Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (١٢) - بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَقَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا - حديث رقم (١٩٩٤) (٩٢٠ و٩٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٥٠٦)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٤١٦) و((الكبرى)) (١٧٢١ و١٧٢٢)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٠٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٤٦ و١٧٨١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدد الخطبة التي تُشرع للجمعة، وهو أنهما خطبتان، وسيأتي بيان حكمهما في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): مشروعية القيام حال الخطبة، وأنه لا يجلس فيها، قال ابن المنذر تَخْذَثُ: هذا هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. انتهى. واختلف في وجوبه، فذهب الجمهور إلى وجوبه، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام سنة، وليس بواجب، وقال به ابن حزم، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلا يَصل بينهما في قيام واحد، وسيأتي أيضاً تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): أن قوله: ((كما يفعلون اليوم)) يستفاد منه أن الناس في ذلك الوقت الذي حدّث فيه بهذا الحديث لم يغيّروا سنّة الخطبة، من كونها خطبتين، وفيهما قيامان بينهما جلوس، وإنما حدثت الخطبة جالساً بعد ذلك، كما سيأتي بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الخطبة للجمعة: قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: اختلفوا في الجمعة تُصلى، ولم يُخطَب لها، فقالت طائفة: تجزيهم جمعتهم، خطب الإمام، أو لم يخطب، هكذا قال الحسن البصريّ. قال ابن المنذر: ولعل من حجة قائل هذا القول حديث عمر نظراته : ((صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبيّ وَلِ ﴾)). وقالت طائفة: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعاً، كذلك قال عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: كانت الجمعة أربعاً، فجعلت الخطبة مكان الركعتين. انتهى كلام ابن المنذر تَحْدَثُهُ . وقال أبو محمد بن حزم تَخَُّ ردّاً على القائلين بالفرضية: فأما أبو حنيفة، ومالك فقالا: الخطبة فرض، لا تجزئ صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجًا بفعل رسول الله ◌َّ، ثم تناقضا، فقالا: إن خطب جالساً أجزأه، وإن خطب خطبة واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم یجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله و 18 فرضاً، وبعضه غير فرض. وقال الشافعيّ: إن خطب خطبة واحدة لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعداً، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحدة، ولا فرق. قال: فإن اذَّعَوا إجماعاً أكذَبهم ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كلّ حال، وقد قاله أيضاً ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلّها وَليل قط إلا بخطبة. قلنا: ولا صلاها وَالي قط إلا بخطبتين قائماً يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضاً لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى ◌ّ قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنّ ما ذهب إليه من قال بعدم وجوب الخطبتين هو الحقّ؛ لأنه لا دليل على الوجوب إلا مجرّد فعل النبيّ وَّ، وهو لا يكفي في إثبات الوجوب، كما هو مذهب المحقّقين، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للخطبة: (١) ((المحلّى)) ٥٧/٥ -٦٠. ٢٢٣ (١٢) - بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا - حديث رقم (١٩٩٤) قال ابن المنذر تَّتُهُ: الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة، وهو جلوس الإمام على المنبر أولَ ما يرقى إليه، ويؤذّن المؤذن، والإمام جالس، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام، فخطب خطبةً، ثم جلس، وهو في حال جلوسه غير خاطب، ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل عند فراغه. انتهى كلام ابن المنذر ركّتُهُ . ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة، وليس بواجب، وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة. واستُدلّ للأول بحديث أبي سعيد عظ اته: ((أن النبيّ وَّر جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، وبحديث سهل ـة أيضاً: ((مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن ... ))، متّفقٌ عليه. وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة، وعن الثاني باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين. واستدلّ للجمهور بحديث جابر بن سمرة به الآتي بعد هذا: ((أن رسول الله ◌َ كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالساً، فقد كذب)). وبحديث كعب بن عُجرة ظُه الآتي في الباب التالي. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: ((خطب رسول الله وَّ على القيام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية)). وبمواظبة النبيّ وَّ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نُقل عنه القعود كان معذوراً. فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه. وروى سعيد بن منصور عن الحسن، قال: ((أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالساً معاوية)). ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ((أن النبيّ وَّ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً، حتى شقّ على عثمان القيام، فكان يخطب قائماً، ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً، والأخرى قائماً)). ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعداً؛ لأنه تبيّن أن ذلك للضرورة. وأما من احتجّ بأنه لو كان شرطاً ما صلى من أنكر ذلك مع القاعد. فجوابه أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه، فأتمّ معه، واعتذر بأن الخلاف شرّ، ذكره في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بعدم وجوب القيام للخطبة هو الحقّ؛ لأن من أوجبه ما استدلّ إلا بفعل النبيّ ◌َّر، وهو بمجرده لا يكفي في إثبات الوجوب، فالمستحب أن يخطب قائماً، اقتداء برسول الله وَّر، والخلفاء الراشدين، إلا عثمان، فكان يخطب قائماً، ثم جلس لَمّا شقّ عليه، وأما الاحتجاج بقوله بَّهِ: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) فقد اتفقوا على عدم الاحتجاج به في بعض المواضع؛ كالجلوس على المنبر قبل الخطبة، والأذان بين يدي الخطيب، وقراءة سورة ﴿قَ﴾، فكان يقرأ بها في كل جمعة، وغير ذلك، فلم يقولوا بوجوبها، فكذلك هنا، إذ لا فرق بينها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيما يُجزئ من الخطبة: قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: اختلف أهل العلم فيما يجزئ من الخطبة للجمعة، فقالت طائفة: يجزئ ما يقع عليه اسم خطبة، روينا ذلك عن الشعبي، أنه كان يخطب يوم الجمعة ما قلّ، أو كثر، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبيّ وَّهُ على منبر قطّ(١). وممن رأى أن خطبةً واحدة تجزئ: مالكٌ، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو (١) هذا القول تردّه الأحاديث الصحيحة أنه وال ﴿ كان يجلس بين الخطبتين، فتنبّه. ٢٢٥ (١٢) - بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا - حديث رقم (١٩٩٤) يوسف، ومحمد، وقال أبو ثور: يجزئ ما يكون كلاماً مجتمعاً، يقع عليه اسم خطبة . وفي هذا المسألة قولان آخران: أحدهما: قول الشافعيّ، وهو أن الإمام إن خطب خطبة واحدة، وصلى الجمعة عاد، فخطب ثانيةً، فإن لم يفعل حتى يذهب الوقت أعاد الظهر أربعاً. وقال: فإن جعلها خطبتين، ولم يفصل بينهما بجلوس أعاد خطبته، فإن لم يفعل صلى أربعاً، وأقلّ ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد الله، ويصلي على النبيّ بَّة، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ شيئاً من القرآن في الأولى، ويحمد الله، ويصلي على النبيّ وَّ، ويوصي بتقوى الله، ويدعو في الآخرة. والقول الآخر: قول النعمان، وهو أن الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه. قال ابن المنذر: فأما ما قال النعمان، فلا معنى له، ولا أعلم أحداً سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يُقال لمن قال: سبحان الله، قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به. وأما الذي قاله الشافعيّ، فلست أجد دلالةً توجب ما قال. وقد عارض الشافعيَّ غيرُه من أصحابنا(١)، فقال: يقال لمن قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضاً أبطلت الجمعة بتركها؟ وقد أتى بالجمعة، والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأن الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر ربه، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنها غير هذا، فإن اعتلّ بجلوس النبيّ وَّو بين الخطبتين، فالفعل عنده، وعند غيره لا يوجب فرضاً، ولو ثبت أنه فرض لم يدلّ على إبطال الجمعة. (١) قوله: ((غيره من أصحابنا)) أراد به المحقّقين من أهل العلم الذين جمعوا بين النقل والدراية، وفيه إبطال لزعم من يزعم أن ابن المنذر شافعيّ المذهب، مقلّد للشافعيّ، وقد أوضحت بطلان هذا القول في ((مقدّمة شرح النسائيّ)) عند الكلام على مذهب النسائيّ بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٢٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى، والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتلّ بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبيّ وَّ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبيّ ◌َّه، وذكر(١) كلاماً تركت ذكره لههنا كراهية التطويل. انتهى كلام ابن المنذر وَّثهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إن أقل الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة، ومعلوم أنه لا يقع عليه ذلك إلا إذا اشتمل على الذكر، والموعظة، وذلك هو المقصود من الخطبة، كما يظهر ذلك ممن تتبّع خُطَب النبيّ وَّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٥] (٨٦٢) - (وَحَدَّثَنَا(٣) يَخْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصَِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِّ وَِّ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيع) البجليّ أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ - بضم الموحدة - ثقةٌ [١٠] (ت٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٥ - (سِمَاكُ) - بكسر أوله، وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن خالد (١) هذا من جملة كلام ابن المنذر؛ أي: ذكر ذلك الذي عارض الشافعيّ. (٣) وفي نسخة: ((حدّثنا). (٢) ((الأوسط)) ٦٢/٤ - ٦٣. ٢٢٧ (١٢) - بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَقَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا - حديث رقم (١٩٩٥) الذُّهْلِيّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ وقد تغير بأَخَرَةٍ، فكان ربما تَلَقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. [فإن قيل]: كيف أخرج المصنّف رواية سماك مع أنه ممن يقبل التلقين؛ لتغيّره، كما مرّ آنفاً؟. [قلت]: قد روى هذا الحديث عن سماك شعبة، والثوريّ، وروايتهما عند النسائيّ(١)، وهما ممن أخذ عنه قبل تغيّرِهِ، فسلم من الاعتراض، والله تعالى وليّ التوفيق. ٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة(٢) السُّوَائيّ(٣) الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف دَّثُهُ، كالسند التالي، وهو (١٢٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن له فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة التحمّل والأداء، كما سبق غير مرّة. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج ه الترمذيّ، وسماكٌ علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿َا أنه (قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ وَلِ خُطْبَتَانٍ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أي: بين الخطبتين، وقد فُسّر في الرواية التالية كيفيّة الخطبتين، حيث قال: ((كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً، فمن حدّثك أنه (١) رواية شعبة عند النسائيّ برقم (١٥٧٤)، ورواية سفيان عنده برقم (١٤١٨). (٣) بضم المهملة والمدّ. (٢) بضم الجيم، بعدها نون. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة كان يخطب جالساً، فقد كذب))، قال النوويّ كَّتُهُ: وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعيّ والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصحّ من القادر على القيام إلا قائماً في الخطبتين، ولا يصحّ حتى يجلس بينهما، وأن الجمعة لا تصحّ إلا بخطتین . وقال القاضي عياضٌ تَخْتُ: ذهب عامّة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وعن الحسن البصريّ، وأهل الظاهر، ورواية ابن الماجشون عن مالك، أنها تصحّ بلا خطبة. وحَكَى ابن عبد البرّ إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائماً لمن أطاقه. وقال أبو حنيفة: تصح قاعداً، وليس القيام بواجب، وقال مالك: هو واجب لو تركه أساء، وصحَّت الجمعة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب، ولا شرط، ومذهب الشافعيّ أنه فرض، وشرط لصحة الخطبة، قال الطحاويّ: لم يقل هذا غير الشافعيّ، ودليل الشافعيّ أنه ثبت هذا عن رسول الله وَ﴾ مع قوله وَله: ((صَلَّوا كما رأيتموني أصلي)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت في المسائل الماضية في شرح الحديث الماضي أن الأرجح مذهب من قال بعدم فرضيّة الخطبة، وأن القيام فيها ليس بواجب؛ لقوّة حجته، فلتُراجع التفاصيل حتى تكون على بصيرة، والله تعالى وليّ التوفيق. (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) بتشديد الكاف، من التذكير، وهو الوعظ، وفيه دليلٌ لمشروعيّة قراءة آيات من القرآن في الخطبة، وتذكير الناس، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعيّ إلى وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الراجح؛ لعدم دليل للوجوب، سوى مجرّد الفعل، وهو لا يكفي في ذلك، كما تقدّم قريباً. وقال النوويّ تَخْتُ: فيه دليل للشافعيّ في أنه يُشْتَرط في الخطبة الوعظُ (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/٦ - ١٥٠. ٢٢٩ (١٢) - بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا - حديث رقم (١٩٩٥) والقرآنُ، قال الشافعيّ: لا تصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله ◌َ﴿ فيهما، والوعظِ، وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور، وأن ما قاله الشافعيّ ليس عليه دليلٌ مقنع، فتبصّر. قال: وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومالك في رواية عنه: يكفي تحميدةٌ، أو تسبيحةٌ، أو تهليلة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يسمى خطبةً، ولا يحصل به مقصودها، مع مخالفته ما ثبت عن النبيّ وَّهِ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف ما ذهب إليه من قال بالاكتفاء بتحميدة ونحوها في الخطبة، كما قال النوويّ؛ لأنه خلاف ما ثبت عنه وَّةٍ، وخلاف ما وُضعت له الخطبة، ولكن مع ذلك لا نقول بوجوب ذلك، كما قال به الشافعيّ؛ فإن ذلك يَحتاج إلى دليل يقتضي الوجوب، كما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ﴿ هذا من أفراد المصنّف نَخْلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٩٥/١٢ و١٩٩٦] (٨٦٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٠١ و١١٠٧ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١٠٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٥٠٧)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٤١٥ و١٤١٧ و١٤١٨) و((الكبرى)) (١٧٣٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٠٥ و١١٠٦)، و(أحمد) في (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/٦. ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة ((مسنده)) (٨٦/٥ و٨٧ و٨٨ و٩٠ و٩٢ و٩٣ و٩٨ و١٠٠ و١٠٢ و١٠٦ و١٠٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٦٥ و١٥٦٧)، و(عبد الله بن أحمد) في ((زوائد المسند» (٩٧/٥ و١٠٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٤٧ و١٤٤٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٤١ و١٩٤٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِي(٢) جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ قَائِماً، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِساً، فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ - وَاللهِ - صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج، الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٢/٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (١٢٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (فَمَنْ نَبََّكَ) بتشديد الموحّدة؛ أي: أخبرك، وفي رواية أبي داود: (فمن حدّثك)). وقوله: (فَقَدْ - وَاللهِ - صَلَّيْتُ مَعَهُ) قال الطيبيّ ◌َخْذُهُ: ((والله)) قَسَمِّ اعترض بين ((قد)) ومتعلَّقه، وهو دالّ على جواب القسم، والفاء في ((فمن)) جواب شرط محذوف، وفي ((فقد كَذَبَ)) جواب ((مَنْ))، وفي ((فقد والله)) سببيّة، والمعنى: أنه كاذبٌ، ظاهر الكذب بسبب أني صلّيتُ، إلى آخره. انتهى (٣). (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٨٦/٤. (٢) وفى نسخة: ((نبانى)). (١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِحَةً أَوْ لَمَوَّ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَكُوكَ قَّيِمًا﴾ - حديث رقم (١٩٩٧) ٢٣١ وقوله: (أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) أي: من الجمعة وغيرها، أو أراد التكثير، لا التحديد؛ لأنه ◌َ﴿ لم يُقم بالمدينة إلا عشر سنين، وأول جمعة صلّاها هي الجمعة التي تلي قُدومه المدينة، فلم يُصلّ ألفي جمعة، بل نحو خمسمائة، قاله القاريّ كَلاَتُهُ . وقال السنديّ تَخْتُ في ((فتح الودود)): ظاهر المقام يفيد أنه أراد صلاة الجمعة، فالعدد مشكلٌ، إلا أن يراد به الكثرة والمبالغة، فإن حُمل على مطلق الصلاة، فالأمر سهل. انتهى. والحديث يدلّ على مواظبته وَّو على القيام حال الخطبتين، واستَدَلّ به الشافعيّ، ومالك، ومن وافقهما على وجوب القيام في خطبة الجمعة، وفيه أنه وَ لّ قد يواظب على الشيء الفاضل مع جواز تركه، ونحن نقول به(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٣) - (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوَكَ قَائِمًا﴾ الآية) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٧] (٨٦٣) - (حَدَّثَنَا(٢) عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً يَوْمَ الْجُمِّعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نَِرَةً أَوْ لَمْوَ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُكَ قََّيِمًاً﴾). (١) راجع: ((المراعاة)) ٥٠٨/٤. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٢٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهامٌ، [١٠] (ت٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السَّلَمَيّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه في الآخر [٥] (ت١٣٦) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٥/٤٣. ٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ وكان يرسل كثيراً [٣] (ت٧ أو ٩٨) وقيل: سنة مائة، أو بعد ذلك، ولم يثبت أنه جاوز المائة (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٨/٨. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﴿، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله، ثم فصل؛ لاختلافهما فيه، كما مرّ قريباً. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) مدار هذا الحديث في ((الصحيحين)) عليه، وقد رواه تارةً عن سالم بن أبي الجعد وحده، كما هنا، وهي رواية أكثر ٢٣٣ (١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَةً أَوْ لَهُوَ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَرَكُوَكَ قَآَيِمً﴾ - حديث رقم (١٩٩٧) أصحابه، وتارةً عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده، وهي رواية قيس بن الرّبيع وإسرائيل عند ابن مردويه، وتارةً جمع بينهما عن جابر، وهي رواية خالد بن عبد الله الطّان، وهُشيم الآتية هنا، ورواية الطحّان عند البخاريّ أيضاً، كما أفاده في ((الفتح))(١). (عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) واسمه رافع الغَطَفانيّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿َهَا (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِماً يَوْمَ الْجُمُعَةِ) هذا صريح في كونه ◌َّي لم يدخل في الصلاة، لكن وقع عند البخاريّ بلفظ: ((بينما نحن نصلي مع النبيّ ◌َّ))، وعند أبي نعيم في ((المستخرج)): ((بينما نحن مع رسول الله ﴿ في الصلاة))، وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة . ويمكن الجمع بأن يُحمَل قوله: (نصلي))؛ أي: ننتظر الصلاة، وقوله: ((في الصلاة)) أي: في الخطبة مثلاً، وهو من تسمية الشيء بما قاربه. ويؤيّد هذا الجمع ويؤيده استدلال ابن مسعود نظريته على القيام في الخطبة بالآية المذكورة، كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا استدلّ به كعب بن عجرة ربه في الحديث الآتي بعد حديثين. وحمل ابن الجوزيّ كَّلُهُ قوله: ((يخطب قائماً)) على أنه خبر آخرُ، غيرُ خبر كونهم كانوا معه في الصلاة، فقال: التقدير صلينا مع رسول الله رَله وكان يخطب قائماً ... الحديث، قال الحافظ تَخْذُهُ: ولا يخفى تكلّفه. انتهى(٢). (فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّام) وفي رواية خالد الطحّان التالية: ((فقدّمت سُوَيقةٌ))، وفي رواية هُشيم: ((إِذَ قَدِمت عِيرٌ إلى المدينة))، وفي رواية البخاريّ: ((إذ أقبلت عيرٌ تَحْمِل طعاماً)). و((العِيرُ)) بكسر المهملة: هي الإبل التي تَحْمِل التجارة طعاماً كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها . ونقل ابن عبد الحقّ في ((جمعه)) أن البخاريّ لم يخرج قوله: ((إذ أقبلت عِيرٌ تَحْمِل طعاماً))، قال الحافظ: وهو ذُّهُول منه، نعم سقط ذلك في (١) راجع: ((الفتح)) ٢٣٠/٣. (٢) ((الفتح)) ٢٣١/٣. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة (التفسير))، وثبت هنا، وفي أوائل ((البيوع))، وزاد فيه أنها أقبلت من الشام، ومثله لمسلم من طريق جرير، عن حُصين. ووقع عند الطبريّ من طريق السُّدّيّ، عن أبي مالك، وقرَّةً (١)، فرّقهما أن الذي قَدِمَ بها من الشام دِخْية بن خَلِیفة الكلبيّ، ونحوه في حديث ابن عباس، عند البزار، ولابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس: ((جاءت عِير لعبد الرحمن بن عوف)). ويُجمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان دِحية السَّفِيرَ فيها، أو كان مُقارِضاً. ووقع في رواية ابن وهب، عن الليث أنها كانت لِوَبَرَة الكلبيّ، ويُجمع بأنه كان رَفِيق دحية، قاله في ((الفتح))(٢). (فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا) وفي رواية خالد الطحّان: ((فخرج الناس إليها))، وفي رواية ((هُشيم)): ((فابتدرها أصحاب رسول الله (وَيت))، وفي رواية البخاريّ: ((فالتفتوا إليها))، وفي رواية له: ((فانفضّ الناس))، وهو موافق للفظ القرآن، ودالّ على أن المراد بالالتفات الانصراف، قال في ((الفتح)): وفيه رَدّ على مَن حمل الالتفات على ظاهره، فقال: لا يُفْهَم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعُها، وإنما يُفْهَم منه التفاتهم بوجوههم، أو بقلوبهم، وأما هيئة الصلاة المجزئة فباقية، ثم هو مبنيّ على أن الانفضاض وقع في الصلاة، وقد ترجح فيما مضى أنه إنما كان في الخطبة، فلو كان كما قيل لَمَا وقع هذا الإنكار الشديد، فإن الالتفات فيها لا ينافي الاستماع، وقد غَفَل قائله عن بقية ألفاظ الخبر. وفي قوله: ((فانفتل الناس))، وكذا ((فالتفتوا)) التفاتٌ(٣)؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: فالتفتنا، وكأن الحكمة في عدول جابر ظُبه عن ذلك أنه هو (١) وقع في نسخة ((الفتح)) بلفظ: ((ومرة))، وهو تصحيف، والصواب: ((قُرّة)) كما في (تفسير الطبري)) ٣٨٦/٢٣. (٢) ((الفتح)) ٢٣١/٣. (٣) تعقّب العينيّ هذا الالتفات على الحافظ، ولكنه لم يُنْصِفْ في ذلك، فتنبّه. (١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نَِةً أَوَ لَمُوا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَكُوَ قَّيِمًا﴾ - حديث رقم (١٩٩٧) ٢٣٥ لم يكن ممن التفتَ، كما سيأتي(١). (حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً) قال الكرمانيّ ◌َُّ: ليس هذا الاستثناء مُفَرَّغاً، فيجبَ رفعه، بل هو من ضمير ((يبقَ)) الذي يعود إلى المصلي، فيجوز فيه الرفع والنصب، قال: وقد ثبت الرفع في بعض الروايات. انتهى. ووقع في ((تفسير الطبري))، وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى قتادة، قال: قال لهم رسول الله وَلّ: ((كم أنتم؟))، فعَدُّوا أنفسهم، فإذا هم اثنا عشر رجلاً وامرأةً، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ: ((وامرأتان))، ولابن مردويه من حديث ابن عباس: ((وسبع نسوة))، لكن إسناده ضعيف، واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عشر رجلاً، إلا ما رواه عليّ بن عاصم، عن حُصين بالإسناد المذكور، فقال: ((إلا أربعين رجلاً))، أخرجه الدارقطنيّ، وقال: تفرّد به عليّ بن عاصم، وهو ضعيف الحفظ، وخالفه أصحاب حُصين كلهم. وأما تسمية هؤلاء الباقين، فوقع في رواية خالد الطحّان التالية أن جابراً قال: أنا فيهم، وفي رواية هشيم الآتية: ((فيهم أبو بكر، وعمر)). وفي الترمذيّ أن هذه الزيادة في رواية حُصين، عن أبي سفيان، دون سالم، وله شاهد عند عبد بن حميد، عن الحسن مرسلاً، ورجال إسناده ثقات. وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ أن سالِماً مولى أبي حُذيفة منهم. وروى العُقيليّ، عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُناساً من الأنصار. وحَكَى السهيليّ أن أسد بن عمرو رَوَى بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود، قال: وفي روايةٍ: عمارٌ، بدل ابن مسعود. انتهى. قال الحافظ: ورواية العقيليّ أقوى، وأشبه بالصواب، قال: ثم وجدت رواية أسد بن عمرو عند العقيليّ بسند متصل، لا كما قال السهيليّ: إنه منقطع، أخرجه من رواية أسد، عن حُصين، عن سالم. انتهى. (١) راجع: ((الفتح)) ٢٣١/٣ - ٢٣٢. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة (فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ) هذا ظاهرٌ في أنها نزلت بسبب قدوم العِير المذكورة، والمراد باللهو على هذا ما يَنشأ من رؤية القادمين، وما معهم. ووقع عند الشافعيّ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، مرسلاً: ((كان النبيّ ◌َّهُ يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوقٌ، كانت بنو سُليم يَجْلُبون(١) إليها الخيل، والإبل، والسَّمن، فقَدِموا، فخرج إليهم الناس، وتركوه، وكان لهم لهو يضربونه، فنزلت))، ووصله أبو عوانة في ((صحيحه))، والطبريّ بذكر جابر فيه: ((أنهم كانوا إذا نَكَحُوا تضرب الجواري بالمزامير، فيشتدّ الناس إليهم، ويَدَعُون رسول الله وَّر قائماً))، فنزلت هذه الآية. وفي مرسل مجاهد، عند عبد بن حميد: ((كان رجال يقومون إلى نواضحهم، وإلى السفر يقدمون، يبتغون التجارة واللهو، فنزلت)). قال الحافظ تَُّ: ولا بُعْدَ في أن تنزل في الأمرين معاً، وأكثر. (﴿وَإِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّ أَنفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾) أي: إلى التجارة، والانفضاض: هو التفرّق، يقال: فَضَضت القوم، فانفضّوا: فرّقتهم، فتفرّقوا، قاله في ((العمدة))(٢) . قال في ((الفتح)): والنكتة في قوله: ((انفضوا إليها)) دون قوله: إليهما، أو إليه، أن اللهو لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما كان تبعاً للتجارة، أو حُذِف لدلالة أحدهما على الآخر. وقال الزجاج: أُعيد الضمير إلى المعنى؛ أي: انفضوا إلى الرؤية؛ أي: ليروا ما سمعوه. انتهى (٣). وقال في ((العمدة)): قال الزمخشريّ: كيف قال: ((إليها))، وقد ذكر شیئین؟ . قلت: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحُذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: ((انفضوا إليه))، وقراءة من قرأ: (لهواً، أو تجارة انفضوا إليها))، وقُرئ: ((إليهما)). انتهى. (١) من بابي ضرب، وقتل. ((المصباح)). (٣) ((الفتح)) ٢٣٢/٣ - ٢٣٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٥٨/٦. ٢٣٧ (١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَةً أَوْ لَوَ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَكُوَ قَّيِمًا﴾ - حديث رقم (١٩٩٧) وقيل: أعيد الضمير إلى التجارة فقط؛ لأنها كانت أهمَّ إليهم، وقال الزجاج: يجوز في الكلام: انفضوا إليه، وإليها، وإليهما، ولأن العطف إذا كان ضميراً، فقياسه عوده إلى أحدهما، لا إليهما، وأن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ؛ أي: انفضوا إلى الرؤية التي رأوها؛ أي: مالوا إلى طلب ما رأوه. انتهى(١). [فائدة]: ذَكَر الحميديّ في ((الجمع)) أن أبا مسعود الدمشقيّ ذكر في آخر هذا الحديث أنه وسلم قال: ((لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحدٌ لسال بكم الوادي ناراً))، قال: وهذا لم أجده في الكتابين، ولا في مستخرجي الإسماعيليّ والْبَرْقانيّ، قال: وهي فائدة من أبي مسعود، ولعلنا نجدها بالإسناد فيما بَعْدُ. انتھی . قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة في ((الأطراف)) لأبي مسعود، ولا هي في شيء من طُرُق حديث جابر ظُه المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة المتقدم ذكرهما، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن مردويه، وفي حديث أنس عند إسماعيل بن أبي زياد، وسنده ساقط. انتهى(٢). (﴿وَتَرَّكُوكَ﴾) حال كونك (﴿قَيِمًا﴾) على المنبر تخطب فيه، وفيه دليلٌ على أن الخطيب ينبغي له أن يخطب قائماً على المنبر. قال الإمام الطبريّ كَُّ: وقوله تعالى: ﴿قُلّ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَرَةَ﴾ [الجمعة: ١١] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد رَله: قل لهم يا محمد: الذي عند الله من الثواب لمن جلس مستمعاً خطبةَ رسول الله وَّر، وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرُغ رسول الله ◌َ منها خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] يقول: والله خير رازق فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فأسألوا أن يوسع عليكم من فضله، دون (٣) غيره. انتهى(٣) . وقال القرطبيّ كَُّ: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ (١) ((عمدة القاري)) ٣٥٨/٦. (٣) ((تفسير الطبريّ)) ٣٨٩/٢٣. (٢) ((الفتح)) ٢٣٣/٣. ٢٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة اُلِّجَرَةَ﴾ للذين آمنوا ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ أي: خير مَن رَزَق، وأَعْطَى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده، من خيري الدنيا والآخرة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٩٧/١٣ و١٩٩٨ و١٩٩٩ و٢٠٠٠] (٨٦٣)، و(البخاريّ) في ((الجمعة)) (٩٣٦) و((البيوع)) (٢٠٥٨ و٢٠٦٤) و((التفسير)) (٤٨٩٩)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٣١١)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) من ((الكبرى)) (١١٥٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٣/٣ و٣٧٠)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١١١٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٨٢٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٤٣ و١٩٤٤ و١٩٤٥ و١٩٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الخطبة تكون عن قيام كما تقدم، وأن بعضهم جعله شرطاً، وفيه نظرٌ، وقد تقدّم تحقيقه. ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ٣ - (ومنها): أن فيه كراهيةَ ترك سماع الخطبة بعد الشروع فيها . ٤ - (ومنها): بيان فضيلة أبي بكر وعمر، وجابر ﴿ه، ومن ثبت معهم، حيث ثبتوا مع النبيّ مَله . ٥ - (ومنها): ما قيل: إن البيع وقت الجمعة ينعقد، ترجم عليه سعيد بن منصور، وكأنه أخذه من كونه سي لم يأمرهم بفسخ ما تبايعوا فيه من الْعِير المذكورة، ولا يخفى ما فيه. ٦ - (ومنها): ما قيل: أنه يُستدلّ به على جواز انعقاد الجمعة باثني عشر نفساً، وهو قول ربيعة، ويجيء أيضاً على قول مالك، ووجه الدلالة منه أن (١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٢٠/١٨. ٢٣٩ (١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ نِحَةً أَوْ لَوَ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَّيِمًا﴾ - حديث رقم (١٩٩٧) العدد المعتبر في الابتداء يُعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر دَلّ على أنه كافٍ. وتُعُقِّب بأنه يَحْتَمِل أنه تمادى حتى عادُوا، أو عاد من تُجزئ بهم؛ إذ لم يَرِد في الخبر أنه أتم الصلاة، ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون أتمها ظهراً، وأيضاً فقد فرّق كثير من العلماء بين الابتداء والدوام في هذا، فقيل: إذا انعقدت لم يضرّ ما طرأ بعد ذلك، ولو بقي الإمام وحده، وقيل: يُشترط بقاء واحد معه، وقيل: اثنين، وقيل: يفرق بين ما إذا انفضّوا بعد تمام الركعة الأولى فلا يضر، بخلاف ما قبل ذلك، وإلى ظاهر هذا الحديث صار إسحاق ابن راهويه، فقال: إذا تفرقوا بعد الانعقاد، فيشترط بقاء اثني عشر رجلاً . وتُعُقِّب بأنها واقعة عين لا عموم فيها، قال الحافظ: ظاهر ترجمة البخاريّ تقتضي أن لا يتقيد الجمع الذي يبقى مع الإمام بعدد معين. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن القول الراجح في عدد من تنعقد بهم ليس له حدّ محدود، فراجع المسألة السادسة من المسائل المذكورة في أول ((كتاب الجمعة))، وخلاصته أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق؛ لحديث طارق بن شهاب مرفوعاً: ((الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة ... )) الحديث، وهو حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضاً؛ إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا، والله تعالى أعلم. قال: وتقدم ترجيح كون الانفضاض وقع في الخطبة، لا في الصلاة، وهو اللائق بالصحابة؛ تحسيناً للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون في الصلاة حُمِل على أن ذلك وقع قبل النهي، كآية ﴿وَلَا نُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾، وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة. وقال أيضاً: إن الجميع لو انفضّوا في الركعة الأولى، ولم يبق إلا الإمام وحده أنه لا تصحّ له الجمعة عند الجمهور، وقيل: تصح إن بقي واحد، وقيل: إن بقي اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: إن كان صلى بهم الركعة الأولى صحَّت لمن بقي، وقيل يتمها ظهراً مطلقاً، قال: وهذا الخلاف كله أقوال مخرَّجة في مذهب الشافعي إلا الأخير، فهو قوله في الجديد. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة قال: وإن ثبت قول مقاتل بن حيان الذي أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) أن الصلاة كانت حينئذ قبل الخطبة زال الإشكال، لكنه مع شذوذه مُعْضَلٌ. قال: وقد استَشْكَل الأصيليّ حديث الباب، فقال: إن الله تعالى قد وَصَف أصحاب محمد ◌َّر بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث كان قبل نزول الآية. انتهى. وهذا الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدَّم لهم نهيّ عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفَهِمُوا منها ذَّ ذلك اجتنبوه، فوُصِفُوا بعد ذلك بما في آية النور، والله أعلم. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، إلا قوله: ((ليس في آية النور ... إلخ))؛ لأن الصحابة إذا لم يدخلوا فيها دخولاً أوّليّاً، فمن يدخل؟، بل الكلام الأخير هو الصواب في الجواب. وحاصله أن الصحابة ﴿ه ما كانوا يعرفون الذمّ في التفرّق قبل ذلك، فحصل منهم تساهلٌ، فلما عرفوا ذلك تركوه، وحسُنت أحوالهم، فوصفوا بقوله ◌َك: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [النور: ٣٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٨] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِیسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ(١): وَرَسُولُ اللهِ وَيهِ يَخْطُبُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَائِماً). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. و((حُصین)) ذُكر قبله. (١) وفي نسخة: ((وقال)).