Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّنَّهِ: (الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) - حديث رقم (١٩٥٧)
وحكي رواية عن أحمد، قال أحمد - في رواية حرب وغيره -: أخاف أن
يكون واجباً، إلا أن يكون بردٌ شديدٌ، وهذا لا يدل على الوجوب جزماً، وهو
رواية عن مالكٍ، ولم يذكر في ((تهذيب المدونة)) سواها .
وذكر ابن عبد البر: أنه لا يعلم أحداً قال: إنه يأثم بتركه، غير أهل
الظاهر، وأن من أوجبه، قال: لا يأثم بتركه، وحَكَى - أيضاً - الاجماع على
أنه ليس بفرضٍ واجبٍ.
وذكر عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاءٍ: غسل الجمعة
واجبٍ؟ قال: نعم، من تركه فليس بآثم، قال عبد الرزاق: وهو أحب القولين
إلى سفيان، يقول: هو واجبٌ؛ يعني: وجوب سنةٍ.
وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء، وذكر أنه أشهر الروايتين عن مالكٍ.
والثاني: أنه مستحب وليس بسنةٍ، بل كالطيب والسواك، وحكاه رواية
عن مالكٍ.
وحكى عن بعضهم: أن الطيب يغني عنه، حكاه عن عطاء الخراساني،
وعن عبد الكريم بن الحارث المصري، وعن موسى بن صهيبٍ، قالَ: كانوا
يقولون ذَلِكَ.
وعن النخعيّ، قالَ: ما كانوا يرون غسلاً واجباً إلا غسل الجنابة، وكانوا
يستحبون غسل الجمعة.
فابن عبد البر لم يُثبت في وجوب غسل الجمعة - بمعنى كونه فرضاً يأثم
بتركه - اختلافاً بين العلماء المعتبرين، وإنما خَصَّ الخلاف في ذَلِكَ بأهل
الظاهر.
والأكثرون: أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة، وحكوا
القول بوجوبه عن طائفة من السلف، كما حكاه ابن المنذر، عن أبي هريرة
وعمار، وعن مالكٍ - أيضاً -.
والذي ذكره ابن عبد البر هوَ التحقيق في ذَلِكَ - والله أعلم -، وأن من
أطلق وجوبه إنما تبع في ذَلِكَ ما جاء عن النَّبِيّ بَّر من إطلاق اسم الواجب
عليهِ، وقد صرَّح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه، كما حمل أكثر
العلماء كلام النَّبِيّ بََّ على مثل ذَلِكَ - أيضاً -.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وممن صرح بهذا: عطاءٌ، كما سبق ذكره عنه، ومنهم: يحيى بن يحيى
النيسابوري، والجوزجاني.
وقد تبيّن بهذا أن لفظ الواجب ليس نصاً في الإلزام بالشيء والعقاب على
تركه، بل قد يراد به ذَلِكَ - وهو الأكثر -، وقد يراد به تأكد إلاستحباب
والطلب.
ولهذا قالَ إسحاق: إن كل ما في الصَّلاة فهوَ واجبٌ، وإن كانت
الصَّلاة تعاد من ترك بعضه، كما سبق ذكره عنه، وسبق - أيضاً - عن الشافعي
وأحمد في لفظ: الفرض ما يدل على نحو ذَلِكَ، فالواجب أولى؛ لأنه دون
الفرض.
ونص الشافعي - في رواية البويطي - على أن صلاة الكسوف ليست بنفلٍ،
ولكنها واجبةٌ وجوب السنة.
وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى واجباً، والله أعلم. انتهى
كلام الحافظ ابن رجب كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب ◌َّتُهُ بحثٌ
نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح حمل الوجوب المذكور في هذا الحديث على
الأمر المتأكد، لا على الواجب الذي يأثم تاركه؛ جمعاً بين الأدلّة الظاهرة في
ذلك.
[فمنها]: حديث أبي هريرة ﴿ه عند مسلم مرفوعاً: ((من توضّأ فأحسن
الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة،
وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا)).
[ومنها]: حديث عائشة ◌ّا الآتي: فقيل لهم: ((لو اغتسلتم يوم
الجمعة))، فإن هذا عرض وتحضيضٌ، وإرشاد، لا يقال مثله في الواجب.
[ومنها]: تقرير عمر عثمان بمحضر من الصحابة ﴿ على اكتفائه
بالوضوء، کما سبق بيانه.
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب كَذَتهُ ٨٣/٨.

٦٣
(٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّوَّهِ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) - حديث رقم (١٩٥٧)
[ومنها]: حديث الحسن، عن سمرة بن جندب نظّالله قال: قال
رسول الله وَ: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل
أفضل))، قال الترمذيّ: حديث حسن، وقد اختلف في سماع الحسن، عن
سمرة في غير حديث العقيقة، لكن يشهد له ما سبق من حديث أبي هريرة
ضرعيْه
عند مسلم .
والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة هو قول الجمهور، بل ادّعى
بعضهم الإجماع عليه، إلا عن الظاهريّة، كما سبق آنفاً عن ابن عبد البرّ، ومال
إليه ابن رجب في كلامه السابق آنفاً، وقد استوفيت البحث في هذا في الباب
الماضي، فارجع إليه تزدد علماً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٥٧/٢] (٨٤٦)، و(البخاريّ) في ((الأذان))
(٨٥٨)، و((الجمعة)) (٨٧٩ و٨٨١ و٨٩٥ و٢٦٦٥)، و(أبو داود) في ((الطهارة))
(٣٤١ و٣٤٤)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٣٧٥)، و((الكبرى)) (١٦٦٧)، و(ابن
ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٠٨٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٨٤)، و(الشافعيّ)
في («المسند» (١٥٤/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥٣٠٧)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٩٢/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٣٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٦/٣ و٣٠ و٦٠ و٦٥)، و(الدارميّ) في ((مسنده)) (١٥٤٥)، و(ابن
خزيمة) في (صحيحه)) (١٧٤٢ و١٧٤٣ و١٧٤٤ و١٧٤٥)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٥٥٧ و٢٥٥٨ و٢٥٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٠٣)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٨٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٢٨
و١٢٢٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١١٦/١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٩٤/١ و١٨٨/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٥٨] (٨٤٧) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ
جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ
الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي(١)، فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ، وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ
مِنْهُمُ الرِّيحُ، فَأَتَّى رَسُولَ اللهِ وَهَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ:
((لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانية - السعديّ
مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله ثلاث وثمانون
سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعْرَف بابن التستريّ، صدوقٌ
تُكُلِّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (٢٤٣) (خ م س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ،
ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) الفقيه، مولى بني كنانة، أو أمية، أبو بكر
المصريّ، قيل: اسم أبيه يسار - بتحتانية، ومهملة - ثقةٌ، وكان فقيهاً عابداً،
قال أبو حاتم: هو مثل يزيد بن أبي حبيب [٥] (ت٢ أو ٤ أو٥ أو ١٣٦) (ع)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٠٦/٢٠.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن عميه: عبد الله، ولم يسمع منه، وعروة، وعن ابن عمه،
(١) وفي نسخة: ((من منازلهم، ومن العوالي)).

٦٥
(٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) - حديث رقم (١٩٥٨)
عباد بن عبد الله، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وأخيه عبيد الله بن عبد الله،
وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن إسحاق، وابن جريج، وعبيد الله بن أبي جعفر،
وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، والوليد بن كثير، وجماعة.
قال ابن سعد: كان عالِماً، وله أحاديث، وقال البخاريّ: قال لي زهير،
عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن
الزبير، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة وقرائهم، وقال الدارقطنيّ: مدنيّ
ثقةٌ، وذكره البخاريّ في ((الأوسط)) في ((فصل من مات بين عشر ومائة إلى
عشرين ومائة)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم
(٨٤٧)، وحديث (١١١٢): ((تصدّق تصدّق، قال: ما عندي شيءٍ ... ))
الحديث، وأعاده بعده، و(١١٤٧): ((من مات وعليه صيام صام عنه وليّه)).
٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريباً.
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت أيضاً قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رَغُّْ، وله فيه شيخان قَرَنَ بينهما؛
لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عبيد الله، ومن بعده مسلسلٌ
بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن عائشة خيّ من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء
السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) يُؤْثَّا (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ) أي:
يحضرونها نُوَباً، والانتياب: افتعالٌ من النوبة، وهو المجيء مرّة بعد أخرى،
.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
قال في ((القاموس): وانتابهم انتياباً: أتاهم مرّةً بعد أُخرى. انتهى(١). وقال في
(المصباح)): وناوبته مناوبةً: بمعنى ساهمته مساهمةً، والنَّوْبةُ اسمٌ منه، والجمعُ
نُوَبٌّ، مثلُ قَرْيةٍ وَقُرَى. انتهى(٢). وفي رواية: ((يتناوبون)) (مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ
الْعَوَالِي) بدل مما قبله، وفي بعض النسخ: ((ومن العوالي)) بالعطف، وهو:
جمع العالية، وهي مواضع وقُرى بقرب المدينة، من جهة المشرق، من ميلين
إلى ثمانية أميال، وقيل: أدناها من أربعة أميال(٣). (فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ) بفتح
المهملة والمد: جمع عباءة، وعباية، لغتان مشهورتان، وهو كساءٌ غليظٌ (٤).
(وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ) وفي الرواية التالية: ((كان الناس أهل
عمل، ولم يكن لهم كُفاةٌ، فكانوا يكون لهم تَفَلٌ)) (فَأَتَى رَسُولَ اللهِ وَهِ إِنْسَانٌ
مِنْهُمْ) قال الحافظ تَُّ: لم أقف على اسمه، وللإسماعيليّ: ((ناس منهم))
(وَهُوَ عِنْدِي) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنه وَّ جالس
في بيتي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا») وفي الرواية
التالية: ((فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة))، و(لو)) هنا للتمني، فلا تَحتاج
إلى جواب، أو هي للشرط، والجوابُ محذوف، تقديره: لكان حسناً، وقد
وقع في حديث ابن عباس ﴿ها عند أبي داود أن هذا كان مبدأ الأمر بالغسل
للجمعة، ولأبي عوانة من حديث ابن عمر نحوه، وصَرَّح في آخره بأنه وَلّ قال
حينئذ: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)).
قال في ((الفتح)): استدَلّت به عمرة - يعني: بنت عبد الرحمن -(٥) على
أن غسل الجمعة شُرع للتنظيف لأجل الصلاة، فعلى هذا فمعنى قوله: ((ليومكم
هذا)) أي: في يومكم هذا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((القاموس المحيط)) ١٣٥/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٢٩/٢.
(٤) ((المفهم)) ٢/ ٤٨٢.
(٥) هو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، ولفظ البخاريّ في (صحيحه)) عن يحيى بن
سعيد الأنصاريّ، أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة؟ فقالت: قالت عائشة رضيثنا:
كان الناس مَهَنَة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل
لهم: لو اغتسلتم. انتهى.

٦٧
(٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّوَِّ: (الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) - حديث رقم (١٩٥٨)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ِوثّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٥٨/٢ و١٩٥٩] (٨٤٧)، و(البخاريّ) في
((الجمعة)) (٩٠٢ و٩٠٣ و٢٠٧١)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٣٥٢)،
و((الصلاة)) (١٠٥٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٠٨)، و(الحميديّ) في
(مسنده)) (١٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٢/٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١٧٥٣ و١٧٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٣٧)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٩٠٤ و١٩٠٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٩/٣ - ١٩٠)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب الأمر بالغسل للجمعة، وهو دفع التأذّي بالرائحة
الكريهة ممن يحضر المسجد للجمعة.
٢ - (ومنها): رفق العالم بالمتعلم.
٣ - (ومنها): استحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير واجتناب أذى
المسلم بكل طريق.
٤ - (ومنها): حرص الصحابة .
على امتثال الأمر، ولو شق عليهم.
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيُّ تَخُّْ: فيه ردٌّ على الكوفيين حيث لم
يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر.
وتُعُقّب بأنه لو كان واجباً على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون
جميعاً، والله أعلم(١).
وقد اختلف العلماء فيمن تجب عليه الجمعة؟، فالذي ذهب إليه الجمهور
أنها تجب على من سمع النداء، أو كان في قوة السامع، سواء كان داخل البلد
أو خارجه، ومحله كما صَرّح به الشافعيّ ما إذا كان المنادي صَيِّاً، والأصوات
هادئةٌ، والرجل سميعاً.
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٤٩/٢.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وفي ((السنن)) لأبي داود من حديث عبد الله بن عمرو رضيؤها مرفوعاً: ((إنما
الجمعة على من سمع النداء))، وقال: إنه اختُلِف في رفعه ووقفه.
وأخرجه الدارقطنيّ من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جدّه مرفوعاً، ويؤيده قوله وَليلابن أم مكتوم: ((أتسمع النداء؟))، قال: نعم،
قال: ((فأجب))، وقد تقدَّم في صلاة الجماعة ذكر من احتج به على وجوبها،
فيكون في الجمعة أولى؛ لثبوت الأمر بالسعي إليها .
وأما حديث: ((الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله)»، فأخرجه الترمذيّ،
ونَقَل عن أحمد أنه لم يره شيئاً، وقال لمن ذَكَره له: استغفر ربك.
ومعناه: أنها تجب على من يُمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل،
واستُشكِل بأنه يلزم منه أنه يجب السعي من أول النهار، وهو بخلاف الآية،
قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجمعة تجب على
من سمع النداء على الوصف الذي ذكره الشافعيُّ رَّتُهُ في كلامه السابق هو
الحقّ؛ لوضوح حجّته، وأما حديث الترمذيّ: ((الجمعة على من آواه الليل إلى
أهله))، فحديث ضعيف جدّاً، ففي سنده عبد الله بن سعيد متروك، والراوي عنه
ضعيف أيضاً، فلا وجه لاستشكاله مع الآية، وقد استوفيت المسألة في المسألة
الثامنة من المسائل المذكورة في أول ((كتاب الجمعة))، فراجعها تستفد، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٥٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا (٢) اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَّ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلُ (٣)، فَقِيلَ لَهُمْ: ((لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)).
(١) ((الفتح)) ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٣) وفي نسخة: ((يكون لهم التفل)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٦٩
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسَّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٠)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (اللَّيْثُ) تقدّم فَي الباب الماضي أيضاً.
٣ - (يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصارية المدنية،
أكثرت عن عائشة ﴿ّا، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت
في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧.
و((عَائِشَةُ)) ◌َّا ذُكرت قبله.
وقوله: (كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ) أي: كانوا يزاولون الأعمال من الزراعة
ونحوها بأنفسهم.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ) بضمّ الكاف: جمع كافٍ، كقاض وقُضاة،
وهم الْخَدَمُ الذين يكفونهم العمل.
(فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ) وفي نسخة: ((التفل)) معرّفاً، وهو بتاء مثناة من
فوقُ، ثم فاء مفتوحتين: أي: رائحة كريهة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ بَوْمَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦٠] (٨٤٦) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ
الْأَشَجِّ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْم، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَّالَ: ((غُسْلُ
يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم، وَسِوَاكْ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْه))، إِلَّا

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
أَنَّ بُكَيْراً لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ فِي الطَّيبِ: ((وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو العامريّ،
أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ
الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، ولا سلف لابن حزم في
تضعيفه، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختلط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة،
وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد الله بن الأشج، نسب لجدّه،
مولى بني مخزوم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥]
مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ،
وكان أسنّ من أخيه محمد [٤].
رَوَى عن عمه ربيعة بن عبد الله بن الهدير، وعثمان بن عبد الرحمن
التيميّ، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعمرو بن سُلَيم
الزُّرَقِيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار.
وروى عنه أخوه محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن الهاد،
ومحمد بن عمرو بن علقمة، وبكير بن الأشجّ، وسعيد بن أبي هلال،
وإبراهيم بن عمرو، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يُسَمَّى، وكذا قال النسائيّ: لا يوقف على اسمه،
وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: قال
محمد بن عمر: كان ثقةً، قليل الحديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

٧١
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٠)
٧ - (عَمْرُو بْنُ سُلَيْم) بن خَلْدة - بسكون اللام - الأنصاريّ الزُّرَقي - بضم
الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف - ثقةٌ، من كبار التابعين [٢] (ت١٠٤) ويقال:
له رؤية (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٦/١٧.
٨ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك الأنصاريّ
الخزرجيّ، ثقة [٣] (ت ١١٢) وله سبع وسبعون سنةً (خت م ٤) تقدم في
((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
٩ - (أَبُوهُ) أبو سعيد الخدريّ ◌ًَّا، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثمانيات المصنّف رَذَتُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بُكير، وبعده بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: بكير،
عن أبي بكر، عن عمرو بن سُليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وفيه رواية
الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ظُّه من المكثرين السبعة، روى
(١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْم الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم) هكذا في رواية
المصنّف هنا ((غسل الجمعة علىَ كلّ محتلم)) دون ذكر لفظّة ((واجب))، قال
النوويُّ كَّتُهُ: هكذا هو في جميع الأصول. انتهى. وقد سبق في الباب
الماضي بلفظ: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم))، ووقع في رواية
البخاريّ والنسائيّ ذكره هنا أيضاً، ولفظ البخاريّ: ((الغسل يوم الجمعة واجبٌ
على كلّ محتلم))، ولفظ النسائيّ: ((غسل الجمعة واجب)).
والمراد بالمحتلم البالغ، فيشمل مَن بلغ بالسنّ، أو الإحبال، والمراد
بالبالغ من كان خالياً عن عذر يُبيح الترك، وإلا فالمعذور مُستثنى بالأدلّة
الأخرى.

٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
والمراد الذَّكَر كما هو مقتضى الصيغة، وأيضاً الاحتلام أكثر ما يبلغ به
الذكور دون الإناث، وفيهنّ الحيض أكثر.
وعمومه يشمل المصلي وغيره، لكن الحديث الذي تقدّم بلفظ: ((إذا جاء
أحدكم الجمعة فليغتسل)) يخصّه بالمصلي.
(وَسِوَالٌ) بالرفع عطف على ((غسلُ))، ولفظ النسائيّ: ((والسواك)) بالتعريف،
وأفاد في شرح النوويّ أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي: ويُسنّ سواك.
(وَيَمَسُّ) بفتح الميم أفصح من ضمها، قال الفيوميُّ تَظْتُهُ: مَسِسْتُهُ، من باب
تَعِبَ، وفي لغة: مَسَسْتُهُ مَسّاً من باب قَتَلَ: أفضيت إليه بيدي من غير حائل، هكذا
قيّدوه، والاسم: المَسيس، قال: ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسّاً: أصابه، ويتعدّى إلى
ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ، وأمسستُ الجسد ماءً. انتهى.
قال السنديُّ كَُّ: وهو خبر بمعنى الأمر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه عطف على ((الغسل)) بحذف
((أن)) المصدريّة، وحذف ((أن)) ورفع الفعل جائز عند بعض النحاة، وهو
الأصح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]،
والتقدير هنا: والمسُّ مِنَ الطّيب.
وقوله: (مِنَ الطِّيبِ) ((من)) بيان مقدم لـ ((ما)) في قوله: (مَا قَدَرَ عَلَيْه)))
و((ما)) مفعول (يمسّ))؛ أي: ومسُّ الشيء الذي قدر عليه من الطيب.
قال القاضي عياض تَّتُهُ: يَحْتَمِل إرادة التأكيد حتى يفعله بما أمكنه،
ويَحْتَمِل إرادة التكثير، والأول أظهر، ويؤيده قوله: ((ولو من طيب المرأة))،
وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، وخَفِي ريحه، فإباحته للرجل هنا
للضرورة؛ لعدم غيره، وهذا يدلّ على تأكده، والله أعلم.
وقوله: (إلَّا أَنَّ بُكَيْراً) استثناء منقطع؛ أي: لكن بُكير بن الأشجّ خالف
سعيدَ بنَ أبي هلال في سند هذا الحديث، ف(لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَن) بن أبي
سعيد، بل جعله عن عمرو بن سُليم، عن أبي سعيد (و) خالف في متنه أيضاً
بالزيادة، فـ(قَالَ في الطِّيب: ((وَلَوْ مِنْ طيب الْمَرْأَة))) يعني: أنه قال: ويَمُسُ من
الطيب، ولو من طيب المرأة.
و((لو)) هنا وصلية، فلا تحتاج إلى جواب، والجار والمجرور خبر

٧٣
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٠)
لـ ((كان)) المحذوفة مع اسمها، وهو كثير في الاستعمال، كما قال في
(الخلاصة)» :
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيراً ذَا اشْتَهَرْ
أي ولو كان الممسوسُ كائناً من طيب المرأة.
[فائدة]: ((لو)) تأتي للتقليل، كحديث: ((رُدُّوا السائل ولو بظِلْف مُحْرَق))،
حديث صحيح، رواه النسائيّ وغيره.
والمراد: ردّه بالإعطاء، ولو يسيراً.
وإلى هذا أشار السيوطيُّ تَخْتُهُ في ((الكوكب الساطع)) بقوله:
تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ
وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ
وقلت في ((التحفة المرضيّة)):
وَجَا لِقِلَّةٍ كَـ«رُدُوا السَّائِلَا)) وَمَصْدَرِيّاً عِنْدَ بَعْضِ النُّبَلَا
وقريب من هذا المعنى ما وقع في هذا الحديث، فكأنه يقول: لا تتركوا
الطيب، ولو بأقلّ ما يُمكن، وهو أن يستعمل طيب النساء، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: في رواية البخاريُّ كََّلُهُ في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال
عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجبٌ، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم،
أواجب هو أم لا؟، ولكن هكذا في الحديث. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: (قال عمرو)) أي: ابن سُليم راوي الخبر، وهو
موصول بالإسناد المذکور إليه.
وقوله: ((وأما الاستنان والطيب فالله أعلم ... إلخ)) هذا يؤيد ما تقدم من
أن العطف لا يقتضي التشريك من جميع الوجوه، وكأن القدر المشترك تأكيد
الطلب للثلاثة، وكأنه جزم بوجوب الغسل دون غيره؛ للتصريح به في الحديث،
وتوقف فيما عداه؛ لوقوع الاحتمال فيه.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((وأن يستنّ)) معطوفاً على
الجملة المصرِّحة بوجوب الغسل، فيكون واجباً أيضاً، ويَحْتَمِل أن يكون
مستأنفاً، فيكون التقدير: وأن يستنّ، ويتطيب استحباباً، ويؤيد الأول رواية
الليث، عن خالد بن يزيد، حيث قال فيها: إن الغسل واجب، ثم قال:

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
والسواك، وأن يمس من الطيب، وفي حديث ابن عباس: ((وأصيبوا من
الطيب))، وفيه تردد ابن عباس في وجوب الطيب.
وقال ابن الجوزيّ: يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((وأن يستنّ ... إلخ)) من كلام
أبي سعيد، خلطه الراوي بكلام النبيّ ◌َّ. انتهى.
قال الحافظ: وإنما قال ذلك؛ لأنه ساقه بلفظ: ((قال أبو سعيد: وأن
يستن))، وهذا لم أره في شيء من نسخ ((الجمع بين الصحيحين)) الذي تكلم ابن
الجوزي عليه، ولا في واحد من ((الصحيحين))، ولا في شيء من المسانيد
والمستخرجات، بل ليس في جميع طرق هذا الحديث ((قال أبو سعيد))، فدعوى
الإدراج فيه لا حقيقة لها .
قال: ويَلْتَحِقِ بالاستنان والتطيب التزينُ باللباس، واستعمالُ الخمس التي
عُدَّت من الفطرة، وقد صرَّح ابن حبيب من المالكية به، فقال: يلزم الآتي
الجمعة جميعُ ذلك، أفاده في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َتُهُ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٦٠/٣] (٨٤٦)، و(البخاريّ) في ((الجمعة))
(٨٨٠)، و(أبو داود) في ((الغسل)) (٣٤٤)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٣٧٥
و١٣٧٧ و١٣٨٣)، و((الكبرى)) (١٦٦٧ و١٦٦٨ و١٦٨٨)، و(مالك) في
(الموطأ)) (٨٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٤٢/١)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٥٣١٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٦/٣ و٣٠ و٦٠ و٦٥ - ٦٦ و٦٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٤٥)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٤٢ و١٧٤٣ و١٧٤٤ و١٧٤٥)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٢٣٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٥٩)، و(أبو نعيم) في
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٢٤/٢.

٧٥
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٠)
((مستخرجه)) (١٩٠٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٢/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): (اعلم): أن رواية بكير بن الأشج التي قال فيها
المصنّف تَخْذُ أنه لم يذكر فيها ((عبد الرحمن)) وافقه فيها شعبة، فقد رَوَى
الحديث البخاري في ((صحيحه)) عن علي - هو ابن المديني - عن حَرَميّ بن
عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عَمرو بن
سليم الأنصاريّ، قال: أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول الله وَليه
قال: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيباً،
إن وجده)).
قال الحافظ تَُّ بعد ذكر نحو ما تقدم عن المصنّف ما حاصله: وكذلك
أخرجه أحمد من طريق ابن لَهيعة، عن بُكير، ليس فيه عبد الرحمن.
وغَفَل الدارقطنيّ في ((العلل)) عن هذا الكلام الأخير، فجزم بأن بُكيراً
وسعيداً خالفا شُعبة، فزادا في الإسناد ((عبد الرحمن))، وقال: إنهما ضبطا
إسناده، وجوّداه، وهو الصحيح.
وليس كما قال، بل المنفرد بزيادة ((عبد الرحمن)) هو سعيد بن أبي
هلال، وقد وافق شعبةَ، وبُكيراً على إسقاطه محمدُ بنُ المنكدر، أخو أبي
بكر، أخرجه ابن خُزيمة من طريقه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
والذي يظهر أن عمرو بن سُليم سمعه من عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن
أبيه، ثم لقي أبا سعيد، فحدّثه، وسماعه منه ليس بمنكر؛ لأنه قديم، وُلد في
خلافة عمر بن الخطاب رضيبه، ولم يوصف بالتدليس. وحَكَى الدارقطنيّ في
((العلل)) فيه اختلافاً آخر على عليّ ابن المدينيّ شيخ البخاري فيه، فذكر أن
الباغنديّ حدّث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضاً، وخالفه تمّام عنه، فلم يذكر
عبد الرحمن. وفيما قاله نظر، فقد أخرجه الإسماعيلي، عن الباغنديّ بإسقاط
عبد الرحمن، وكذا أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) عن أبي إسحاق بن
حمزة، وأبي أحمد الغطريفيّ، كلاهما عن الباغندي، فهؤلاء ثلاثة من الحفّاظ
حدّثوا به عن الباغنديّ، فلم يذكروا عبد الرحمن في الإسناد، فلعلّ الوهم فيه
ممن حدَّث به الدارقطنيَّ عن الباغنديّ.
وقد وافق البخاريّ على ترك ذكره محمدُ بنُ يحيى الذَّهْليُّ عند الجوزقيّ،

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
ومحمدُ بنُ عبد الرحيم صاعقةُ عند ابن خُزيمة، وعبدُ العزيز بن سلام عند
الإسماعيليّ، وإسماعيلُ القاضي عند ابن منده في ((غرائب شعبة))، كلهم عن
عليّ ابن المدينيّ، ووافق عليَّ ابنَ المدينيّ على ترك ذكره أيضاً إبراهيمُ بنُ
محمد بن عَرْعَرَة، عن حرميّ بن عُمَارة، عند أبي بكر المرّوذيّ في ((كتاب
الجمعة)) له.
قال: ولم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حرميّ، وأشار ابن
منده إلى أنه تفرّد به. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكّد الغسل للجمعة، وقد صرّح بلفظ الواجب في رواية
البخاريّ هنا، ولفظه: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم))، وقد تقدّم
أن الراجح حمل الوجوب على تأُّد الاستحباب؛ جمعاً بين الأدلة، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقال الخطابيُّ تَُّ: ذهب مالك تَتُهُ إلى إيجاب الغسل، وأكثر الفقهاء
إلى أنه غير واجب، وتأولوا الحديث على معنى الترغيب فيه، والتوكيد لأمره،
حتى يكون كالواجب على معنى التشبيه، واستدلوا فيه بأنه قد عُطِف عليه
الاستنان والطيب، ولم يختلفوا أنهما غير واجبين، قالوا: وكذلك المعطوف
عليه، وقال النوويُّ كَّلُ: هذا الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ،
سواء أراد الجمعة أو لا، وحديث: ((إذا جاء أحدكم)) في أنه لمن أرادها،
سواء البالغ والصبي، فيقال في الجمع بينهما: إنه مستحبّ للكل، ومتأكد في
حق المريد، وآكد في حق البالغ ونحوه، ومذهبنا المشهور أنه مستحب لكل
مريد أتى، وفي وجه للذكور خاصّة، وفي وجه لمن تلزمه الجمعة، وفي وجه
لكل أحد.
وفي ((المصنف)): وكان ابن عمر يُجَمِّر ثيابه كل جمعة، وقال معاوية بن
قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذلك، وحكاه مجاهد، عن ابن
عباس، وعن أبي سعيد، وابن مغفل، وابن عمر، ومجاهد نحوه، وخالف ابن
حزم لَمّا ذكر فرضية الغسل على الرجال والنساء قال: وكذلك الطيب

٧٧
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦٠)
والسواك، وشُرع الطيب؛ لأن الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول
فالأول، فربما صافحوه، أو لمسوه.
واختُلِف في الاغتسال في السفر، فممن يراه عبد الله بن الحارث،
وطلق بن حبيب، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وطلحة بن مُصَرِّف،
وقال الشافعيّ: ما تركته في حضر ولا سفر، وإن اشتریته بدینار.
وممن كان لا يراه علقمة، وعبد الله بن عمرو، وابن جبير بن مطعم،
ومجاهد، وطاووس، والقاسم بن محمد، والأسود، وإياس بن معاوية، وفي
كتاب ابن التين، عن طلحة، وطاووس، ومجاهد، أنهم كانوا يغتسلون للجمعة
في السفر، واستحبه أبو ثور، ذكر هذا كلّه في ((العمدة))(١).
٢ - (ومنها): الحثّ على استعمال السواك يوم الجمعة، وحمله العلماء
على الاستحباب.
٣ - (ومنها): الحثّ أيضاً على استعمال الطيب للجمعة؛ إزالةً للرائحة
الكريهة، ويُعْداً عن إيذاء المسلمين الذين يحضرون الجمعة.
٤ - (ومنها): بيان أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أن طيبه
ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفي ريحه.
وقد جاء فيه حديث صريحٌ صحيح، وهو ما أخرجه الترمذيّ والنسائيّ من
حديث أبي هريرة ربه مرفوعاً: ((طيب الرجل ما ظهر ريحه، وخَفِي لونه،
وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه)).
وأخرجه الطبرانيّ، والضياء المقدسيّ من حديث أنس
٥ - (ومنها): اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حَثّ عليها في هذا الحديث،
فينبغي للمسلم أن يكون نظيف الجسد، واللباس، والمكان، ولا سيما في
الأوقات التي يجتمع الناس فيها، كالجمعة، والعيدين، ونحوها، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤٤/٦.

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٦١] (٨٤٨) - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْجِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج،
أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ◌َهُ
فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ طَاؤُسٌ: فَقُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: ((وَيَمَسُّ طِيباً، أَوْ دُهْناً
إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟))، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو علي
الخلال الْحُلْوانِيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (٢٤٢) (خ م د ت
ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم
المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضِّلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (١٥٠) أو بعدها، وقد جاز
السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ
م د ت س) تقدم في ((المقَّدمة)) ١٨/٤.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيّر، وكان يتشيع [٩]
(ت٢١١) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ [٥]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٥٨٢/٢.
٧ - (طَاؤُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسي، أبو عبد الرحمن
اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦)
وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.

٧٩
(٣) - بَابُ الطِّيبِ وَالسُّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٦١)
٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ﴿ه، مات بالطائف سنة
(٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َتُهُ، وله فيه إسنادان، فرّق
بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيّفية التحمّل والأداء، فحيث سمع من الحسن
الحلوانيّ مع جماعة قال: ((حدّثنا حسنٌ ... إلخ))، وحيث سمع من محمد بن
رافع وحده قال: ((وحدّثني محمد بن رافع))، وكذا الخلاف في روح
وعبد الرزّاق في التحديث والإخبار.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ◌ِّ جمّ المناقب، فهو صحابيّ ابن
صحابيّ، وابن عم رسول الله وَلليه ودعا له رسول الله وَطقه بالفهم في القرآن،
فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر نظراته: لو أدرك ابن عباس
أسناننا ما عَشَرَهُ منّا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، وأحد
العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ؤه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان تَُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َِّا (أَنَّهُ) أي: ابن
عبّاس ◌ِّهَا (ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَّةِ) ولفظ البخاريّ من
طريق الزهريّ، عن طاوس، قال: قلت لابن عبّاس: ذَكَروا أن النبيّ وَّ قال:
((اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رءوسكم، وإن لم تكونوا جنباً، وأصيبوا من
الطيب))، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري. انتهى.
قال في ((الفتح))(١): قوله: ((ذَكَروا)) لم يُسَمِّ طاوس مَن حدثه بذلك،
والذي يظهر أنه أبو هريرة، فقد رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والطحاويّ من
طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن أبي هريرة نحوه، وثبت ذكر الطيب
أيضاً في حديث أبي سعيد، وسلمان، وأبي ذرّ، وغيرهم .
(١) ((الفتح)) ٤٣٣/٢.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وقوله: ((اغتسلوا يوم الجمعة، وإن لم تكونوا جنباً))، معناه: اغتسلوا يوم
الجمعة إن كنتم جنباً، للجنابة وإن لم تكونوا جنباً للجمعة.
وأُخِذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة سواءٌ نواه
للجمعة أم لا، وفي الاستدلال به على ذلك بُعْدٌ.
نعم رَوَى ابن حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ في هذا
الحديث: ((اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنباً))، وهذا أوضح في الدلالة
على المطلوب، لكن رواية شعيب، عن الزهري أصحّ.
قال ابن المنذر تخّتُهُ: حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة
والتابعين. انتهى. والخلاف في هذه المسألة منتشر في المذاهب.
واستُدِلَّ به على أنه لا يجزئ قبل طلوع الفجر؛ لقوله: يوم الجمعة،
وطلوع الفجر أول اليوم شرعاً .
وقوله: ((واغسلوا رءوسكم)) هو من عطف الخاصّ على العامّ؛ للتنبيه
على أن المطلوب الغسل التامّ؛ لئلا يُظَنّ أن إفاضة الماء دون حَلّ الشعر مثلاً
يجزئ في غسل الجمعة، وهو موافق لقوله في حديث أبي هريرة ربه: ((كغسل
الجنابة)).
ويَحْتَمِل أن يراد بالثاني المبالغة في التنظيف.
وقوله: ((وأصيبوا من الطيب))، ليس في هذه الرواية ذكر الدهن المترجم
به(١)، لكن لما كانت العادة تقتضي استعمال الدهن بعد غسل الرأس أشعر
ذلك به، كذا وجّهه الزين ابن الْمُنَيِّر جواباً لقول الداوديّ: ليس في الحديث
دلالة على الترجمة.
قال الحافظ: والذي يظهر أن البخاريّ أراد أن حديث طاوس، عن ابن
عباس واحدٌ، ذَكَر فيه إبراهيم بن ميسرة الدهن، ولم يذكره الزهريّ وزيادة الثقة
الحافظ مقبولةٌ، وكأنه أراد بإيراد حديث ابن عباس عقب حديث سلمان الإشارة
إلى أن ما عدا الغسل، من الطيب، والدهن، والسواك، وغيرها ليس هو في
(١) أي حيث أورد البخاريُّ هذا الحديث تحت ترجمة: ((باب الدهن للجمعة)).