Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٦) ثوابُهما ثوابَ القرآن، وقيل: يُصوّر القرآن صورة تجيء يوم القيامة بحيث يراها الناس كما تُصوّر أعمال العباد خيرها وشرّها صورةً توضع في الميزان، ومثل ذلك يجب اعتقاده إيماناً، فإن العقل يعجَزُ عن أمثاله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الصواب، وأما القول بأن الذي يأتي هو ثواب القرآن، فقدّمنا ضعفه، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق. (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ))) بالجرّ عطفاً على ((البقرةِ))، وقيل: بالرفع عطفاً على ((سورةُ)) (وَضَرَبَ لَهُمَا) أي للسورتين (رَسُولُ اللهِ وَِّ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ) قال القرطبيُّ: هذا يدلّ على أن ((أو)) ليست للشكّ؛ لأنه مثّل السورتين بالأمثال الثلاثة، فَيَحْتَمِل أن يكون بمعنى الواو كما يقول به الكوفيّون، وأنشدوا عليه قوله [من البسيط]: كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ نَالْ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً وقوله [من الطويل]: لِنْفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ وحملوا عليه في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٩]. وقال البصريّون: إنها بمعنى الإباحة، فكأنه قال: شَبِّهُوهم بكذا وبكذا، وهذا الخلاف جارٍ في هذا الحديث؛ لأنها أمثالٌ معطوفةٌ بـ((أو))، فهي مثل ﴿أَوْ گَصَیِبٍ﴾. انتهى(١). (مَا) نافية (نَسِيتُهُنَّ) أي الأمثال الثلاثة (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي ما سمعت ضربه وّ لها، وقوله: (قَالَ) مبيّناً لتلك الأمثال («كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ) تثنية غَمَامة، کسحابة وزناً ومعنى، أو هي البيضاء، جمعه غَمَامٌ، وغَمَائم(٢). (أَوْ ظُلَّتَانٍ) بالضمّ: أي سحابتان (سَوْدَاوَانٍ) تثنية سوداء، وُصِفتا بالسواد لكثافتهما، وتراكم بعضهما على بعض، وذلك أنفع من يكون من الظلال (بَيْنَهُمَا شَرْقٌ) - بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، بعدها قاف -، وقد روي بفتح الراء، والأول أشهر، كما قال النوويُّ، أي ضياء، ونور(٣). (١) ((المفهم)) ٤٣٢/٢ - ٤٣٣. (٣) راجع: ((شرح النووي)) ٦/ ٩١. (٢) راجع: ((القاموس)) ١٥٧/٤. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقال في ((المفهم)): قال القاضي عياضٌ تَخَّتُهُ: رويناه بسكون الراء وفتحها، قيل: هو الضياء والنور، قال القرطبيّ: والأشبه أن الشرق بالسكون بمعنى المشرق، يعني أن بين تلك الظّتين السوداوين مشارق أنوار، وبالفتح هو الضياء نفسه، وإنما نبّه في هذا الحديث على هذا الضياء؛ لأنه لَمّا قال: سوداوان قد يُتَوَّهم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك بقوله: ((بينهما شرق))، أي مشارق أنوار، أو أنوار حسبما قرّرناه، ويعني بهما سوداوين، أي من كثافتهما التي بسببهما حالتا بين من تحتهما، وبين حرارة الشمس، وشدّة اللهَب. انتھی(١). وقال في ((الكاشف)): قوله: ((بينهما شرق)): أي ضوء، وهو الشمس والشقّ أيضاً، وفي ((الفائق)): هو من قولهم: شاة شرقاء: أي بينهما فرجة وفصلٌ؛ لتميّزهما بالبسملة. وقال التوربشتيّ: إنما وصفهما بالسواد؛ لكثافتهما، وارتكام بعضهما على بعض، وذلك أجدى ما يكون من الظلال في الأمر المطلوب عنهما، ثم بيّن وَل بقوله: ((بينهما شرق)) أنهما مع ارتكامهما وكثافتهما لا يستُران الضوء، ولا يمحوانه، فعلى هذا الأشبه أن لا يراد بالشرق الشقّ، ولأنه استغنى بقوله: ((ظلّتان)) عن بيان البينونة. انتهى(٢). (أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانٍ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي: أي جماعة، قال في ((القاموس)): الْحِزْقُ والْحِزْقَةُ بكسرهما، والحازِقَةِ، والْحَزِيقُ، والْحَزِيقةُ، والْحَزَاقَةُ: الجماعة، والْحَزِيقَةُ: الْحَدِيقةُ، والقِطْعة من كلّ شيءٍ، جمعه: حَزَائق، وحَزِيقٌ، وُزُقٌ. انتهى(٣) . فهو بمعنى قوله في الحديث الماضي: ((فِرْقَان)). وقوله: (مِنْ طَيْرٍ) بيان لـ((حِزْقان)) (صَوَافَّ) جمع صافّة: أي باسطات أجنحتهنّ متلاصقات بعضها ببعض، كما كانت تظلّ سليمان علَلها (تُحَاجَّانِ عَنْ (١) ((المفهم)) ٤٣٣/٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٢/٥ - ١٦٤٣. (٣) ((القاموس)) ٢٢١/٣. ٣٦٣ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٧) صَاحِبِهِمَا))) أي تدافعان بالحجة عن قارئهما الملازم لتلاوتهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النّوّاس بن سِمْعان ظُه هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٧٦/٤٣] (٨٠٥)، و(الترمذيّ) في ((كتاب فضائل القرآن)» (٢٨٨٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٣٤ و٣٩٣٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٢٦)، والله تعالى أعلم. e وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث أبي أمامة الباهليّ الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٤) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيم سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْحَثِّ عَلَى قِرَاءَتِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٧] (٨٠٦) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسِ الْحَتْفِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((بَيْنَمَا جِبْرِيلُ (١) قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ سَمِعَ نَقِيضاً مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ(٢) قَطُّ إِلَّ الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكْ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ(٣) قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيِّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ)). (١) وفي نسخة: ((جبرائيل)). (٣) وفي نسخة: ((ولم يَنزل)). (٢) وفي نسخة: ((ولم يُفتح)). ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢ أو ٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسِ الْحَتْفِيُّ) أبو عاصم الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٤ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) - بتقديم الراء، مصغّراً - الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت١٥٩) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو محمد الكوفيّ، وكان أكبر من عمه محمد، ثقةٌ فيه تشيّعٌ [٦]. رَوَى عن جده عبد الرحمن، وأبيه عيسى، وأمية بن هند المزنيّ، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن أبي الجعد الغطفانيّ، والزهريّ، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه عمه محمد، وابن ابنه عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى، وإسماعيل بن أبي خالد، والسفيانان، وشعبة، وشريك، وغيرهم. قال عليّ بن حكيم: سمعت شريكاً يُثْني على عبد الله بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم محتسباً، وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عمهما، وقال ابن معين: ثقة، وقال في رواية: كان يَتَشَيَّع، وقال أبو الحسن بن الْبَرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث، وقال ابن خِرَاش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال العجلي: ثقة، وقال الحاكم: هو من أوثق آل أبي ليلى، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وذكر أبو إسحاق الحربيّ في ((العلل)) أنه لم يسمع من جَدِّه، قال الحافظ: وهو قول مردود، أوردته لأُنَبِّه عليه، فحديثه عن جدّه في ((الصحيح)). قال جعفر الطيالسيّ عن ابن معين: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٧) ٣٦٥ أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٠٦)، وحديث (٨٢٠): ((أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف ... )) الحديث. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٥) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر بها، مات (٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَعْلَتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أحمد بن جوّاس، فانفرد به هو، وأبو داود، وعمار بن رُزيق، فما أخرج له البخاريّ، والترمذي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ظًا أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدم غير مرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا أنه (قَالَ: ((بَيْنَمَا جِبْرِيلُ) وفي نسخة: ((جبرائيل))، وقد تقدم الكلام على ((بينما)) غير مرة، وهي (بين)) زيدت عليها ((ما))، وتضاف إلى جملة، وتتضمّن معنى الشرط، فتحتاج إلى جواب يتم به معناها، وهو قوله: ((سمع نقيضاً))، أي بين أوقات وحالات كون جبريللعلَّلا عنده وَّ. [تنبيه]: قال القاضي ناصر الدين تَخّْتُهُ: لعلّ ابن عبّاس ◌ِّ ترك الإسناد إلى النبيّ وَِّ؛ لوضوحه، ولا يبعُد أن يقال: قد اتَّفَقَ له وقتٌ، فانكشف له الحال، وتمثّل له جبريل والملك النازل، كما تمثّل لرسول الله و ◌َالر، فشاهدهما، وسَمِع مقالتهما مع الرسول وَله، والله تعالى أعلم بحقائق ذلك. انتهى(١). (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٨/٥. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب والأوضح، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. وقوله: ((جبريل)) مبتدأ، خبره قوله: (قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ سَمِعَ) الظاهر أن الضمير لجبريل فعلا، وفي رواية النسائيّ: ((بينما رسول الله وَلخير، وعنده جبريل ظلّل إذ سمع))، والظاهر عليه أن الضمير في ((سمع)) للنبيّ وَّ، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون كلّ منهما سمع النقيض، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيُّ: قوله: (سَمِعَ)) مسندٌ إلى جبريل عَلَهُ، ويَحْتَمِل الإسناد إلى النبيّ وَّ على بُعْد فيها؛ لما يدلّ نسق الكلام، وكذا قال القاضي(١): الضمائر الثلاثة في ((سَمِعَ))، و((رَفَعَ))، و((قال)) راجعة إلى جبريل علِّله؛ لأنه أكثر اطلاعاً على أحوال السماء، وأحقّ بالإخبار عنها، واختار المظهر أن يكون الضمير في (سَمِعَ))، و((رفع)) راجعاً إلى النبيّ وََّ، وفي ((فقال)) إلى جبريل، ولعلّ المختار (٢) هذا. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاضي هو الأولى، كما لا يخفى على من تأمّل سياق الكلام، والله تعالى أعلم. (نَقِيضاً) - بالقاف والضاد المعجمتين - أي صوتاً شديداً كصوت نقض خشب البناء عند كسره، قاله القاري تَّتُهُ، وقال النوويُّ: أي صوتاً كصوت الباب إذا فتح. وقال في ((اللسان)): وكل صوت لمِفْصَل، وإصبع، فهو نقيض، وقد أنقض ظهرُ فلان: إذا سُمِعَ له نَقِيضُ، قال الشاعر [من الوافر]: وَحُزْنٍ تُنْقِضُ الأضْلاعُ مِنْهُ مُقِيمٍ فِي الْجَوَانِحِ لَنْ يَزُولاً ونَقِيضُ الْمِحْجَمَة: صوتُها، إذا شَدّها الحجّامُ بِمَصِّهِ، يقال: أنقض المِحْجَمَةَ؛ قال الأعشى [من الطويل]: زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نَقِيضُ الْمَحَاجِمِ وأنقض الرَّحْلُ: إذا أَّ. انتهى(٣) (١) هو القاضي ناصر الدين البيضاويّ عبد الله بن عمر المتوفّى سنة (٦٨٥هـ). (٣) (لسان العرب)) ٢٤٤/٧. (٢) ((الكاشف)) ١٦٤٦/٥. ٣٦٧ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٧) وقال التوربشتيُّ: انتقاض الشيء صوت المحامل والرحال، وما أشبه ذلك، وحقيقة الانتقاض ليست الصوت، وإنما هي انتقاض الشيء في نفسه حتى يكون منه الصوت. انتهى(١). (مِنْ فَوْقِهِ) متعلق بمحذوف صفةٍ لـ ((نقيضاً))، أي كائناً من فوقه، وفي رواية الحاكم: ((من السماء))، أي من جهة السماء (فَرَفَعَ رَأْسَهُ) أي لينظر إلى سبب النقيض المسموع، وفي رواية النسائيّ: ((فرفع جبريل ،فظلّلا بصره إلى السماء)) (فَقَالَ: هَذَا) أي هذا الصوت (بَابٌ) أي صوت باب (مِنَ السَّمَاءِ) أي من سماء الدنيا (فُتِحَ الْيَوْمَ) بالبناء للمفعول، أي الآن، والجملة في محل رفع صفة لـ (باب)) (لَمْ يُفْتَحْ) وفي نسخة: ((ولم يُفتح)) (قَطَّ) أي في الزمان الماضي، وفيها لغات، يقال: ما رأيته قَطّ - بفتح القاف، وضمها، وضم الطاء المشددة، ويخففان -، وقَطّ - بفتح القاف، وكسر الطاء المشددة -: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. أفاده في ((القاموس))، وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد البُورَنِيّ الْمِنَاسِيُّ هذه اللغات، فقال: وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَظُ ضَبَطْ قَظٌ وَقُظُ قَطّ ثُمَّ قُطُ قَطْ (إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَّلَ مِنْهُ مَلَك) أي نزل من ذلك الباب الذي لم يُفْتَح قبل ذلك الوقت ملك، وقال في ((المرعاة)): هذا من قول الراوي في حكايته لحال سمعه من رسول الله وَ﴿، أو بلغه عنه. انتهى(٢). (فَقَالَ) جبريل عِلَّا (هَذَا مَلَكْ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ) وفي نسخة: ((ولم يَنْزِل)) (قَطَّ إِلَّا الْيَوْمَ) هذا يدلّ على أنه نزل بالفاتحة وخواتيم سورة البقرة ملك غير جبريل منظلل*، وقيل: إن جبريل نزل قبل هذا الملك معلّماً، ومخبراً بنزول الملك، فهو مشارك له في إنزالها، قاله في ((المرعاة)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأوجه أن يقال: إن جبريل ظلّلا نزل بهما أوّلاً قبل ذلك، ثم نزل ذلك الملك في ذلك اليوم ثانياً لبيان فضلهما، وثوابهما، والله تعالى أعلم. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٦/٥. (٢) ((المرعاة)) ١٩٦/٧. ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (فَسَلَّمَ) ذلك الملك النازل على النبيّ وَّهُ وعلى الحاضرين (وَقَالَ: أَبْشِرْ) بقطع الهمزة أمر من الإبشار رباعياً (بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا) بالبناء للمفعول، أي افَرِحْ بسبب نورين أعطيتهما، قيل: سماهما نورين؛ لأن كلّ منهما يكون لصاحبه نوراً يسعى أمامه، ولأنه يُرشَدُ، ويهتدي بالتأمّل فيهما إلى الطريق القويم، والمنهج المستقيم. انتهى(١). وقال القرطبيُّ: قوله: ((بنورين)) أي بأمرين عظيمين نَيِّرين مبيِّنين القارئهما، ومنوّرين له، وخُصّت ((الفاتحة)) بهذا؛ لتضمّنها جملة معاني الإيمان والإسلام والإحسان، فهي آخذة بأصول القواعد الدينيّة، والمعاقد المعارفيّة. وخُصّت خواتيم سورة البقرة بذلك؛ لما تضمّنته من الثناء على النبي صَلىاله وَيَـ وعلى أصحابه رضيها بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى الله تعالى، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولِمَا حَصَل فيها من إجابة دعواتهم بعد أن عَلِموها، فخَفَّف عنهم، وغَفَرَ لهم، ونصرهم، وفيها غير ذلك مما يطول تتبّعه. انتهى (٢). (لَمْ يُؤْتَهُمَا) بالبناء للمفعول أيضاً، أي لم يُعطهما (نَبِيِّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةٍ الْكِتَابِ) بالجرّ بدل من (نورين))، ويَحْتَمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي أحدهما فاتحة الكتاب، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني (وَخَوَاتِيم سُورَةِ الْبَقَرَةِ) جمع خاتمة، أي أواخرها، وهي من قوله تعالى: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ إلى آخر السورة. قال الجامع عفا الله عنه: كذا قيل، وظاهر قوله: ((وخواتيم سورة البقرة)) بصيغة الجمع يقتضي أن يكون من قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضَِّ﴾ الآيات الثلاث، وهذا هو الذي استظهره في ((المرعاة))(٣)، والله تعالى أعلم . (لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ) الباء للتعدية؛ لأن قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، يقال: قرأت أمّ الكتاب، وبأم الكتاب، قاله الفيّوميُّ(٤). (١) ((الكاشف)) ١٦٤٧/٥. (٣) راجع: ((المرعاة)) ١٩٧/٧. (٢) ((المفهم)) ٤٣٤/٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٢. ٣٦٩ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٧) وقال التوربشتيُّ: الباء زائدة، كقولك: أخذت بزمام الناقة، وأخذت زمامها، وأراد بالحرف - والله أعلم - الطَّرَف منها، فإن حرف الشيء طرفه، وكَنَى به عن كلّ جملة مستقلّة بنفسها، أي أعطيت ما اشتَمَلت عليه تلك الجملة ﴾﴾، وكقوله: ﴿غُفْرَانَكَ من المسألة، كقوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ رَبَّنَا﴾، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ﴾، وكقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾، ونظائره. انتهى(١). (مِنْهُمَا) أي من فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، قال السنديّ: أي مما فيه من الدعاء (إِلَّا أُعْطِيتَهُ))) أي أُعطيت مقتضاه، من العون، والهداية إلى الصراط المستقيم، في الفاتحة، ومن المغفرة، وعدم المؤاخذة في النسيان، والخطأ، وعدم تحميل الإصر، وما لا يطاق، والعفو، والرحمة، والنصر على الكفار، في خواتيم سورة البقرة. وقال الطيبيُّ: قوله: ((إلا أعطيته)) حال، والمستثنى منه مقدّر، أي مستعيناً بهما على قضاء ما يَسْنَح من الحوائج كما يفعله الناس إلا أُعطيته، أو يُقدّر صفةً، أي لم تقرأ حرفاً منهما مشتملاً على دعاء وسؤال إلا أُعطيته، أما الحمد والثناء والتمجيد فيُعطى ثوابها، وأما الدعاء والسؤال، فيُسعَفُ بمطلوبه، ويُستجاب، فيوافق هذا التأويل حديث أبي هريرة ظبه مرفوعاً: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل)). وتحرير معنى الدعاء في الفاتحة هو أن المطلوب فيها الهداية المشتملة على النعمة المطلقة، فيتناول نعمة الدارين، ظاهرها وباطنها، جليلها ودقيقها، حتى لا يشذّ منها شيء، وعلى التوقّي من غضب الله وسخطه مطلقاً، دنيا وعُقبى، ومن جميع الأخلاق الذميمة، والضلالات المتنوّعة، وما يعوجه عن الطريق المستقيم، وعلى هذا خاتمة سورة البقرة، فإن قوله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ اشتَمَل على معنى التصديق والاعتقاد، ومنه إلى قوله: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ﴾ على بيان الانقياد بالسمع والطاعة لما أمر الله تعالى به، ونهى عنه، ومنه إلى آخره على الدعاء الجامع لفلاح الدارين، والفوز (١) ((الكاشف)) ١٦٤٧/٥. ٣٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها بالحسنيين. انتهى ٠ (١) [تنبيه]: (اعلم): أن هذا العطاء ليس خاصاً بالنبيّ وَّ، كما يوهمه ظاهر السياق هنا، بل يعمّ أمته أيضاً بسببه وَ لقره؛ إذ الأصل مشاركتهم له وَّ في كلّ ما أنزل عليه، إلا ما اختَصّ به، ومما يؤيّد هذا ما تقدم من حديث أبي هريرة ظه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل))، فإنه عام لكل مصلّ، وما تقدّم أيضاً في ((كتاب الإيمان)) من حديث ابن عباس ظًّا قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبيّ مَّ: ((قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسَلَّمْنَا))، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ الآية، وفيه: قال: ((قد فعلت ... )) الحديث، ونحوه من حديث أبي هريرة ◌ُبه، عند المصنّف أيضاً. والحاصل أن هذا الفضل عامّ لكلّ مخلص في عبادته، متّبع لهديه وَێ، نسأل الله ◌َ أن يجعلنا من أتباعه المهتدين بسنته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤ /١٨٧٧] (٨٠٦)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٩١٢)، وفي ((الكبرى)) (٩٨٤)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٧٢٢)، وفي ((فضائل القرآن)) (ج٥ ص١٢ - ١٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٧٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٥٨/١ - ٥٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٢٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٢٥٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٢٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) : ١ - (منها): بيان فضل فاتحة الكتاب. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٨/٥. ٣٧١ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٧) ٢ - (ومنها): بيان فضل خواتيم سورة البقرة. ٣ - (ومنها): بيان كرامة النبيّ ◌َل على ربه، حيث أكرمه بما لم يكرم الأنبياء الذين قبله، فأعطاه هذين النورين. ٤ - (ومنها): إثبات الأبواب للسماء، وأنها تُفْتَح، وتُغْلَق، وأن بعض الملائكة لا ينزل إلى الأرض إلا لمثل هذه البشارة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما ورد من فضائل فاتحة الكتاب غير حديث الباب : (فمنها): ما تقدم للمصنف من حديث أبي هريرة حظيبه مرفوعاً: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))، الحديث. (ومنها): ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ◌َظُه قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله وَلّ، فلم أُجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ((ألم يقل الله: ﴿ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤]))، ثم قال لي: ((لأُعَلُّمِنّك سورةً، هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد))، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: ((لأعلمنك سورة، هي أعظم سورة في القرآن؟))، قال: ((﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَيِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)). (ومنها): ما أخرجه الشيخان، وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَليم، وإن نفرنا غَيْب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كُنَّا نَأْبُنُهُ(١) برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبناً، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رَقَيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تُخْدِثُوا شيئاً حتى نأتي، ونسأل رسول الله بَّر، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبيّ وَ﴿، فقال: ((وما كان يُدريه أنها رقية؟ اقسموا لي بسهم))، وفي بعض (١) من بابي ضرب ونصر: أي نتّهمه، أفاده في ((ق)). ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدريّ هو الذي رقى ذلك السَّلِيم، يعني اللَّدِيغ، يسمونه بذلك تفاؤلاً . (ومنها): ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن جابر، قال: انتهيت إلى رسول الله وَاليه، وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يَرُدّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يردّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يردّ عليّ، قال: فانطلق رسول الله وَلّ يمشي، وأنا خلفه، حتى دخل على رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيباً حزيناً، فخرج عليّ رسول الله وَّر، وقد تطهّر، فقال: ((عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله))، ثم قال: ((ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سورة في القرآن؟)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها)) . قال الحافظ ابن كثير دَخَذَتُهُ: هذا إسناد جيّد، وابن عَقِيل هذا احتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا الصحابيّ ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي، والله أعلم، ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاريّ البياضيّ، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال العلامة القرطبيُّ: اختَلَفَ العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض : فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها، وذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البُسْتيّ، وجماعة من الفقهاء، ورُوِي معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض على بعض خطأ؛ وكذلك كَرِهَ مالك أن تعاد سورة، أو تردد دون غيرها، وقال عن مالك (١) ((تفسير ابن كثير)) ١١/١ - ١٢. ٣٧٣ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٧) في قول الله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦] قال: مُحكمة مكان منسوخة، ورَوَى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك. واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وهي كلام الله، وكلام الله تعالى لا نقص فيه. قال البُسْتِيّ: ومعنى هذه اللفظة: ((ما في التوراة، ولا في الإنجيل، مثل أم القرآن)) أن الله تعالى لا يعطي القارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطي القارئ أم القرآن؛ إذ الله بفضله فضّل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة، قال: ومعنى قوله: ((أعظم سورة)) أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقال قوم: بالتفضيل، وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحَّةٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ١٦٣] وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته، وصفاته ليس موجوداً مثلاً في ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وما كان مثلها، والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق. وممن قال بالتفضيل إسحاق ابن راهويه، وغيره من العلماء، والمتكلمون، وهو اختيار القاضي أبي بكر ابن العربيّ، وابن الحصار؛ لحديث أبي سعيد بن المُعَلَّى، وحديث أبيّ بن كعب ◌ّا. قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص، وقال ابن العربيّ: قوله: ((ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها)) وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة، والزبور وغيرها؛ لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكلّ، كقولك: زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس. وفي الفاتحة من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة، تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله وَك قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القُربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم، كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ ٣٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها تعدل ثلث القرآن، إذ القرآن توحيد، وأحكام، ووعظ، و﴿قُلْ هُوَ أَحَدٌ﴾﴾ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله وَله لأبي: ((أي آية في القرآن أعظم؟)) قال: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُمْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإنما كانت أعظم آية؛ لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: ((أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) أفضل الذكر؛ لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد، والعبادة، والوعظ، والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى. انتهى كلام القرطبيُّ، وهو بحثٌ نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٧٨] (٨٠٧) - (وَحَدَّثَنَا(١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ فِي الْأَيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْآَيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [١٠] (٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ حافظ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٧٥ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٨) ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. ٦ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات رُه قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨. [تنبيه]: اختُلِف في نسبة أبي مسعود رُه إلى بدر، هل هو الشهود غزوة بدر، أو لسكناه بدراً؟ فالأكثر على أنه لم يشهدها، ولم يذكره محمد بن إسحاق ومن اتبعه من أصحاب المغازي في البدريين، وقال الواقديّ، وإبراهيم الحربيّ: لم يشهد بدراً، وإنما نزل بها، فنُسِب إليها، وكذا قال الإسماعيليّ: لم يصحّ شهود أبي مسعود بدراً، وإنما كانت مسكنه، فقيل له البدريّ، فأشار إلى أن الاستدلال بأنه شهدها بما يقع في الروايات أنه بدريّ ليس بقويّ؛ لأنه يستلزم أن يقال لكل من شهد بدراً البدريّ، وليس ذلك مُطَّرِداً. وممن جزم بأنه شهد بدراً الإمام البخاريُّ حيث عدّه في ((صحيحه)) في جملة من شهد بدراً من الصحابة قال الحافظ: لم يَكْتَفِ البخاريّ في جزمه بأنه شهد بدراً بوقوعه في الروايات أنه بدريّ، بل بقوله في الحديث الذي يليه: إنه شَهِدَ بدراً(١)، فإن الظاهر أنه من كلام عروة بن الزبير، وهو حجة في ذلك؛ لكونه أدرك أبا مسعود، وإن كان رَوَى عنه هذا الحديث بواسطة، ويُرجَّح اختيار البخاريّ ذلك (١) هو ما أخرجه البخاريّ في ((المغازي)) (٤٠٠٧) من طريق الزهري: ((سمعت عروة بن الزبير، يحدِّث عمر بن عبد العزيز في إمارته: أخّر المغيرة بن شعبة العصر، وهو أمير الكوفة، فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ، جدُّ زيد بن حسن شَهِدَ بدراً، فقال: لقد علمت نزل جبريل، فصلى رسول الله وَل* خمس صلوات، ثم قال: هكذا أمرت، كذلك كان بشير بن أبي مسعود، يحدث عن أبيه))، وأخرجه مسلم أيضاً. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها بقول نافع حين حدثه أبو لبابة البدريّ، فإنه نسبه إلى شهود بدر، لا إلى نزولها . وقد اختار أبو عبيد القاسم بن سلام أنه شهدها، ذكره البغويّ في ((معجمه)) عن عمه، عليّ بن عبد العزيز عنه، وبذلك جزم ابن الكلبيّ، ومسلم في ((الكنى))، وقال الطبرانيّ، وأبو أحمد الحاكم: يقال: إنه شَهِدها، وقال الْبَرْقيّ: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وفي غير هذا الحديث أنه شَهِدها . انتھی . والقاعدة أن المثبت مقدَّم على النافي، وإنما رَجَّح من نَفَى شهوده بدراً باعتقاده أن عمدة من أثبت ذلك وصفه بالبدريّ، وأن تلك نسبة إلى نزول بدر، لا إلى شهودها، لكن يُضَعِّف ذلك تصريح مَن صَرَّح منهم بأنه شَهِدها، كما في الحديث الذي أورده البخاريّ، وقال فيه: ((فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ، جدُّ زيد بن حسن، شَهِدَ بدراً)). انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح أن أبا مسعود مضى شهد غزوة بدر، فنُسب إليها، كما هو رأي البخاريّ ومسلم، وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وابن الكلبيّ، ورجّحه الحافظ؛ لقوّة حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، عند من جعل منصوراً من صغار التابعين. (١) راجع: ((الفتح)) ٧/ ٣٧٠ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٠٠٧ و٤٠٠٨). ٣٧٧ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٨) ٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّّه ممن شهد بدراً على ما ذهب إليه البخاريّ ومسلم، وجماعة، كما أسلفناه آنفاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيس النخعيُّ أنه (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ) وفي الرواية التالية من طريق عليّ بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة بن قيس، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه))، قال عبد الرحمن: فلقيت أبا مسعود، وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدّثني به، عن النبيّ وَله . وفي الرواية الثالثة من طريق عيسى بن يونس، وعبد الله كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبيّ ◌َّ مثله. قال في ((الفتح)): فكأن إبراهيم حمله عن علقمة أيضاً بعد أن حدّثه به عبد الرحمن عنه، كما لَقِيَ عبدُ الرحمن أبا مسعود، فحمله عنه بعد أن حدّثه به علقمة. انتهى (١). [تنبيه]: قال الحافظ تَخُّْ: أبو مسعود هذا هو عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ، قال: ووقع في رواية عبدوس بدله ابن مسعود، وكذا عند الأصيليّ، عن أبي زيد المروزيّ، وصَوّبه الأصيليّ، فأخطأ في ذلك، بل هو تصحيف، قال أبو عليّ الْجَيّانيّ: الصواب عن أبي مسعود، وهو عقبة بن عمرو، وقد أخرجه أحمد من وجه آخر، عن الأعمش، فقال فيه: عن عقبة بن عمرو. (٢) انتھی(٢) . (عِنْدَ الْبَيْتِ) وفي رواية الأعمش التالية: ((فلقيت أبا مسعود، وهو يطوف بالبيت)) (فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ) قد تبيّن بما سبق أن الذي حدّثه به عنه هو (١) ((الفتح)) ٨/ ٦٧١ - ٦٧٢ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٨ و٥٠٠٩). (٢) ((الفتح)) ٨/ ٦٧٢ (كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٨ و ٥٠٠٩). ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها علقمة بن قيس (فِي الآيَتَيْنِ) أي فضلهما، وفضل قراءتهما، وقوله: (فِي سُورَةٍ الْبَقَرَةِ؟) متعلّق بصفة لـ(الآيتين))، أو بحال منهما (فَقَالَ) أبو مسعود تَُّه (نَعَمْ) أي ما بلغك عنّي صحيح، ثم بيّن له الحديث بقوله: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْآيَتَانِ مِنْ آخِرٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) يعني من قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة، وآخر الآية الأولى ﴿الْمَصِيرُ﴾ ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة، وأما ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فليست رأس آية باتّفاق العادّين. فقوله: ((الآيتان)) مبتدأ أول، وقوله: ((من آخر سورة البقرة)) متعلّق بصفة له، أي الكائنتان من آخرها، وقوله: (مَنْ قَرَأَهُمَا) ((من)) مبتدأ ثانٍ، (فِي لَيْلَةٍ) متعلّق بـ((اقرأ))، وقوله: (كَفَتَاهُ))) بتخفيف الفاء: أي أغنتاه، خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، ويَحْتَمِل أن يكون ((من قرأهما)) من ((الآيتان)). ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((من قرأ بهما)) قيل: هذه الباء زائدة، وقيل: ضُمّن الفعل معنى التبرّك، فعُدّي بالباء، وعلى هذا تقول: قرأت بالسورة، ولا تقول: قرأت بكتابك؛ لفوات معنى التبرّك، قاله السهيلي(١). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم عن ((المصباح)) أن قرأ يعدى بنفسه، وبالباء، فلا حاجة إلى دعوى التضمين، فتنبّه، والله تعالى أعلى أعلم. وأخرج عليّ بن سعيد العسكريّ في ((ثواب القرآن)) حديث الباب، من طريق عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ بن حُبَيش، عن علقمة بن قيس، عن عقبة بن عمرو، بلفظ: ((من قرأهما بعد العشاء الآخرة، أجزأتا، ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة». ومن حديث النعمان بن بشير طهًا رفعه: ((إن الله كتب كتاباً أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة)))) وقال في آخره: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾، وأصله عند الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم. ولأبي عبيد في ((فضائل القرآن)) من مرسل جُبير بن نُفير نحوه، وزاد: ((فاقرءوهما، وعَلَّمُوهما أبناءكم ونساءكم، فإنهما قرآن وصلاة ودعاء)). (١) راجع: ((المرعاة)) ١٩٨/٧. ٣٧٩ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٧٨) [تنبيه]: اختُلِف في المراد بقوله: ((كفتاه))، فقيل: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقاً، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان، والأعمال إجمالاً، وقيل: معناه كفتاه كلَّ سوء، وقيل: كفتاه شرّ الشياطين، وقيل: دفعتا عنه شرّ الثقلين: الإنس والجنّ، وقيل: معناه كفاه ما حَصَلَ له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختَصَّتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله، وابتهالهم، ورجوعهم إليه، وما حَصَل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. قال في ((الفتح)): ذَكَرَ الكرمانيّ عن النوويّ أنه قال: كفتاه عن قراءة (سورة الكهف))، و((آية الكرسي))، كذا نقل عنه جازماً به، ولم يقل ذلك النوويّ، وإنما قال ما نصه: قيل: معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل: من الشيطان، وقيل: من الآفات، ويَحْتَمِل من الجميع، هذا آخر كلامه، وكأن سبب الوهم أن عند النوويّ عقب هذا ((باب فضل سورة الكهف))، و(«آية الكرسي))، فلعل النسخة التي وقعت للكرمانيّ سقط منها لفظ ((باب)) وصُحِّفت ((فضل))، فصارت: وقيل، واقتصر النوويّ في ((الأذكار)) على الأول، والثالث نقلاً، ثم قال: قلت: ويجوز أن يراد الأوّلان. انتهى. وعلى هذا فأقول: يجوز أن يراد جميع ما تقدم، والله أعلم، والوجه الأول وَرَدَ صريحاً من طريق عاصم، عن علقمة، عن أبي مسعود رظُه رفعه: ((من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة)). ويؤيد الرابع حديث النعمان بن بشير رضيه رفعه: ((إن الله كتب كتاباً، وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يُقرآن في دار، فيقرَبَها الشيطان ثلاث ليال»، أخرجه الحاكم، وصححه. وفي حديث معاذ حظيبه لما أمسك الجنيّ: ((وآية ذلك لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة، فيدخل أحد منها بيته تلك الليلة))، أخرجه الحاكم أيضاً. (١) انتھی . (١) راجع: ((الفتح)) ٨/ ٦٧٢ - ٦٧٣ (كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٨ - ٥٠٠٩). ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقال الشوكانيُّ في ((تحفة الذاكرين)) بعد ذكره الأقوال المذكورة ما نصّه: ولا مانع من إرادة هذه الأمور جميعها، ويؤيّد ذلك ما تقرّر في علم المعاني والبيان من أن حذف المتعلّق مشعرٌ بالتعميم، فكأنه قال: كفتاه من كلّ شرّ، أو من كلّ ما يُخاف، وفضل الله واسع. انتهى، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ◌َ ◌ّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤ /١٨٧٨ و١٨٧٩] (٨٠٧) و[١٨٨٠/٤٤ و١٨٨١ و١٨٨٢] (٨٠٨)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٥٠٠٨ و٥٠٠٩ و٥٠٤٠ و٥٠٥١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٩٧)، و(الترمذيّ) في ((فضائل القرآن)) (٢٨٨١)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٧١٨ و٧١٩ و٧٢٠ و٧٢١)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٦٨ و١٣٦٩)، و(الطيالسيّ) في (مسنده)) (١٠/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٤ و١٢١ و١٢٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٤٩/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١١٤١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨٩٥ و٣٨٩٦ و٣٨٩٧ و٣٨٩٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٢٨ و١٨٢٩ و١٨٣٠ و١٨٣١ و١٨٣٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١٩٩). وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). ء (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)) بحذف الضمير. -