Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (٥) - بَابُ التَّحْذِيرِ عَنِ اللَّغْوِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٨) انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٩٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغِيتَ))، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ: ((فَقَدْ لَغَوْتَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صَنَّف ((المسند)) [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلاليّ أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الملقّب بأبي الزناد، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٢. وأبو هريرة ذُکر قبله. وقوله: (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) قال النوويُّ تَخْتُ: فيه دليل على أن وجوب الإنصات، والنهيَ عن الكلام، إنما هو في حال الخطبة، وهذا مذهبنا، ومذهب مالك، والجمهور، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام. انتهى (١). (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٦. ١٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم البحث في هذا قريباً مستوفّى مع ترجيح ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة تَّتُهُ؛ لقوّة حجّته، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَقَدْ لَغِيتَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ... إلخ) قال النوويُّ كَخَّتُهُ: قال أهل اللغة: يقال: لغا يلغو، كغزا يغزو، ويقال: لَغِيَ يَلْغَى، كَعَمِيَ يَعْمَي، لغتان، الأولى أفصح، وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوّأْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وهذا من لَغِيَ يَلْغَى، ولو كان من الأول لقال: والْغُوا بضم الغين، قال ابن السِّكِيت وغيره: مصدر الأول: اللَّغْوُ، ومصدر الثاني: اللَّغْيُ. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((الأُولى أفصح)) فيه نظر لا يخفى، كيف يكون أفصح من الثانية التي وقعت في القرآن الكريم؟ هذا غير مقبول، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ومعنى ((فقد لغوت)): أي: قلت اللغو، وهو الكلام الْمُلْغَى الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه: قلت غير الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي. ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبّه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لَغْواً، فغيره من الكلام أولى، وإنما طريقه إذا أراد نَهْيَ غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فَهِمَه، فإن تعذر فهمه فلْيَنْهَهُ بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممکن. واختَلَف العلماء في الكلام، هل هو حرام، أو مكروه كراهةَ تنزيه؟ وهما قولان للشافعيّ، قال القاضي: قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، وحُكِي عن النخعيّ، والشعبيّ، وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تَلا فيها القرآن، قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟، فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعيّ، وأحمد، وأحد قولي الشافعيّ: لا يلزمه. انتهى كلام النوويُّ كَذَُّ(١)، (١) ((شرح النووي)) ١٣٨/٦. ١٢٣ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي بَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) وهو بحثٌ نفيسٌ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى قريباً، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٦) - (بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) [تنبيه]: سقط من نسخة شرح السيوطيّ المسمّى ((الديباج على صحيح مسلم بن الحجّاج)) هنا أحاديث هذا الباب إلا حديث أبي موسى الأشعريّ الآتي آخر الباب، فليُتنبّه(١). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٩٦٩] (٨٥٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ (ح) وَحَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: ((فِيهِ سَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئاً، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّهُ))، زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (يَحْيَى بْنُ بَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َظْلَتُهُ، وله فيه شيخان، فرّق (١) راجع: ((الديباج)) ٤٣٥/٢، فقد سقط منه ستة أحاديث تقريباً. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثناه)). ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغتي الأداء، فيحيى قال: قرأت على مالك، وقتيبة قال: عن مالك بن أنس، فجعله بـ(عن))، ونسب شيخه إلى أبيه، فتنبّه لهذه الدقائق الإسنادیّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، إلا شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بَغْلانيّ، وقد دخلا المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﴿به، فقد نُقل عن البخاريُّ كَُّ أنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة ظُه أبو الزناد، عن الأعرج، عنه(١) . ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ظبه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، كذا رواه أصحاب مالك في ((الموطأ))، ولهم فيه إسناد آخر إلى أبي هريرة ظ ◌ُه، وفيه قصة له مع عبد الله بن سلام رَته، قاله في ((الفتح))(٢). (عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يعني: أنه ◌َّهِ بِيّن لأصحابه ما في يوم الجمعة من الفضل؛ ليحُّهم على العناية بتعظيمه، والاشتغال بالطاعة، والدعاء فيه (فَقَالَ: ((فِيهِ سَاعَةٌ) كذا هي مبهمةٌ في هذه الرواية، وعُيِّنَت في أحاديث أُخَر، كما سيأتي(٣)، والمراد بالساعة: قطعة من الزمن، فليس المراد الساعة المشهورة والمتداولة بين الناس. (١) راجع: ((إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر)) ٤١/١ - ٤٢. (٣) ((الفتح)) ٤٨٢/٢. (٢) ((الفتح)) ٢/ ٤٨٢. ١٢٥ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) وقال في ((العمدة)): الساعة: اسم لجزء مخصوص من الزمان، وَيَرِدُ على أنحاء: أحدها: أنها تُطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءاً، وهي مجموع اليوم والليلة، وتارةً تُطلق مجازاً على جزءٍ مَّا غيرٍ مقدر من الزمان، فلا يُتَحَقَّق، وتارةً تطلق على الوقت الحاضر، ولأرباب النجوم والهندسة وضعٌ آخر، وذلك أنهم يُقَسِّمون كل نهار وكل ليلة باثني عشر قَسْماً، سواء كان النهار طويلاً أو قصيراً، وكذلك الليل، ويُسَمُّون كل ساعة من هذه الأقسام ساعةً، فعلى هذا تكون الساعة تارةً طويلةً، وتارةً قصيرةً، على قدر النهار في طوله وقِصَره، ويسمون هذه الساعات الْمُعْوَجَّة، وتلك الأولى مستقيمةٌ. انتهى(١). (لَا يُوَافِقُهَا) أي: لا يصادفها، أعمّ من أن يقصدها، أو يتّفق له وقوع الدعاء فيها (عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّ) جملة حاليّة من ((عبدٌ))، وفي الرواية التالية: ((قائمٌ يصلي))، وللبخاريّ: ((وهو قائمٌ يصلي)). قال في ((الفتح)): قوله: ((وهو قائم يصلي، يسأل الله)) هي صفات لـ((مسلم))، أُعربت حالاً، ويَحْتَمِل أن يكون ((يصلي)) حالاً منه؛ لاتصافه بـ((قائم))، و((يسأل)) حالٌ مترادفةٌ، أو متداخلةٌ. وأفاد ابن عبد البر أن قوله: ((وهو قائم)) سقط من رواية أبي مصعب، وابن أبي أويس، ومُطَرِّف، والتِّنْيسيّ، وقتيبة، وأثبتها الباقون، قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد، من رواية مالك، وورقاء، وغيرهما عنه، وحكى أبو محمد بن السِّيد، عن محمد بن وَضّاح، أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكأنّ السبب في ذلك أنه يُشْكِل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهما حديثان: أحدهما أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة، والثاني أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس، وقد احتَجَّ أبو هريرة على عبد الله بن سلام لَمَّا ذكر له القول الثاني بأنها ليست ساعة صلاة، وقد ورد النصّ بالصلاة، فأجابه بالنصّ الآخر أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، فلو كان قوله: ((وهو قائم)) عند أبي هريرة ثابتاً لاحتجّ عليه بها، لكنه سَلَّم له الجواب، وارتضاه، وأفتى به بعده. (١) ((عمدة القاري)) ٣٥٠/٦. ١٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وأما إشكاله على الحديث الأول، فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كلّه، وليست صلاة على الحقيقة. وقد أجيب عن هذا الإشكال بحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار، ويحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيِّد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد، مع أن السجود مَظِنّة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه، فدلّ على أن المراد مجاز القيام، وهو المواظبة ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم، من باب التعبير عن الكل بالجزء، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة. انتهى. وقوله: (يَسْأَلُ اللَ شَيْئاً) جملة حاليّة أيضاً، فهما إما متداخلتان، أو مترادفتان، كما سَبَقَ بيانه آنفاً . والمراد بقوله: ((شيئاً)) أي: مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى، كما بيّنه في الرواية التالية بقوله: ((يسأل الله خيراً))، وفي حديث أبي لبابة ظُبه عند ابن ماجه: ((ما لم يسأل حراماً))، وفي حديث سعد بن عبادة عند أحمد: ((ما لم يسأل إثماً، أو قطيعة رَحِم))، وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصّ على العامّ؛ للاهتمام به(١). (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ») أي: ذلك الشيء الذي سأله. (زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ) وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلَّلُهَا) مفعول ((زاد)» محكيّ؛ لقصد لفظه؛ يعني: أن قتيبة زاد في روايته عن مالك على رواية يحيى عنه هذه الجملة، فقوله: ((يقلّلها)) جملة حاليّة من فاعل ((أشار))، وهو ضمير النبيّ وَّ﴾، كما يأتي بيانه الآن. [تنبيه]: قوله: ((وأشار بيده)) كذا هنا بإيهام الفاعل، وفي رواية أبي مصعب، عن مالك، وأشار رسول الله وَله، وفي رواية للبخاريّ في ((الطلاق)) من طريق بشر بن المفضّل، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين: ((ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يُزَهِّدها))، وبَيَّن أبو مسلم الكجيّ (١) ((الفتح)) ٤٨٣/٢. ١٢٧ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) أن الذي وضع هو بشر بن المفضل، راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنه فَسَّر الإشارة بذلك، وأنها ساعة لطيفة، تتنقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره. وبهذا يحصل الجمع(١) بينه وبين قوله: ((يُزَهِّدها))؛ أي: ((يُقَلِّلها))، وفي رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة الآتية هنا: ((وهي ساعة خفيفة))، وللطبراني في ((الأوسط)) في حديث أنس ظه: ((وهي قدر هذا))؛ يعني: قبضة. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: الإشارة لتقليلها، هو للترغيب فيها، والحضّ عليها؛ ليسارة وقتها، وغزارة فضلها، قاله في ((الفتح)) (٢). وقال وليّ الدين كَّتُهُ: قوله: ((وأشار بيده يقللها)) لم يبيّن كيفية هذه الإشارة، وقد تقدم في رواية للبخاريّ: ((ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر))، والظاهر أن المراد أنملة الإبهام، وقد يقال: كيف وضعها على بطن الوسطى والخنصر، وبين هذين الأصبعين أصبع أخرى، وهي البنصر؟ ولعله عَرَض الإبهام على هذه الأصابع، وسكت عن ذكر البنصر؛ لأنه إذا وضع الإبهام عرضاً على الوسطى والخنصر، فلا بدّ وأن يكون موضوعاً على البنصر أيضاً، فسكت عنه؛ لفهمه مما ذُكر، وأما إذا كان الإبهام موضوعاً على استقامته، فلا يمكن أن يكون موضوعاً على الوسطى والخنصر في حالة (٣) واحدة. انتهى(٣) . وقال وليّ الدين تَظُّهُ أيضاً: قد ورد التصريح بذلك لفظاً بقوله: ((وهي ساعة خفيفة))، وهو في ((صحيح مسلم)) من حديث محمد بن زياد، عن أبي هريرة - يعني: الحديث الآتي بعد حديثين -. وفي ((معجم الطبراني الأوسط)) عن أنس ظنه أن النبيّ وَّ قال: ((ابتغوا الساعة التي تُرجى في الجمعة ما بين العصر إلى غيبوبة الشمس، وهي قدر هذا يعني: قبضة)). وفي حديث عبد الله بن سلام نظريته عن ابن ماجه: ((أو بعض ساعة))، وذلك يدل على قِصَرِ زمانها، وأنها ليست مستغرقة لما بين جلوس الإمام على (١) ينظر وجه الفرق ما هو؟. (٣) ((طرح التثريب)) ٢١٥/٣ - ٢١٦. (٢) ((الفتح)) ٤٨٣/٢. ١٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة المنبر وآخر الصلاة، ولا لما بين العصر والمغرب، بل المراد على هذين القولين، وعلى جميع الأقوال أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت، وأنها لحظة لطيفة، وقد نَبَّهَ على ذلك القاضي عياض، وقال النوويّ في ((شرح المهذب)» بعد نقله عنه: إن الذي قاله صحیح. قال وليّ الدين: لكن في ((سنن أبي داود)) وغيره عن جابر ظُه، عن رسول الله : ((يوم الجمعة ثنتا عشرة يريد ساعةً، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً، إلا آتاه الله، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر))، وهذا يقتضي أن المراد الساعة التي ينقسم النهار منها إلى اثني عشر جزءاً، لكونه صدّر الحديث بأن يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فدلّ على أن قوله في آخره: ((فالتمسوها آخر ساعة)) أي: من الساعات الاثنتي عشرة المذكورة أول الحديث، إلا أن يقال: ليس المراد بالتماسها آخر ساعة أنها تستوعب آخر ساعة، بل هي لحظة لطيفة في آخر ساعة، فتُلْتَمس تلك اللحظة في تلك الساعة؛ لأنها منحصرة فيها، وليست في غيرها. انتهى كلام وليّ الدين كَظُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٦٩/٦ و١٩٧٠ و١٩٧١ و١٩٧٢ و١٩٧٣ و١٩٧٤] (٨٥٢)، و(البخاريّ) في ((الجمعة)) (٩٣٥)، و((الطلاق)) (٥٢٩٤)، و((الدعوات)) (٦٤٠٠)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٤٣١ و١٤٣٢)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٤٦٩ و٤٧٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٣٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٠٨/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥٥٧١ و٥٥٧٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٠/٢ و٢٤٤ و٢٥٥ و٢٨٤ و٢٩٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٨٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٧٣٧ (١) ((طرح التثريب)) ٢١٦/٣ - ٢١٧. ١٢٩ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) و١٧٤٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٤٧ و٢٥٤٨ و٢٥٤٩ و٢٥٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩١٥ و١٩١٦ و١٩١٧ و١٩١٨ و١٩١٩ و١٩٢٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٤٨)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال وليّ الدين العراقيُّ كَُّ في الكلام على تخريج هذا الحديث ما حاصله: أخرجه الشيخان، والنسائيّ من طريق مالك، وفي رواية البخاريّ: (وهو قائم يصلي))، وذكر ابن عبد البر أن عامة رواة ((الموطأ)) قالوا في هذا الحديث: ((وهو قائم يصلي))، إلا قتيبة، وأبا مصعب، فلم يقولا: ((وهو قائم))، قال: ولا قاله ابن أويس، ولا مُطَرِّف، ولا التِّنِّيسيّ، قال: والمعروف في حديث أبي الزناد هذا قوله: ((وهو قائم)) من رواية مالك وغيره، وكذلك رواه ورقاء في نسخته، عن أبي الزناد، وكذا رواه ابن سيرين، عن أبي هريرة. انتھی . وأخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، واتفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق أيوب السختيانيّ، والشيخان أيضاً من طريق سلمة بن علقمة، ومسلم، والنسائيّ من طريق عبد الله بن عون، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: ((إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلم، قائم يصلي، يسأل الله خيراً، إلا أعطاه إياه))، وقال بيده: يقلِّلها: يزَهِّدها، لفظ مسلم، وفي رواية البخاريّ، والنسائيّ، من طريق أيوب بعد قوله: ((وقال بيده، قلنا: يقللها، يزهدها))، ففي قوله: ((قلنا))، زيادةٌ، وهي أنهم فَهِمُوا من هذه الإشارة التقليل من ذلك الوقت، وذكره بعضهم لبعض، وفي رواية البخاريّ من طريق سلمة بن علقمة بعد قوله: ((وقال بيده: ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، قلنا: يزهدها))، وأخرجه مسلم من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة بلفظ: ((إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقها مسلم، يسأل الله فيها خيراً، إلا أعطاه))، قال: ((وهي ساعة خفيفة))، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم في ((مستدركه))، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي، يسأل الله فيها شيئاً، إلا ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة أعطاه))، قال أبو هريرة: فلقيت عبد الله بن سلام، فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم تلك الساعة، فقلت: أخبرني بها، ولا تَضُنَّ بها عليّ، قال: هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، قلت: وكيف تكون بعد العصر، وقد قال رسول الله وَلقر: ((لا يوافقها عبد مسلم، وهو يصلي))، وتلك الساعة لا يُصَلَّى فيها؟ قال عبد الله بن سلام: أليس قال رسول الله وَّر: ((من جلس مجلساً ينتظر الصلاة، فهو في صلاة))؟ قلت: بلى، قال: فهو ذاك. لفظ الترمذيّ، وقال: حسن صحيحٌ. وفي رواية أبي داود، والنسائيّ، والحاكم: قال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد في ((مسنده)) من حديث العباس، وهو عبد الرحمن بن ميناء، عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، بلفظ: ((إن في الجمعة ساعةً ... )) الحديث، وفي آخره: ((وهي بعد العصر)). انتهى كلام وليّ الدين تَُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل يوم الجمعة؛ لاختصاصه بهذه الساعة التي لا توجد في غيره، وقد ورد التصريح بأنه خير يوم طلعت فيه الشمس، كما سيأتي في الباب التالي، من حديث أبي هريرة ◌َظُه، وورد في ذلك عدّة أحاديث. قال وليّ الدين كَّتُهُ: وصرّح أصحابنا الشافعية بأنه أفضل أيام الأسبوع، وأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، واختلفوا في أفضل الأيام مطلقاً على وجهين: أصحهما أنه يوم عرفة، وذكروا ذلك في الطلاق، فيما لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، ومقتضى الحديث المصرِّح بأن يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس تفضيله مطلقاً، كما هو أحد الوجهين. انتهى (٢). (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٠٦/٣ - ٢٠٧. (٢) ((طرح التثريب)) ٢١٧/٣. ١٣١ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ترجيح القول بأن يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة؛ لوضوح حجّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان فضل الدعاء يوم الجمعة، واستحباب الإكثار منه فيه؛ رجاء مصادفة تلك الساعة، ولا سيما في الوقتين المذكورين في الحديث، وهما من جلوس الإمام على المنبر إلى فراغه من الصلاة، وبعد صلاة العصر إلى المغرب، قال وليّ الدين تَخْلُ: وقد صرّح بذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم. انتھی. ٣ - (ومنها): ما قيل: إنه استدلّ به على بقاء الإجمال بعد النبيّ وَل. وتُعُقّب بأنه لا خلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية، لا في الأمور الوجودية، كوقت الساعة، فهذا لا اختلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلّق بساعة الجمعة، وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضلية يمكن الوصول إليه، والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة، فلم يبق في الحكم الشرعيّ إجمال، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إخفاء هذه الساعة في هذا اليوم أن يجتهد الناس فيه، ويستوعبوه بالدعاء، ولو عُرِفَت لخصّوها بالدعاء، وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى؛ ليُسأل بجميع أسمائه، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك؛ ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين(١) حتى لا يُخَصّ بالإكرام واحدٌ بعينه. ٥ - (ومنها): أنه قد ورد في ساعة الجمعة هذه ما ورد في ليلة القدر، من أنه ﴾﴿ أُغْلِم بها، ثم أُنسيها، رواه أحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه)) من حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُه قال: سألت النبيّ وَّ عنها؟ فقال: ((إني كنت أُعلمتها، ثم أُنسيتها كما أُنسيت ليلة القدر)). قال وليّ الدين كَّلُهُ: وإسناده صحيح، قال الحاكم: إنه على شرط (١) هذا يحتاج إلى دليل صحيح، ولم أره إلى الآن، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة الشيخين، ولعل ذلك يكون خيراً للأمة؛ ليجتهدوا في سائر اليوم، كما قال وَلطلال في ليلة القدر حين أُنسيها: ((وعسى أن يكون خيراً لكم)). قال الحافظ العراقيُّ كَُّ في ((شرح الترمذيّ)): وإن من كان مطلبه خطيراً عظيماً، كسؤال المغفرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة، ورِضَى الله تعالى عنه، لَجَدِير أن يستوعب جميع عمره بالطلب، والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد؟ كما قال عبد الله بن عمر ﴿ها: إن طلب حاجة في یوم یسیرٌ. قال العراقيّ تَظْتُ: ومن لم يتفرغ لاستيعاب اليوم بالدعاء، وأراد حصول ذلك، فطريقه كما قال كعب الأحبار: لو قَسَمَ الإنسان جمعة في جُمَعِ أتى على تلك الساعة، قال: وهذا الذي قاله بناءً على أنها مستقرّة في وقت واحد من اليوم، لا تنتقل، وهو الصحيح المشهور، والله أعلم. انتهى(١). ٦ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين كَّثُ: أَطْلق في هذه الرواية المسئول، وظاهره أن جميع الأشياء في ذلك سواء، وفي رواية أخرى: يسأل الله خيراً، وهي في ((الصحيحين)) من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضيالله، وفي ((صحيح مسلم)) من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة ◌َظُته، وهي أخص من الأولى، إن فُسِّر الخير بخير الآخرة، وإن فُسِّر بأعمّ من ذلك؛ ليشمل خير الدنيا، فَيَحْتَمِل مساواتها للرواية الأولى، ويَحْتَمِل أن يقال: إنها أخص أيضاً؛ لأنه قد يدعو بشيء ليس خيراً في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شرّ محضٍّ، يَحْمِله على الدعاء به سوء الْخُلُق والحرج، فيُحْمَل المطلق على المقيَّد. وقد ورد التقييد أيضاً في حديث سعد بن عبادة ربه أن رجلاً من الأنصار أتى النبيّ وَلّ، فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير؟ قال: ((فيه خمس خلال ... )) الحديث، وفيه: ((وفيه ساعة، لا يسأل عبد فيها شيئاً إلا آتاه الله، ما لم يسأل مَأْثَماً، أو قطيعةَ رَحِم))، رواه أحمد، والبزار، والطبرانيّ في ((الكبير))، وإسناده جيِّد، وعطف ((قطيعة الرحم)) على ((المأثم))، وإن دخل في عمومه؛ لعظم ارتكابه. (١) ((طرح التثريب)) ٢١٤/٣. (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي بَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) ١٣٣ وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث أبي لبابة رَظُله: ((ما لم يسأل حراماً)). وروى الطبراني في ((معجمه الأوسط)) من حديث أنس ظُه قال: ((عُرِضت الجمعة على رسول الله وَالر ... )) الحديث، وفيه: ((وفيها ساعة لا يدعو عبد ربه بخير، هو له قسم، إلا أعطاه، أو يتعوذ من شرّ إلا دفع عنه، ما هو أعظم منه)). ففي هذا الحديث أنه لا يجاب إلا فيما قُسِم له، وهو كذلك، ولعله لا يُلْهَم الدعاءَ إلا فيما قُسِم له جمعاً بينه وبين الحديث الذي أُطلق فيه أنه يُعْطَى ما سأله، ولكن جاء في حديث أنس ربه في روايةٍ ذكرها البيهقيّ في ((المعرفة)): ((وإن لم يكن قُسم له دُخِر (١) له ما هو خير منه)). وقوله: ((أو يتعوذ من شرّ إلا دُفع عنه ما هو أعظم منه)) لم يذكر فيه دفع المستعاذ منه، فكأنّ المعنى: دُفع عنه ما هو أعظم إن لم يُقَدَّر له دفع ما تعوّذ منه . ويَحْتَمِل أنه سقط منه لفظة ((أو))، وأنه كان: إلا دفع عنه، أو ما هو أعظم منه، فإن نسخ ((المعجم الأوسط)) يقع فيها الغلط كثيراً؛ لعدم تداولها بالسماع. وقد ورد في حديثٍ: إن الداعي لا يخطئه إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، أو يُدَّخَر له في الآخرة، أو يدفع عنه من سوء مثلها، ولكن ذلك الحديث في مُطلق الدعاء، فلا بدّ وأن يكون للدعاء في ساعة الإجابة مزيد مزية. وقد يقال: ذُكِر في مطلق الدعاء أن يُدْفَع عنه من السوء مثلها، وذكر في ساعة الإجابة دفع ما هو أعظم منه، فهذه هي المزية، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ◌َُّ(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً. ٧ - (ومنها): أن فيه العملَ بالإشارة، وأنها قائمة مقام النطق، إذا فُهِم المراد بها، وقد أورده البخاريّ في ((باب الإشارة في الطلاق، والأمور))، قال (١) هكذا نسخة ((المعرفة)) بالدال، والظاهر أنه بالذال المعجمة، إلا أن يكون ((ادّخر)) افتعالاً من ذخر، بالمعجمة، فليُحرّر. (٢) ((طرح التثريب)) ٢١٤/٣ - ٢١٥. ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وليّ الدين تَخْتُهُ: وإنما اكتَفَى أصحابنا بالإشارة في الطلاق والعقود ونحوها، من الأخرس الذي لا يقدر على النطق، إذا كانت له إشارة مفهومة، أما الناطق فلم يكتفوا بإشارته في العقود والفسوخ ونحوها، وإنما اكتفوا بها في الأمور الخفيفة. انتهى. ٨ - (ومنها): ما قيل: إن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بالشرط المتقدّم، مع أن الزمن يختلف باختلاف البلاد، والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟. أجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كلّ مصلّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي خفيفة. ويَحْتَمِل أن يكون عبّر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة، أو الصلاة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ساعة الجمعة: لقد حقّق الحافظ تَّتُهُ هذا الموضوع، وأجاد فيه في كتابه العديم النظير في بابه، في استقصائه واستيعابه ((فتح الباري))، حيث قال: وقد اختَلَفَ أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية، أو رُفعت؟ وعلى البقاء، هل هي في كلّ جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول، هل هي وقت من اليوم معينٌ، أو مبهم؟ وعلى التعيين، هل تستوعب الوقت، أو تُبْهَم فيه؟، وعلى الإبهام ما ابتداؤه، وما انتهاؤه؟ وعلى كلّ ذلك، هل تستمرّ، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟، وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إليّ من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها، والترجيح: (فالأول): أنها رُفعت، حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وزيّفه، وقال عياض: ردّه السلف على قائله، ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جُريج، أخبرني (١) ((الفتح)) ٤٨٩/٢. ١٣٥ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن عبس مولى معاوية، قال: قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رُفعت، فقال: كَذَبَ من قال ذلك، قلت: فهي في كل جمعة؟ قال: نعم. إسناده قويّ. وقال صاحب ((الهدي)): إن أراد قائله أنها كانت معلومة، فرُفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمة احْتُمل، وإن أراد حقيقتها، فهو مردود على قائله. (القول الثاني): أنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، فردّ عليه، فرجع إليه، رواه مالك في ((الموطأ))، وأصحاب السنن. (القول الثالث): أنها مخفيّة في جميع اليوم، كما أخفيت ليلة القدر في العشر. روى ابن خزيمة، والحاكم من طريق سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة: سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة؟ فقال: سألت النبيّ وَ﴿ عنها؟ فقال: ((قد أُعلمتها، ثم أُنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر)). ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، أنه سأل الزهريّ؟، فقال: لم أسمع فيها شيئاً، إلا أن كعباً كان يقول: لو أن إنساناً قسم جمعةً في جُمَع لأتى على تلك الساعة. قال ابن المنذر: معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من الْجُمَع من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدىء من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار، قال: وكعب هذا هو كعب الأحبار، قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: إنّ طلب حاجة في يوم ليسير، قال: معناه أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمرّ بالوقت الذي يُستجاب فيه الدعاء. انتهى. والذي قاله ابن عمر يصلح لمن يَقْوَى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كلّ أحد، وقضية ذلك أنهما يريان أنها غير معينة، وهو كلام جمع من العلماء، كالرافعيّ، وصاحب ((المغني))، وغيرهما، حيث قالوا: يستحبّ أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضياً للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه. (الرابع): أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالاً، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها . (الخامس): إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في ((شرح الترمذي))، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في ((شرحه على البخاريّ)) ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في ((مسنده)) عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيّدها، ورواه ابن المنذر، فقيّدها بصلاة الجمعة. والله أعلم. (السادس): من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. (السابع): مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب، رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف علیه فیه كما ترى. (الثامن): مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبّر. رواه حميد بن زنجويه في ((الترغيب)) له من طريق عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: ((التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة))، فذكرها . (التاسع): أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في ((شرح التنبيه))، وتبعه المحبّ الطبريّ في ((شرحه)). ١٣٧ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) (العاشر): عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في ((الإحياء))، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في ((شرحه)) بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبراً إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ. (الحادي عشر): أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب ((المغني))، وهو في ((مسند الإمام أحمد)) من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا بها الله فيها استجيب له))، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة. قال المحبّ الطبريّ: قوله: ((في آخر ثلاث ساعات)) يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل. ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كلّ ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة. (الثاني عشر): من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في ((الأحكام))، وقبله الزكيّ المنذريّ. (الثالث عشر): مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعاً، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي. (الرابع عشر): بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبد البرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةً سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله. (الخامس عشر): إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبد الرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في (الطبقات)) عن عُبيد الله بن نوفل نحو القصّة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة (السادس عشر): إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت: ((يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئاً إلا أعطاه))، قيل: أية ساعة؟ قالت: ((إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة))، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين ابن المنيّر: ويتعيّن حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب . (السابع عشر): من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصبّاغ بلفظ: إلى أن يدخل الإمام. (الثامن عشر): من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ. (التاسع عشر): من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في (نكته على التنبيه)) عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في ((شرح البخاريّ))، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح. (العشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزيّ في ((كتاب الجمعة)) بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله. (الحادي والعشرون): عند خروج الإمام، رواه حُميد بن زنجويه في (كتاب الترغيب)) عن الحسن أن رجلاً مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت. (الثاني والعشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك. (الثالث والعشرون): ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قولَه أيضاً، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام الجمعة؛ لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير ١٣٩ (٦) - بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي بَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٩) هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة أثما، ولم يبطل البيع. (الرابع والعشرون): ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في ((شرح السنة)) عنه. (الخامس والعشرون): ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله وَله، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله. (السادس والعشرون): عند التأذين، وعند تذكير الإمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. (السابع والعشرون): مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة. (الثامن والعشرون): من حين يفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعاً، وإسناده ضعيف. (التاسع والعشرون): إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في ((الإحياء)). (الثلاثون): عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح (المصابیح)). (الحادي والثلاثون): أنها عند نزول الإمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي ١٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة إسحاق، عن أبي بردة، قولَه. وحكاه الغزالي قولاً بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة . (الثاني والثلاثون): حين تقام الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضاً، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعاً بإسناد ضعيف. (الثالث والثلاثون): من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعاً، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال: ((حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها))، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ رواية كثير، ورواه البيهقي في ((الشعب)) من هذا الوجه بلفظ: ((ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة))، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه. (الرابع والثلاثون): هي الساعة التي كان النبي وَ لّ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ◌َّه أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية(١)، والله تعالى أعلم. (١) قال بعض المحقّقين: هذا فيه نظرٌ، وسياق الآية يخالفه، والله أعلم.