لا دليل عليه، وأيضاً إن الإذن للكل يُخرجها عما وُضعت له؛ لأنها ما وضعوها إلا اتّقاء عن الأشرار، فلو سومح لكلّ أحد لفات الغرض. والحاصل أنها إذا اتّخذت لغرض صحيح، فجواز الصلاة لمن فيها هو الأرجح؛ لما ذُكِر، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ أيضاً: فيه دليلٌ لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يُسْتَحَبّ أن يُتَحَوَّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحوُّل إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد، أو غيره؛ لتَكْثُر مواضعُ سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة. ٤ - (ومنها): أنه دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضاً، ولكن بالانتقال أفضل؛ لما مرّ آنفاً . ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُهُ: مقصود هذا الحديث منع ما يؤدِّي إلى الزيادة على الصلوات المحدودات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِّ أُخْتِ نَمِرٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِمَامَ). (١) وفي نسخة: ((وحدّثنيه)). ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) الفاعل ضمير حجاج بن محمد، يعني: أنه ساق الحديث بمثل حديث غُنْدر الماضي، إلا أنه لم يذكر لفظ ((الإمام)) من قوله: ((فلما سلّم الإمام))، وإنما ذكره بلا فاعل ظاهر، لكن مثل هذا جائز؛ لأن الفاعل يكون ضمير يعود إلى الإمام؛ لدلالة السياق عليه. [تنبيه]: رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج هذه ساقها ابن خزيمة ◌َّلُ في ((صحيحه)) (١٠١/٣) فقال: (١٧٠٥) نا عبد الرحمن بن بشر، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، ثنا عمر بن عطاء(١)، وثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار (ح) وثنا عليّ بن سهل الرمليّ، ثنا الوليد، حدّثني ابن جريج، عن عمر بن عطاء، قال: أرسلني نافع بن جبير إلى السائب بن يزيد أسأله، فسألته، فقال: نعم صليت الجمعة في المقصورة، مع معاوية، فلما سلَّم قمت أصلي، فأرسل إليّ، فأتيته، فقال: إذا صلّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة، إلا أن تخرج، أو تتكلم، فإن رسول الله وسلم أمر بذلك، وقال ابن رافع، وعبد الرحمن: ((أمر بذلك ألا توصل صلاة بصلاة، حتى تخرج، أو تتكلم)). قال أبو بكر (٢): عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار هذا ثقة، والآخر هو عمر بن عطاء تَكَلَّم أصحابنا في حديثه؛ لسوء حفظه، قد رَوَى ابن جريج عنهما جميعاً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) هكذا النسخة ليس فيها ((ح)) التحويل، ولعلها سقطت من النساخ، فتنبّه. (٢) أي: ابن خزيمة. ٤١١ ٨ - كتاب صلاة العيدين ٨ - (كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالّة على أمور صلاة العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى. (مسألة): في بيان اشتقاق العيد، ومعناه: قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: سمي العيد عيداً؛ لعَوْده، وتكرره في كلّ سنة، وقيل: لعوده بالفرح والسرور، وقيل: سمي بذلك على جهة التفاؤل؛ لأنه يعود على من أدركه. انتهى. ونحوه للنوويّ كَُّ في ((شرحه))، وزاد: وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سُمِّيت القافلة حين خروجها، تفاؤلاً؛ لقفولها سالمةً، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة. انتهى. وقال الطحطاويّ تَُّ: ويُطلق العيد على كلّ يوم مسرّة، ولذا قيل [من البسيط]: عِيدٌ وَعِيدٌ وَعِيدٌ صِرْنَ مُجْتَمِعَهْ وَجْهُ الْحَبِيبِ وَيَوْمُ الْعِيدِ وَالْجُمُعَهُ(١) وقال في ((لسان العرب)): العيد كلُّ يوم فيه جَمْعٌ، واشتقاقه من عادَ يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد، لَزِم البدل، ولو لم يلزم لقيل: أعواد، كريح وأرواح؛ لأنه من عاد يعود، وعَيَّدَ المسلمون: شَهِدُوا عيدهم، قال الْعَجَّاجُ يَصِفُ الثور الوحشيّ [من الرجز]: وَاعْتَادَ أَرْبَاضاً لَهَا آرِيُّ كَمَا يَعُودُ الْعِيدَ نَصْرَانِيُّ (١) ((حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح)) ص٥٢٧. ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين فجَعَل العيد من عاد يعود، وتحولت الواو في ((العيد)) ياء لكسرة العين، وتصغير ((عيد)): ((عُيَيْدٌ))، تركوه على التغيير، كما أنهم جمعوه أَعْيَاداً، ولم يقولوا: أَعْوَاداً، وقال الأزهريّ: والعيد عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفَرَحِ والْحُزْن، وكان في الأصل ((الْعِوْدَ)) فلما سَكَنَت الواو، وانكسر ما قبلها صارت ياءً. وقيل: قُلبت الواو ياء ليفرّقوا بين الاسم الحقيقيّ وبين المصدريّ، وقال الجوهريّ: إنما جُمع أعيادٌ بالياء للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقال ابن الأعرابي: سمي العيدُ عيداً؛ لأنه يعود كلَّ سنة بفرح مجدّد. انتھی. [فائدة]: جعل الله تعالى للمؤمنين ثلاثة أيَّام عيداً: الجمعة، والفطر، والأضحى، وكلَّها بعد إكمال العبادة وطاعتهم، وليس العيد لمن لبس الجدید، بل هو لمن طاعته تزيد، ولا لمن تجمّل باللبس والركوب، بل لمن غُفرت له الذنوب، وأما عيدهم في الجنّة، فهو اجتماعهم بربهم، ورؤيتهم له في حضرة القدس، فليس عندهم شيءٌ ألذّ من ذلك(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٠٤٤] (٨٨٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ وَّةِ، وَأَبِّي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، قَالَ: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ (١) راجع: ((تحفة الحبيب على شرح الخطيب)) ٢١٨/٢. ٤١٣ (١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤) أَقْبَلَ بَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئً﴾، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: ((أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟))، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟ قَالَ: ((فَتَصَدَّقْنَ))، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدَى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ، وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظُ عابدٌ زاهدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ°مّ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظُ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيَّر، وكان يتشيع [٩] (ت٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فَقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (ت١٥٠) وقد جاز السبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٥ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِم) بن يَنّاق - بفتح التحتانية، وتشديد النون، وآخره قاف - المكيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن صفية بنت شيبة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء الكيخارانيّ، وعُبيد بن عُمير، ولم يدركه. ورَوَى عنه أبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع، وعمرو بن مرة، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، وجابر الجعفيّ، وجامع بن أبي راشد، وحميد الطويل، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عيينة: مات الحسن بن مسلم قبل طاوس، وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو داود: كان من العلماء بطاووس، وقال في ((التقريب)): مات قديماً بعد المائة بقليل. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٨٨٤) و(١٠٢١) وأعاده بعده، و(١١٩٥) و(١٢٤٦) و(١٣١٧) و(١٣٢٨) و(٢١٢٣) وأعاده بعده. ٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذَكْوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، حيث سمع من لفظهما وحده، ولذا قال: ((حدّثني))، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والحسن، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله وَلآه، ودعا له ◌َ﴿ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ٤١٥ (١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤) شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء، من باب علِمَ يعلَم، يقال: شَهِدتُ العيد: بمعنى أدركته، وشَهِدت المجلس: حضرته(١). (صَلَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة، والإضافة من إضافة الشيء إلى سببه (مَعَ نَبِيِّ اللّهِ وَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌َهُ (وَعُمَرَ) بن الخطّاب (وَعُثْمَانَ) بن عفّن رَُّهَ (فَكُلَّهُمْ يُصَلِّيهَا) هكذا رواية المصنّف بالإفراد، وهو صحيح؛ نظراً للفظ ((كلّ)) فإنه مفرد؛ أي: يصلّي كلٌّ منهم صلاة الفطر، وفي رواية البخاريّ: ((يصلّونها)) بضمير الجمع، وهو ظاهر (قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ) بعد الصلاة (قَالَ) ابن عبّاس ◌َّ: (فَنَزَّلَ نَبِيُّ اللهِ وَّ﴾ أي: من منبره إلى الأرض. [تنبيه]: قال القاضي عياض تَخْذّثُ ما حاصله: نزوله وّل إلى النساء في خطبته كان في أول الإسلام؛ تأكيداً لبيعة الإسلام، وهو خاصّ به أَّ، فليس للأئمة فعله، ولا يُباح لهم قطع الخطبة بنزول لوعظ النساء، ومن بَعُدَ من الرجال، وقول عطاء: ((إن ذلك لحقّ على الأئمة، وما لهم لا يفعلونه)) غير موافق عليه. انتهى خلاصة كلام القاضي ◌َّتُهُ . قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاضي عياض ◌َُّ هذا مؤاخذات : (الأولى): قوله: ((نزوله ◌َّ في خطبته)) هذا غير صحيح، بل نزوله كان بعد فراغه من خطبته، فسيأتي في حديث جابر ظه، ولفظه: ((ثم خطب الناس، فلما فرغ نبيّ الله ◌َ ﴿ نزل، وأتى النساء ... )) الحديث، فقد صرّح بأن نزوله كان بعد الفراغ، فتبصّر. (الثانية): قوله: ((كان في أول الإسلام، وهو خاصّ به وَّه)) فيه نظرٌ؛ فمن أين دعوى الخصوصيّة؟، فهل له عليه حجة، فتبصّر. (الثالثة): قوله: ((ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزول ... إلخ)) فيه نظر (١) راجع: ((المصباح)) ٣٢٤/١. ٤١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين أيضاً، فأين دليل عدم إباحة القطع؟ بل هذا خلاف الثابت في السنّة، فقد سبق أنه وَ ﴿ قال له رجل في أثناء الخطبة: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، فأقبل عليه رسول الله وَلير، وترك خطبته حتى انتهى إليه، فأُتي بكرسيّ، فقعد عليه، وجعل يعلّمه مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها، فهل بعد هذا تطلب البيّنة؟ إن هذا لهو العجب. (الرابعة): قوله في كلام عطاء: ((غير موافَق عليه))، فيه نظر أيضاً، بل غير الموافق هو القاضي عياض، فإن ما قاله عطاء تَّتُهُ هو الموافق للسنّة، ولذلك عقد الإمام البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)) له باباً، فقال: ((باب موعظة الإمام النساء يوم العيد))، ثم أورد حديث جابر الآتي، وفي آخره قول عطاء هذا . والحاصل أن مشروعيّة موعظة الإمام النساء في الخطبة هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل . (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي: إلى النبيّ ◌َّ (حِينَ يُجَلَّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ) بتشديد الجيم، من التجليس؛ أي: يأمرهم بالجلوس، مشيراً إليهم بيده، وكأنهم لَمّا انتَقَل وَله عن مكان خطبته أرادوا الانصراف، فأمرهم بالجلوس حتى يفرغ من حاجته، ثم ينصرفوا جميعاً، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم، وأمرهم بالجلوس(١). (ثُمَّ أَقْبَلَ) بالبناء للفاعل؛ أي: توجّه النبيّ ◌َّ (يَشُقُّهُمْ) أي: يشقّ صفوف الرجال الجالسين (حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ) أي: قال النبيّ وَل﴿، بمعنى تلا قوله تعالى: (﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) أي: انتهى من قراءة الآية بتمامها . وإنما تلا النبيّ وَّ هذه الآية الكريمة؛ ليُذَكِّرهنّ البيعة التي وقعت بينه (١) راجع: ((الفتح)) ٣٠٤/٣، و((عمدة القاري)) ٤٣٥/٦. ٤١٧ (١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤) وبين النساء لَمّا فَتَحَ النبيّ مَ ﴿ مكة، وكان النبيّ ◌ََّ لَمّا فَرَغَ من أمر الفتح اجتَمَعَ الناس للبيعة، فجَلَس يبايعهم على الصفا، ولَمّا فَرَغْ من بيعة الرجال بايع النساء، وذَكَرَ لهنّ ما ذَكَر الله في الآية المذكورة، قاله في ((العمدة))(١). (ثُمَّ قَالَ) وَ (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي: قراءة الآية المذكورة، وقوله: ((أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِك؟))) مقول ((قال))، والخطاب للنساء، و(أَنْتُنَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنتنّ (عَلَى ذَلِك؟) بكسر الكاف؛ خطاباً للأنثى؛ أي: أنتنّ على ما ذُكِر في هذه الآية؟ (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُحِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ) أي: من النساء اللاتي حضرن خطبته وَلّ، وقوله: (نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ) مقول ((قلت))؛ أي: نعم، نحن على ذلك. وفيه دلالة على الاكتفاء في الجواب بـ(نَعَم))، وتنزيلها منزلة الإقرار، وأن جواب الواحد عن الجماعة كافٍ، إذا لم يُنكِروا، ولم يمنع مانع من إنكارهم(٢). (لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا وقع في جميع نسخ ((صحيح مسلم)): ((حينئذ))، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره: وهو تصحيفٌ، وصوابه: ((لا يَدري حَسَنٌ من هي؟))، وهو حسن بن مسلم راويه عن طاوس، عن ابن عباس، ووقع في ((صحيح البخاريّ)) على الصواب، من رواية إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق: ((لا يَدري حسنٌ من هي؟)). قال النوويّ كَّتُهُ: ويَحْتَمِلُ تصحيح ((حينئذ))، ويكون معناه: لكثرة النساء، واشتمالهنّ ثيابَهُنَّ لا يدرى من هي؟. انتهى(٣). وقد تعقّب الحافظ تصحيح النووي المذكور، فقال بعد ذكر كلامه: لكن اتّحاد المخرج دالٌ على ترجيح رواية الجماعة، ولا سيما وجودُ هذا الموضع في ((مصنَّف عبد الرزاق)) الذي أخرجه مسلم من طريقه كالبخاريّ موافقاً لرواية الجماعة، والفرق بين الروايتين أن في رواية الجماعة تعيين الذي لم يدر مَنِ المرأة؟، بخلاف رواية مسلم. (١) ((عمدة القاري)) ٤٣٥/٦. (٣) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٧٢. (٢) ((الفتح)) ٣٠٤/٣. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين قال: ولم أقف على تسمية هذه المرأة إلا أنه يختلج في خاطري أنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي تُعْرَف بخطيبة النساء، فإنها رَوَت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ، وغيرهما، من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله وَلّوم خرج إلى النساء، وأنا معهنّ، فقال: ((يا معشر النساء، إنكن أكثر حَطَبُ جهنّم))، فناديت رسول الله وَ﴿، وكنت عليه جَرِيئة: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((لأنكن تُكْثِرن اللعن، وتَكْفُرن العشير ... )) الحديث، فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أوّلاً بـ(نعم))، فإن القصّة واحدة، فلعل بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، كما في نظائره، والله أعلم. وقد رَوَى الطبراني من وجه آخر، عن أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء المذكورة، أنها كانت في النسوة اللاتي أَخَذَ عليهنّ رسول الله و ◌َّ ما أخذ ... الحدیث. ولابن سعد من حديثها: أَخَذ علينا رسول الله وَ ي أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، الآية. انتهى كلام الحافظ تَُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ، وتعقّبه العينيّ على عادته المستمرّة، أعرضت عن ذكره؛ لكونه مجرّد تحامل، فتنبّه. (قَالَ) بَرِ (فَتَصَدَّقْنَ))) قال العينيّ ◌َخْذُ: هذه صيغة أمر، أَمَرَهُنّ ◌َّ بالصدقة، وهذه الصيغة تشترك فيها جماعة النساء من الماضي، ومن الأمر لهنّ، ويُفَرَّق بينهما بالقرينة. [فإن قلت]: ما هذه الفاء فيها؟. [قلت]: يجوز أن تكون للجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كنتنّ على ذلكِ، فتصدقن، ويجوز أن تكون للسببية. انتهى كلام العينيّ ◌َُّهُ(٢)، وهو بحث نفیسٌ. وقال الحافظ تَّتُهُ: قوله: قال: ((فتصدقن)) هو فعل أمر لهنّ بالصدقة، والفاء سببية، أو داخلة على جواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتن على ذلك فتصدقن، ومناسبته للآية من قوله: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، (١) ((الفتح)) ٣٠٤/٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٤٣٦/٦. ٤١٩ (١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا - حديث رقم (٢٠٤٤) فإن ذلك من جملة المعروف الذي أُمِرْنَ به. انتهى(١). (فَسَطَ بِلَالٌ) ◌َهِ (َوْبَهُ) أي: ليجمع صدقات النساء (ثُمَّ قَالَ) بلال se (هَلُمَّ) هذا على اللغة الفصحى في التعبير بها للمفرد والجمع، قال في ((الفتح))؛ أي: أحضرن الصدقات، وادفعنها إليّ. وقال في ((العمدة)): لفظ ((هَلُمّ)) من أسماء الأفعال المتعدية، نحو هَلُمّ زيداً؛ أي: هاته، وقَرِّبه، وهو مركب من الهاء، ولُمَّ، من لممت الشيء جمعته، ويستوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقول: هَلُمّ يا رجل، هلم يا رجلان، هلم يا رجال، هلم يا امرأةُ، هلم يا امرأتان، هلم یا نسوة، هذه لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون: هَلُمَّ، هَلُمّا، هَلُمّوا، هَلُمِّي، هَلُمّا، هَلْمُمْنٍ، والأولى أفصح، ويجيء لازماً أيضاً، قال تعالى: ﴿ وَالْقَيِلِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. انتهى (٢). (ِفِدَّى) بكسر الفاء والقصر (لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون؛ لأنه خطاب للنساء، فقوله: ((فدى)) مرفوعٌ على أنه خبر لقوله: (أَبِي وَأُمِّي) والتقدير: أبي وأمي مَفْدِیّان لَكُنّ. قوله: ((لكُنَّ)) بضم الكاف وتشديد النون. وقال في ((العمدة)): ((فداء)): إذا كُسِر الفاء يُمَدُّ ويُقْصَرُ، وإذا فُتِح فهو مقصور، والفداء: فِكاكُ الأسير، يقال: فداه يَفْدیه فِداءً، وفَدىً، وفاداه یفادیه مُفاداً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه، وفداه بنفسه، وفدّاه: إذا قال له: جُعِلتُ فداك، وقيل: المفاداة أن يُفْتَكّ الأسير بأسير مثله. انتهى(٣). (فَجَعَلْنَ) أي: شرع النساء (يُلْقِينَ) بضم الياء، من الإلقاء، وهو الرمي؛ أي: يرمين (الْفَتَخَ) منصوب على المفعولية ل((يُلقين)) (وَالْخَوَاتِمَ) منصوب بالعطف على سابقه. قال النوويّ كَّثُ: ((الفتخ)): بفتح الفاء والتاء المثناة فوقُ، وبالخاء المعجمة، واحدها فتَخَةٌ، كقَصَبَة وقَصَب، واختُلِف في تفسيرها، ففي ((صحيح (١) ((الفتح)) ٣٠٤/٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٤٣٦/٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٤٣٦/٦. ٤٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة العيدين البخاري))، عن عبد الرزاق قال: هي الخواتيم العظام، وقال الأصمعيّ: هي خواتيم لا نُصُوص لها، وقال ابن السِّكِّيت خواتيم تُلْبس في أصابع اليد، وقال ثعلب: وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال، وقال ابن دُريد: وقد يكون لها فُصوص، وتجمع أيضاً فَتَخَاتٍ وأَقْتاخِ. و((الخواتيم)): جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام. انتهى كلام النوويّ تَخْذُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في ((شرح المقدّمة)) عند قوله: ((وصلّى الله على محمد خاتم النبيين))، أن للخاتم نحو تسع لغات، واستوفيتها نثراً ونظماً، فارجع إليه تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق. وقال في ((الفتح)) بعد ذكر تفسير عبد الرزّاق، ما حاصله: ولكن لم يذكر عبد الرزّاق في أيّ شيء كانت تُلْبَس، وقد ذكر ثعلب أنهن كُنّ يلبسنها في أصابع الأرجل، ولهذا عطف عليها ((الخواتيم))؛ لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يُلْبَس في الأيدي. وحُكِي عن الأصمعيّ أن الفتخ الخواتيم التي لا فُصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعمّ على الأخصّ. انتهى(٢). [تنبيه]: ذكر في ((الفتح)) هنا، ما نصّه: وقد وقع في بعض طرقه عند مسلم هنا ذكر الخلاخيل. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي عزاه إلى مسلم من ذكر الخلاخيل، لم أجده هنا فيما لديّ من النسخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. وقوله (فِي ثَوْبٍ بِلَالٍ) متعلّق بـ((يُلقين))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه. (١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٧٣. (٣) ((الفتح)) ٣٠٥/٣. (٢) ((الفتح)) ٣٠٥/٣.