Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦١)
التأكد كالغسل، وإن كان الترغيب ورد في الجميع، لكن الحكم يَختَلِف إما
بالوجوب عند من يقول به، أو بتأكيد بعض المندوبات على بعض(١).
(قَالَ طَاؤُسٌ: فَقُلْتُ لِبْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ (وَيَمَسُّ طِيباً، أَوْ دُهْناً إِنْ كَانَ عِنْدَ
أَهْلِهِ؟) معناه: هل ذكر النبيّ وَّرِ حين ذكر غسل يوم الجمعة مسّ الطيب، أو
الدهن إن وُجد عند أهله معه؟ (قَالَ) ابن عبّاس ◌ًِّا (لَا أَعْلَمُهُ) أي: لا أعلم
ذكره ◌َالفر له معه .
وقال الحافظ ابن رجب تَخّْتُهُ: مضمون هذا أن ابن عبّاس ◌ُّ روى عن
النبيّ ◌َّ الغسل للجمعة، وأنه لم يكن عنده من ذكر الطيب والدهن علم،
فيَحْتَمِل أنه نفى أن يكون يعلم ذلك عن النبيّ وَّةِ، ويَحْتَمِل أنه نفى أن يكون
ذلك مستحبّاً بالكلّة، فإنه إذا لم يكن عنده عن النبيّ ◌َّ فيه شيءٌ، فإنه يقتضي
التوقّف في استحبابه. انتهى (٢).
وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما
الطيب فلا أدري))، قال في ((الفتح)): هذا يخالف ما رواه عُبيد بن السَّاق عن
ابن عباس ظه مرفوعاً: ((من جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان له طيب
فلَمَسَّ منه))، أخرجه ابن ماجه من رواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ،
عن عُبيد، وصالحٌ ضعيف، وقد خالفه مالك، فرواه عن الزهريّ، عن عُبيد بن
السبّاق بمعناه مرسلاً، فإن كان صالح حَفِظَ فيه ابنَ عباس احتَمَلَ أن يكون
ذَكَرَه بعدما نسيه، أو عكسَ ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٦١/٣ و١٩٦٢] (٨٤٨)، و(البخاريّ) في
(١) ((الفتح)) ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب تخذتُ ١١٥/٨.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
((الجمعة)) (٨٨٤ و٨٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٥/١ و٣٣٠ و٣٦٧)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٠٧)،
و(الطحاويّ) في (شرح معاني الآثار)) (١١٥/١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الضَّخَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ
جُرَيْجِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ،
قد يخطىء [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٣ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مَرْوان الْحَمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٤ - (الضَّخَّاُ بْنُ مَخْلَدٍ) بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
و ((ابنُ جریج)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ... إلخ) أي: روى كلٌّ من محمد بن
بكر، والضحّاك بن مَخْلد هذا الحديثُّ عن ابن جريج بسنده الماضي، وهو:
عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبّاس
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج، ساقها الإمام أحمد تَظّتُهُ
في «مسنده)) (٣٦٧/١) مقروناً بعبد الرزّاق، فقال:
(٣٤٧١) حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا عبد الرَّزَّاقِ، وابن بَكْرٍ قَالَا:
أنا ابن جُرَيْج، قال: أخبرني إِبْرَاهِيمُ بن مَيْسَرَةَ، عن طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ،
أنه ذَكَرَ قَوْلَ النبيّ وَّهِ فِي الْغُسْلِ يومِ الْجُمُعَةِ، قال طَاوُسٌ: فقلت لِاِبْنِ عَبَّاسٍ:
((وَيَمَسُ طِيباً، أو دُهْناً، إن كان عِنْدَ أَهْلِهِ؟))، قال: لَا أَعْلَمُهُ. انتهى.

٨٣
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٣)
وأما رواية الضحّاك، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٣] (٨٤٩) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((حَقٌّ للهِ
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَّ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ ربما وَهِمَ،
وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، لكنه تغير قليلاً بأَخَرَة [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ
[٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن کیسان، ذُكر قبله.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو
داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ◌َظُله رأس
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
نظُّله، وأخرجه الطحاويّ من طريق عمرو بن دينار، عن
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)

٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
طاوس، وصرّح فيه بسماعه له من أبي هريرة ◌َظُبه، وزاد فيه: ((ويمسّ طيباً إن
كان من لأهله)) (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ) أنه (قَالَ: ((حَقُّ لهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِم) وفي رواية
للبخاريّ: ((حقٌّ على كلّ مسلم))، وفي لفظ: (الله تعالى على كلّ مسِّلم حقٌّ)) (أَنْ
يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّام) زاد في رواية البخاريّ: ((يوماً))، قال في ((الفتح)):
هكذا أُبْهِم ((يوماً)) في هذاً الطريق، وقد عَيَّنه جابر ظُ في حديثه عند النسائيّ
بلفظ: ((الغسل واجب على كل مسلم في كل أسبوع يوماً، وهو يوم الجمعة))،
وصححه ابن خزيمة، ولسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، من حديث
البراء بن عازب ﴿هًا مرفوعاً نحوه، ولفظه: ((إن من الحقّ على المسلم أن
يغتسل يوم الجمعة ... )) الحديث، ونحوه للطحاويّ، من طريق محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الصحابة أنصاريّ، مرفوعاً. انتهى (١).
وقوله: (يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ))) بيان وتوضيح لكيفيّة غسل يوم الجمعة،
وإنما ذكر الرأس، وإن كان ذكر الجسد يُغني عنه؛ للاهتمام بتنظيفه، ولأنه قوام
البدن، والعمدة فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٦٣/٣] (٨٤٩)، و(البخاريّ) في ((الجمعة))
(٨٩٦)، وفي ((ذكر بني إسرائيل)) (٣٤٨٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه))
(١٧٦١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣)
١٨٨ - ١٨٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦/٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (١١٥/١ - ١١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٤٤٥/٢.

٨٥
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
(٤) - (بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ(١)
[١٩٦٤] (٨٥٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسَّلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا
قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ
الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ
دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ
حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُمَيَّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٠) مقتولاً بقُدَيد (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٨/١٨.
٤ - (أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ) الزيات هو: ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان
يجلُب الزيت إلى الكوفة [٣] (١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل
المدينة .
(١) هذه الترجمة مأخوذة من ((مستخرج أبي نعيم)) ٤٣٩/٢.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
يدخل فيه كلُّ مَن يصحّ التقرب منه، من ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد (غُسْلَ
الْجَنَابَةِ) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: غسلاً كغسل الجنابة،
وهو كقوله تعالى: ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
وفي رواية ابن جريج، عن سُميّ، عند عبد الرزاق: ((فاغتسل أحدكم كما
يغتسل من الجنابة)).
وظاهره أن التشبيه للكيفية، لا للحكم، وهو قول الأكثر، وقيل فيه إشارة
إلى الجماع يوم الجمعة؛ ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تَسْكُن نفسه
في الرواح إلى الصلاة، ولا تمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضاً
على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل ذلك حديث: ((مَن غَسَّلَ،
واغتسل))، المخرَّج في ((السنن)) على رواية من رَوَى ((غَسَّلَ)) بالتشديد.
قال النوويّ كَّلُهُ: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا، وهو ضعيف، أو باطل
والصواب الأول. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ادّعاء النوويّ بطلان هذا القول عجيبٌ، فقد
حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وثبت أيضاً عن جماعة من التابعين، اللهم
إلا أن يريد أنه باطل في المذهب، كما أبداه الحافظ في ((الفتح))(١).
والحاصل أن حمل ((غسّل، واغتسل))، وكذا حمل قوله في هذا
الحديث: ((من اغتسل غسل الجنابة)) على الإشارة إلى الجماع؛ للعلّة المذكورة
واضحٌ لا خفاء فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيُّ تَخْتُ: قوله: ((غسل الجنابة)) يعني: في الصفة، والأغسال
الشرعيّة كلها على صفة واحدة، وإن اختلفت أسبابها، وهكذا رواية الجمهور،
ووقع عند ابن ماهان: ((غسل الجمعة)) مكان ((غسل الجنابة))، وفي كتاب أبي
داود من حديث أوس بن أوس به مرفوعاً: ((من غسّل، واغتسل)) الأول مشدّد
السين، وذكر نحو حديث مسلم، وقد رُوي مخفّف السين، وروايتنا التشديد.
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٢٦/٢.

٨٧
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
واختُلف في معناه، فقيل: معناه جامع، يقال: غَسَلَ، وغَسَّلَ: إذا
جامع، قالوا: ليكون أغضّ لبصره في سعيه إلى الجمعة، وقيل: في التشديد:
أوجب الغسل على غيره، أو حمله عليه، وقيل: غسّل للجنابة، واغتسل
للجمعة، وقيل: غسّل رأسه، واغتسل بقيّة جسده، وقيل: غسّل بالغ في النظافة
والدلك، واغتسل صبّ الماء عليه، وأنسب ما في هذه الأقوال قول من قال:
حمل غيره على الغسل بالحثّ، والترغيب، والتذكير، والله تعالى أعلم.
انتھی(١) .
(ثُمَّ رَاحَ) أي: في الساعة الأولى، بدليل قوله الآتي: ((ومن راح في
الساعة الثانية))، وقد أخرجه مالك في ((الموطأ)) بهذا الإسناد، بلفظ: ((في
الساعة الأولى)).
قال النوويُّ تَخْلُهُ: المراد بالرواح الذهاب أول النهار، وفي المسألة
خلاف مشهور.
مذهب مالك، وكثيرٍ من أصحابه، والقاضي حسين، وإمام الحرمين من
أصحابنا، أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، والرواح
عندهم بعد الزوال، وادَّعَوا أن هذا معناه في اللغة.
ومذهب الشافعيّ، وجماهير أصحابه، وابن حبيب المالكيّ، وجماهير
العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار،
والرواح يكون أول النهار وآخره، قال الأزهريّ: لغة العرب الرواح الذهاب،
سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه
الحديث والمعنى؛ لأن النبيّ ◌َ﴾ أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة
الأولى، وهو كالمهدي بدنةً، ومن جاء في الساعة الثانية، ثم الثالثة، ثم
الرابعة، ثم الخامسة، وفي رواية النسائيّ السادسة، فإذا خرج الإمام طَوَوُا
الصحف، ولم يكتبوا بعد ذلك أحداً، ومعلوم أن النبيّ وَ ﴿ كان يخرج إلى
الجمعة متصلاً بالزوال، وهو بعد انفصال السادسة، فدل على أنه لا شيء من
الهدي والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحثّ في
(١) ((المفهم)) ٢ / ٤٨٤.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصفّ الأول، وانتظارها،
والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال،
ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرُم التخلّف بعد
النداء، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي البحث في هذه المسألة مستوفّى، مع
ترجيح مذهب الجمهور في كون المراد بالرواح هو الذهاب في أول النهار في
المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً) بتشديد الراء: أي: تَصَدَّق بها متقرباً إلى الله تعالى،
وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب،
ممن شُرع له القربان؛ لأن القربان لم يُشْرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت
للأمم السالفة.
وفي رواية ابن جريج المذكورة: ((فله من الأجر مثل الْجَزُور))، وظاهره
أن المراد أن الثواب لو تجسّد لكان قدر الجزور.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا فسّر في ((الفتح)) هذه الرواية بهذا التفسير،
وفيه نظر لا يخفى، فالصواب أن رواية ابن جريج هذه بمعنى رواية مالك،
فالمراد أن ثوابه كثواب من قرّب جزوراً، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن
نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلاً، ويدلّ عليه أن في
مرسل طاوس، عند عبد الرزاق: ((كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة)).
ووقع في رواية الزهري الآتية بلفظ: ((كمثل الذي يُهْدِي بَدَنَةً))، فكأن
المراد بالقربان في هذه الرواية الإهداء إلى الكعبة.
قال الطيبيُّ نَظُّ: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن
المبادر إليها كمن ساق الهدي، والمراد بالبدنة البعير ذكراً كان أو أنثى، والهاء
فيها للوحدة، لا للتأنيث، وكذا في باقي ما ذُكِرَ.
وحَكَى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى،
وقال الأزهريّ في شرح ألفاظ ((المختصر)): البدَنَةُ لا تكون إلا من الإبل،
وصحّ ذلك عن عطاء، وأما الهديُ فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه.

٨٩
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
وحَكَى النوويّ عنه أنه قال: الْبَدَنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه
خطأُ نشأ عن سقط.
وفي ((الصحاح)): البدنة ناقة، أو بقرة، تُنْحَر بمكة، سُمِّيت بذلك؛ لأنهم
کانوا یسمنونها. انتهى.
والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستُدِلّ به على أن البدنة تختص
بالإبل؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه. أشار
إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة،
وسبعاً من الغنم.
وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: لله عليّ بدنةٌ، وفيه خلاف، والأصح تعيّن
الإبل إن وُجدت، وإلا فالبقرة، أو سبع من الغنم، وقيل: تتعين الإبل مطلقاً،
وقيل: يتخير مطلقاً (١).
وقال الحافظ وليّ الدين تَخّْثُ: ذَكَر في ((الصحاح)) و((المحكم)) أن البدنة
من الإبل والبقر ما أُهدي إلى مكة، وكذا قال في ((النهاية)): إنها تطلق عليهما،
قال: وهي بالإبل أشبه. وذكر القاضي عياض أنها تختصّ بالإبل. وقال
النووي تَّلهُ: قال جمهور أهل اللغة، وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحدة
من الإبل والبقر والغنم، وخصّها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق،
لتصريح الحديث بذلك. انتهى(٢).
وقال الفيّومِيُّ رَّتُهُ: والبَدَنَةُ قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ:
أو بعير ذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي
الإبل خاصّةً، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُها﴾ الآية [الحج: ٣٦]،
سميت بذلك لعظم بَدَنِها، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسُّنة، وهو قوله ◌َالآتى:
(تُجزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة))، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ
لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير
المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: ((اشتركنا مع رسول الله اَلحقه
(١) ((الفتح)) ٤٢٦/٢ - ٤٢٧.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٧٧/٣ - ١٧٨.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
في الحجّ والعمرة سبعة منّا في بدنة))، فقال رجل لجابر ظُه: أنشترك في
البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُدْن(١)، والمعنى: في
الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البُدْن لما جهلها أهل اللسان، ولفُهمت
عند الإطلاق أيضاً. انتهى(٢).
وقيل: المراد كالذي يُهدي البدنة إلى مكة، وفيه أنه لا يناسبه ذكر
الدجاجة، والبيضة.
(وَمَنْ رَاحَ) أي: ذهب (فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً) بفتحات،
تقع على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيها للواحدة، كقَمْحَة، وشَعِيرة،
ونحوهما، من أفراد الجنس، وسُمِّيت بقرة؛ لأنها تبقُر الأرض: أي: تَشُقُّها
بالحراثة، والْبَقْر الشقّ، ومنه قولهم: بَقَرَ بطنه، ومنه سُمِّي محمد الباقر تَذَتُهُ؛
لأنه بقر العلم، ودخل فيه مدخلاً بليغاً، ووصل منه غايةً مرضيةً(٣).
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً) بفتح، فسكون: هو
الْحَمَلُ(٤) إذا أثنى، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاشٌ،
قاله في ((القاموس))(٥).
ووصفه بقوله: (أَقْرَنَ) لأنه أكمل، وأحسن صورةً، ولأن قرنه يُنتفع به (٦).
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً) بكسر الدال وفتحها،
لغتان مشهورتان، ويقع على الذكر والأنثى، قاله النوويّ، وقال في
((المصباح)): الدجاج: معروفٌ، وتُفتح الدال، وتُكسر، ومنهم من يقول: الكسر
لغة قليلةٌ، والجمع دُجُجٌ بضمّتين، مثلُ عَنَاق وعُنُق، أو كتاب وكُتُب، ورُبّما
(١) حديث جابر ظُبه أخرجه المصنّف، وسيأتي في ((الحجّ)) برقم (١٣١٨) قال:
((اشتركنا مع النبيّ وَّ﴿ في الحج والعمرة كلّ سبعة في بدنة))، فقال رجل لجابر:
((أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البُدْن)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٩/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٣٧.
(٤) ((الْحَمَلُ)) بفتحتين ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع: حُمْلان، قاله في
((المصباح)) ١/ ١٥٢.
(٥) ((القاموس المحيط)) ٢٨٥/٢.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/٦.

٩١
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
جُمع على دَجَائج. انتهى(١).
وفي ((القاموس)): والدَّجاجة معروفة للذكر والأنثى، ويُثّث. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((دجاجة)) بالفتح، ويجوز الكسر، وحَكَى الليث
الضم أيضاً، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من
الناس. انتهى(٣).
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً) بفتح، فسكون:
واحدة البَيْضَات بسكون الياء أيضاً، وهُذيلٌ تفتحها، يقال: باض الطائر يَبيض
بَيْضاً، فهو بائضٌ، والْبَيْضُ له بمنزلة الولد للدوابّ، وجمع الْبَيْض بُيُوضٌ،
ويُحكى عن الجاحظ أنه صنّف كتاباً فيما يَبِيض ويَلِد من الحيوان، فتوسّع في
ذلك، فقال له أعرابيّ: يَجْمَع ذلك كلّه كلمتان: كلُّ أَذُونٍ وَلُودٌ، وكلُّ صَمُوخِ
بُيُوضٌ، أفاده الفيّومِيُّ كَُّ(٤) .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): واستُشْكِل التعبيرُ في الدجاجة والبيضة بقوله في
رواية الزهريّ: ((كالذي يُهدي))؛ لأن الهدي لا يكون منهما .
وأجاب القاضي عياض تبعاً لابن بطال بأنه لَمّا عطفه على ما قبله أعطاه
حكمه في اللفظ، فيكون من الإتباع، كقوله: ((مُتَقَدِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً)).
وتَعَقَّبه ابن الْمُنَيِّر في ((الحاشية)) بأن شرط الإتباع أن لا يُصَرَّح باللفظ في
الثاني، فلا يسوغ أن يقال: متقلداً سيفاً ومتقلداً رُمْحاً، والذي يظهر أنه من
باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربيّ بقوله: هو من تسمية الشيء باسم
قرينه .
وقال ابن دقيق العيد: قوله: ((قَرَّبَ بيضةً))، وفي الرواية الأخرى:
((كالذي يُهْدِي)) يدلّ على أن المراد بالتقريب الهديُ، وينشأ منه أن الهدي يُطلق
على مثل هذا، حتى لو التزم هدياً، هل يكفيه ذلك أو لا؟. انتهى.
والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية، والحنابلة، وهذا ينبني
على أن النذر هل يُسْلَك به مُسْلَك جائز الشرع، أو واجبِهِ؟، فعلى الأول يكفي
(١) ((المصباح)) ١٨٩/١.
(٣) ((الفتح)) ٤٢٧/٢.
(٢) ((القاموس)) ١٨٧/١.
(٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٨/١.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
أقل ما يُتَقَّرب به، وعلى الثاني يُحْمَل على أقلّ ما يُتقرَّب به من ذلك الجنس،
ويُقَوي الصحيح أيضاً أن المراد بالهدي هنا التصدّق، كما دل عليه لفظ
التقرُّب، والله أعلم. انتهى(١).
(فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ) أي: من مكانه، وفيه إشارة إلى أن الإمام ينبغي له أن
يتّخذ مكاناً خالياً قبل صعوده المنبر؛ تعظيماً لشأنه، قاله الطيبيُّ تَظُّهُ(٢).
(حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ) بفتح الضاد، وكسرها، لغتان مشهورتان، والفتح
أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ﴾ [النساء:
٨]، قاله النوويُّ كَّتُهُ(٣)، وقال في ((القاموس)): حَضَرَ، كنصر، وعَلِمَ حُضُوراً،
وحضارةً: ضدُّ غاب، كاحتضر، وتحضّر، ويُعَدَّى، يقال: حَضَرَه، وتحضّره.
(٤)
انتھی(٤).
وقال الفيّوميُّ تَظْتُهُ: حَضَرتُ مجلسَ القاضي حُضوراً، من باب قعد:
شَهِدته، وحَضَرَ الغائب حُضوراً: قَدِمَ من غيبته، وحَضَرت الصلاةُ، فهي
حاضرة، والأصل حَضَر وقتُ الصلاة، والْحَضَرُ بفتحتين: خلاف الْبَدْو،
والنسبة إليه حَضَريٌّ على لفظه، وحَضَرَ: أقام بالحضر، والْحِضَارة بفتح الحاء
وكسرها: سكون الْحَضَر، وحَضَرني كذا: خطر ببالي، وحَضَرِه الموتُ
واحتضره: أشرف عليه، فهو في النَّزْع، وهو محضور، ومُحْتَضَرٌ بالفتح،
وكَلَّمته بحضرة فلان: أي: بحضوره، وحَضْرَةُ الشيءٍ: فَنَاؤُهُ وقربه، وكَلَّمته
بِحَضَر فلان وزانُ سَبَبٍ، لغةٌ، وبمحضره: أي: بمشهده، وَحَضِيرةُ التمرِ:
الْجَرِينُ.
وحَضِرَ فلانٌ بالكسر لغةٌ، واتفقوا على ضم المضارع مطلقاً، وقياس كسر
الماضي أن يُفْتَحَ المضارع، لكن استُعْمِل المضموم مع كسر الماضي شُذوذاً،
ويُسَمَّى تداخل اللغتين. انتهى(٥) .
(١) ((الفتح)) ٤٢٧/٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٧٥/٤.
(٣) ((شرح النوويّ) ٦/ ١٣٧.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٤٠/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ١٠/٢.

٩٣
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
وقوله: (يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ))) أي: الخطبة، جملة في محلّ نصب على
الحال من ((الملائكة))، والمراد بالملائكة هنا: غير الحفظة، وظيفتهم كتابة
حاضري الجمعة، قاله النوويُّ نَظُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون
الذكر))، استَنْبَط منه الماورديّ أن التبكير لا يُستحب للإمام، قال: ويدخل
للمسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر، وما قاله غير ظاهر؛ لإمكان أن يُجْمَع
الأمرين بأن يُبَكِّر، ولا يخرج من المكان المعدّ له في الجامع، إلا إذا حضر
الوقت، أو يُحْمَل على من ليس له مكان مُعَدٍّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تعقّب في ((الفتح)) استنباط الماورديّ
المذكور، وعندي أن ما استنبطه هو الظاهر، فلا معنى لتعقّبه، فتأمله، والله
تعالى أعلم.
وزاد في رواية الزهريّ، عن أبي عبد الله الأغرّ الآتية: ((فإذا جلس الإمام
طَوَوُا الصُّحُف، وجاءوا يستمعون الذكر))، وكأن ابتداء طيّ الصحف عند ابتداء
خروج الإمام، وانتهاءه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم للذكر.
والمراد بالذكر ما في الخطبة من المواعظ، وغيرها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٦٤/٤] (٨٥٠)، و(البخاريّ) في ((الجمعة))
(٨٨١)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٣٥١)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٤٩٩)،
و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٣٨٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٠٥/١)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٤٦٠/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٠٩)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (١٠٦٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النووي)) ٦/ ١٣٧.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الْحَضّ على الاغتسال یوم الجمعة، وفضله، وفضل
التبكير إليها، وأن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعهما، وعليه يُحْمَل ما
أُطلق في باقي الروايات، من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل.
٢ - (ومنها): بيان أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأن
القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع.
٣ - (ومنها): بيان أن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، وهو
بالاتفاق في الهدي، واختُلِف في الضحايا، والجمهور على أنها كذلك.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: فَرَّق مالك بين التقربين باختلاف المقصودین؛
لأن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقصة الذبيح، وهو قد فُدِي بالغنم،
والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين، فناسب البدن.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الجمعة تصح قبل الزوال، كما سيأتي
نقل الخلاف فيه قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يُستحبّ فيه
الرواح إلى الجمعة:
قد أجاد البحث في هذا الموضوع الإمام ابن القيّم تَخْذُّ، فقال: وقد
اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:
[أحدهما]: أنها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعيّ،
وأحمد، وغيرهما .
[والثاني]: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو
المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:
إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابل الغدوّ الذي لا
يكون إلا قبل الزوال، قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، قال
الجوهريّ: ولا يكون إلا بعد الزوال.
الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا
يَغْدُون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول
النهار، وقال: لم نُدرك عليه أهل المدينة.

٩٥
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
واحتَجَّ أصحاب القول الأول بحديث جابر نظُه عن النبيّ وَّر: ((يوم
الجمعة ثنتا عشرة ساعةً))، قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي
ثنتا عشرة ساعةً، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات زمانية، قالوا: ويدلّ
على هذا القول أن النبيّ وَّ﴿ إنما بَلَغَ بالساعات إلى ستّ، ولم يزد عليها، ولو
كانت الساعة أجزاء صغاراً من الساعة التي تُفْعَل فيها الجمعة لم تنحصر في
ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإن الساعة
السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإمام، وطُوِيَت الصحف، ولم
يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرَّحاً به في ((سنن أبي داود)) من
حديث عليّ رَله، عن النبيّ وَّ: ((إذا كان يوم الجمعة غَدَت الشياطين براياتها
إلى الأسواق، فَيَرْمُون الناس بالتَّرَابيث، أو الربائث(١)، ويثبطونهم عن الجمعة،
وتغدو الملائكة، فتجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة،
والرجل من ساعتين، حتى يخرج الإمام))(٢).
قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقالت
طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم
التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوريّ، وأبي حنيفة،
والشافعيّ نَظُّهُ، وأكثر العلماء، بل كلهم يَستحب البكور إليها، قال الشافعيُّ:
ولو بكّر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس كان حسناً، وذكر الأثرم قال:
قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة
باكراً، فقال: هذا خلاف حديث النبيّ ◌َّ، وقال: سبحان الله إلى أيّ شيء
ذَهَبَ في هذا، والنبيّ وَِّ يقول: ((كالمهدي جَزُوراً)).
قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن
تفسير هذه الساعات، أهو الغُدُوّ من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا
(١) يرمونهم بالترابيث: أي يذكّرونهم الحاجات؛ ليربّئوهم بها عن الجمعة، يقال: ربئته
عن الأمر: إذا حبسته وثبطته، والربائث: جمع ربيثة، وهي الأمر الذي يحبس
الإنسان عن مهامه.
(٢) حديث ضعيف؛ لجهالة التابعيّ الراوي عن عليّ
عنه

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
القول ساعات الرواح؟ فقال ابن وهب: سألت مالكاً عن هذا؟ فقال: أما الذي
يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، مَن راح من
أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة،
ولو لم يكن كذلك ما صُلِّيت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت
العصر، أو قريباً من ذلك.
وكان ابن حبيب ينكر قول مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال:
قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه، وقال: يدلك أنه
لا يجوز ساعات في ساعة واحدة أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من
النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدَلّ ذلك على أن
الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات
النهار، فقال: ((من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بدنةً))، ثم قال في
الساعة الخامسة بيضةً، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرح الحديث
بَيِّنٌ في لفظه، ولكنه حُرِّف عن موضعه، وشُرِح بالْخَلْف من القول، وما لا
يكون، وزَهَّدَ شارحه الناس فيما رَغَّبهم فيه رسول الله وَّهِ من التهجير من أول
النهار، وزَعَم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس،
قال: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في
موضعه من كتاب ((واضح السنن)) بما فيه بيان وكفاية، هذا كله قول
عبد الملك بن حبيب.
ثم رَدَّ عليه أبو عمر، وقال: هذا تحامل منه على مالك تَخُّْ، فهو الذي
قال القول الذي أنكره، وجعله خَلْفاً وتحريفاً من التأويل، والذي قاله مالك
تشهد له الآثار الصحاح، من رواية الأئمة، ويشهد له أيضاً العمل بالمدينة
عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لأنه أمر يتردد كل جمعة، لا
يخفى على عامة العلماء.
فمن الآثار التي يَحتَجّ بها مالك ما رواه الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب،
عن أبي هريرة ◌َظُه أن النبيّ وَّر قال: ((إذا كان يومُ الجمعة قام على كل باب
من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول، فالأول، فالمهجِّر إلى
الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه كالمهدي بقرةً، ثم الذي يليه کالمهدي

٩٧
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
كبشاً، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة، فإذا جَلَس الإمام طُويت الصحف،
واستمعوا الخطبة))، قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنه قال: يكتبون
الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه،
فجعل الأول مهجِّراً، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير،
وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس؛ لأن ذلك
الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: ثم الذي يليه، ثم الذي يليه،
ولم يذكر الساعة، قال: والطرُق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في ((التمهيد))، وفي
بعضها: ((المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنةً))، وفي أكثرها: ((المهجر
كالمهدي جَزوراً))، الحديث، وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى
الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنةً، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة
الثانية كالمهدي بقرةً، وفي آخرها كذلك.
وقال بعض أصحاب الشافعيّ: لم يرد ◌ّ﴿ بقوله: ((المهجِّر إلى الجمعة
كالمهدي بدنةً)) الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله
وأعماله، من أغراض أهل الدنيا؛ للنهوض إلى الجمعة، كالمهدي بدنةً، وذلك
مأخوذ من الهجرة، وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره، ومنه سمي
المهاجرون.
وقال الشافعيُّ تَخْثُهُ: أحب التبكير إلى الجمعة، ولا تؤتى إلا مشياً، هذا
كله كلام أبي عمر تَخَذَتُهُ.
قال العلامة ابن القيّم تَخّتُهُ: مدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة
أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وأنها لا تكون إلا بعد الزوال، والثاني:
لفظة التهجير، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل
المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.
فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تُطلَق على المضيّ بعد الزوال، وهذا إنما
يكون في الأكثر إذا قُرِنت بالغدوّ، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾
[سبأ: ١٢]، وقوله وَلَّه: ((من غدا إلى المسجد وراح، أَعَدَّ الله له نُزُلاً في
الجنة، كلما غدا أو راح))، وقول الشاعر:
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وقد يُطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضيّ، وهذا إنما يجيء إذا كانت
مجرَّدة عن الاقتران بالغدوّ، وقال الأزهريّ في ((التهذيب)): سمعت بعض
العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت، يقال: راح القوم إذا ساروا،
وغدوا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروح، ويخاطب أصحابه، فيقول:
رُوحُوا: أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحون، ومن ذلك ما جاء في
الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضيّ إلى الجمعة، والخِفّة إليها، لا
بمعنى الرواح بالعشيّ.
وأما لفظ التهجير والمهجّر، فمن الهجير والهاجرة، قال الجوهريّ: هي
نصف النهار عند اشتداد الحرّ، تقول منه: هَجَّر النهار، قال امرؤ القيس:
فَدَعْهَا وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْهَا بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرًا(١)
ويقول: أتينا أهلنا مُهَجِّرين؛ أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهُّر:
السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة.
قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح، فإنه
يُطلق، ويراد به التبكير، قال الأزهريّ في ((التهذيب)): رَوَى مالك، عن سُمَيّ،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: قال رسول الله وَيقول: ((لو يعلم الناس
ما في التهجير، لاستبقوا إليه))، وفي حديث آخر مرفوع: ((المهجر إلى الجمعة
کالمهدي بدنةً».
قال: ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من
الهاجرة وقت الزوال، وهو غلطٌ، والصواب فيه ما رَوَى أبو داود المصاحفيّ،
عن النضر بن شُمَيل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة
إلى كل شيء، قال: سمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث،
قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس،
قال لبيد [من البسيط]:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا فَمَا تُوَاصِلُهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ
(١) ((الجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: التي تسير الذميل، وهو سير سريع، ومعنى
صام النهار: قام، واعتدل، وهَجّر من الهاجرة، وهي شدّة الحرّ.

٩٩
(٤) - بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٤)
فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم الذهاب والمضيّ، يقال: راح
القوم إذا خَقُّوا ومَرُّوا أَيَّ وقت كان.
وقوله فيديو: (لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه))، أراد به التبكير
إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها .
قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج وقت
الهاجرة، ورَوَى أبو عبيد، عن أبي زيد: هَجَّر الرجل: إذا خرج بالهاجرة،
قال: وهي نصف النهار، ثم قال الأزهريّ: أنشدني المنذريّ فيما رَوَى الثعلب،
عن ابن الأعرابيّ في ((نوادره))، قال: قال جِعْثِنَةُ بن جَوَّاس الرَّبَعِيّ في ناقته [من
الرجز]:
أَزْمَانَ أَنْتِ بِعَرُوضِ الْجَفْرِ
هَلْ تَذْكُرِينَ قَسَمِي وَنَذْرِي
عَلَيَّ إِنْ لَمْ تَنْهَضِي بِوِقْرِي
إِذْ أَنْتِ مِضْرَارٌ جَوَادُ الْحُضْرِ
بِالْخَالِدِيِّ لَا بِصَاعِ حَجْرٍ
بِأَرْبَعِينَ قُدِّرَتْ بِقَدْرِ
يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ
وَتَصْحَبِي أَيَانِقاً فِي سَفْرٍ
يَظْوُونَ أَعْرَاضَ الْفِجَاجِ الْغُبْرِ
ثُمَّتَ تَمْشِي لَيْلَهُمْ فَتَسْرِي
طَيَّ أَخِي النَّجْرِ بُرُودَ الَّجْرِ(١)
قال الأزهريّ: يُهَجِّرون بهجير الفجر: أي: يبكرون بوقت السحر.
وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار، فهذا
غاية عملهم في زمان مالك تَخْدَثُهُ، وهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع
أهل المدينة حجةٌ، فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول
النهار، وهذا جائز بالضرورة، وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه، ومصالح
أهله ومعاشه، وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من
أول النهار، ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في
مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر
للثانية، كما قال ويقول: ((والذي ينتظر الصلاة، ثم يصليها مع الإمام أفضل من
(١) ((الجفر)): موضع بنجد، و((ناقة مضرارٌ)): إذا كانت تَنِدُّ وتركب شقها من النشاط،
و((الوقر)): الثقل، و((الخالديّ)): ضرب من المكاييل، و((الأيانق)): جمع ناقة.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
الذي يصلي، ثم يروح إلى أهله))(١)، وأخبر ((أن الملائكة لم تزل تصلي عليه ما
دام في مصلاه))(٢)، وأخبر ((أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به
الخطايا، ويرفع به الدرجات)) و((أنه الرباط))(٣)، وأخبر ((أن الله يباهي ملائكته
بمن قضى فريضة، وجلس ينتظر أخرى)) (٤).
وهذا يدلّ على أن من صلى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل
ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك،
لا يدلّ على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها، والتبكير في أول النهار، والله
أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ◌َُّهُ(٥)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
وقال الحافظ كَّقُ أنه استُدِلَّ بهذا الحديث على أن الجمعة تصح قبل
الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه قريباً.
قال: ووجه الدلالة منه تقسيم الساعة إلى خمس، ثم عقب بخروج
الإمام، وخروجه عند أول وقت الجمعة، فيقتضي أنه يخرج في أول الساعة
السادسة، وهي قبل الزوال.
والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول
النهار، فلعل الساعة الأولى منه جُعِلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ
المجيء من أول الثانية، فهي أولى بالنسبة للمجيء، ثانية بالنسبة للنهار، وعلى
هذا فآخر الخامسة أول الزوال، فيرتفع الإشكال، وإلى هذا أشار الصيدلانيّ
شارح ((المختصر))، حيث قال: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو
أول الضحى، وهو أول الهاجرة، ويؤيده الحثّ على التهجير إلى الجمعة،
ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان، اختَلَف فيهما الترجيح، فقيل: أول التبكير
طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر، ورجّحه جمع، وفيه نظرٌ؛ إذ يلزم منه أن
(٢) متفق عليه.
(١) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم.
(٤) أخرجه ابن ماجه، بإسناد صحيح، وصححه البوصيريّ في ((الزوائد)).
(٥) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٣٩٩/١ - ٤٠٧.