Indexed OCR Text

Pages 1-20

التحرُالخَيُطُ النَّارِ
في شرح
3
د
لَجَامِعِه الْفَقِيُرِ الحِصَوْلَه الغَنِالْقِدِرُ
مُحَدَابْ الشَّهُ العُلَّمَ بَلِ يُّنْ آدَمُ بنُمُوسَى الإِنيُوبِ الوَلْوِيُّ
مُحْوَيَعْدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكرَّة
عَفَا اللَّه تعالى عَنْهُ، وَعَدُ وَالدِيُّه آمين
المَجَلّدُ السَّابِع عَشْرٌ
كَثَاب الجمعَّةَ - كتابٌ صَلاة العيدين - كثَابٌ صَلَاة السُتسقَاءْ
رقم الأحاديث (١٩٥١ - ٢٠٨٨)
دارابن الجوزي

3
3
704
,

النَحِ الخَيُّط التجاري
في شرح
جَعُ الإِمَر مُسْلِمُ الحجاج

حُقُوق الطّرِّعْ محفوظة لِدَارابن الجوزي
الطّبعَة الأولى
جَادَى الأولى ١٤٣١هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٣١٥ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
بن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
للنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ -
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ -
فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
٧ - كتاب الجمعة
براس الرحمن الرحيم
يوم الاثنين المبارك وقت أذان صلاة الفجر ١٤٢٧/٨/١ هـ أول الجزء
السابع عشر من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط
الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) رحمه الله تعالى.
٧ - (كِتَابُ الْجُمْعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل:
(المسألة الأولى): في ضبط لفظ ((الجمعة))، وفي سبب تسمية اليوم به،
وبيان أوّل من سماه به:
قال ابن منظور تَخْتُهُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾
الآية [الجمعة: ٩]: خفّفها الأعمش، وثقّلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل
فيها التخفيف ((جُمْعَة))، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل،
والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة - أي: بالتسكين - لغة بني عُقَيل،
ولو قرىء بها كان صواباً، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة - أي: بالضم - ذهبوا
بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو
الْجُمْعَة - بسكون الميم - والْجُمُعَة - بضمها - والْجُمَعَة - بفتحها - وهو يوم
الْعَرُوبة، سُمّي بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على جُمُعات وجُمَع، وقيل:
الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيراً، كما قالوا:
رجل لُعَنَة يُكثرُ لَعْن الناس، ورجل ضُحَكَة يُكثر الضحك.
وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي ◌َّ﴿، وكان يقال له:
العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في ((الرَّوْض الأُنُف)) أن كعب بن لؤيّ أوّل من جَمَّعَ يوم العَرُوبة،
ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإسلام، وهو أول من سمّاها الجمعة، فكانت
قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي وَِّ، ويُعْلِمهم أنه من

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
ولده، ويأمرهم باتباعه وَله، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتاً، منها: [من البسيط]:
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الْحَقَّ خِذْلَانَا
انتهى المقصود من كلام ابن منظور تقذفه(١).
وقال في ((الفتح)): و((الجمعة)) بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن، وقرأ
بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها. وحكى الزّجّاج الكسر أيضاً.
واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاق على أنه كان يُسمّى في
الجاهليّة العَرُوبةَ - بفتح العين المهملة، وضم الراء، وبالموحّدة - فقيل: سمي
بذلك لأن كمال الخلائق جُمع فيه. ذكره أبو حُذيفة النجّاريّ في ((المبتدأ)) عن
ابن عباس ها، وإسناده ضعيف.
وقيل: لأن خلق آدم جُمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان عظ اته، أخرجه
أحمد، وابن خُزيمة، وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هُريرة ◌َظُه،
ذكره ابن أبي حاتم، موقوفاً بإسناد قويّ، وأحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف.
وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حُميد عن ابن سيرين بسند
صحيح إليه في قصّة تجمّع الأنصار مع أسعد بن زُرَارة، وكانوا يُسمّون يوم
الجمعة يوم العَرُوبة، فصلّى بهم، وذكّرهم، فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه.
ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً .
وقيل: لأن كعب بن لؤيّ كان يَجمَع قومه فيه، فيُذكّرهم، ويأمرهم بتعظيم
الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعث منه نبيّ. رَوَى ذلك الزبير في ((كتاب النسب)) عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعاً، وبه جزم الفرّاء وغيره.
وقيل: إن قُصَيّاً هو الذي كان يَجمعهم. ذكره ثعلب في ((أماليه)).
وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم،
فقال: إنه اسم إسلاميّ، لم يكن في الجاهليّة، وإنما كان يُسمّى العَرُوبة. انتهى.
وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهليّة،
وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيّروا أسماء الأيام السبعة
بعد أن كانت تُسمّى: أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار.
(١) ((لسان العرب)) ٥٨/٨.

٧
٧ - كتاب الجمعة
وقال الجوهري: كانت العرب تُسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم
القديمة، وهذا يُشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن،
كالسبت، والأحد، إلى آخرها .
وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ، وبه جزم الفرّاء
وغيره، فيحتاج من قال: إنهم غيّروها إلا الجمعة، فأبقوه على تسمية العروبة
إلى نقل خاصّ(١).
وقال ولي الدين كَّلُهُ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: لاجتماع آدم مع
حواء في الأرض، رواه الحاكم في ((مستدركه)) من حديث سلمان
الفارسيّ رَظُبه، قال: قال لي رسول الله وَل: ((يا سلمان ما يوم الجمعة؟))،
قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((يا سلمان يوم الجمعة جمع فيه أبوكم وأمكم)).
قال: فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بذلك. انتهى(٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في أسماء الجمعة:
قال ولي الدين تَخَّثهُ: (اعلم) أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه الله
تعالى به، وله أسماء أُخر:
(الأول): يوم العروبة - بفتح العين المهملة -، وكان هو اسمه في
الجاهلية، قال أبو جعفر النحّاس في كتابه ((صناعة الكتاب)): لا يعرفه أهل
اللغة إلا بالألف واللام، إلا شاذاً، قال: ومعناه اليوم البيّن المعظم، من
أعرب: إذا بيّن، قال: ولم يزل يوم الجمعة معظماً عند أهل كل ملّة.
ثم اعترضه وليّ الدين بأنه لم تعرفه الأمم المتقدّمة، وأوّل من هُدي له
هذه الأمة، كما في حديث الباب.
وقال أبو موسى المديني في ((ذيله)) على ((الغريبين)): والأفصح أن لا
يدخلها الألف واللام، قال: وكأنه ليس بعربي.
(الثاني): من أسمائه حَرْبة، حكاه أبو جعفر النحّاس؛ أي: مرتفع عال
كالحربة، قال: وقيل: ومن هذا اشتقّ المحراب.
(١) ((الفتح)) ٤١١/٢ - ٤١٢.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٥٩/٣.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(الثالث): يوم المزيد، وروى الطبراني في ((معجمه الأوسط)) بإسناد
ضعيف عن أنس مظله عن النبيّ وَل، عن جبريل ظلّله أنه قال: ((ونحن ندعوه
في الآخرة يوم المزيد))، ذكره في أثناء حديث طويل.
(الرابع): حج المساكين، سماه بعضهم بذلك، قال الحافظ أبو الفضل
العراقي في ((شرح الترمذيّ)): وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه الحارث بن
أبي أسامة في ((مسنده)) من رواية الضحاك بن مُزاحم، عن ابن عباس ◌َّا
مرفوعاً، والحديث ضعيف، وكان شعبة ينكر أن يكون الضحّاك سمع من ابن
عباس، وقال ابن حبان: لم يشافه أحداً من الصحابة، زعم أنه لقي ابن عباس،
وقد وُهِّمَ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم متى شُرعت الجمعة؟:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة
واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]؛ لأن هذه السورة مدنيّة، وأنه لم يثبت أن
النبيّ وَّر كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: ونصّ الإمام أحمد تَخُّْ على أن أول جمعة
جُمّعت في الإسلام هي التي جُمّعت بالمدينة مع مصعب بن عُمير نظُه، وكذا
قال عطاء، والأوزاعيّ، وغيرهما .
وزعمت طائفة من الفقهاء أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، وأن
النبيّ وَّهِ كان يُصليها بمكة قبل أن يُهاجر.
واستدلّوا لذلك بما أخرجه النسائيّ في ((الكبرى)) (١٦٥٥/٣) من حديث
مُعافَى بن عمران، عن إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي
هريرة نظرته، قال: ((إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة مع رسول الله وَله بمكة
بجُواثا بالبحرين، قرية لعبد القيس)).
وقد أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن
إبراهيم بن طهمان، عن أبي جَمْرة، عن ابن عباس ﴿ها: ((إن أوّل جمعة جُمّعت
بعد جمعة في مسجد رسول الله وَّ﴿ في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى من البحرين)).
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٨/٣ - ١٥٩.

٩
٧ - كتاب الجمعة
وكذا رواه وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه: ((إن أوّل جمعة جُمّعت
في الإسلام بعد جمعة جُمّعت في مسجد رسول الله ﴿ ﴿ه بالمدينة لَجُمعة جُمّعت
بِجُوَاثا، قرية من قُرى البحرين)). أخرجه أبو داود.
وكذلك رواه ابن المبارك، وغيره، عن إبراهيم بن طهمان.
فتبيّن بذلك أن المعافى وَهِم في إسناد الحديث ومتنه، والصواب رواية
الجماعة عن إبراهيم بن طهمان.
ومعنى الحديث أن أول مسجد جُمّع فيه بعد مسجد المدينة مسجد
جُوَاثا، وليس معناه أن الجمعة التي جُمّعت بجواثا كانت في الجمعة الثانية من
الجمعة التي جُمّعت بالمدينة، كما قد يُفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن
عبد القيس إنما وفَدُوا على رسول الله بَّ عام الفتح، كما ذكره ابن سعد، عن
عروة بن الزبير، وغيره، وليس المراد به - أيضاً - أن أوّل جمعة جُمّعت في
الإسلام في مسجد المدينة، فإن أوّل جمعة جُمّعت بالمدينة في نَقيع الخَضِمَات
قبل أن يقدَمَ النبيّ ◌َّ﴿ المدينة، وقبل أن يَبني مسجدَهُ.
يدلّ على ذلك حديث كعب بن مالك ﴿به أنه كان كلما سمع أذان
الجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: كان أوّل من
صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله وَّم من مكة في نقيع الخَضِمات في
هَزْم النَّبِيت من حَرَّة بني بياضة، قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال تَُّهُ: أربعين
رجلاً، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه مطوّلاً .
وروى أبو إسحاق الفَزَاريّ في كتاب ((السير)) له عن الأوزاعيّ، عمن حدّثه،
قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌َّ مصعب بن عُمير القُرشيّ إلى المدينة قبل أن يهاجر
النبيّ ◌َّ، فقال: ((اجمع مَنْ بها من المسلمين، ثم انظر اليوم الذي تُجمّر فيه
اليهود لسبتها، فإذا مال النهار عن شطره، فقم فيهم، ثمّ تزلّفوا إلى الله بركعتين)).
قال: وقال الزهريّ، فجمّع بهم مُصعب بن عُمير في دار من دور الأنصار،
فجمّع بهم، وهم بضعة عشر. قال الأوزاعيّ: وهو أول من جمّع بالناس.
قال ابن رجب: وقد أخرج الدارقطني - أظنه في ((أفراده)) - من رواية
أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، نا محمد بن عبد الله، أبو زيد المدني، نا
المغيرة بن عبد الرحمن، نا مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
ابن عباس ◌ًا، قال: أذن رسول الله و 8 بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع
رسول الله وَ﴿ أن يُجمّع بمكة، ولا يُبيّنَ لهم، وكتب إلى مصعب بن عُمير: ((أما
بعد، فانظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا
مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى الله بركعتين)).
قال: فأوّل من جَمّع مصعب بن عمير حتى قدم رسول الله وَطّ المدينة،
فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك.
قال ابن رجب تَظْتُ: وهذا إسناد موضوع، والباهلي هو غلام خليل كذّاب مشهور
بالكذب، وإنما هذا من أصله من مراسيل الزهريّ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة.
وأخرج البيهقيّ من رواية يونس، عن الزهريّ، قال: بلغنا أن أول ما جُمَّعت
الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلقر، فجمّع بالمسلمين مصعب بن عمير.
وروى عبد الرزاق في ((كتابه))، عن معمر، عن الزهريّ، قال: بعث
رسول الله وَّ مصعب بن عُمير إلى أهل المدينة ليُقرأهم القرآن، فاستأذن
رسولَ اللهِ وَ﴿ أن يُجمّع بهم، فأذن له رسول الله وَلقول، وليس يومئذ بأمير،
ولكنه انطلق يُعلّم أهل المدينة.
وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: مَن أوّلُ من جَمَّع؟
قال: رجل من بني عبد الدار، زعموا، قلت: أفبأمر النبي وَله؟ قال: فمَهْ؟ !.
وأخرجه الأثرم من رواية ابن عيينة، عن ابن جُريج، وعنده: قال: نعم،
فمَنْ؟ قال ابن عُيينة: سمعت من يقول: هو مصعب بن عُمير.
ولذلك نصّ الإمام أحمد في رواية أبي طالب على أن النبيّ وَِّ هو أَمَرَ
مصعب بن عمير أن يجمّع بهم بالمدينة، ونصّ أحمد أيضاً على أن أوّل جمعة
جُمّعت في الإسلام هي الجمعة التي جُمّعت بالمدينة مع مصعب بن عمير، وقد
تقدّم مثله عن عطاء، والأوزاعيّ.
فتبيّن بهذا أن النبيّ ◌َّهو أمر بإقامة الجمعة بالمدينة، ولم يُقمها بمكة،
وهذا يدلّ على أنه كان قد فُرضت عليه الجمعة بمكة.
وممن قال: إن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة أبو حامد الإسفرايينيّ من
الشافعية، والقاضي أبو يعلى في ((خلافه الكبير))، وابن عَقيل في ((عُمدة الأدلّة))
وهما من الحنابلة، وكذلك ذكره طائفة من المالكية، منهم السُّهَيليّ، وغيره.

١١
٧ - كتاب الجمعة
وأما كونه لم يفعله بمكة، فيُحمَل على أنه إنما أُمِرَ بها أن يُقيمها في دار
الهجرة، لا في دار الحرب، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب. ولم يكن
المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك
هاجروا منها إلى المدينة.
وقد رُوي عن ابن سيرين أنّ تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم
من غير أمر النبي وَله بالكلّيّة، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة.
قال عبد الله بن أحمد في ((مسائله)) تَخُّْ: نا أبي، نا إسماعيل - هو ابن
عُليّة - نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبّئت أن الأنصار قبل قُدوم
رسول الله ◌َيقر عليهم المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً، فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا
الأمر الذي أنعم الله علينا به، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نُجامع اليهود
في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا:
فيوم العَرُوبة - قال: وكانوا يُسَمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة - فاجتمعوا في بيت
أبي أمامة أسعد بن زُرَارة، فذُبحت لهم شاة، فكَفَّتهم.
وروى عبد الرزّاق في ((مُصَنَّفه)) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سیرین،
قال: جمّع أهلُ المدينة قبل أن يقدم رسول الله وَّلفيه، وقبل أن تنزل الجمعة،
وهم الذين سمَّوها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه كلّ ستة
أيام، وللنصارى أيضاً مثل ذلك، فهلُمّ، فلنجعلْ يوماً نجتمع فيه،
ونذكر الله رَّك، ونصلي، ونشكره، أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود،
ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة، - وكان يُسمُّون يوم الجمعة يوم
العَرُوبة - فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة، فصلى بهم، وذكّرهم، فسمَّوه يوم
الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زرارة لهم شاة، فتغذّوا، وتعَشَّوا من
شاة واحدة ليلتهم، فأنزل الله بعد: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ
إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩].
فوقع في كلام الإمام أحمد أن هذه هي الجمعة التي جمّعها مصعب بن
عُمير، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه أنهم كانوا أربعين رجلاً.
قال الحافظ ابن رجب: وفي هذا نظر، ويَحْتَمِل أن يكون هذا الاجتماع
من الأنصار كان باجتهادهم قبل قدوم مصعب إليهم، ثم لما قدم مصعب عليهم

١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
جمّع بهم بأمر النبيّ وَ طّ ر، وكان الإسلام حينئذ قد ظهر، وفشا، وكان يمكن
إقامة شعار الإسلام في المدينة.
وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك، فكان في بيت أسعد بن زرارة قبل ظهور
الإسلام بالمدينة وفُشُوّه، وكان باجتهاد منهم، لا بأمر النبيّ وَّ. انتهى كلام
الحافظ ابن رجب ◌َُّ باختصار(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في خواص يوم الجمعة:
ذكر الإمام ابن قيم الجوزية تَّقُ للجمعة ثلاثاً وثلاثين خصوصية مفصّلة،
ودونك ملخّصها :
١ - قراءة سورة السجدة في فجره.
٢ - استحباب كثرة الصلاة والسلام على النبيّ وَّل فيه، وفي ليلته.
٣ - صلاة الجمعة
٤ - الأمر بالاغتسال في يومها .
٥ - التطيب فيه.
٦ - السواك فيه.
٧ - التبكير للصلاة.
٨ - أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإمام.
٩ - الإنصات للخطبة وجوباً لمن يسمعها على الأصحّ.
١٠ - قراءة سورة الكهف في يومها، وفيه حديث صحيح.
١١ - عدم كراهة الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي، ومن وافقه،
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
١٢ - قراءة (سورة الجمعة))، و(المنافقين))، أو ((سبح))، و((الغاشية)) في
صلاة الجمعة.
١٣ - أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع.
١٤ - استحباب لبس أحسن الثياب فيه.
(١) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب كتّمُ ٦٢/٨ - ٧٠.

١٣
٧ - كتاب الجمعة
١٥ - استحباب تجمير المسجد فيه.
١٦ - أنه لا يجوز السفر في يومه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول
وقتها، وأما قبله، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والثالث يجوز
للجهاد فقط .
١٧ - أن للماشي إلى الجمعة بكلّ خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها،
وفيه حديث صححه ابن خزيمة .
١٨ - أنه يوم تكفير السيئات.
١٩ - أن جهنم تُسجر كلّ يوم إلا يوم الجمعة.
٢٠ - فيه ساعة الإجابة.
٢١ - فيه صلاة الجمعة التي خُصّت بخصائص لا توجد في غيرها، من
الاجتماع، والعدد المخصوص، وتقديم الخطبة، وغير ذلك.
٢٢ - أن فيه الخطبة التي يُقصد بها الثناء على الله تعالى، وتمجيده،
والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله * بالرسالة، وتذكير العباد بأيام الله،
وتحذيرهم من بأسه، ونقمته، ووصيتهم بما يُقرّبهم إليه، وإلى جنانه، ونهيهم
عما يقربهم من سخطه، وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها .
٢٣ - أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتَفَرَّغ فيه للعبادة.
٢٤ - أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملاً على
صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله تعالى التعجيل فيه إلى
المسجد بدلاً من القربان، وقائماً مقامه.
٢٥ - أن للصدقة فيه مزيّة على سائر الأيام.
٢٦ - أنه يوم يتجلّى الله رَك فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم
له، فيكون أقربُهم إلى الإمام أقربَهم إلى الجنة.
٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة.
٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال، والبحار،
والخلائق كلها، إلا الإنس والجنّ، من أجل أن القيامة تقوم فيه.
٢٩ - أنه اليوم الذي ادّخره الله لهذه الأمة، وأضلّ عنه أهل الكتاب
قبلهم.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
٣٠ - أنه خِيرَة الله من أيّام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من
شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض،
ومحمد ◌ّ ﴿ خيرته من خلقه.
٣١ - أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة،
فيعرفون زُوّارهم، ومن يمرّ بهم، ويُسلّم عليهم (١) .
٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.
٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد. انتهى ما قاله
ابن القيم رحمه الله تعالى باختصار، وقد توسّع رحمه الله تعالى في هذا
الموضوع، وذكر الأدلّة على هذه الخصائص، فمن شاء التوسع في ذلك
فليراجعه(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجمعة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر كُّ: أجمع أهل العلم على أن الجمعة
واجبة على الأحرار البالغين الذين لا عُذر لهم. انتهى.
وقال ابن العربيّ كَثّثُ: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قُدامة ◌َقْذَثُ
في ((المغني)): أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وقد حَكَى الخطابي
الخلاف في أنها من فُروض الأعيان، أو من فُروض الكفايات، وقال: قال
أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول
للشافعيّ، وقد حكاه المرعشيّ عن قوله القديم، قال الدارميّ: وغلّطوا حاكيه،
وقال أبو إسحاق المروزيّ: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه
الروياني عن حكاية بعضهم، وغلّطه. قال العراقيّ: نعم هو وجه لبعض
الأصحاب، قال: وأما ما ادعاه الخطّابي من أن أكثر الفقهاء قالوا: إن الجمعة
فرض على الكفاية، ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض
عين، لكن بشروط يشترطها أهل كلّ مذهب.
(١) هذه الخاصيّة أكثر ما لها من الأدلّة هي المنامات، فتحتاج لثبوتها إلى دليل مرفوع
صحيح، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٢) راجع: ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٣٧٥/١ - ٤٢٥ بتحقيق الأرنؤوطين.

١٥
٧ - كتاب الجمعة
وقال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة، ثم قال:
قلنا : له تأويلان:
أحدهما: أن مالكاً يطلق السنة على الفرض.
الثاني: أنه أراد سنة على صفتها، لا يشاركها فيه سائر الصلوات، حسب
ما شرعه رسول الله ◌َ﴿، وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك:
عزيمةُ الجمعة على كلّ من سمع النداء. انتهى.
[ومن جملة الأدلّة] على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى:
﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
[ومنها]: حديث أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((نحن
الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من
بعدهم، وهذا يومهم الذي فُرِضَ عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا
فيه تَبَعٌ، فاليهود غداً، والنصارى بعد غد))، متّفق عليه.
وقد استنبط منه البخاري في ((صحيحه)) فرضية صلاة الجمعة، وبوّب عليه
(باب فرض الجمعة))، وصرّح النووي، والحافظ بأنه يدلّ على الفرضية.
[ومنها]: حديث طارق بن شهاب ظه، عن النبيّ وَلقول، قال: ((الجمعة
حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو
صبيّ، أو مريض))، رواه أبو داود. وصححه غير واحد.
[ومنها]: حديث حفصة ◌َّا، عن النبيّ وَّ، قال: ((رواح الجمعة واجب
على كلّ محتلم))، وهو حديث صحيح(١).
[ومنها]: حديث ابن مسعود عنه أن النبيّ وَلّ قال لقوم يتخلفون عن
الجمعة: ((لقد هَمَمت أن آمر رجلاً يُصلي بالناس، ثمّ أحرّق على رجال
يتخلّفون عن الجمعة بیوتهم))، رواه أحمد، ومسلم.
[ومنها]: حديث أبي هريرة، وابن عمر ﴿ه، أنهما سمعا رسول الله وَ ه
يقول على أعواد منبره: ((لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليَختمنّ الله
على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين))، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره (٢).
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٣٤٢)، والنسائيّ (١٣٧١).
(٢) حديث صحيح.

١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
[ومنها]: حديث أبي الجَعْد الضَّمْري - وله صحبة - أن رسول الله وعَظ له
قال: ((من ترك ثلاث جُمَع تهاوناً، طبع الله على قلبه))، حديث صحيح، رواه
الخمسة .
قال العلامة الشوكانيّ كَّتُهُ: والحقّ أن الجمعة من فرائض الأعيان على
سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق، وحفصة المذكورين
لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم، والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال
قد رُدّ بأنه إرسال صحابيّ، وبأنه يشهد له حديث حفصة المذكور.
وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبيّ ◌َ ﴿ كان صغيراً لا يتسع هو ورحبته
لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده وَّر بأمره إلا في مسجده،
وقبائلُ العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يُؤمروا بالحضور
مدفوع بأن تخلّف المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله تعالى به، وأمر
رسوله وثيقة، والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة، إلا على فرض
تقريره وقد للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته وَلايه
من المسلمين، وكلاهما باطل.
أما الأول: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه بعد همّه بإحراق المتخلفين عن
الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب المنافقين.
وأما الثاني: فمع كونه قصراً للخطابات العامّة بدون برهان، تردّه أيضاً
تلك التوعّدات، للقطع بأنه لا معنى لتوعّد الحاضرين، ولتصريحه وَله بأن ذلك
الوعيد للمتخلفين.
وضيق مسجده ◌َّ لا يدلّ على عدم الفرضيّة، إلا على أن الطلب مقصور
على مقدار ما يتسع له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي
خارجه، وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل.
أما الأول، فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضاً، لإمكان إقامتها في تلك
البقاع عقلاً وشرعاً .
لا يقال: عدم أمره وَّر بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب؛
لأنا نقول: الطلب العامّ يقتضي وجوب صلاة الجمعة على كلّ فرد من أفراد
المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده ويتر، لا يمكنه الوفاء بما طلبه

١٧
٧ - كتاب الجمعة
الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كوجوبه،
كما تقرر في الأصول. انتهى كلام الشوكانيُّ كَُّهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما حققه العلامة الشوكانيُّ كَّتُهُ في هذه
المسألة هو الحقّ الذي لا مرية فيه.
وحاصله أن الجمعة فرض عين على الرجال الأحرار البالغين الذين لا عذر
لهم؛ لوضوح أدلته المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به
الجمعة :
(اعلم): أن جملة ما للعلماء من الأقوال في هذه المسألة - على ما ذكره
في ((الفتح)) - خمسة عشر قولاً:
(الأول): تصحّ من الواحد، نقله ابن حزم، وحكاه الدارميّ عن
القاشانيّ، وحُكي عن الحسن بن صالح.
(الثاني): اثنان كالجماعة، وهو قول النخعيّ، وأهل الظاهر.
(الثالث): اثنان مع الإمام، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن،
وحُكي عن الأوزاعيّ، وأبي ثور.
(الرابع): ثلاثة معه، وهو قول أبي حنيفة، ورُوي عن الأوزاعيّ، وأبي
ثور أيضاً، واختاره المزنيّ، والسيوطيّ، وحكاه عن الثوريّ، والليث.
(الخامس): سبعة، وحكي عن عكرمة.
(السادس): تسعة، وحكي عن ربيعة.
(السابع): اثنا عشر، وحكي عن ربيعة في رواية، ونُقل عن الزهريّ،
والأوزاعيّ، ومحمد بن الحسن.
(الثامن): مثله غير الإمام، نقل عن إسحاق.
(التاسع): عشرون، وهو رواية ابن حبيب عن مالك.
(العاشر): ثلاثون، في روايته أيضاً عن مالك.
(الحادي عشر): أربعون، وهو قول الشافعي، وطائفة.
(الثاني عشر): أربعون غير الإمام، رُوي عن الشافعي أيضاً، وبه قال
عمر بن عبد العزيز، وطائفة.

١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(الثالث عشر): خمسون، رُوي عن أحمد، وفي رواية عن عمر بن
عبد العزيز.
(الرابع عشر): ثمانون، حكاه المازريّ.
(الخامس عشر): جمع كثير بغير قيد، حُكي عن مالك، قال الحافظ:
ولعلّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيُّ كَّلُهُ بعد ذكر هذه الأقوال: إنه لا مستند لاشتراط
ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها
من الواحد المنفرد.
وأما من قال: إنها تصحّ باثنين، فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث،
والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت
الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت
نصّ من رسول الله ﴿ بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح
عندي .
وقال في موضع آخر: وقد انعقدت سائر الصلوات باثنين بالإجماع،
والجمعة صلاة، فلا تختصّ بحكم يُخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على
اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها، وقد قال عبد الحقّ: إنه لا يثبت
في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطيّ: لم يثبت في شيء من
الأحاديث تعيين عدد مخصوص. انتهى كلام الشوكانيّ كَّثُهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيُّ حسنٌ جدّاً.
وحاصله أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق؛ لحديث طارق بن شهاب
مرفوعاً: ((الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة ... )) الحديث، وقد
تقدم أنه حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات
اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضاً؛ إذ لا فرق بينها
وبين غيرها من الصلوات في هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الأماكن التي تجب
الجمعة على أهلها :

١٩
٧ - كتاب الجمعة
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَُّهُ: اختَلَفوا في الأمصار والقرى التي
يجب على أهلها الجمعة:
فقال طائفة: على كل قرية فيها جماعة أن يصلّوا الجمعة، روينا عن ابن
عباس ﴿ها أنه قال: ((إن أول جمعة جمّعت بعد جمعة بالمدينة، لَجُمعة جمّعت
بِجُوَاثَى من البحرین)).
وروينا عن ابن عمر ◌ًا أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة
یجمّعون، ولا یعیب ذلك علیھم.
وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل المياه بين مكة والمدينة
أن يُجمّعوا .
وقال طائفة: كلّ قرية عليهم أمير يُجمّع فيها، وروينا عن عمر بن
عبد العزيز أنه كتب: أيما قرية فيها أمير، يقضي، ويقيم الحدود، فإنه يُجمّع
فيها، وقال الأوزاعي: كل مدينة، أو قرية عليها أمير، أُمُرُوا بالجمعة، فليجمّع
بهم أميرهم، وقال الليث بن سعد: كل مدينة، أو قرية فيها جماعة، وعليهم
أمیر أُمروا بالجمعة، فليُجمّع بهم.
وقالت طائفة: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، يُروى هذا
القول عن عليّ رَُّبه، وبه قال النخعيّ، وكان الحسن البصريّ، ومحمد بن
سيرين، يقولان: لا جمعة إلا في مصر، أو قال: في الأمصار.
وقال الحسن: إن عمر مصّر سبعة أمصار، أو قال: مصّر الأمصار سبعة:
المدينة، والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر.
وقال النعمان، وابن الحسن: لا تجب الجمعة، إلا على أهل الأمصار،
والمدائن، وحكي عن يعقوب أنه قال: تفسير المصر الجامع والمدينة: كلّ
مصر، ومدينة فيها منبر وقاض يُنفّذ الأحكام، ويجوز حكمه، ويقيم الحدود،
قال: فهذا مصر جامع، فيه الجمعة.
وقالت طائفة: كل قرية فيها أربعون رجلاً، والقرية: البناء بالحجارة،
واللبن، والجريد، والشجر، وتكون بيوتها مجتمعة، ويكون أهلها لا يظعنون
شتاءً، ولا صيفاً، إلا ظعن حاجة، فإذا كانوا أربعين رجلاً أحراراً بالغين رأيت
- والله أعلم - أن عليهم الجمعةَ، فإذا صلّوا الجمعة أجزأت.

٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
هذا قول الشافعيّ، ومال إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق، ولم
يشترطا الشروط التي اشترطها الشافعيّ.
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز قولاً ثالثاً، أنه قال: أيما قرية فيها
أربعون، فصاعداً، عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب، وليصلّ ركعتين، ففي
هذه الرواية عن عمر أنه ذكر إماماً يقضي بينهم، ولم يشترط ذلك الشافعي،
وأحمد، وإسحاق، واشترط الشافعيّ شروطاً لم يذكرها عمر بن عبد العزيز،
وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول خامس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبد العزيز، كتب
عمر: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلاً، فليؤمّهم رجل منهم، وليخطب
عليهم، وليصلّ بهم الجمعة.
وفيه قول سادس: وهو إذا لم يحضر الإمامَ إلا ثلاثة صلى الإمام
الجمعة، قال الوليد: سألت الأوزاعيّ عن إمام الجمعة لم يحضره جماعة؟
قال: فليُجمّع بهم، قلّوا أو كثروا، قيل له: وإن لم يكن إلا ثالث ثلاثة؟ قال:
نعم. وحكى غير الوليد عن الأوزاعيّ أنه قال: إذا كانوا ثلاثة فليُجمّعوا، إذا
كان فيهم أمیرهم.
وكان أبو ثور يقول: الجمعة كسائر الصلوات، إلا أن فيها خطبة، وقصراً
من الأربع، فمتى كان إمام، وخطب بهم صلى الجمعة.
واحتجّ بحديث أبي هريرة ظُه، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب، يسأله
عن الجمعة بالبحرين، فكتب إليه أن جمّعوا حيثما كنتم.
وقد روينا عن مكحول أنه قال: إذا كانت القرية فيها الجماعة صلّوا
الجمعة ركعتين.
وسئل مالك عن القرية التي تكون فيها جماعة المسلمين؟ قال مالك: إنا
نقول: إذا كان فيها مسجد، يقيمون الصلاة يجمّعون فيه، وأسواقها قائمة،
وبيوتها متصلة، ليس كبيوت أهل البادية، فأرى أن يجمّعوا، وقال مالك في
القرية التي اتصل دُورها: فأرى أن يجمّعوا الجمعة، كان عليهم وال، أو لم
یکن.