Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) وفي كلام الشيخ الملويّ: أن العقد يقع على خِزَانة الإلهيات من الحافظة، وهي الكنز المحصّل من القوى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر به(١). انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: الأولى عدم الخوض في مثل هذا؛ إذ لم يأت من الشارع تحقيق ذلك، فليُسلّم له علم حقيقته، ولنكتف بظاهر ما صحّ لدينا، وهو ضرب الشيطان على قافية رأس النائم، ففيه السلامة من القول بلا علم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. زاد في رواية البخاريّ: ((فارقُدْ)) أي: نَمْ. (فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) أي: من نومه (فَذَكَرَ اللهَ) قال في ((الفتح)): لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزىء غيره، بل كلّ ما صدق عليه ذكر الله أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبويّ، والاشتغال بالعلم الشرعيّ، وأولى ما يُذكر به ما أخرجه البخاريّ من حديث عبادة بن الصامت ◌َظُبه، عن النبيّ قال: ((من تعارّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، ثم قال: اللَّهم اغفر لي - أو دعا ۔ استجیب له، فإن توضأ قُبلت صلاته)). انتهى. (انْحَلَّتْ) أي: انفتحت (عُقْدَةٌ) أي: واحدة من تلك العقد الثلاث، ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((انحلّ عُقَده)) بلفظ الجمع بلا اختلاف في نسخه، قال في ((الفتح)): ووقع لبعض رواة ((الموطأ)) بالإفراد - يعني: كرواية مسلم هنا - قال: ويؤيّده رواية أحمد المشار إليها قبلُ، فإن فيها: ((فإن ذكر الله انحلّت عقدة واحدة، وإن قام، فتوضأ أُطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة))، وكأنه محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعاً، فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكلّ فعل عقدة يحلُّها. انتهى. (وَإِذَا تَوَضَّأَ) إنما خصّ الوضوء بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا (١) ((الفتح)) ٣٢/٣. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها تُحَلُّ عقدته إلا بالاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء، أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ محل بحث، قال الحافظ: والذي يظهر إجزاؤه، ولا شكّ أن في مُعاناة الوضوء عوناً كبيراً على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم. (انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانٍ) الأولى بالذكر، والثانية بالوضوء، وقال النوويُّ كَّلُهُ: معناه: تمام عقدتين؛ أي: انحلَّت عقدة ثانيةٌ، وتَمّ بها عقدتان، وهو بمعنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تمام أربعة، ومعناه في يومين آخرين، تمّت الجملة بهما أربعة أيام، ومثله في الحديث الصحيح: ((من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى توضع في القبر فقيراطان))، هذا لفظ إحدى روايات مسلم، ورَوَى البخاريّ ومسلم من طرُق كثيرة بمعناه، والمراد قيراطان بالأول، ومعناه أن بالصلاة يحصل قيراط، وبالاتّباع قيراط آخر، يتم به الجملة قيراطان. ودليل أن الجملة قيراطان رواية مسلم في ((صحيحه)): ((من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تَبِعها حتى تُدْفَن كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)). وفي رواية للبخاريّ في أول ((صحيحه)): ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها، ويُفْرَغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تُدفَن، فإنه يرجع بقيراط))، وهذه الألفاظ كلها من رواية أبي هريرة نظر ته. ومثله في (صحيح مسلم)): ((من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله))، وقد سبق بيانه في موضعِهِ. انتهى كلام النوويُّ كَذَتْهُ(١). (فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ) بصيغة الجمع؛ أي: العُقَد الثلاث، قال في ((الفتح)): وظاهره أن العُقَد تنحلّ كلّها بالصلاة خاصّةً، وهو كذلك في حقّ من لم يَحتج إلى الطهارة، كمن نام متمكّناً مثلاً، ثم انتبه، فصلّى من قبل أن (١) ((شرح النوويّ)) ٦٦/٦. ١٤٣ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) يذكر الله، أو يتطهّر، فإن الصلاة تجزئه في حلّ الْعُقَد كلّها؛ لأنها تستلزم الطهارة، وتتضمّن الذكر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: ((فإذا صلى انحَلَّت عُقَدُهُ كلُّها)) إن كان المراد به من لا يحتاج إلى الوضوء فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج إليه، فالمعنى انحلَّت بكلِّ عقدةٌ، أو انحلت عقده كلُّها بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العُقَد. وفي رواية أحمد: ((فإن قام فذكر الله انحلت واحدة، فإن قام فتوضأ أُطلقت الثانية، فإن صلى أُطلقت الثالثة))، وهذا محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعاً، فيحتاج إلى تجديد الطهارة عند استيقاظه، فيكون لكل فعلٍ عقدةٌ يحُلُّها. انتهى. (فَأَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح، أو صار (نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ) أي: لسروره بما وفقه الله تعالى له من الطاعة، مع ما يبارك له في نفسه وتصرفه في كل أموره، وبما وَعَده من الثواب، وبما زال عنه من عُقَد الشيطان، قاله النوويُّ كَُّهُ. قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سرّاً في طيب النفس، وإن لم يستحضر المصلي شيئاً مما ذُكِر وكذا عكسه، وإلى ذلك [المزمل: ٦]، الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُ وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا ()﴾ وقد استنبط بعضهم منه أن من فعل ذلك مرّةً، ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعَقْد المذكور ثانياً. واستثنى بعضهم ممن يقوم، ويذكر، ويتوضأ، ويصلي من لم ينهه ذلك عن الفحشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يُقلع، والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع، وبين الْمُصِرّ. انتهى كلام الحافظ نَُّهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ. وقال الطيبيُّ تَخُّهُ: قوله: ((فأصبح نشيطاً طيّب النفس)) مُثّلت حالة من لم يتكاسل، ولم ينم عن وظائفه التي تُسرع به إلى مقام الزُّلْفَى، وتُنشّطه لاكتساب السعادة الْعُظمى، فكلما همّت النفس اللّامة بالسلوك تداركها التوفيق بالخلاص من نفث الشيطان في عُقَد النفس الأمارة بالسوء، فتُصبح مطمئنّةً نشيطةَ القلب، طيّبة النفس ظاهراً في سيمائها أثرُ السجود بحالة من أسره العدوّ، وشدّ على قفاه برِبْقة الأسر عُقْدة بعد عقدة استيثاقاً، وهو يتحرّى الخلاص منه بلطائف ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها حيله مرّةً بعد أخرى حتى يتخلّص منه بالكلّيّة، ويذهب لسبيله بلا مانع ولا منازع، بخلاف من أطاع الشيطان حتى يتمكّن من النفس الأمارة، يضرب العقد على قافية رأسه، فهل يستويان؟ ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ، أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا [الملك: ٢٢]. انتهى (١) ٢٢ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِ وقوله: (وَإِلَّا) ليست أداة استثناء، وإنما هي ((إن)) الشرطيّة أُدغمت في ((لا)) النافية؛ أي: وإن لم يفعل ما ذُكر من الذكر، والوضوء، والصلاة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) أي: بتركه ما كان اعتاده، أو أراده من فعل الخير، كذا قيل، وقد تقدم ما فيه، قاله في ((الفتح)). وقال النوويُّ كَُّهُ: معناه: لِمَا عليه من عُقَد الشيطان وآثار تثبيطه، واستيلائه، مع أنه لم يزل ذلك عنه. انتهى. وقال القرطبيُّ: قوله: ((أصبح خبيث النفس)) أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام خديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظّ الأوفر من قيام الليل. وقوله: ((كسلان)) أي: متثاقلاً عن الخيرات، فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تخفّ عليها صلاةً ولا غيرها من القربات، وربّما يحمله ذلك على تضييع الواجبات. انتهى (٢). وقوله: (كَسْلَانَ))) غير منصرف للوصف، ولزيادة الألف والنون، وهو مذكّر كَسْلَى، وقد وقع لبعض رواة ((الموطأ)): ((كسلاناً)) مصروفاً، وليس بشيء، قاله القرطبيُّ ◌َظُّ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وليس بشيء)) فيه نظرٌ؛ لأنه إن صحّ رواية فله وجه صحيح في العربيّة، وذلك أن يُحمل على لغة بني أسد، فإنهم يصرفون كلّ صفة جاء على فعلان، كسكران، وعطشان، وغضبان؛ لأنهم يؤنّثونه بالتاء، ويستغنون بفعلانة عن فَعْلَى، بخلاف لغة غيرهم من العرب (٤)، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٠١/٤. (٢) ((المفهم)) ٢ /٤٠٩ - ٤١٠. (٣) ((المفهم)) ٢/ ٤١٠. (٤) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٥٤/٢. ١٤٥ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) قال في ((الفتح)): ومقتضى قوله: ((وإلا أصبح)) أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثاً كسلان، وإن أتى ببعضها، وهو كذلك، لكن يَختلف ذلك بالقوّة والخفّة، فمن ذكر الله مثلاً كان في ذلك أخفّ ممن لم يذكر أصلاً، وفي حديث أبي سعيد ظُبه: «فإن قام فصلى انحلّت العُقَد كلهنّ، وإن استيقظ، ولم يتوضأ، ولم يصلّ أصبحت العقد كلها كهيئتها)). وقال ابن عبد البرُّ كَّتُهُ: هذا الذمّ يختصّ بمن لم يَقُم إلى صلاته وضيّعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة، أو إلى النافلة بالليل، فغلبته عينه، فنام، فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته، ونومُهُ عليه صدقة . وقال أيضاً: زعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله ◌َ له: ((لا يقولنّ أحدكم خبُئت نفسي))، وليس كذلك؛ لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذمّاً لفعله، ولكلّ من الحدیثین وجه . وقال الباجيّ: ليس بين الحديثين اختلاف؛ لأنه نَهَى عن إضافة ذلك إلى النفس؛ لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووَصَفَ بعضَ الأفعال بذلك تحذيراً منها وتنفيراً . قال الحافظ تَظّلُهُ: تقرير الإشكال أنه رَسُ نَهَى عن إضافة ذلك إلى النفس، فكل ما نُهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نُهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وَصَفَ وَ لّ هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحل التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير. [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الفضل العراقيُّ كَُّ في ((شرح الترمذيّ)) أن السرّ في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرةُ إلى حلّ عُقَد الشيطان، وبناه على أن الحلّ لا يتمّ إلا بتمام الصلاة، وهو واضح؛ لأنه لو شرع في صلاة، ثم أفسدها لم يساو من أتمّها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع في حلّ العقد يحصل بالشروع في العبادة، وينتهي بانتهائها . ١٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم من حديث أبي هريرة روايته، فاندفع إيراد من أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما وردتا من فعله ◌َّ، وهو منزّه عن عَقْد الشيطان، حتى ولو لم يَرِد الأمر بذلك لأمكن أن يقال: يُحْمَل فعله على تعليم أمته، وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة رضي ته في آخر الحديث: ((فخُلُّوا عقد الشيطان ولو بركعتين))، قاله في ((الفتح))، وهو بحث نفيس جدّاً. [تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)) أيضاً: اذَّعَى ابن العربيّ أن البخاريّ أومأ هنا إلى وجوب صلاة الليل لقوله: ((يعقد الشيطان))، وفيه نظرٌ، فقد صرَّح البخاريّ في خامس ترجمة من أبواب التهجد بخلافه، حيث قال: ((من غير إيجاب))، وأيضاً فما تقدم تقريره من أنه حَمَل الصلاة هنا على المكتوبة يدفع ما قاله ابن العربي أيضاً. قال الحافظ تَخُّْ: ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين، قال ابن عبد البرّ: شَذّ بعض التابعين، فأوجب قيام الليل، ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه، ونقله غيره عن الحسن وابن سيرين، والذي وجدناه عن الحسن ما أخرجه محمد بن نصر وغيره عنه أنه قيل له: ما تقول في رجل استظهر القرآن كله لا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة؟ فقال: لعن الله هذا إنما يتوسد القرآن، فقيل له: قال الله تعالى: ﴿فَقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، قال: نعم، ولو قدر خمسين آية، وكأن هذا هو مستند مَن نقل عن الحسن الوجوب. ونقل الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه أنه قال: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن، وهذا يخصص ما نُقِل عن الحسن، وهو أقرب، وليس فيه تصريح بالوجوب أيضاً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌ُه هذا مُتّفقٌ عليه. ١٤٧ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨١٩/٣٠] (٧٧٦)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)» (١١٤٢) و((بدء الخلق)) (٣٢٦٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٠٦)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٦٠٧) و((الكبرى)) (١٣٠١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٧٦/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٣/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١١٣١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٥٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢١٥ و٢٢١٦ و٢٢١٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥/٣ و١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الترغيب في قيام الليل. ٢ - (ومنها): بيان تسلط الشيطان على الإنسان، وحرصه على أن لا يتقرّب إلى ربّه، فيصدّه عن ذكر الله، وعن الصلاة. ٣ - (ومنها): الحثّ على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ، وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة في الصحيح، ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر، لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل. ٤ - (ومنها): التحريض على الوضوء حينئذ، وعلى الصلاة، وإن قَلّت. ٥ - (ومنها): بيان فضل ذكر الله تعالى، والوضوء، والصلاة، حيث تنحلّ بها العُقَد التي يعقدها الشيطان على رأس الإنسان. ٦ - (ومنها): بيان أن من اجتهد، ودفع عن نفسه مكائد الشيطان، فاز بالنفحات الربانية، فأصبح طيّب النفس، نشيطاً، ومن تقاعس عن ذلك، ولم يجتهد، فقد وافق مراد الشيطان، وابتعد عن تلك النفحات، فأصبح خبيث النفس، كسلان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٣١) - (بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةٍ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٢٠] (٧٧٧) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا(٢) يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((اجْعَلُوا مِنْ صَلَائِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (يَحْبَى) بن سعيد القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتُ حافظ إمام حجة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله ◌ًِّا، مات ◌َظُه سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٠) ١٤٩ ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان بصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظًا من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، رَوَى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: ((اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) . بُيُوتِكُمْ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: ((مِنْ)) للتبعيض، والمراد النوافل بدليل حديث جابر رضيبه التالي: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته)). وقال القاضي عياض كَّتُ: قيل: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم، ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة، وعبيد، ومريض، ونحوهم، قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة، لإخفائها، وللحديث الآخر: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). قال النووي: الصواب أن المراد النافلة، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز حمله على الفريضة. انتهى. قال الحافظ بعد نقل كلام عياض ما نصه: وهذا، وإن كان محتملاً، لكن الأول هو الراجح. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صوّبه النوويّ كَذَتُهُ هو الحقّ عندي، وكونه محتملاً للفريضة كما قال الحافظ بعيد، وكيف يَحْتَمِل، مع حديث: ((فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))؟، والله تعالى أعلم. قال النوويّ كَّلُهُ: وإنما حثّ على النافلة في البيت، لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرّك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان، كما جاء في الحديث الآخر، وهو معنى قوله وَّر في حديث جابر رَظُّ بعده: ((فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً)). (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً))) أي: لا تصيّروها كالقبور التي ليست فيها صلاة، وقال السنديُّ تَخْتُهُ: أي: كالقبور في الخلوّ عن ذكر الله، والصلاة، أو لا ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها تكونوا كالأموات في الغفلة عن ذكر الله تعالى، والصلاة، فتكون البيوت لكم قبوراً، مساكن للأموات. انتهى. [تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريُّ كَُّ في (صحيحه)) بهذا الحديث على كراهية الصلاة في المقابر، فقال: ((باب كراهية الصلاة في المقابر))، فاعتَرَض عليه الإسماعيليّ بأن الحديث دالّ على كراهة الصلاة في القبر، لا في المقابر. ورُدّ عليه بأنه قد ورد الحديث بلفظ ((المقابر)) كما رواه مسلم الآتي من حديث أبي هريرة ظُبه مرفوعاً: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)). وقال ابن التين: تأوّله البخاريّ على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت؛ إذ الموتى لا يصلّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلّون في بيوتهم، وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر، أو المنع منه، فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك. قال الحافظ تَّتُهُ: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق، فمسلّم، وإن أراد نفي ذلك مطلقاً، فلا، فقد قدّمنا وجه استنباطه. وقال في ((النهاية))، تبعاً لـ((المطالع)): إن تأويل البخاريّ مرجوح، والأولى قول من قال: معناه إن الميت لا يصلي في قبره. وقد نقل ابن المنذر تَخْلَهُ عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغويّ في ((شرح السنّة))، والخطابيّ، وقال أيضاً: يَحْتَمِل أن المراد: لا تجعلوا بيوتكم وطناً للنوم فقط، لا تصلّون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلّي. وقال التوربشتيّ: حاصل ما يَحْتَمِله أربعة معان، فذكر الثلاثة الماضية، ورابعها: يَحْتَمِل أن يكون المراد أنّ مَن لم يصلّ في بيته جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر. قال الحافظ: ويؤيده ما رواه مسلم: ((مثلُ البيت الذي يُذكرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه، كمثل الحيّ والميت)). قال الخطابيّ: وأما مَن تأوّله على النهي عن دفن الموتى في البيوت، فليس بشيء، فقد دُفن رسول الله ربَّ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته. ١٥١ (٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٠) قال الحافظ تَخْذُهُ: ما ادَّعَى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيّما إن جُعل النهي حكماً منفصلاً عن الأمر، وما استَدَلّ به على ردّه تَعَقّبه الكرمانيّ، فقال: لعلّ ذلك من خصائصه وَّهِ، وقد رُوي أن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون. قال الحافظ: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ◌ًا، عن أبي بكر تَظُبه مرفوعاً: ((ما قُبض نبيّ إلا دُفن حيث يُقبض))، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشميّ، وهو ضعيف، وله طُرُقٌ أخرى، مرسلة، ذكرها البيهقيّ في ((الدلائل))، ورَوَى الترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ في ((الكبرى)) من طريق سالم بن عُبيد الأشجعيّ الصحابيّ ◌َظُه، عن أبي بكر الصديق نظـ أنه قيل له: ((فأين يُدفن رسول الله بَّه؟ قال: في المكان الذي قَبَض الله فيه روحَهُ، فإنه لم يَقبض روحَه إلا في مكان طيّب)). وإسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود. وإذا حُمِل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متّجِهٌ؛ لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيّرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة ظه عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر))، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقاً، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الحافظ كَّتُهُ بحثٌ نفيسٌ جدّاً . وحاصله أن استدلال البخاريّ تَُّهُ بالحديث على النهي عن الصلاة في المقابر صحيحٌ، وكذا استدلال من استدلّ به على النهي عن الدفن في البيوت واضح؛ لقوله ◌َّل: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر))، فإنه ظاهر في ذلك، ولأنه إذا دُفن في البيوت مع أمره وَّر بالصلاة في البيوت فلا بُدّ أن تكون الصلاة فيه واقعة عند القبر، وهو ممنوع، وأما دفنه وَّ في بيته، فإنه خاصّ بالأنبياء لِّ وبهذا يُجمَع بين الأحاديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظ﴿ها هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فى تخريجه : أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٠/٣١ و١٨٢١] (٧٧٧)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٣٢) و((التهجّد)) (١١٨٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٤٣ و١٤٤٨)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٤٥١ و٣٢٧٠)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٥٩٨) و((الكبرى)) (١٢٩٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٧٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٢٠٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٥٩ و٣٠٦٠)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٧٦٩ و١٧٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الصلاة في البيوت. ٢ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة في القبور، كما سبق احتجاج البخاريّ تَخُّْ به، وكذا استدلّ به ابن المنذر، والخطّابيّ، وغيرهما، كما قاله ابن رجب كَكْثُ في ((شرح البخاريّ))(١)، بل نقل ابن المنذر تَظْلُ عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغويّ في ((شرح السنّة))(٢). ٣ - (ومنها): بيان عدم مشروعيّة الدفن في البيوت، على ما سبق وجهه، وقد عرفت ما فيه من الكلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٢١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً)). (١) (فتح الباري)) لابن رجب تَظّفُ ٢٣٢/٣. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٤٢١/٣. (٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٢) ١٥٣ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيَانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٢٢] (٧٧٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْراً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب أيضاً. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٦ - (جَابِرُ) بن عبد الله ◌ًّا، تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد صيغة أدائهما . ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى الأعمش، وأبو سفيان واسطيّ، ثم مكيّ، وجابر رتڅبه مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن جابراً ظُله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَضَى) أي: أدّى (أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: المكتوبة (فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً) أي: حظّاً (مِنْ صَلَاتِهِ) أي: النافلة (فَإِنَّ اللهَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الله وَ (جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ) قال القرطبيّ تَخْلُهُ: الضمير فيه عائد على المصلّي الذي تضمّنه الكلام المتقدّم، وقوله: (مِنْ صَلَاتِهِ) ((من)) هنا سببيّة؛ بمعنى: ((من أجل)) (خَيْراً))) التنوين فيه للتعظيم؛ أي: خيراً عظيماً، قال القرطبيّ كَّتُهُ: والخير الذي يُجعل في البيت بسبب التنفّل هو عمارته بذكر الله تعالى، وبطاعته، وبالملائكة، وبدعائهم، واستغفارهم، وما يحصُل لأهله من الثواب والبركة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٢/٣١] (٧٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ٣١٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٩٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٤٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١) ((المفهم)) ٤١١/٢. ١٥٥ (٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٢) (٣٠٦١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٧٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ١٨٩)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه أحمد في «مسنده)) (٥٩/٣)، وابن ماجه في ((سننه)) (١٣٧٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٠٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٩/٢) من طريق سفيان وزائدة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، وعن جابر، عن أبي سعيد الخدريّ، فجعله من مسند أبي سعيد والظاهر أن الأرجح رواية أبي معاوية، عن الأعمش أنه من مسند جابر نظُبه، كما هو رأي المصنّف رَّتُهُ، حيث اقتصر على إخراجها، ولم يذكر الاختلاف في السند على عادته، وذلك لأمرين: [أحدهما]: أن أبا معاوية أحفظ مَن روى حديث الأعمش، فيقدّم على غيره. [الثاني]: أنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد الله بن نُمير، عن الأعمش عند أحمد في ((مسنده)) (٣١٦/٣) وأبو خالد الأحمر، وعبدة بن سليمان، كلاهما عن الأعمش عند ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٢٠٦). والحاصل أن رواية المصنّف ◌َظُّ هي الراجحة، فتنبّه. على أنه يُمكن أن يكون الحديث صحيحاً بالطريقين؛ لأن الرواية الثانية راويها سفيان الثوريّ، وهو مقدّم في شيوخه، كما هو مشهور، وتابعه عليه زائد بن قُدامة، وهو ثقة ثبت حجة، فتكون روايته محفوظة أيضاً، فتأمّل. وأما ما أخرجه أحمد في «مسنده)) (٥٩/٣) عن موسى(١)، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي سعيد، فضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، ومخالفته الثقات الأثبات المذكورين، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على أداء النوافل في البيت. ٢ - (ومنها): بيان أن المكتوبة لا تصلَّى إلا في المسجد. (١) هو موسى بن داود الضبيّ الْخُلقانيّ الطرسوسيّ، نزيل بغداد، صدوق فقيه زاهد له أوهام من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٧). انتهى ((ت)). ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٣ - (ومنها): بيان فضل الصلاة وأنها سبب لحصول الخير والبركة. ٤ - (ومنها): بيان أنه لا ينبغي للمسلم أن يهجر بيته، ويجعله مكاناً للنوم، والأكل والشرب ومباشرة الأهل فقط، بل ينبغي له أن يجعل فيه نوافل العبادات حتى تنزل فيه البركات، فتعمّ من فيه من الأهل والأولاد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٢٣] (٧٧٩) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٥١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل بابين. ٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو بُرْدة الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤)، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات ظ ◌ُلُه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُ، وله فيه شيخان قرن ١٥٧ (٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٣) بينهما؛ لاتفاقهما في صيغة الأداء، حيث اتّفق كيفيّة تحمّلهما في كونه بالسماع من لفظ الشيخ، فتنبّه. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد الله بن بَرّاد، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ، وأما شيخه محمد بن العلاء، فقد اتّفق الأئمة الستّة بالرواية عنه بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َظ له من مشاهير الصحابة ﴿ه، أمّره عمر، ثم عثمان ﴿مّ، وهو أحد الحكمين بصفّين، وكان من أحسن الناس صوتاً في القرآن، قال له النبيّ وَلّ: (لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود عليَا))، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ) أنه (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ (قَالَ: ((مَثَلُ) أي: صفة (الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ) بالبناء للمفعول (وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))) قال الطيبيّ كَُّ في شرح حديث: ((مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه مثل الحيّ والميت)) ما نصّه: شبّه الذاكر بالحيّ الذي تزيّن ظاهره بنور الحياة، وإشراقها فيه، وبالتصرّف التامّ فيما يريد، وباطنه مُنوَّرٌ بنور العلم والفهم والإدراك، كذلك الذاكر مُزِيَّنٌ ظاهره بنور العمل والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة، فقلبه مستقرّ في حظيرة القدس، وسرّه في مَخْدَع الوصل، وغير الذاكر عاطل ظاهره، وباطلٌ باطنه. انتهى(١). [تنبيه]: هكذا رواه المصنّف ◌َخّتُهُ بهذا اللفظ، ورواه البخاريّ ◌َّتُهُ بلفظ: ((مَثَلُ الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه، مَثَلُ الحيّ والميت)). قال في ((الفتح)): هكذا وقع في جميع نسخ البخاريّ، وقد أخرجه مسلم، عن أبي كريب، وهو محمد بن العلاء، شيخ البخاريّ فيه بسنده المذكور، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٧٢٢/٥. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها بلفظ: ((مثل البيت الذي يُذْكَر الله فيه، والبيت الذي لا يُذْكَر الله فيه، مَثَلُ الحيّ والميت))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، وابن حبان في ((صحيحه)) جميعاً عن أبي يعلى، عن أبي كريب، وكذا أخرجه أبو عوانة، عن أحمد بن عبد الحميد، والإسماعيلي أيضاً عن الحسن بن سفيان، عن عبد الله بن بَرّاد، وعن القاسم بن زكريا، عن يوسف بن موسى، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وموسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، والقاسم بن دينار، كلهم عن أبي أسامة، فتوارُدُ هؤلاء على هذا اللفظ يدلّ على أنه هو الذي حَدَّث به بُريد بن عبد الله، شيخ أبي أسامة، وانفراد البخاريّ باللفظ المذكور، دون بقية أصحاب أبي كريب، وأصحاب أبي أسامة يُشعِر بأنه رواه من حفظه، أو تجوز في روايته بالمعنى الذي وقع له، وهو أن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقةً هو الساكن، لا السَّكَن، وأن إطلاق الحيّ والميت في وصف البيت إنما يراد به ساكن البيت، فشُبِّه الذاكر بالحيّ الذي ظاهره مُتَزَيِّنٌ بنور الحياة، وباطنه بنور المعرفة، وغير الذاكر بالميت الذي ظاهره عاطلٌ، وباطنه باطلٌ، وقيل: موقع التشبيه بالحيّ والميت لما في الحيّ من النفع لمن يواليه، والضرّ لمن يعاديه، وليس ذلك في الميّت. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٣/٣١] (٧٧٩)، و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٤٠٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩١٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٧١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل ذكر الله ٠ (١) ((الفتح)) ٢١٤/١١ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٧). ١٥٩ (٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٣) ٢ - (ومنها): بيان استحباب ذكر الله تعالى في البيت، وأنه لا ينبغي خلوّه منه . ٣ - (ومنها): بيان جواز التمثيل؛ لإيضاح المسألة. ٤ - (ومنها): بيان فضل البيت الذي يُذكر الله تعالى فيه على البيت الذي لا يُذكر الله تعالی فیه. ٥ - (ومنها): أن طول العمر في الطاعة فضيلة، وإن كان الميت ينتقل إلى خير؛ لأن الحيّ يستلحق به، ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات. ٦ - (ومنها): أن المراد بالذكر الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها، والإكثار منها، مثل الباقيات الصالحات، وهي: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويُظْلَق ذكر الله أيضاً، ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه، أو ندب إليه، كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة، ثم الذكرُ يقع تارةً باللسان، ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكرُ بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر، وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى، ونفي النقائص عنه ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل صالح من صلاة، أو جهاد، أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحَّح التوجهَ، وأخلص لله تعالى في ذلك، فهو أبلغ الكمال. وقال الفخر الرازيّ: المراد بذكر اللسان: الألفاظُ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكرُ بالقلب: التفكرُ في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي، حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله، والذكرُ بالجوارح: هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثم سَمَّى الله الصلاة ذكراً، فقال: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ونُقِل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء، فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها والرضاء، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٢٤] (٧٨٠) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ(٣) مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو زيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يعقوب، فما أخرج له ابن ما جه . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة . (١) ((الفتح)) ٢١٢/١١ - ٢١٣ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٤٠٧). (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٣) وفي نسخة: ((يفرُّ)).