Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ بَّهَ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٩) اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلِ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلِ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِنَّهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ، مِنْ سُورَةٍ آلٍ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شٍَّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍٍ: فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ(١) بِأُذْنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنٍ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأسديّ الوالبيّ - بكسر اللام، والموحّدة - المدنيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وأسماء بنت أبي بكر، والسائب بن يزيد، وكُريب مولى ابن عباس، وإبراهيم بن محمد بن طلحة، والأعرج، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن شعيب، ومات قبله، وعبد ربه بن سعيد، وسعيد بن أبي هلال، وعياض بن عبد الله الفِهْريّ، ومالك بن أنس، والضحاك بن عثمان الْحِزَاميّ، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وغيرهم. قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الواقديّ: قتلته الْحَرُورية بقُدَيد سنة ثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنةً. (١) وفي نسخة: ((فأخذ)). ٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرّره ثلاث مرّات. والباقيان ◌ُكرا قبله. شرح الحديث: (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً (عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) عِنْدَ مَيْمُونَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) ◌َّ (وَهِيَ خَالَتْهُ) قَالَ: (فَاضْطَجَعْتُ) قائل ذلك هو ابن عباس ◌ّ، وفيه التفات؛ لأن أسلوب الكلام كان يقتضي أن يقول: فاضطجع؛ لأنه قال قبل ذلك: أنه بات ... إلخ (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) قال النوويُّ كَُّ: هكذا ضبطناه عَرْض - بفتح العين - وهكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، قال: ورواه الداودي بالضم، وهو الجانب، والصحيح الفتح. انتهى. وقال في ((الفتح)): في ((عَرْض الوسادة)) - بفتح أوله - على المشهور، وبالضم أيضاً، وأنكره الباجيّ من جهة النقل، ومن جهة المعنى أيضاً، قال: لأن العُرْض بالضم هو الجانب، وهو لفظ مشترك، قال الحافظ: لكن لَمّا قال: ((في طولها)) تَعَيَّن المراد، وقد صحت به الرواية فلا وجه للإنكار. انتهى. وفي رواية محمد بن نصر في ((كتاب قيام الليل)) من طريق محمد بن الوليد بن نُويفع: ((وسادة من أَدَم حشوُها لِيفٌ))، وفي رواية ابن خزيمة: ((ثم دخل مع امرأته في فراشها، وزَاد أنها كانت ليلتئذ حائضاً))، وفي رواية للبخاريّ في ((التفسير)): ((فتحدث رسول الله وَثير مع أهله ساعة)). انتهى(١). قال النوويُّ كَّتُهُ: المراد بالوسادة: الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عن الباجيّ والأصيليّ وغيرهما أن الوسادة هنا: الفراش؛ لقوله: ((اضطجع في طولها))، وهذا ضعيفٌ، أو باطلٌ. وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مُمَيِّزاً، قال القاضي: وقد جاء في بعض روايات هذا (١) ((الفتح)) ٥٦٠/٢. ٢٣ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّيِّ بَهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٩) الحديث: ((قال ابن عباس: بِتُّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضاً))، قال: وهذه الكلمة وإن لم تَصِحّ طريقاً فهي حسنة المعنى جدّاً؛ إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبيّ وَ ﴿ فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه إلا إذا عَلِمَ عدم حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة، مع أنه كان مُراقباً لأفعال النبيّ وَِّ مع أنه لم يَنَمْ، أو نام قليلاً جدّاً. انتهى(١). (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ الهِنَّهِ وَأَهْلُهُ) وفي نسخة: ((هو وأهله)) (فِي طُولِهَا) أي: طول الوسادة (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلِ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((حتى انتصف الليل، أو قريباً منه))، قالَّ في ((الفتح)): جزم شريك بن أبي نَمِر في روايته بثلث الليل الأخير، ويُجمَع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرّتين، ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه فنام، وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ، وصلى، وقد بيّن ذلك محمد بن الوليد في روايته، وفي رواية الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، عن كريب في ((الصحيحين))، وهي الرواية الماضية للمصنّف: ((فقام النبيّ وَّ من الليل، فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة ... )) الحديث، وفي رواية سعيد بن مسروق، عن سلمة الآتية في هذا الباب: ((ثم قام قومةً أخرى))، ورواية شعبة، عن سلمة: ((فبال))، بدل ((فأتى حاجته)). (اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِنَِّ، فَجَعَلَ بَمْسَحُ الثَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ) أي: يمسح بيده عينيه، من باب إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، أو أثر النوم، من باب إطلاق السبب على المسبب، قاله في ((الفتح))، وقال النوويُّ كَّتُهُ: معناه: يمسح أثر النوم، وفيه استحباب هذا، واستعمال المجاز. انتهى. (ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ، مِنْ سُورَةٍ آلٍ عِمْرَانَ) أولها: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ الشَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة. قال النوويُّ كَّقُ: فيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تَحْرُم القراءة على الجنب والحائض، وفيه استحباب قراءة هذه الآيات (١) (شرح النوويّ)) ٤٦/٦. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها عند القيام من النوم، وفيه جواز قول: ((سورة آل عمران))، و((سورة البقرة))، و((سورة النساء))، ونحوها، وكَرِهه بعض المتقدمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يذكر فيها آل عمران، والتي يذكر فيها البقرة، والصواب الأول، وبه قال عامّة العلماء من السلف والخلف، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس في ذلك. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال ابن بطال، ومن تبعه: فيه دليل على ردّ من كره قراءة القرآن على غير طهارة؛ لأنه لو قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ. وتعقبه ابن المنير وغيره بأن ذلك مُفَرَّع على أن النوم في حقه ينقض، وليس كذلك؛ لأنه قال: ((تنام عيناي، ولا ينام قلبي))، وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدَّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك، فتوضأ. قال الحافظ: وهو تعقب جيّد بالنسبه إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم؛ لأنه لم يتعيّن كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقَّب ذلك بالوضوء كان ظاهراً في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث، وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع شَعَرَ به بخلاف غيره، وما اذَّعَوه من التجديد وغيره الأصل عدمه. انتهى(٢) . (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٌّ مُعَلَّقَةٍ) زاد محمد بن الوليد: ((ثم استفرغ من الشّنّ في إناء، ثم توضأ))، قال النوويُّ تَخُّْ: إنما أنّثها على إرادة القِرْبة، وفي رواية بعد هذه: (شَنّ مُعَلَّق)) على إرادة السقاء والوعاء، قال أهل اللغة: الشَّنّ: القربة الْخَلَق، وجمعه شِنَان. انتهى. (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) وفي رواية محمد بن الوليد، وطلحة بن نافع جميعاً عن كريب: ((فأسبغ الوضوء))، وفي رواية عمرو بن دينار، عن كريب: ((فتوضأ وضوءاً خفيفاً))، ويُجْمَع بين هاتين الروايتين برواية سلمة بن كُهيل، عن كريب الماضية بلفظ: ((فتوضأ وضوءاً بين وضوءين، لم يكثر وقد (١) ((شرح النوويّ)) ٤٦/٦. (٢) ((الفتح)) ٣٤٥/١ ((كتاب الوضوء)) رقم (١٨٣). ٢٥ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ نَّهِ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٩) أبلغ))، وفي رواية عياض، عن مخرمة الآتية: ((فأسبغ الوضوء، ولم يَمَسّ من الماء إلا قليلاً))، وزاد فيها: ((فتسوّك))، وكذا لشريك عن كريب: ((فاستَنّ)) (ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى) لفظ البخاريّ: ((ثم قام يُصلي))، وفي رواية محمد بن الوليد: (ثم أخذ بُرْداً له حَضْرميّاً، فتوشحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي)). (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َا (فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ) هذا يقتضي أنه صنع جميع ما ذكر من القول والنظر والوضوء والسواك والتوشُّح، ويَحْتَمِل أن يُحْمَل على الأغلب، وهذا أقرب (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ) وفي نسخة: ((فأخذ)» (بِأَذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، قيل: إنما فتلها تنبيهاً له من النعاس، وقيل: ليتنبه لهيئة الصلاة، وموقف المأموم، وغير ذلك، قال النوويُّ تَخْتُ: والأول أظهر؛ لقوله في الرواية الأخرى: ((فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني)). انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأظهر أنه فعل ذلك لأجل التنبيه من النعاس، ولمؤانسته في الظلام، ففي رواية محمد بن الوليد: ((فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليُؤنسني بيده في ظلمة الليل))، وفي رواية الضحاك بن عثمان: ((فجعلتُ إذا أغفيت أخذ بشَحْمَة أذني))، فتبيّن بهاتين الروايتين أنه إنما فعل ذلك للأمرين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ تَظُّ: وفي هذا ردّ على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين؛ متمسكاً برواية سلمة بن كُهيل، حيث قال: ((فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه))، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مَسْك أذنه؛ لما ذكره من تأنيسه وإيقاظه؛ لأن حاله كانت تقتضي ذلك؛ لصغر سنّه، قاله في ((الفتح)) (١). (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ وَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ) كذا في هذه الرواية، وظاهره أنه فصل بين كل ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع، حيث قال فيها: ((يسلّم من كل (١) ((الفتح)) ٢/ ٥٦١. ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ركعتين))، وفي رواية عليّ بن عبد الله بن عباس الآتية لمسلم التصريح بالفصل أيضاً، وأنه استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك. ثم إن هذه الرواية فيها التصريح بذكر الركعتين ستّ مرات، ثم قال: ((ثم أوتر))، ومقتضاه أنه وَّ صلى ثلاث عشرة ركعةً، وقد صرَّح بذلك في رواية سلمة الماضية حيث قال: ((فتتامّت صلاته ثلاث عشرة ركعةً))، وفي رواية عبد ربه بن سعيد الآتية: ((فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعةً))، وفي رواية محمد بن الوليد، عن كريب مثله، وزاد: ((وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح))، وهي موافقة لهذه الرواية؛ لأنه قال بعد قوله: ((ثم أوتر)): ((فقام، فصلى ركعتين خفيفتين))، فاتّفَقَ هؤلاء على الثلاث عشرة، وصَرَّح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها . لكن رواية شريك بن أبي نَمِر عند البخاريّ في ((التفسير)) عن كريب تخالف ذلك، ولفظه: ((فصلى إحدى عشرة ركعةً، ثم أذَّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج))، فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرِف أن الأكثر خالفوا شريكاً فيها، وروايتهم مقدمة على روايته؛ لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الحافظ لَُّ تفرّد شريك بذكر إحدى عشرة ركعةً فيه نظر لا يخفى، فقد تابعه مخرمة بن سليمان عن كريب، فذكرها، وهي الرواية الآتية للمصنّف بعد حديثين، ولفظه: ((قال: فصلى إحدى عشرة ركعةً، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقداً، فلما تبيّن له الفجر صلى ركعتين خفيفتين))، فظهر بهذا أن شريكاً لم ينفرد بها، فتفطّن. قال: وقد حَمَل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعْدُه، ولا سيما في رواية مخرمة في حديث الباب إلا إن حمل على أنه أخّر سنة العشاء حتى استيقظ، لكن يَعْكُر عليه رواية المنهال الآتية قريباً. وقد اختُلِف على سعيد بن جبير أيضاً: ففي ((التفسير)) من طريق شعبة، عن الحكم، عنه: ((فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات))، وقد حَمَلَ محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء؛ لكونها وقعت قبل النوم، لكن يَعْكُر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن عليّ بن ٢٧ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهُ وَتَبَتُِّهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٩) عبد الله بن عباس، فإن فيه: ((فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لم يبق في المسجد غيره، ثم انصرف))، فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل محمد بن نصر تَّتُهُ المذكور صحيح، فقد أخرج البخاريّ رواية شعبة، عن الحكم هذه في ((كتاب العلم)) من (صحيحه))، وفيه التصريح بأنه وَاللّه صلى أربع ركعات في البيت بعدما رجع من المسجد، ولفظه: ((قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبيّ وَّر، وكان النبيّ وَّر عندها في ليلتها، فصلى النبيّ ◌َّر العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام ... )) الحديث. فدلّ على أنه صلى في البيت، ولا ينافيه ما رواه المنهال؛ لاحتمال أن يكون صلى في المسجد وفي البيت أيضاً، والله تعالى أعلم. قال: ورواية سعيد بن جبير أيضاً تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظرٌ، وقد رواها أبو داود من وجه آخر، عن الحكم، وفيه: فصلى سبعاً، أو خمساً، أوتر بهنّ، لم يسلم إلا في آخرهنّ. قال: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير: ((فصلى ركعتين ركعتين، حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس، لم يجلس بينهنّ))، فبهذا يُجمَع بين رواية سعيد ورواية کريب. وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود: ((فصلى ثلاث عشرة ركعةً، منها ركعتا الفجر))، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية کريب. وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب مُحْتَمِلةٌ، فَتُحْمَل على رواية سعيد. وأما قوله في رواية طلحة بن نافع: ((يسلّم من كل ركعتين))، فَيَحْتَمِل تخصيصه بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزار الآتية. قال: ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك؛ لأن ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أكثر الرواة عنه لم يذكروا عدداً، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس، عند مسلم ما يخالفهم، فإن فيه: ((فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، يعني آخر آل عمران، ثم أوتر بثلاث، فأَذَّن المؤذِّن فخرج إلى الصلاة)). انتهى، فزاد على الرواة تكرار الوضوء وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعاً، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضاً، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالاً، وقد اختُلِف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافاً تقدم ذكر بعضه. ويَحْتَمِل أن يكون لم يذكر الأربع الأُوَلَ كما لم يذكر الحكم الثمان كما تقدم، وأما سنة الفجر فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى، عن علي بن عبد الله، عند أبي داود. والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها، ولا شك أن الأخذ بما اتَّفَق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولا سيما إن زاد أو نقص، والْمُحَقَّق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فَيَحْتَمِل أن يكون منها سنة العشاء ويوافق ذلك رواية أبي جمرة عن ابن عباس رضيًا بلفظ: ((كانت صلاة النبيّ (وَلّر ثلاث عشرة))، يعني بالليل، ولم يُبَيِّن هل سنة الفجر منها أو لا؟ وبيّنها يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، عند النسائيّ بلفظ: ((كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح)). قال: ولا يَعْكُرُ على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يُحْمَل قوله: ((صلى ركعتين، ثم ركعتين))؛ أي: قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: (ثم ركعتين ... إلخ))؛ أي: بعد أن قام. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذا الجمع؛ لأن ظاهر السياق يأباه، فالأولى الترجيح، فرواية من روى أنه صلى ثلاث عشرة ركعةً أقوى، فترجّح على رواية إحدى عشرة، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ٢٩ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّّ وَّهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٩) وجمع الكرمانيُّ ◌َخُْ بين ما اختَلَف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس ها به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملاً، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الوجه الذي ذكره أقرب مما قاله الكرمانيُّ كَُّ أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ) تقدّم أنه بلال ◌َبه (فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) أي: صلى بالناس جماعة. قال النوويُّ كَّلُ في ((شرحه)): فيه أن الأفضل في الوتر وغيره من الصلوات أن يسلم من كل ركعتين، وإن أوتر يكون آخرَه ركعةً مفصولةً، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: ركعةً موصولةً بركعتين كالمغرب. وفيه جواز إتيان المؤذِّن إلى الإمام؛ ليَخْرُج إلى الصلاة، وتخفيف سنة الصبح، وأن الإيتار بثلاث عشرة ركعةً أكمل، وفيه خلاف لأصحابنا، قال بعضهم: أكثر الوتر ثلاث عشرة؛ لظاهر هذا الحديث، وقال أكثرهم: أكثره إحدى عشرة، وتأولوا حديث ابن عباس ضًا أنه وَّ صلى منها ركعتي سنة العشاء، وهو تأويل ضعيفٌ، مباعد للحديث. انتهى كلام النوويُّ كَّتُهُ، وهو تحقیقٌ حسنٌ. وقال في ((الفتح)): وفي حديث ابن عباس من الفوائد غير ما تقدّم ففيه جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويَحْتَمِل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره، ممن يَحِلّ له أخذ ذلك. وفيه جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعَد به مقطوعاً بوفائه. وفيه الملاطفة بالصغير، والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والردّ على من يؤثر دوام الانقباض. وفيه مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها، وجواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزاً بل مراهقاً. ٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وفيه صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه؛ لتأنيسه وايقاظه، وقد قيل: إن المتعلم إذا تُعوهد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه. وفيه حَمْلُ أفعاله وَلّ على الاقتداء به، ومشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. وفضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني، والبداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة، وتلاوة آخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل، واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم، وهو محدث، ولعله المراد بالوضوء للجنب. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((الفتح)): ولعلّه ... إلخ، فيه نظر لا يخفى، بل الصواب أن الوضوء الذي أُمر به الجنب عند إرادة النوم هو الوضوء الشرعيّ الذي تصحّ به الصلاة، فالأحاديث الصحيحة مصرّحة بأنه يتوضّأ وضوءه للصلاة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل؛ لأن الإناء المذكور كان قَصْعةً، أو صَحْفة، واستحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ، وجواز التصغير والذكر بالصفة، فقد قال ◌َ : ((نام الغليم)) يعني ابن عبّاس ها، وبيان فضل ابن عباس ﴿ّ، وقوة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدین، وحسن تأتيه في ذلك. وفيه اتخاذ مؤذُّن راتب للمسجد، وإعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها، والاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك. وفيه مشروعية الجماعة في النافلة، والائتمام بمن لم ينو الإمامة، وبيان موقف الإمام والمأموم. واستُدِلّ به على أن الأحاديث الواردة في كراهية القرآن على غير وضوء، ليست على العموم في جميع الأحوال. وأجيب بأن نومه كان لا ينقض وضوءه، فلا يتم الاستدلال به، إلا أن يثبت أنه قرأ الآيات بين قضاء الحاجة والوضوء، والله أعلم . انتهى الكلام على حديث ابن عباس ها مأخوذاً من ((الفتح)) (١)، وإن كان تقدّم بعضه، إلا (١) ((الفتح)) ٢ / ٥٦٢ - ٥٦٣. ٣١ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َهُ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٩٠) أن كونه مجموعاً في محلّ واحد أنفع وأجمع للفهم، ولذا أعدته هنا، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة المسائل في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٩٠] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْفِهْرِيِّ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَسَوََّ، وَتَوَضَّأَ، وَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يُهْرِقْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلاً، ثُمَّ حَرَّكَنِي، فَقُمْتُ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثٍ مَالِكِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْفِهْرِيُّ) المدنيّ، نزيل مصر، فيه لينٌ [٧] (م د س ق) تقدم في ((الحيض)) ٢١/ ٧٩٢. و «مخرمة)) ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد مخرمة الماضي، وهو: عن كُرَيب، عن ابن عبّاس مضروفيهما. وقوله: (وَزَادَ) الضمير لعياض بن عبد الله. وقوله: (ثُمَّ عَمَدَ) بفتحات، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْداً، من باب ضرب، وعَمَدت إليه: قَصَدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضاً، قاله في ((المصباح))(١). وقوله: (إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ) هو بفتح الشين المعجمة، وإسكان الجيم، (١) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها قالوا: وهو السقاء الْخَلَقُ، وهو بمعنى الرواية الأخرى: ((شَنّ مُعَلَّقَةٌ))، وقيل: الأَشْجاب: الأعواد التي تُعَلَّق عليها القِرْبة، قاله النوويُّ كَّثُ(١). وقال القاضي عياض كثّثُهُ: وقع هذا الحرف - يعني ((شجباً)) - من روايتنا عن الخشنيّ، عن الطبريّ: (سجب)) بالسين المهملة، وليس بشيء. انتهى (٢). وقوله: (وَلَمْ يُهْرِقْ) بسكون الهاء هكذا النسخ، وأصل هذه الكلمة أراق يُريق، فأبدلت الهمزة هاء، قال الفيّوميُّ تَُّ: راق الماءُ والدمُ وغيرُه رَيْقاً، من باب باع: انْصَبَّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصل هَرْيَقَه، وزانٌ دَحْرَجَه، ولهذا تُفْتَح الهاءُ من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تفتح الدال من يُدحرجه، وتفتح من الفاعل والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَريق ومُهَراق، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَراقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْم دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ والأمرُ: هَرِقْ ماءَكَ، والأصلُ هَرْبِقْ وزانُ دَخْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهراقه يُهَرْيِقُهُ ساكنُ الهاء؛ تشبيهاً له بأَسْطَاع يُسْطِيع، كأن الهمزة زيدت عوضاً عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيّاً. انتهى كلام الفيّوميُّ كَّثُ(٣). وقوله: (وَلَمْ يُهْرِقْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلاً) هو بمعنى قوله في الحديث الآتي: ((ولم يُكثر من الماء)). وقوله: (وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ مَالِكِ) أي: وباقي حديث عياض بن عبد الله عن مخرمة بن سليمان مثل حديث مالك بن أنس عنه. [تنبيه]: رواية عياض بن عبد الله الْفِهْريّ، عن مخرمة بن سليمان هذه ساقها أبو نعيم تَّثُ في ((مستخرجه)) (٣٥٩/٢) فقال: (١٧٤١) حدّثنا محمد بن المظفّر إملاءً، ثنا عليّ بن أحمد بن سليمان، ثنا هارون بن سعيد الأيليّ، ثنا عبد الله بن وهب، عن عياض بن عبد الله، عن (١) ((شرح النووي)) ٦/ ٤٧ - ٤٨. (٣) المصباح المنير ٢٤٨/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ١١٩/٣. ٣٣ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّنَّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٩١) مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال: بعثني أبي إلى النبيّ وَّه بهدية، فأتيته، وهو في بيت ميمونة، فرَقَّدَتني على فضل وسادة، فنام حتى إذا كان شطر الليل قام، فنظر في السماء، ثم تلا آخر ((سورة آل عمران)): ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٠] حتى ختمها، ثم عَمَدَ إلى شَجْب من ماء مُعَلَّق، فتسوّك، وتوضأ، فأسبغ الوضوء، ولم يُهرِق من الماء إلا قليلاً، حتى حَرَّكَني، فقمت، فتوضأت، فقمت عن يساره، فحوّلني عن يمينه، فجعل يقرأ، وهو يَفْتِل أذني، فصلى عشر ركعات، ثم أوتر، ثم نام، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه بلال، فأيقظه للصلاة، فقام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم خرج إلى الصلاة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٩١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي(١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدٍ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَّى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣)، أَنَّهُ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ(٤)، زَوْجِ النَّبِّ ◌َِِّ، وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ(٥) ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قبل باب. (١) وفي نسخة: ((وحدّثني)). (٣) وفي نسخة: ((عن عبد الله بن عباس)). (٥). وفى نسخة: ((فصلى تلك الليلة)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٤) وفي نسخة: ((عند خالتي ميمونة)). ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥] (ت١٣٩) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المساجد)) ١٩/ ١٢٧٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، وكلّهم مدنيّون، وهم: عبد ربّه بن سعيد، ومخرمة بن سُليمان، وكريب، والله تعالى أعلم. وقوله: (نِمْتُ) بكسر النون؛ لأنه من باب فَعِلَ يَفْعَلُ، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع، كخاف يخاف. وقوله: (عِنْدَ مَيْمُونَةَ) وفي نسخة: ((عند خالتي ميمونة)). وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ) بالجرّ على البدليّة من ميمونة. وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ وَلَةِ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ) جملة حاليّة من ميمونة، والحال أنه وَّ كان في تلك الليلة عندها. وقوله: (فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) تقدّم أنه أداره من خلفه، واستُدلّ به لأن مثل هذا العمل لا يُفسد الصلاة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَصَلَّى) أي: شرع في الصلاة. وقوله: (فِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ) وفي نسخة: ((تلك الليلة)) بحذف ((في))، والنصب على الظرفيّة. وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن الحارث الراوي عن عبد ربّه بن سعيد، وهو موصول بالإسناد الماضي، وليس معلّقاً، كما زعمه بعضهم، فقد ساقه أبو نعيم مثل سياقه. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا عزا في ((الفتح)) رواية بكير إلى أبي نعيم، ولم أرها في ((المستخرج))، وإنما ذكر فيه ما ذكره مسلم هنا، لا غيرُ، والله تعالى أعلم. وقوله: (بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، نُسب لجدّه ٣٥ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٩٢) المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠)، أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. وقوله: (فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ) أي: قال بُكير: حدّثني بهذا الحدیث کریب مولی ابن عبّاس حبًا. قال في ((الفتح)): واستفاد عمرو بن الحارث بهذه الرواية عنه العلوّ برجل. انتهى (١) . (١) قال الجامع عفا الله عنه: وجه العلوّ أن عمراً رواه عن عبد ربّه بن سعيد، عن مخرمة، عن كُريب، فكان بينه وبين كُريب واسطتان، فلما حدّث به بُكيراً، قال له: حدّثني بُكير بذلك، فكان بين عمرو وبين كُريب واسطة واحدة، وهو بكير، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان المسائل المتعلّقة به قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَّاكُ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقُلْتُ لَهَا: إِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّل، فَأَيْقِظِينِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ◌َ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَجَعَلَنِي مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَعْفَيْتُ يَأْخُذُ(٢) بِشَحْمَةٍ أُذُنِي، قَالَ: فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ احْتَبَى حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ نَفَسَهُ رَاقِداً، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَیْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكَّ) محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، (١) ((الفتح)) ٢٢٥/٢. (٢) وفي نسخة: ((أخذ)). ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥. ٣ - (الضَّحَُّ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦ / ٧٧٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِذَا أَغْفَيْتُ) أي: نِمتُ نومةً خفيفةً، قال الفيّومِيُّ تَظْتُ: أغفيتُ إِنْفَاءَ، فأنا مُغْفٍ: إذا نِمْتَ نومةً خفيفةً، قال ابن السِّكِّيت وغيره: ولا يقال: غَفَوْتُ، وقال الأزهريّ: كلام العرب أغفيتُ، وقلّما يقال: غَفَوتُ. انتهى(١). وقال في ((القاموس)): وغَفَا غَفْواً وغُفُوّاً: نام، أو نَعَسَ، كأغفى. انتھی (٢). وقوله: (يَأْخُذُ) وفي نسخة: ((أخذ)). وقوله: (بِشَحْمَةٍ أُذُنِي) قال الفيّومِيُّ كَذَتُهُ: شَحْمَةُ الأُذُن: ما لان فى أسفلها، وهو مُعلَّقُ القُرط. انتهى (٣) . وقوله: (فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) تقدّم أن أكثر الرواة على أنه ◌َُّ صلّى ثلاث عشرة ركعة، فتُرجّح روايتهم على رواية الضحّاك بن عثمان هذه، ومثلها رواية شريك بن أبي نمر، عن عكرمة عند البخاريّ في ((التفسير))، وقد تقدّم تحقيق هذا قريباً، فتنبه. وقوله: (ثُمَّ احْتَبَى) يقال: احتبى الرجلُ: إذا جمع ظهره وساقيه بثوب أو غيره، وقد يَحْتبي بيديه، والاسم الْحِبْوَة بالكسر، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(٤). وقوله: (حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ نَفَسَهُ رَاقِداً) قال النوويُّ كَُّ: معناه أنه احتبى أوّلاً، ثم اضطجع كما سبق في الروايات الماضية، فاحتبى، ثم اضطجع حتى سُمع نفخه ونَفَسه، بفتح الفاء. انتهى (٥) . (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٥٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٠٦/١. (٥) ((شرح النوويّ)) ٤٨/٦. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧٠/٤. (٤) ((المصباح)) ١٢٠/١. ٣٧ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ نَّهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٩٣) والحديث سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٩٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنَّ مُعَلَّقٍ، وُضُوءاً خَفِيفاً (١)، قَالَ: وَصَفَ وُضُوءَهُ، وَجَعَلَ يُخَفِّفُهُ وَيُقَلِّلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخْلَفَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ بَمِينِهِ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ، فَذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا لِلنَّبِيِّ نَِّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ تَنَامُ عَيْنَاهُ(٢)، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين المروزيّ، ثم البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتُ حافظ حجةٌ فقيهٌ إمامٌ، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. والباقون ذُكروا قبله. (١) وفي نسخة: ((وضوءاً مخفّفاً)). (٢) وفي نسخة: ((عینه)) . ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمامے مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّثُ، وله فيه شيخان قَرَن بینھما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى عكرمة، فمدنيّ، وأما ابن عبّاس ◌ًَّا، فقد سكن مكة مدّة أيضاً. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عكرمة. ٥ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﴿ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ كُرَيْبٍ) - بضم الكاف، وفتح الراء، مصغّراً -، يُكنَى أبا رِشْدين - بكسر الراء، وسكون الشين المعجمة، وكسر الدال المهملة، وآخره نون - مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من الأسماء المفردة في ((الصحيحين)) (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َا (أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةً) بنت الحارث (فَقَّامَ رَسُوَّلُ اللهِ وَهِ مِنَ اللَّيْلِ) كلمة ((من)) هنا للابتداء، والمعنى: قام مبتدئاً من الليل، أو التقدير: قام مِن مُضِيّ زمنٍ من الليل، ويجوز أن تكون بمعنى ((في)) كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]؛ أي: في يوم الجمعة، والمعنى: قام في بعض الليل (فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنِّ) بفتح الشين المعجمة، وتشديد النون: أي: القربة العتيقة (مُعَلَّقٍ) إنما ذَكّر على إرادة الجلد، أو الوعاء، وقد تقدّم في رواية مخرمة، عن كُريب بلفظ: ((معلّقة)) (وُضُوءاً خَفِيفاً) وفي نسخة: ((مُخَفّفاً)) (قَالَ) سفيان (وَصَفَ وُضُوءَهُ) أي: وصف عمرو بن دينار وضوءه وَّه (وَجَعَلَ يُخَفِّفُهُ وَيُقَلِّلُهُ) أي: يَصِفه بالتخفيف والتقليل، وقال ابن الْمُنَيِّر: يخففه: أي: لا يُكْثِرِ الدلك، ويقلله: أي: لا يزيد على مرة مرة، قال: وفيه دليل على إيجاب الدلك؛ لأنه لو كان يُمكن اختصاره لاختصره، لكنه لم يختصره. انتهى، وتعقّبه الحافظ، فقال: هي دعوى مردودةٌ، فإنه ليس في الخبر ما يقتضي ذلك، بل الاقتصار على سيلان الماء ٣٩ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َهُ وَتَبَقُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٩٣) (فَقُمْتُ) أي: على العضو أخفّ من قليل الدلك. انتهى (١). (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) من نومي (فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ونَ ﴿) وفي رواية البخاريّ: ((فتوضّأتُ نحواً مما توضأ))، قال الكرمانيّ: لم يقل: مثلاً؛ لأن حقيقة مماثلته وَليه لا يقدر عليها غيره. انتهى، وتُعقّب بثبوت رواية المثل، ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه. (ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخْلَفَنِي) أي: أدارني من وراء خلفه (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: وضع جنبه بالأرض (فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ) بالمدّ: أي: أعلمه (بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ) من البيت إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) إماماً للناس (وَلَمْ يَتَوَضَّأُ) فيه دليلٌ على أن النوم ليس حدثاً، بل مَظِنّة الحدث؛ لأنه وَّ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، فلو أحدث لَعَلِم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم، وربما لم يتوضأ، قال الخطابيُّ رَّتُ: وإنما مُنِعَ قلبُهُ النوم؛ لِيَعِيَ الوحي الذي يأتيه في منامه. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (وَهَذَا) إشارة إلى الصلاة بلا وضوء بعد النوم (لِلنَّبِيِّ وَِّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: لأن الأمر والشأن (بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ تَنَامُ عَيْنَاهُ) وفي نسخة: ((عينه)) بالإفراد وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) وفي رواية البخاريّ: قلنا لعمرو: إن ناساً يقولون: إن رسول الله وَ لا تنام عينه، ولا ينام قلبه، قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: إن رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إِنّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ الآية [الصافات: ١٠٢]. قال في ((الفتح)): قوله: ((قلنا)) القائل سفيان، والحديث المذکور صحیح، وعبيد بن عمير من كبار التابعين، ولأبيه عمير بن قتادة صحبة، وقوله: ((رؤيا الأنبياء وحي))، رواه مسلم مرفوعاً، قال: ووجه الاستدلال بما تلاه من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحياً لما جاز لإبراهيم عليّ الإقدام على ذبح ولده. (٢) انتھی ''. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٢٨٨/١. (٢) ((الفتح)) ٢٨٨/١ - ٢٨٩. ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٩٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ وَِّ؟ قَالَ: فَقَامَ، فَبَالَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، أَوِ الْقَصْعَةِ، فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءاً حَسَناً بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي(٢)، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَكَامَلَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ وَِّ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى نَفَخَ، وَكُنَّا نَعْرِفُهُ إِذَا نَامَ بِنَفْخِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَجَعَلَ بَقُولُ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ شِمَالِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً، وَخَلْفِي نُوراً، وَفَوْقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوراً، وَاجْعَلْ لِي نُوراً، أَوْ قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُوراً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. : ٣ - (شُعْبَةٌ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. والباقون ذُكروا في الباب، و((سَلَمَةُ)) هو: ابن كُهَيل. وقوله: (فَبَقَيْتُ) بفتح الباء الموحّدة، والقاف: أي: رَقَبتُ، ونظرتُ، يقال: بَقَيتُ، وبَقَوتُ بمعنى رَقَبتُ، وَرَمَقْتُ، قاله النوويُّ ◌َظّ ◌ُ(٣). وقوله: (فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا) بكسر الشين: أي: الخيط الذي تُربط به في الوتد، وقيل: هو الوكاء. وقوله: (فِي الْجَفْنَةِ) بفتح الجيم، وسكون: هي القصعة الكبيرة، جمعها (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٣) ((شرح النوويّ)) ٤٩/٦. (٢) وفي نسخة: ((فصلّى)).