Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٩) (سننه)) (٢٦/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٠٢ و٢٢٠٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٥٤٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٣٨ و٣٠٣٩ و٣٠٤٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٣٠ و١٧٣١ و١٧٣٢ و١٧٣٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٩١/٢ و٤٩٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٨٨ و١٧٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على قيام رمضان، وبيان عظم ثوابه. ٢ - (ومنها): بيان فضل شهر رمضان وعظم قدر ما منّ الله ◌ُعَلَ على هذه الأمة بغفران ما تقدّم من ذنوبهم إذا قاموه إيماناً واحتساباً . ٣ - (ومنها): بيان وجوب التصديق بالعمل الذي يعمله الشخص، وهذا معنى قوله: ((إيماناً))؛ أي: مصدّقاً بكونه طاعةً لله تعالى، فلا ينفع العمل بلا تصدیق . ٤ - (ومنها): الحثّ على إخلاص العمل لله ◌ُعَلَ، وأنه لا ينفع إلا إذا ابتُغي به وجهه، وطُلب الأجر منه وحده، وهذا معنى قوله: ((واحتساباً)). ٥ - (ومنها): بيان أن بعض الأعمال تكفّر الذنوب الماضية كلّها، أما الصغائر فلا خلاف فيها، وأما الكبائر، فيُرجى من الله عفوها، بل إذا لم يكن للعبد إلا الكبائر، فلا بدّ من تخفيفها، والله ربك ذو الفضل العظيم. ٦ - (ومنها): بيان جواز إطلاق لفظ ((رمضان)) من غير إضافة ((شهر)) إليه؛ خلافاً لمن منع ذلك، حتى يقال: شهر رمضان، قال: لأن ((رمضان)) اسم من أسماء الله تعالى، وهذا باطلٌ؛ لأن ذلك لم يصحّ عن النبيّ ◌َّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة التراويح: قال النوويُّ كَّتُهُ: اتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفرداً في بيته، أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ظة، واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد. ٦٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، وغيرهم: الأفضل فُرَادى في البيت؛ لقوله وَله: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). انتهى (١). وقال في ((الفتح)): وبالغ الطحاويّ، فقال: إن صلاة التراويح في پئه e الجماعة واجبة على الكفاية، وقال ابن بطال: قيام رمضان سنةٌ؛ لأن عمر إنما أخذه من فعل النبيّ وَ ﴿، وإنما تركه النبيّ وَّل خشيةَ الافتراض، وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختلّ الجماعة في المسجد بتخلّفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواءٌ، فمن فَقَدَ بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل. (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح القول بأفضليّة التراويح في البيت، كسائر النوافل؛ لأمره وس18 بذلك، حيث قال: ((فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة))، متّفقٌ عليه، وهذا قاله في صلاة التراويح الذي سيأتي في حديث عائشة رؤيا المذكور في الباب. هذا كلّه في حقّ من يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا يغلبه النوم لو صلّى في بيته، وأما من كان يخشى أن لا يقوم في البيت، بأن يغلبه النوم، أو يحصل له تشويش من أهل بيته، أو نحو ذلك مما يصدّه عن قيام الليل، فالأفضل في حقّه أن يصلي في المسجد، وعلى هذا يدلّ فعل عمر ، فإنه لَمّا جمع الناس في المسجد على إمام واحد، لم يكن يصلي معهم، بل قال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، رواه البخاريّ. والحاصل أن صلاة التطوّع في البيت أفضل، سواء كان التراويح، أم غيره لمن كان نشطاً، ولا يمنعه منه مانع، وأما من يخشى أن يفوته بسبب من الأسباب، فصلاته مع الجماعة خير له، وأما القول بوجوب صلاة التراويح (١) ((شرح النوويّ)) ٣٩/٦ - ٤٠. (٢) ((الفتح)) ٢٩٧/٤ ((كتاب صلاة التراويح)). ٦٦٣ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٩) جماعة، كما تقدّم عن الطحاوي، فبطلانه واضح، وكذا القول بأفضليّته في المسجد مطلقاً ليس بصحيح؛ لما ذكرته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة التراويح: قال القرطبيُّ كَّتُهُ: اختُلِف في المختار من عدد القيام، فعند مالك أن المختار من ذلك ستّ وثلاثون؛ لأن ذلك عَمَلُ أهل المدينة المتّصل(١)، وقد قال نافعٌ: لم أُدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث، وقال الشافعيّ: عشرون ركعةً، وقال كثير من أهل العلم: إحدى عشرة ركعةً؛ أخذاً بحديث عائشة ◌ّا المتقدّم. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)) ما حاصله: اختُلِف في عدد الركعات التي كان أُبيّ بن كعب نظُ يصليها بالناس لَمّا أمره عمر ◌َُّه، ففي ((الموطأ)) عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، أنها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر، وزاد فيه: ((وكانوا يقرؤون بالمائتين، ويقومون على العِصِيّ من طول القيام))، ورواه محمد بن نصر المروزيّ، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يوسف، فقال: ((ثلاث عشرة))، ورواه عبد الرزاق، من وجه آخر، عن محمد بن يوسف، فقال: ((إحدى وعشرين))، ورَوَى مالك، من طريق يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد: ((عشرين ركعةً))، وهذا محمول على غير الوتر، وعن يزيد بن رُومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين، ورَوَى محمد بن نصر، من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة، وثلاث ركعات الوتر. (١) قال الحافظ وليّ الدين كَقَدَثُ: ولَمّا وَلِيَ والدي يعني الحافظ أبا الفضل العراقيّ تَظْثُ إمامة مسجد المدينة، أحيا سنتهم القديمة في ذلك، مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة، فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واستمرّ على ذلك عمل أهل المدينة بعده، فهم عليه إلى الآن. انتهى. ((طرح التثريب)) (٩٨/٤). (٢) ((المفهم)) ٣٨٩/٢ - ٣٩٠. ٦٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويَحْتَمِل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يُطيل القراءة تَقِلّ الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداوديّ وغيره، والعدد الأول موافقٌ لحديث عائشة ◌ًّا: ((ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً))، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارةً يوتر بواحدة، وتارة بثلاث. ورَوَى محمد بن نصر، من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، يعني بالمدينة، يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا، وعن الزعفرانيّ، عن الشافعيّ: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق، وعنه قال: إن أطالوا القيام، وأقلُّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود، وأخقُوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ. وقال الترمذيّ: أكثر ما قيل فيه أنها تُصَلَّى إحدى وأربعين ركعةً، يعني بالوتر، كذا قال، وقد نَقَل ابنُ عبد البر، عن الأسود بن يزيد: تُصَلَّى أربعين، ويوتر بسبع، وقيل: ثمان وثلاثين، ذكره محمد بن نصر، عن ابن أيمن، عن مالك، وهذا يمكن ردُّه إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرَّح في روايته بأنه یوتر بواحدة، فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة، وعن مالك: ستاً وأربعين، وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب عن العُمَريّ، عن نافع، قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعاً وثلاثين، يوترون منها بثلاث، وعن زُرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعاً وثلاثين، ويوتر، وعن سعيد بن جبير: أربعاً وعشرين، وقيل: ست عشرة، غير الوتر، رُوي عن أبي مِجْلَز عند محمد بن نصر، وأخرج من طريق محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن يوسف، عن جدّه السائب بن يزيد، قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك، وهو موافقٌ لحديث عائشة ◌َّا في صلاة النبيّ وَّ من الليل، والله أعلم. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٢٩٨/٤. ٦٦٥ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٩) وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْثُ في ((الفتاوى الكبرى)): قد ثبت أن أبيّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة، في قيام رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكرٌ، واستَحَبّ آخرون تسعة وثلاثين ركعةً؛ بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم، وقال طائفة: قد ثبت في ((الصحيح)) عن عائشة رضيّا أن النبيّ وَل لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لِمَا ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين، والصواب أن ذلك جميعه حسنٌ، كما قد نَصّ على ذلك الإمام أحمد تَخّلُهُ، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبيّ وَّو لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبيّ وَ ﴿ كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه من حديث حذيفة ربه أنه كان يقرأ في الركعة بـ(البقرة))، و((النساء))، و((آل عمران))، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات، وأُبي بن كعب لَمّا قام بهم، وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكَثَّر الركعات؛ ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعةً، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضَعُفوا عن طول القيام، فكثَّروا الركعات حتى بلغت تسعاً وثلاثين. انتهى كلامه دَخَذَتْهُ(١). وقال كَثُ في موضع آخر من ((الفتاوى)) أيضاً: وكان النبيّ ◌َّه قيامه بالليل هو وِتْرَه، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعةً، لكن كان يصليها طوالاً، فلما كان ذلك يشق على الناس، قام بهم أبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضاً عن طول القيام، وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة، فيكون قيامها أخفّ، ويوتر بعدها بثلاث، وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعةً، يوتر بعدها. انتهى كلام (١) ((الفتاوى الكبرى)) ١٧٦/١ - ٢٢٧. ٦٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شيخ الإسلام تَخْدَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أنه لا يتعيّن في قيام رمضان عدد معينّ من الركعات، ولا من القراءة، وإنما ذلك بحسب أحوال الناس، فإذا كان لهم نشاطً على أن يصلّوا صلاة النبيّ وَل إحدى عشرة ركعة بطولها، فهو الأحسن، وإن ضعفوا عن ذلك، فكثّروا الركعات عوضاً عن تطويل القراءة، فلا بأس، سواء صلّوا عشرين، أو أقلّ، أو أكثر، وأما التزام عشرين ركعةً، بحيث لا يزيد، ولا ينقص، فمما لا دليل عليه، بل هو من اعتقاد العوامّ الذين لا دراية لهم بالسنّة، فلا تغترّ بهم، فالشأن في الأدلّة، لا فيما رآه الجِلّة. قال العلامة الشوكانيُّ تَخّلُهُ: والحاصل أن الذي دلّت عليه الأحاديث هو مشروعيّة القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعةً وفُرادى، فقصر الصلاة المسمّاة بالتراويح على عدد معيّن، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنة. انتهى، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين ◌َخْتُ: ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله، بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل، كما في مطلق التهجد، وبصلاة التراويح وراء الإمام، كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة؛ لحديث عثمان بن عفان ظبه قال: قال رسول الله وَليل: ((من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله))، رواه مسلم في ((صحيحه) بهذا اللفظ، وأبو داود بلفظ: ((من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان كقيام ليلة))، وكذا لفظ الترمذيّ: ((ومن صلى العشاء والفجر في جماعة))، ورواية مسلم في ذلك محمولة على روايتهما، فمعنى قوله: ((ومن صلى الصبح في جماعة))؛ أي: مع كونه كان صلى العشاء في جماعة، وكذلك جميع ما ذكرناه يأتي في تحصيل قيام ليلة القدر. (١) ((الفتاوى الكبرى)) ١٧٦/١ - ١٧٧. ٦٦٧ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨٠) ـه قال: قال وقد رَوَى الطبراني في ((معجمه الكبير)) عن أبي أمامة رسول الله وسلم: ((من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بحظه من ليلة القدر))، لكن في إسناده مسلمة بن عليّ، وهو ضعيف، وذكره مالك في ((الموطأ)) بلاغاً عن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول: من شَهِد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها . وقال ابن عبد البر كَخَّتُهُ: مثل هذا لا يكون رأياً، ولا يؤخذ إلا توقيفاً، ومراسيل سعيد أصحّ المراسيل. انتهى. وقال الشافعيُّ تَخْتُ: في كتابه القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها، ولا يُعْرَف له في الجديد ما يخالفه. وقد ذكر النوويّ في ((شرح المهذَّب)) أن ما نصّ عليه في القديم، ولم يتعرض له في الجديد بموافقة، ولا بمخالفة، فهو مذهبه بلا خلاف، وإنما رجع من القديم عن قديم نَصّ في الجديد على خلافه. ورَوَى الطبرانيّ في ((معجمه الأوسط)) بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر طه قال: قال رسول الله وَله: ((من صلى العشاء في جماعة، وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد، كان كعَدْل ليلة القدر))، وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله؛ لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر، وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر، فما الظنّ بما إذا كان ذلك فيها؟. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وهذا أبلغ ... إلخ)) بعد أن اعترف بضعف الحديث عجيب من مثل الحافظ ولي الدين تَخْتُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(١) عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ (١) وفي نسخة: ((وحدّثناه)) . ٦٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةٍ أَبِي بَكْرٍ (١)، وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةٍ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، صاحب ((المصنّف))، ثقةٌ حافظ، تغيّر في آخره، ويتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يُرَغِّبُ ... إلخ) من الترغيب؛ أي: يحثّهم على قيام لياليه بالطاعة، من الصلاة، وغيرها. قال القرطبيُّ كَُّهُ: هذا يدلّ على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير، ومن أفضل أعمال البرّ، لا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في الأفضل منه، هل إيقاعه في البيت، أو في المسجد؟، فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه، وكان أوّلاً يقوم في المسجد، ثم ترك ذلك، وبه قال أبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعيّ. وذهب عبد الحكم، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى أن حُضُورها في الجماعة أفضلُ، وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم، ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يُخْرَجوا إليه. والحجة لمالك قوله وله: ((فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))، متّفقٌ عليه، وقول عمر ◌َظُبه: ((نِعْمت البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون))، رواه البخاريّ. (١) زاد في نسخة: ((الصدّيق)). - ٦٦٩ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨٠) وحجة مخالفه أن النبيّ وَّ قد صلّاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهي خشية أن تُفْرَضَ عليهم، ثم إن كانوا يُصلّونها في المسجد أوزاعاً متفرّقين إلى أن جمعهم الصحابة عمر نظُّبه على قارىء واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبتت سنّته بذلك. قال: ومالك أحقّ الناس بالتمسّك بهذا؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة. انتهى كلام القرطبيُّ كَُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة الخامسة من شرح الحديث الماضي، وأن الأرجح هو ما ذهب إليه الإمام مالك تَخْثُ من كون صلاة التراويح في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه؛ لقوّة حجّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِعَزِيمَةٍ) أي: بعزم وقطع، يعني من غير أن يفرضه عليهم، قال الراغب الأصفهانيُّ كَّلُهُ: الْعَزْمُ والعزيمة: عَقْدُ القلب على إمضاء الأمر. انتهى، وقال النوويُّ كَُّ: معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب. انتهى. وفيه التصریح بعدم وجوب قیام رمضان. وقوله: (فَيَقُولُ ... إلخ) بيان وتفسير للترغيب المذكور. وقوله: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً ... إلخ) قال الطيبيُّ تَخْذُّ: أي: أتى بقيام، وهو التراويح، أو قام إلى صلاة رمضان، أو إلى الصلاة ليالي رمضان؛ إيماناً بالله تعالى، وتصديقاً بأنه يُقرّب إليه، وطلباً لوجه الله تعالى، غُفر له سوابق الذنوب. انتهى. وقوله: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ نَطُهر ... إلخ) كذا وقع مدرجاً في نفس الخبر عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، وهو قول الزهريّ، صرّح به مالك في ((الموطّأ))، والبخاريّ في ((صحيحه))، ومحمد بن نصر في ((قيام الليل)) من رواية مالك، قال الباجيّ: وهذا مرسلٌ، أرسله الزهريّ، وأدرجه معمر في نفس (١) ((المفهم)) ٣٨٨/٢ - ٣٨٩. ٦٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها الحديث، أخرجه مسلم، والترمذيّ، وأبو داود من طريق معمر، عن ابن شهاب. انتهى (١). وقوله: (وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ترك الناس الاجتماع على إمام واحد في التراويح، بل كانوا يصلّون أوزاعاً متفرّقين، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، ويصلي بعضهم في أول الليل، وبعضهم في آخره، وبعضهم في بيته، وبعضهم في المسجد، إما لكونهم معتكفين، أو لأنهم من أهل الصفّة، أو لغير ذلك. (ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ... إلخ) أي: كان أمر قيام رمضان على وفق ما كان عليه في زمان رسول الله وَ﴿ في خلافة أبي بكر الصدّيق ◌َُّبه كلّها. وقوله: (وَصَدْراً) بالنصب عطف على خبر ((كان)). وقوله: (وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةٍ عُمَرَا ◌َلَبه أي: في أول خلافته، وصدرُ الشيء وجهه وأوله. قال القرطبيُّ تَخْتُ: أي: لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة، يقومونه، لكن متفرّقين، وفي بيوتهم، ولم يجتمعوا على قارىء واحد، حتى كان عمر نَظُه جمعهم على أبيّ بن كعب ◌ُّه في المسجد، كما ذكره مالك تَخْتُ في ((الموطأ)). انتهى(٢). وقوله: (عَلَى ذَلِكَ) أي: على ما ذُكر، فهو تكرار لما مضى؛ تأكيداً، ولم يُكرّر في رواية البخاريّ، ولفظه: ((قال ابن شهاب: فتُوفّي رسول الله وَلته، والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر پڼ). انتهى. [تنبيه]: بيّن الإمام البخاريُّ كَُّ في (صحيحه)) سبب جمع عمر رَظُه الناس في التراويح، فقال: وعن ابن شهاب(٣)، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْد القاريّ، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ظ ◌ُته ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، (١) راجع: ((المرعاة)) ٣١٥/٤. (٣) عطف على الإسناد السابق، وليس تعليقاً، فتنبّه. (٢) ((المفهم)) ٣٨٩/٢. ٦٧١ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨١) ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عَزَمَ، فجمعهم على أَبَيّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٨١] (٧٦٠) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُوَ سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦ ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي. والباقیان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي الكلام على ليلة القدر قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِّ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَيُوَافِقُهَا - أُرَاهُ قَالَ - إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار الفزاريّ مولاهم المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [٧] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١. ٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. والصحابيّ څبه ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشبابة، وورقاء، فمدائنیّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج. ٦٧٣ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨٢) ٥ - (ومنها): أنه أصحّ أسانيد أبي هريرة رَظُه، على ما رُوي عن البخاريُّ ◌َخْشُهُ. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة تظله أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: (مَنْ) شرطيّة (يَقُمْ) - بفتح الياء - من قام يقوم، قال في ((العمدة)): وهو مُتَعَدِّ هنا، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى للبخاريّ ومسلم، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَل يقول لرمضان: ((من قامه إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه))، وفي رواية للنسائيّ: «فمن صامه، وقامه إيماناً واحتساباً، خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه))، قال: قوله: (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) مفعول به ل(يَقُم))، وليس مفعولاً فيه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد في كتب اللغة التي بين يديّ أن ((قام)) هذا (٢) يتعدّى بنفسه، والذي يظهر لي أن ((ليلةَ القدر)) منصوب على الظرفيّة ((يقم))، وأما ما احتجّ به على تعدّيه بنفسه من قوله: ((قامه))، فجوابه من باب الحذف والإيصال؛ أي: قام فيه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال القرطبيُّ كَّتُهُ: اختُلِف في الْقَدَرِ الذي أُضيفت الليلة إليه، فقال ابن عبّاس ◌ُّ: الْقَدَرُ: العَظَمَةُ، من قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عَظّموا الله حقّ عَظَمته، وقال مجاهد: الْقَدَر: تقدير الأشياء من أمور السنة، وقال ابن الفضل: يعني سَوْقَ المقادير إلى المواقيت، وقيل: قُدِّر في وقتها إنزال القرآن. انتهى (٣). وقال في ((العمدة)): قيل: سُمِّيت ليلة القدر؛ لما تَكتُب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة؛ أي: يُظْهِرهم الله تعالى (١) ((عمدة القاري)) ٣٥٧/١. (٢) احترزتُ به عن ((قام الرجل أهله)) أي قام بشأنهم، فإنه يتعدّى بنفسه، كما قاله في ((القاموس)) ١٦٨/٤. (٣) «المفهم)) ٣٩٠/٢. ٦٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها عليه، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وقيل: لعظم قدرها وشرفها، وقيل: لأن من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر، وقيل: لأن الطاعات لها قدر زائد فيها(١) . وقال الحافظ وليّ الدين تَّهُ: ((ليلة القدر)) - بفتح القاف، وإسكان الدال، ويجوز فتحها، كما سأبينه ــ سُمِّيت بذلك لعظم قدرها؛ لما لها من الفضائل؛ أي: ذات القدر العظيم، أو لِمَا يَحصُل لِمُحْيِيها بالعبادة من القدر العظيم، أو لأن الأشياء تُقَدَّر فيها وتُقْضُى، أقوال، ويؤيد الأولين قوله تعالى: القدر: ٣]، ويؤيد الأخير قوله: ﴿فَزَّلُ ٣ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ الْمَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمٍْ ﴾﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿﴾ [الدخان: ٤]. وإنما جَوَّزت فتح الدال؛ لأنها إن كانت سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، فقد قال في ((الصحاح)): قَدْرُ الشيء مبلغه، وقَدْرُ اللهُ وقَدَرُهُ بمعنى، وهو في الأصل مصدرٌ، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عَظّموا الله حقّ تعظيمه، وإن كان من التقدير، فقد قال في ((الصحاح)) عقبه: والقَدْرُ والْقَدَرُ أيضاً: ما يُقَدِّره الله من القضاء، وأنشد الأخفش: وَلِلأَمْرٍ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي(٢) أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالْقَدْرِ وكذا قال في ((المحكم)): الْقَدْرُ وَالْقَدَرُ: القضاء. انتهى. وقال ابن العربيُّ في ((شرح الترمذيّ: هي ليلة القَدْرِ والقَدَر، فأما الأول، فالمراد به الشَّرَف، كقولهم: لفلان قَدْرٌ في الناس، يَعْنُون بذلك مزيةً وشَرَفاً، والثاني القَدَر بمعنى التقدير، قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ()﴾ قال علماؤنا: يُلْقِي الله فيها لملائكته ديوان العام. انتهى. وهو يوهم أنه لا يجوز مع تسكين الدال إرادةُ التقدير، وليس كذلك، كما علمت، وقد جَوَّز المفسرون في الآية إرادةَ الشرف والتقدير، مع كونه لم يُقْرأ إلا بالإسكان، وجزم الهرويّ وابن الأثير في تفسيرها بالتقدير، فقالا: (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٥٥/١. (٢) راجع لهذا البيت: ((لسان العرب)) ٧٤/٥. ٦٧٥ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨٢) وهي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق، وتُقْضَى، وصححه النوويّ، فقال في ((شرح المهذب)): سُمِّيت ليلة القدر؛ أي: ليلة الحكم والفصل، هذا هو الصحيح المشهور، وحكاه في ((شرح مسلم)) عن العلماء. انتهى كلام وليّ الدين تَذْتُهُ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ. [فإن قلت]: لماذا عَبَّر هنا في ليلة القدر بالمضارع في الشرط، وبالماضي في جوابه، بخلافه في رمضان؟ . [قلت]: أجاب الكرمانيّ كَلَتُهُ: بأن لذلك نكتةً لطيفةً، قال: لأن قيام رمضان محقَّق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر، فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. انتهى. قال في ((الفتح)): وفيه نظرٌ. وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء؛ إشارةً إلى تحقق وقوعه، فهو نظير قوله تعالى: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ١]. وفي استعمال الشرط مضارعاً، والجواب ماضياً نزاع بين النحاة، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون، لكن بقلّة، استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ تُنْزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَةً فَظَلَّتْ﴾ الآية [الشعراء: ٤]؛ لأن قوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلّوا أيضاً بهذا الحديث. قال الحافظ: وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنني أظنه من تصرف الرواة؛ لأن الروايات فيه مشهورة، عن أبي هريرة تظ له بلفظ المضارع في الشرط والجزاء، وقد رواه النسائيّ عن محمد بن علي بن ميمون، عن أبي اليمان، شيخ البخاريّ فيه، فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قال: ((من يقم ليلة القدر، يغفر له))، ورواه أبو نعيم في ((المستخرج)) عن سليمان، وهو الطبرانيّ، عن أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة، عن أبي اليمان، ولفظه زائد على الروايتين، فقال: ((لا يقوم أحدكم ليلة القدر، فيوافقها إيماناً واحتساباً، إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه)). وقوله في هذه الرواية: ((فيوافقها)) زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتَبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدُق قيام ليلة القدر إلا على من وافقها، والحصر (١) ((طرح التثريب)) ١٤٩/٤ - ١٥٠. ٦٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها المستفاد من النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلك من تصرف الرواة بالمعنى؛ لأن مخرج الحديث واحدٌ. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ(١). وتعقّبه العينيُّ كَُّ في دعواه تصرّف الرواة، فقال: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائيّ والطبرانيّ، وأن ما رواه البخاريّ بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبويّ، بل الأمر كذا؛ لأن رواية محمد بن عليّ بن ميمون، عن أبي اليمان، لا تعادل رواية البخاريّ عن أبي اليمان، ولا روايةُ أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة عن أبي اليمان، مثل رواية البخاريّ عنه، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضاً ولفظه: ((من يقم ليلة القدر، فيوافقها - أُراه - إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه))، ولفظ حديث الطبرانيّ ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير، والتصرف من الرواة فيه؛ لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاريّ ومسلم. انتهى كلام العينيُّ نَّثُ، وهو عندي تعقّبٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: ((من قام ليلة القدر))، مع قوله: ((من قام رمضان))، قال النوويُّ كَّتُهُ: قد يقال: إن أحدهما يغني عن الآخر. وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها، سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعَرَفَها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها . قال الحافظ وليّ الدين تَّثُهُ: الأحسن عندي الجواب بأنه نَّ ذكر للغفران طريقين : [أحدهما]: يمكن تحصيلها يقيناً إلا أنها طويلة شاقّة، وهي قيام شهر رمضان بكماله. [والثاني]: لا سبيل إلى اليقين فيها، إنما هو الظن والتخمين، إلا أنها مختصرة قصيرة، وهي قيام ليلة القدر خاصّةً، ولا يَتَوَقّف حصول المغفرة بقيام ليلة القدر على معرفتها، بل لو قامها غير عارفٍ بها غُفر له ما تقدم من ذنبه، لكن بشرط أن يكون إنما قام بقصد ابتغائها، وقد ورد اعتبار ذلك في حديث (١) ((الفتح)) ١١٤/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٣٥). ٦٧٧ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨٢) عبادة بن الصامت نظريته عند أحمد، والطبرانيّ مرفوعاً: ((فمن قامها ابتغاءها إيماناً واحتساباً، ثم وُفِّقت له غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). قال: معنى توفيقها له، أو موافقته لها أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر، هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك. انتهى كلام وليّ الدين تَخْذُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَيُوَافِقُهَا) قال النوويُّ كَّتُهُ: معناه يعلم أنها ليلة القدر. ـى(٢). انتھی وتعقّبه الحافظ وليّ الدين تَخُّْ، فقال: إنما معنى توفيقها له أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك، وما ذكره النوويّ من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللفظ ما يقتضي هذا، ولا المعنى يساعده. انتهى كلام وليّ الدين كَثُهُ، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيُّ تَخْثُهُ: قوله: ((يَقُم)) في هذه الرواية، يعني به يطلُب بقيامه ليلة القدر، وحينئذ يلتئم مع قوله: ((يوافقها))؛ لأن معنى ((يوافقها)) يصادفها، ومن صلّى فيها، فقد صادفها، ويَحْتَمِل أن تكون الموافقة هنا عبارة عن قبول الصلاة فيها والدعاء، أو يوافق الملائكة في دعائها، أو يوافقها حاضر القلب، متأهّلاً لحصول الخير والثواب؛ إذ ليس كلُّ دعاء يُسمع، ولا كلّ عَمَل يُقبل، فإنه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذه الاحتمالات، والحقّ ما سبق من أن معنى (يوافقها)) كون تلك الليلة التي قامها قاصداً لها هي ليلة القدر في الواقع، كما صوّبه وليّ الدين تَّتُهُ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم. وقوله: (أُرَاهُ قَالَ: إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً) الظاهر أن القائل: (أُراه)» هو محمد بن رافع؛ لأن أبا نعيم أخرجه في ((مستخرجه)) (٣٥٥/٢) من رواية رزق الله بن موسى، وأبي مسعود، كلاهما عن شبابة، وليس فيه ((أراه قال))، ولفظه: (١) ((طرح التثريب)) ١٦٤/٤. (٣) ((المفهم)) ٣٩١/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤١/٦. ٦٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (١٧٣٣) حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن العباس، ثنا رزق الله بن موسى، قال: وثنا محمد بن سهل، ثنا أبو مسعود، قالا: ثنا شبابة، ثنا ورقاءُ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر قال: ((من يقم ليلة القدر، فيوافقها إيماناً واحتساباً غُفِر له)). انتھی . وأخرجه البيهقيّ في ((الكبرى)) (٣٠٦/٤) من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، وليس فيه أيضاً: ((أُراه قال))، ولفظه: (٨٣٠٧) أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو حامد بن بلال البزاز، ثنا محمد بن حيويه الإسفرائيني في سنة ثمان وخمسين ومائتين، أنبأ أبو اليمان، أنبأ شعيب، أنبأ أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلجر: ((من يقم ليلة القدر، فيوافقها، إيماناً واحتساباً يُغْفَر له ما تقدم من ذنبه)). انتهى. (إِيمَاناً) أي: تصديقاً بأنه حق وطاعة (وَاحْتِسَاباً) أي: إرادةَ وجه الله تعالى، لا لرياء ونحوه، فقد يَفْعَل الإنسان الشيءَ الذي يعتقد أنه حقّ، لكن لا يفعله مخلصاً، بل لرياء، أو خوف، أو نحو ذلك، يقال: احتسبتُ بكذا أجراً عند الله تعالى، والاسم الْحِسْبة، وهي الأجر، وفي ((العُباب)): احتسبت بكذا أجراً عند الله؛ أي: اعتددته، أنوي به وجه الله تعالى، واحتسبت عليه كذا : أي: أنكرته عليه، قاله ابن دريد، ومنه مُحْتَسِب البلد(١). (غُفِرَ لَهُ))) بالبناء للمفعول جواب الشرط، وهو من الغَفْر، وهو الستر، ومغفرة الله تعالى لعبده: إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبَهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث أبي هريرة تظ له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٥٦/٤. +ے ٦٧٩ (٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٨٣) أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٨١/٢٧ و١٧٨٢] (٧٦٠)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٣٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٣٢ و١٧٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٧٨٣] (٧٦١) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: ((قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ))، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧. ٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿يَّنَا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. والباقون ذُكروا في الباب، وكذا لطائف الإسناد تقدّم في شرح حديث أول الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة رضيّا: ((أنه صلى في حجرته))، قال في ((الفتح)): وليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة رضيوغيّا، فيصلي فیه، ويجلس عليه بالنهار. وقد ورد ذلك مبيناً من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة ﴿يا، وهو عند البخاريّ، في ((كتاب اللباس))، ولفظه: ((كان يحتجر حَصِيراً بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه)). ٦٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ولأحمد من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة رضيغيّا : ((فأمرني أن أَنْصِبَ له حصيراً على باب حُجْرتي ففعلت، فخرج ... )) فذكر الحديث. قال النوويُّ كَّلُهُ: معنى يَحْتَجِر يحوط موضعاً من المسجد بحصير يستره؛ ليصلي فيه، ولا يَمُرّ بين يديه مارّ؛ ليتوفّر خشوعه، ويتفرغ قلبه. وتعقبه الكرمانيّ بأن لفظ الحديث لا يدلّ على أن احتجاره كان في المسجد، قال: ولو كان كذلك للزم منه أن يكون تاركاً للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: ((فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)». ثم أجاب بأنه إن صحّ أنه كان في المسجد، فهو إذا احتجر صار كأنه بيتٌ بخصوصيته، أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالباً، والنبيّ وَ له منزه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته. انتهى(١). (فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ) أي: صلّى بعض الصحابة ظُه مقتدين بصلاة النبيّ وَّهِ (ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أي: من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر، عن ابن شهاب، عند أحمد، وللبخاريّ في رواية المستملي: ((ثم صلى من القابل)) أي: الوقت القابل، قال في ((القاموس)): والقابلة: الليلة المقبلةُ، وقد قَبَلَتْ، وأقبلت. انتهى (٢). (فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) كذا رواه مالك بالشكّ، وفي رواية يونس، عن ابن شهاب التالية: ((فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك))، ونحوه في رواية عمرة، عن عائشة عند البخاريّ، ولأحمد من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب: ((فلما أصبح تحدثوا أن النبيّ ◌َ﴿ صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم))، زاد يونس: ((فخرج النبيّ ◌َّر في الليلة الثانية، فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عَجَزَ المسجدُ عن أهله))، ولابن جريج: ((حتى كان المسجد يَعْجِز عن أهله))، ولأحمد من رواية معمر، عن ابن شهاب: ((امتلأ المسجد (١) ((الفتح)) ١٦/٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣٤/٤.