Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٣٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥١)
(أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول (مِزْمَاراً) بكسر الميم: آلة الزَّمْرِ، قال في
((القاموس)): زَمَرَ يَزْمُرُ، وَيَزْمِرُ زَمْراً، وَزَمِيراً، وزَمَّرَ تَزْمِيراً: غَنَّى بالقَصَبِ،
وهي زَامِرٌ، وهو زَمَّارٌ، وزَامِرٌ قليلٌ، وفِعلهما الزِّمَارةُ، كالكتابة. انتهى(١).
وقال في ((المصباح)): زَمَرَ زَمْراً، من باب ضَرَبَ وزَمِيراً أيضاً، ويَزْمُرُ
بالضمّ لغةٌ حكاها أبو زيد، ورجلٌ زَمّارٌ، قالوا: ولا يقال: زَامِرٌ، وامرأةٌ
زَامرٌ، ولا يقال: زَمَّارةٌ. انتهى(٢) .
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: الْمِزمار والْمَزمور: الصوت الحسن، وبه سُمّيت آلة
الزَّمْر مزماراً. انتهى (٣).
(مِنْ مَزَامِيرٍ آلِ دَاوُدَ)) لعلَّ، زاد أبو عوانة في ((مسنده)) من طريق
شعيب بن حرب، عن مالك بن مِغْوَل: ((وهو مؤمنٌ مُنِيبٌ)).
والمراد بـ((آل داود)) داود النبيّ علَّلا نفسه، و((آل)) صلةٌ.
ومزامير داود: ما كان يتغنَّى به من الزَّبُور، وضُرُوب الدُّعاء، وجمع
مِزمار ومَزْمور. انتهى (٤).
وقال ابن الأثير تَخْلَتُهُ: المزمور، بفتح الميم وضمّها: هو الآلة التي يُزَمَّر
بها، شبّه حسن تلاوته، وحلاوة نَغْمَته بصوت المزمار، وداود هو النبيّ ◌ِّلا،
وإليه المنتهى في حسن الصوت بالقراءة، و((الآل)) في قوله: ((آل داود)) مُقحمةٌ،
قيل: معناه ها هنا الشخص. انتهى(٥) .
وقال النوويّ تَخْلُهُ: قال العلماء: المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن،
وأصل الزَّمْر الغِنَاء، و((آل داود)) هو داودالعُلَّهُ نفسه، وآل فلان قد يُظْلَق على
نفسه، وكان داود ◌َّ حسن الصوت جِدّاً. انتهى (٦)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((القاموس المحيط)) ٤٠/٢.
(٣) ((المفهم)) ٤٢٣/٢.
(٢) ((المصباح المنير)).
(٤) ((القاموس المحيط)) ٤٠/٢.
(٥) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣١٢/٢.
(٦) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٨٠.

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة بن الحصيب ظُبه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٥١/٣٥] (٧٩٣)، و(النسائيّ) في ((فضائل
القرآن)) (٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٣/١٠ و١٢٢/١٢)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٣٤٩/٥ و٣٥١ و٣٥٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٤٧٣/٢)، و(ابن
سعد) في ((الطبقات)) (٣٤٤/٢ و١٠٢/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨٩٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٠٢)، والله تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث، فستأتي في المسألة الثالثة من شرح الحديث التالي -
إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٥٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
طَلْحَةُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ لِأَبِي مُوسَى: ((لَوْ
رَأَيْتَنِي، وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ (١) الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرٍ آلِ دَاوُدَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بالتصغير الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٨/١٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيّوب
الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَلُ، صدوقٌ يُغْرب، من كبار [٩] (ت١٩٤) وله
(٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٣ - (طَلْحَةُ) بن يحيى بن طلحة بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل
الكوفة، صدوقٌ يُخطىء [٦] (ت١٤٨) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
(١) وفي نسخة: ((وأنا أستمع قراءتك)).
-

٢٦٣
(٣٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٢)
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَظّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وطلحة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين سوى شيخه، فخُوَارَزْميّ، ثم
بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامرٌ، وقيل: اسمه كنيته
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َظُه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ
لِأَبِي مُوسَى) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: قال لي: ((لَوْ رَأَيْتَنِي، وَأَنَا أَسْتَمِعُ
لِقِرَاءَتِك) وفي بعض النسخ: ((قراءتك)) بحذف اللام، وكلاهما صحيح؛ لأن
الفعل يتعدّى بنفسه، وباللام، قال الفيّوميّ تَظْلُّ: سَمِعته، وسَمِعتُ له سَمْعاً،
وتسمّعتُ، واستمعت، كلَّها يتعدّى بنفسه، وبالحرف بمعنّى، واستَمَع لما كان
بقصد؛ لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، وسَمِعَ يكون بقصد وبدونه. انتهى (١).
وجواب (لو)) محذوف، تقديره لفرحتَ، أو لتعجّبت، والله تعالى أعلم.
وقوله: (الْبَارِحَةَ) هي الليلة الماضية، قال الفيّومِيّ نَُّهُ: بَرِحَ الشيءُ
يَبْرَجُ، من باب تَعِبَ بَرَاحاً: زال من مكانه، ومنه قيل للّيلة الماضية: البارحة،
والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلةَ كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول
بعد الزوال: فعلنا البارحة. انتهى (٢).
(لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرٍ آلٍ دَاوُدَ») المراد بالمزمار: الصوت
الحسن، وأصله الآلة، أُطلِقٍ اسمه على الصوت للمشابهة، وقال الخطابيّ كَّهُ:
المراد بـ((آل داود)) داودُ نفسه؛ لأنه لم يُنقَل أن أحداً من أولاد داود علَّلها، ولا
(١) ((المصباح المنير)) ٢٨٩/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢/١.

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
من أقاربه كان أُعطي من حسن الصوت ما أعطيه. انتهى(١) ..
وذكر البغويّ كَّتُهُ في ((شرح السنّة)) ما ذكره الخطّابيّ، ثم قال: وقيل:
يجوز أن يكون أراد بآل داود أهل بيته، ولا يُنكر أن يكونوا أشجى أصواتاً من
غيرهم، أكرمهم الله به، فإنا نجد حسن الصوت يُتوارث. انتهى(٢).
وزاد أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريق أحمد بن إبراهيم، عن يحيى بن
سعيد: ((قال: أَمَ(٣) والله يا رسول الله لو عَلِمتُ أنك تسمع لقراءتي، لحَبّرته
لك تحبیراً)).
وأخرج أبو يعلى في ((مسنده))، من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه،
أن النبيّ وَّ وعائشة مَرّا بأبي موسى، وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان
لقراءته، ثم إنهما مضيا، فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله وَله، فقال: ((يا
أبا موسى، مررت بك ... )) فذكر الحديث، فقال: أما إني لو عَلِمتُ بمكانك
لَحَبَّرته لك تحبيراً.
وأخرج ابن سعد من حديث أنس رُته بإسناد على شرط مسلم أن أبا
موسى قام ليلةً يصلي، فسمع أزواج النبيّ وَ ل﴿ صوته، وكان حُلْوَ الصوت،
فَقُمْنَ يستمعن، فلما أصبح قيل له: فقال: لو علمتُ لحبّرته لهنّ تحبيراً.
وللرُّويانيّ من طريق مالك بن مِغْوَل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه نحو
سياق سعيد بن أبي بردة، وقال فيه: لو علمتُ أن رسول الله رَلم يستمع قراءتي
لحبّرتها تحبيراً، وأصلها عند أحمد.
وعند الدارميّ من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن
رسول الله ﴿ كان يقول لأبي موسى، وكان حسن الصوت بالقرآن: ((لقد أوتي
هذا من مزامير آل داود)».
وأصل هذا الحديث عند النسائيّ من طريق عمرو بن الحارث، عن
الزهريّ موصولاً بذكر أبي هريرة له فيه، ولفظه: أن النبيّ وَّ سمع قراءة
أبي موسى، فقال: ((لقد أوتي من مزامير آل داود)).
(١) ((الفتح)) ٧١٠/٨.
(٢) راجع: ((شرح السنّة)) ٤٨٩/٤.
(٣) هكذا النسخة ((أم)) بحذف الألف، وليُحرّر.

٢٦٥
(٣٥) - بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٢)
وقد اختُلِف فيه على الزهريّ، فقال معمر وسفيان، عن الزهريّ، عن
عروة، عن عائشة ◌ًُّا، أخرجه النسائيّ، وقال الليث، عن الزهريّ، عن
عبد الرحمن بن كعب مرسلاً.
ولأبي يعلى من طريق عبد الرحمن بن عَوْسَجَةَ، عن البراء، سمع
النبيّ وَلّ صوت أبي موسى، فقال: ((كأن صوت هذا من مزامير آل داود)).
وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح، من طريق أبي عثمان النَّهْدِيّ، قال:
دخلت دار أبي موسى الأشعريّ، فما سمعت صوت صَنْج، ولا بَرْبَط، ولا نائٍ
أحسن من صوته. وهو في ((الحلية)) لأبي نعيم.
و((الصَّنْجُ)) - بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها جيم -: هو آلة تُتَّخَذ
من نحاس، كالطبقين، يُضْرَب أحدهما بالآخر.
و((الْبَرْبَط)) - بالموحدتين، بينهما راء ساكنة، ثم طاء مهملة - بوزن جَعْفَر:
هو آلة تُشْبِهِ الْعُود، فارسيّ مُعَرَّبٌ.
و ((الناي)) - بنون بغير همز -: هو المزمار، قاله في ((الفتح))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
وَُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٥٢/٣٥] (٧٩٣)، و(البخاريّ) في ((فضائل
القرآن)) (٥٠٤٨)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٥٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٧١٩٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨٩١)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٨٠٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٦٦/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٣٠/١٠ و٢٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب استماع قراءة القارىء الحسن الصوت.
(١) ((الفتح)) ٧١٠/٨.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٢ - (ومنها): مدح الصوت الحسن.
٣ - (ومنها): استحباب تحسين الصوت في القراءة، وأن ذلك لا ينافي
الإخلاص، فقد أخرج ابن حبان تَظْتُ في (صحيحه)) عن أبي موسى
الأشعريّ رُبه قال: استمع رسول الله وَّل قراءتي من الليل، فلما أصبحت،
قال: ((يا أبا موسى استمعت قراءتك الليلة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل
داود))، قلت: يا رسول الله، لو علمت مكانك لَحَبّرت لك تحبيراً(١)؛ أي:
لحسّنته، ولجمّلته.
وأخرج الضياء في ((المختارة)) عن أنس ظُبه أن أبا موسى ظُته كان يقرأ
ذات ليلة، فمشى رسول الله رَّلم يسمع، فلما أصبح قيل له، قال: لو علمت
الحبّرت لك تحبيراً، ولشوّقت لك تشويقاً(٢).
وأخرج أيضاً عن أنس بنظله أن أبا موسى الأشعريّ رظُه كان يقرأ ذات
ليلة، فجعل أزواج النبيّ وَ﴿ يستمعن، فلما أصبحن أخبر بذلك، فقال: لو
علمت لحبّرتكم تحبيراً، ولشوّقتكم تشويقاً(٣).
قال القرطبيّ كَّتُ: وهذا محمول على أن أبا موسى ظُه كان يزيد في
رفع صوته، وتحسين ترتيله، حتى يُسْمِع النبيَّ وَّهِ، ويُعرّفه أنه قَبِل عنه كيفيّة
أداء القراءة، وأنه متمكّنٌ منها، فيَحمده النبيّ وَّ، ويدعو له، فتحصل له
فضيلة ومنقبةٌ، كما فَعَلَ بأَبيّ بن كعب رَُّه، حيث سأله، فأجابه، فقال:
(لِيَهْنِكَ العلم أبا المنذر))، رواه مسلم.
ويَحْتَمِلُ أن يكون ذلك ليبالغ في حالةٍ يُطَيِّب بها القرآن له، فإن الإنسان
قد يتساهل مع نفسه في أموره، ويَعتني بها عند مشاركة غيره فيها، وإن كان
مُخلصاً في أصل عمله. انتهى(٤).
٤ - (ومنها): بيان ما أكرم الله به أبا موسى الأشعريّ بظلبه حيث أعطاه
(١) حديث صحيح، أخرجه في ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ١٦/ ١٧٠.
(٢) ((الأحاديث المختارة)) ٤١/٥، وإسناده صحيح.
(٣) ((الأحاديث المختارة)) ٤٢/٥ وإسناده صحيح.
(٤) ((المفهم)) ٤٢٣/٢ - ٤٢٤.

٢٦٧
(٣٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٢)
صوتاً حسناً، وأخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) من طريق أبي سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ظبه أنه حدّثه أن رسول الله وَل سمع
قراءة أبي موسى الأشعريّ، فقال: ((قد أوتي هذا من مزامير آل داود))، قال أبو
سلمة: وكان عمر بن الخطّاب يقول لأبي موسى - وهو جالس في المجلس -:
يا أبا موسى ذكِّرنا ربّنا، فيقرأ عنده أبو موسى، وهو جالسٌ في المجلس،
ويتلاحن.
٥ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، والنهي الوارد في ذلك
محمول على ما إذا خيف افتتان الممدوح بالعجب ونحوه.
٦ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه داودظلُّل من حسن
الصوت، وقد تقدّم عن عبيد بن عمير قال: كان داود ظلَّ يتغنى يعني: حين
يقرأ، ويَبْكِي ويُبْكِي، وعن ابن عباس ظُها أن داود عليّا كان يقرأ الزبور بسبعين
لَحْناً، ويقرأ قراءةً يَظْرَب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يُبَكِّي نفسه لم تبق
دابة في برّ ولا بحرّ إلا أنصتت له، واستمعت، وبكت.
٧ - (ومنها): بيان استحباب تحسين الصوت بالقراءة، قال القاضي
عياض تَخَّتُهُ: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها،
قال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التحزين والتشويق،
قال: واختلفوا في القراءة بالألحان، فكرهها مالك والجمهور؛ لخروجها عما
جاء القرآن له من الخشوع والتفهم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف؛
للأحاديث، ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية، وإقبال النفوس على
استماعه .
قال النوويّ: قال الشافعيّ في موضع: أكره القراءة بالألحان، وقال في
موضع: لا أكرهها، قال أصحابنا: ليس له بينهما اختلاف، وإنما هو اختلاف
حالين، فحيث كرهها أراد إذا مَطَّط، وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص
أو مدّ غير ممدود، وإدغام ما لا يجوز إدغامه، ونحو ذلك، وحيث أباحها أراد
إذا لم يكن فيها تغيير لموضوع الكلام. انتهى(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وقد تقدّم
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٠/٦.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مستوفّى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَّهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٣٦) - (بَابُ ذِكْرِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ وَلِ ((سُورَةَ الْفَتْح))، وَتَرْجِيعِهِ فِيهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٥٣] (٧٩٤) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
إِدْرِيسَ، وَوَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلِ
الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ: قَرَأَ النَّبِيُّ نَّهِ عَامَ الْفَتْحِ، فِي مَسِيرٍ لَهُ، سُورَةَ الْفَتْحِ، عَلَىّ
رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلًا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ،
لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ
عابدٌ [٨] (ت١٩٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاحِ بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
٥ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، أبو إياس
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، ومَعْقِل بن يسار الْمُزَنيّ، وأبي أيوب الأنصاريّ،
وعبد الله بن مُغَفَّل، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنه إياس، وابن ابنه المستنير بن أخضر بن معاوية، وثابت
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٦٩
(٣٦) - بَابُ ذِكْرِ قِرَاءَةِ النَّبِّ وَِّ((سُورَةَ الْفَتْحِ))، وَتَرْجِيعِهِ فِيهَا - حديث رقم (١٨٥٣)
البنانيّ، وحزم بن أبي حزم، وخالد بن أيوب، وسماك بن حرب، وقتادة،
وشعبة، وأبو عوانة، وآخرون.
قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال العجليّ،
والنسائيّ، وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال: كان من عقلاء الرجال، وقال مطر الأعنق، عن
معاوية بن قُرَّة: لقيت من الصحابة كثيراً منهم خمسة وعشرون من مُزَينة.
وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: معاوية بن قرة عن عليّ مرسلٌ،
وقال أبو حاتم: لم يلق ابن عمر، وقال الشافعيّ: روايته عن عثمان منقطعة.
قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وقال يحيى بن معين:
مات، وهو ابن ست وسبعين سنةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث، هذا برقم (٧٩٤)
وأعاده بعده، وحديث (١٦٧١) و(١٨٠٥) و(٢٣٤١) و(٢٥٠٤) و(٢٩٤٨).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ) أبو عبد الرحمن صحابيّ بايع تحت
الشجرة، ثم نزل البصرة، ومات
ئه سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم
في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والباقون كوفيّون، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بن إياس، وفي رواية للبخاريّ من طريق حجاج بن
منهال، عن شعبة: أخبرنا أبو إياس، وأبو إياس كنية معاوية بن قُرّة، أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيَّ) بضمّ الميم، وفتح الزاي: نسبة لولد عثمان
وأوس ابني عمرو بن أَدَّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، نُسِبوا إلى مُزَينة بنت

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
كلب بن وبرة، أم عثمان وأوس، قاله في ((اللباب))(١). (يَقُولُ: قَرَأَ النَّبِيُّ ◌َِل
عَامَ الْفَتْحِ) أي: في سنة فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة (فِي
مَسِيرٍ لَهُ) أي: في حال سيره، فـ((مسير)) بالفتح مصدر ميميّ لسار، يقال: سار
يسيرَ سَيْراً ومَسِيراً، يكون بالليل والنهار، ويُستعمل لازماً ومتعدّياً، فيقال: سار
البعيرُ، وسِرْتُهُ، فهو مَسِيرٌ، قاله في ((المصباح)) (٢) .
ويَحْتَمِل أن يكون ((مسير)) ظرف زمان، أو مكان، فيكون المعنى قرأ في
وقت سيره، أو مكانه، والله تعالى أعلم.
(سُورَةَ الْفَتْح) زاد في رواية البخاريّ في ((فضائل القرآن)): ((قراءةً لَيِّنةً))
(عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي: ناقته التي ركبها، قال الفيّوميُّ ◌َخْتُهُ: الراحلة: الْمَرْكَبُ من
الإبل، ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن
تُرْحَلَ، وجمعها رَواحل. انتهى(٣). (فَرَجَّعَ) بتشديد الجيم، من الترجيع، وهو:
ترديد القارىء الحرف في الحلق، قاله في ((الفتح))، وقال في ((النهاية)):
الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وقيل: هو تقارب ضُرُوب
الحركات في الصوت. انتهى (٤). (فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ) بن قُرّة (لَوْلَا أَنّي
أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ، لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ) يشير به إلى أن القراءة
بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر
عن استماع الترجيع المشوب بلذّة الحكمة المهيمنة.
وفي رواية البخاريّ من طريق شبابة، عن شعبة: ((ثم قرأ معاوية يحكي
قراءة ابن مُغفّل، وقال: لولا أن تجتمع الناس عليكم، لَرَجَّعتُ كما رجَّع ابن
مُغفَّل يحكي النبيّ وَّ، فقلت لمعاوية: كيف ترجيعه؟ قال: آآآ ثلاث مرّات))،
وللحاكم في ((الإكليل)) من رواية وهب بن جرير، عن شعبة: ((لقرأت بذلك
اللحن الذي قرأ به النبيّ وَلتر))(٥).
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٢٦/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٩/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٠٢/٢.
(٥) ((الفتح)) ٦٠٧/٧ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٢٨١).

٢٧١
(٣٦) - بَابُ ذِكْرِ قِرَاءَةِ النَّبِّ وَِّ((سُورَةَ الْفَتْحِ))، وَتَرْجِيعِهِ فِيهَا - حديث رقم (١٨٥٣)
وفي رواية أبي عوانة: ((رأيت النبيّ وَّه يوم فتح مكة، وهو يقرأ سورة
الفتح، وهو يُرجّع، والناس حول ناقته، وقال: لولا أن يستمع مني من حولي
الرجّعت))، وفي رواية: ((لأخذت لكم في ذلك الصوت))، وفي رواية: قال
شعبة: ((ورجّع أبو إياس، ورفع صوته))(١).
قال في ((الفتح)): وفي قوله: ((آ)) بمدّ الهمزة والسكوت دلالة على أنه وَليه
كان يُراعي في قراءته المدّ والوقف. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: هو محمول على إشباع المدّ في موضعه، ويَحْتَمل
أن يكون ذلك حكاية صوته عند هزّ الراحلة إذا كان راكباً من انضغاط صوته،
وتقطيعه لأجل هزّ المركوب. انتهى (٢).
قال الحافظ: وهذا فيه نظرٌ؛ لأن في رواية عليّ بن الجعد، عن شعبة،
عند الإسماعيليّ: ((وهو يقرأ قراءة ليّنةً، فقال: لولا أن يجتمع علينا لقرأت
ذلك اللحن))، وكذا أخرجه أبو عُبيدة في ((فضائل القرآن)) عن أبي النضر، عن
(٣)
شعبة. انتهى(٣).
وقال في موضع آخر: ثم قالوا: يَحْتَمِل أمرين: أحدهما: أن ذلك حَدَثَ
من هَزّ الناقة، والآخر أنه أشبع المدّ في موضعه، فحَدَثَ ذلك، وهذا الثاني
أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه: ((لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك
اللحن))؛ أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، فأخرج الترمذيّ
في ((الشمائل)) والنسائيّ، وابن ماجه، وابن أبي داود، واللفظ له، من حديث
أم هانئ ◌ُه: («كنت أسمع صوت النبيّ وَلّ، وهو يقرأ، وأنا نائمة، على
فراشي يُرَجِّع القرآن)».
قال: والذي يظهر أن في الترجيع قدراً زائداً على الترتيل، فعند ابن أبي
داود، من طريق أبي إسحاق، عن علقمة، قال: بِتُّ مع عبد الله بن مسعود
في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيّه، لا يرفع
صوته، ويُسْمِع مَن حوله، ويُرَتِّل، ولا يرجّع. انتهى.
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٢/ ٤٧٤.
(٣) ((الفتح)) ٤٤٨/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨٣٥).
(٢) («المفهم)) ٤٢٤/٢.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما سبق أن الصواب أن النبيّ وَّ رَجّع
في قراءته قصداً، لا من هزّ الراحلة، فيُستفاد منه استحباب الترجيع مع مراعاة
قوانين القراءة، حتى لا يخرج منها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مغفّل نظ البه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٥٣/٣٦ و١٨٥٤ و١٨٥٥] (٧٩٤)،
و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٢٨١) وفي ((التفسير)) (٤٨٣٥) و((فضائل القرآن))
(٥٠٣٤ و٥٠٤٧) و((التوحيد)) (٧٥٤٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٦٧)،
و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣١٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣/٢)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٨٥/٤ - ٨٦) و(٥٤/٥ و٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٧٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨٨٤ و٣٨٨٥ و٣٨٨٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٨٠٥ و١٨٠٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٣/٢)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (١٢١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب الترجيع في القراءة، قال الشيخ أبو محمد بن أبي
جمرة تَخْلُهُ: معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة
بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ابن أبي جمرة تَظْهُ أراد بترجيع
الغناء الترجيع الذي يُخرج القراءة عن سنّتها، بإخراج الحروف من غير
مخارجها، أو مدّ لا يُمدّ، أو نحو ذلك، وإلا فقد ثبت أنه وَّ رجّع في
قراءته، فشرعه لأمته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان ملازمته وَل* للعبادة في كلّ أحواله؛ لأنه كان
في تلك الحالة راكباً للناقة، وهو يسير، فلم يترك العبادة بالتلاوة.
٣ - (ومنها): أن في جهره ◌َ له بذلك إرشاداً إلى أن الجهر بالعبادة قد

٢٧٣
(٣٦) - بَابُ ذِكْرِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ◌َلِ((سُورَةَ الْفَتْحِ))، وَتَرْجِيعِهِ فِيهَا - حديث رقم (١٨٥٤)
يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وذلك عند التعليم، أو إيقاظ
الغافل، أو نحو ذلك.
٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ◌َّتُ: فيه إجازة القراءة بالترجيع،
والألحان الملذّذة للقلوب بحسن الصوت. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٥٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ
الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلِ(٣)، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ (٤)، يَقْرَأُ
سُورَةَ الْفَتْحِ، قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مُغَفَّلِ، وَرَجَّعَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلَا النَّاسُ لَأَخَذْتُ
لَكُمْ بِذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف
بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) تقدم في ((المقدمة)) (ع) ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف
بُنْدار، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدر، ثقةٌ
صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَلَى نَاقَتِهِ) وفي نسخة: ((على ناقة)).
وقوله: (ورَجَّعَ) الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة،
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٢٥/١٣ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥٤٣).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٤) وفي نسخة: ((على ناقة)).
(٣) زاد في نسخة: ((المزنيّ)).

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وأصله الترديد، وترجيع الصوت: ترديده في الحلق، وقد فسر الترجيع عبد الله بن
مغفل به لما سئل عنه بقوله: ((آآآ)) بهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم
همزة أخرى.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَلَى رَاحِلَةٍ يَسِيرُ، وَهُوَ يَقْرَأُ
سُورَةَ الْفَتْحِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
و («شُعْبَةُ)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد شعبة الماضي، وهو: عن
معاوية بن قُرّة، عن عبد الله بن مُغفّل ◌ُه.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، عن شعبة لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .

٢٧٥
(٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٦)
(٣٧) - (بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٥٦] (٧٩٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ
بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ، وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا
أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ وَِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ(١)، فَقَالَ: (تِلْكَ السَّكِينَةُ، تَتَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ الإمام، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت٢ أو ٣
أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٢/٦.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثر
عابدٌ، لكنه يدلّس، واختلط بآخره [٣] (ت١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١١/٣.
٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌َّا، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو (١١٨) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ
(١) وفي نسخة: ((فذكر ذلك، فقال)).
ضويتها .
حيم

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ﴿ُهَا، وفي رواية الترمذيّ، من طريق شعبة، عن
أبي إسحاق: سمعت البراء، فزالت عنه تُهمة التدليس، أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ)
قيل: هو أُسَيد بن حُضَير كما سيأتي من حديث نفسه بعد ثلاثة أحاديث، لكن
فيه أنه كان يقرأ ((سورة البقرة))، وفي هذا أنه كان يقرأ ((سورة الكهف))، وهذا
ظاهره التعدد.
وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شَمّاس، لكن في
((سورة البقرة)) أيضاً.
وأخرج أبو داود، من طريق مرسلة، قال: قيل للنبيّ وَّ: ألم تر ثابتَ بن
قيس، لم تزل داره البارحةَ تُزْهِر بمصابيح؟ قال: فلعله قرأ ((سورة البقرة؟))،
فسئل، قال: قرأت ((سورة البقرة)).
ويَحْتَمِل أن يكون قرأ ((سورة البقرة))، و(سورة الكهف)) جميعاً، أو من
كل منهما، أفاده في ((الفتح)) (١) .
(يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من
الفاعل (مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ) جمع شَطَنٍ - بفتح المعجمة - وهو الحبل، وقيل:
بشرط طوله، وكأنه كان شديد الصعوبة (فَتَغَشَّتْهُ) أي: غطّته، غَشِيَهُ الأمر،
وتغشّاه، وأغشيته إياه، وغَشّته، قاله في (القاموس))(٢)، وقال في ((المصباح)):
والْغِشَاءِ: الْغِطاءُ وزناً ومعنَى، وهو اسم من غَشَيْتُ بالتثقيل: إذا غّيته،
والْغِشَاءُ بالكسر: الْغِطاء أيضاً. انتهى(٣).
وقوله: (سَحَابَةٌ) مرفوع على الفاعليّة، وهو بالفتح: الغيم، والجمع
سَحَابٌ، وسُحُبٌ بضمّتين، وسَحائب؛ سُمّي بذلك لانسحابه في الهواء(٤).
(فَجَعَلَتْ) أي: السحابة (تَدُورُ، وَتَدْنُو) أي: تقرب من ذلك الرجل
(وَجَعَلَ فَرَسُهُ) الفرس يُذكّر ويؤنّث، ولذا ذكر الفعل هنا، وأنّته فيما يأتي، قال
(١) راجع: ((الفتح)) ٨/ ٦٧٤ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠١١).
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٤٨/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧٠/٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٦٦/١ - ٢٦٧ بزيادة من ((القاموس)).

٢٧٧
(٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٦)
الفيّوميُّ كَّثُ: الفرس يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي
الفرس، وتصغير الذكر فُرَيسٌ، والأنثى فُرَيسةٌ على القياس، وجُمعت الفرس
على غير لفظها، فقيل: خيلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور،
وثلاث أفراس بحذفها للإناث. انتهى (١).
وقوله: (يَنْفِرُ مِنْهَا) هنا بالفاء والنون، والراء، بلا خلاف، وفي الرواية
الآتية: ((يَنْقُز))، وسيأتي الكلام عليه (فَلَمَّا أَصْبَحَ) أي: دخل ذلك الرجل في
الصباح، و((الصباح)): خلاف المساء، قال الْجُوَالقيّ: الصباح عند العرب من
نصف الليل الآخر إلى الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول، هكذا
روى ثَعْلبٌ(٢).
(أَتَى النَّبِيَّ ◌ََّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) وفي نسخة بحذف (له))؛ أي: ذكر الرجل
ما حصل له في تلك الليلة حال قراءته سورة الكهف (فَقَالَ) وَ ((تِلْكَ
السَّكِينَةُ) بمهملة وِزَانُ عظيمة، وحَكَى ابن قرقول والصغانيّ فيها كسر أولها
والتشديد بلفظ المرادف لِلْمُذية، وقد نسبه ابن قرقول للحربيّ، وأنه حكاه عن
بعض أهل اللغة.
قال النوويُّ تَخْتُهُ: قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء، المختار أنها
شيء من مخلوقات الله تعالى، فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ◌َخْلُهُ: السكينة مأخوذة من السكون، وهو القار والطمأنينة،
وهي هنا اسم للملائكة، كما فسّرها في الرواية الأخرى، وسمّاهم بذلك؛
لشدّة وقارهم، وسكونهم؛ تعظيماً لقراءة هذه السورة.
واختلَفَ المفسّرون في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية
[البقرة: ٤٨] على أقوال كثيرة، فقيل: السكون: الرحمة، وقيل: حيوان كالهِرّ،
له جناحان وذَنَبٌ، ولعينيه شعاعٌ، فإذا نظر للجيش انهزم، وقيل: آيات يسكنون
لها، وقال ابن وهب: رُوح من الله يتكلّم معهم، ويُبيِّن لهم إذا اختلفوا، وهذا
القول أشبهها؛ لأنه موافقٌ لما في هذا الحديث. انتهى(٤) ..
(١) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٦٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٨٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٣١/١.
(٤) ((المفهم)) ٢/ ٤٣٧.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((موافق لما في هذا الحديث))، محلّ
نظر؛ إذ لا يظهر وجه موافقته، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قد تَكَرَّر لفظ ((السكينة)) في القرآن والحديث، فرَوَى
الطبري وغيره عن عليّ رَظُهُ قال: هي ريح هَفّافةٌ، لها وجه كوجه الإنسان،
وقيل: لها رأسان، وعن مجاهد: لها رأس كرأس الْهِرّ، وعن الربيع بن أنس:
لعينها شعاع، وعن السديّ: السكينة طَسْتٌ من ذهب من الجنة، يُغْسَل فيها
قلوب الإنبياء، وعن أبي مالك قال: هي التي أَلْقَى فيها موسى الألواح والتوراة
والعصا، وعن وهب بن مُنّبِّه: هي روح من الله، وعن الضحاك بن مُزاحم قال:
هي الرحمة، وعنه: هي سكون القلب، وهذا اختيار الطبريّ، وقيل: هي
الطمأنينة، وقيل: الوقار، وقيل: الملائكة، ذكره الصغانيّ.
قال الحافظ تَخُّْ: والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني،
فَيُحْمَل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بحديث الباب هو
الأول، وليس قول وهب ببعيد.
وأما قوله: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ
أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبٍ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، فَيَحْتَمِلِ الأولَ، ويَحْتَمِل قولَ وهب
والضحاك.
وأما التي في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، فَيَحْتَمِل قولَ
السديّ وأبي مالك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الصواب تفسير السكينة بالملائكة، كما
تقدّم عن القرطبيّ تَخُّْهُ؛ لأن أولى ما يُفسّر به الغريب ما جاء في رواية أخرى،
وهنا صحّ عنه ◌َّلو أنه قال في الرواية الآتية: ((تلك الملائكة ... إلخ))، فلا
أقرب، ولا أظهر، ولا أولى من حملها عليها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(تَنَزَّلَتْ) وللبخاريّ في رواية الكشميهنيّ: (تَنَزَّلُ)) بضم اللام، بغير تاء،
والأصل تتنزل، وفي رواية الترمذيّ: ((نزلت مع القرآن، أو على القرآن)).
وقوله: (لِلْقُرْآنِ))) أي: لاستماع تلاوة القرآن، كما قال في الرواية الآتية:
(تلك الملائكة، كانت تستمع لك))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٢٧٩
(٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٥٦/٣٧ و١٨٥٧ و١٨٥٨] (٧٩٥)،
و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦١٤) و(التفسير)) (٤٨٣٩) و((فضائل القرآن))
(٥٠١١)، و(الترمذيّ) في ((فضائل القرآن)) (٢٨٨٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٣/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨١/٤ و٢٨٤ و٢٩٣ و٢٩٨)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٧٦٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٣٨ و٣٩٣٩)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٠٧ و١٨٠٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٢٠٦)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نزول السكينة لقراءة القرآن، وقد تقدّم الاختلاف في
معناها، وأن الصحيح أنها الملائكة، كما بُيّن في الرواية الأخرى، ويحصُل
عند نزولها طمأنينة القلب، والوقار والسكينة.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة قراءة القرآن، وأنها سبب نزول الرحمة،
وحضور الملائكة.
٣ - (ومنها): بيان فضيلة استماع قراءة القرآن.
٤ - (ومنها): بيان إكرام الله تعالى عبده المؤمن المخلص في قراءته
الخاشع المنيب، حيث يُنزل الله تعالى ملائكته ليستمعوا قراءته، ويؤانسوه بما
معهم من النور والطمأنينة؛ كرامة له؛ ليزداد يقيناً مع يقينه، واجتهاداً مع
اجتهاده .
٥ - (ومنها): بيان جواز رؤية آحاد الأمّة ممن ليس بنبيّ الملائكة عياناً،
ويشاهدهم، فقد قال ◌َله: (لو قرأت لأصبحت يراها الناس، من تستتر منهم))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكورِ أولَ الكتاب قال:
[١٨٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الْبَرَاءَ، يَقُولُ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَنَظَرَ، فَإِذَا
ضَبَابَةٌ، أَوْ سَحَابَةٌ قَدْ خَشِيَتْهُ، قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِّ وَِّ، فَقَالَ: ((اقْرَأْ فُلَانُ(١)،
فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ، تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تَتَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبله، فمن قبل أبي إسحاق فتقدّموا في الباب الماضي،
والبراء رظُه تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (ضَبَابَةٌ) بالفتح: واحد الضَّبَاب، مثلُ سحابة وسَحَاب، وهو
نَدَى، كالغبار يُغشي الأرض بالغدوات، قاله في ((المصباح))(٢).
وقال في ((القاموس)) ما معناه: ((الضَّباب)) بالفتح: ندّى كالغيم، أو
سحاب رقيقٌ كالدخان. انتهى(٣).
وقال في ((النهاية)): ((الضبابة)): هي البخار المتصاعد من الأرض في يوم
الدَّجْنِ، يصير كالظُّلّة، تحجب الأبصار؛ لظلمتها. انتهى (٤).
وقوله: (أَوْ سَحَابَةٌ) ((أو)) الظاهر أنها هنا للشكّ من الراوي.
وقوله: (اقْرَأْ فُلَانُ) أي: استمرّ على قراءتك، و((فلانُ)) منادی بحذ حرف
النداء، وقد ثبت في بعض النسخ، حيث قال: ((اقرأ يا فلانُ)).
قال النوويُّ كَخْتُ: قوله ◌َّهِ: (اقرأ فلانُ) وفي الرواية الأخرى: ((اقرأ))
ثلاث مرات، معناه: كان ينبغي أن تستمرّ على قراءة القرآن، وتغتنم ما حصل
لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التي هي سبب بقائها .
انتھی.
[فائدة]: قال الفيّومِيُّ تَظْلَمُ: فلانٌ وفُلانةٌ بغير ألف ولام كناية عن الأَنَاسيّ،
وبهما كناية عن البهائم، فيقال: رَكِبتُ الفلانَ، وحَلَبتُ الفلانة. انتهى(٥).
(١) وفي نسخة: ((اقرأ يا فلان)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٥٧/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٩٥/١.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣/ ٧٠.
(٥) ((المصباح)) ٤٨١/٢.