Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ وَكُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٧٤] (.) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْبَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلِ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعِ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ
مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجاجِ الْخَوْلانيّ الْحِمصيّ، ثقة [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والمسعوديّ، وأبي بكر بن
أبي مريم، وسعيد بن عبد العزيز، وعُفير بن مَعْبد، والأوزاعيّ، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة إسحاق بن منصور
الكَوْسَجِ، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مُصَفَّى، وعبد الوهاب بن نَجْدة،
وسلمة بن شبيب، والدارميّ، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن زنجويه، وأحمد بن
أبي الحواريّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: كان صدوقاً. وقال العجليّ، والدارقطني: ثقة. وقال
النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال البخاريّ: مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، وصلى عليه أحمد بن
حنبل. وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه البخاري ثلاثة أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم
(٧٥٨)، وحديث (١٠٥٧): ((أمشي مع رسول الله وَّه، وعليه بُرْد نَجْرَانِيّ ... ))،
و(١١٦٧): ((إني أُريت ليلة القدر ... ))، و(١١٧٣): ((البرّ تردن ... )).
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.

٦٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر
البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
والباقيان ◌ُکرا قبل حدیث.
وقوله: ((إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ) قال القاضي عياض ◌َُّهُ:
الصحيح رواية: ((حين يبقى ثلث الليل الآخر))، قال شيوخ الحديث: وهو الذي
تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه، قال: وقد يَحْتَمِل الجمع بين الحديثين
يكون النزول الذي أراده النبيّ وَّرُ وعَنَاه - والله أعلم بحقيقته - عند مضيّ الثلث
الأول، وقوله: ((من يدعوني ... إلخ) في الثلث الأخير، هذا كلام
القاضي تَظّهُ(١).
قال النوويُّ كَّلُ بعد نقل كلام القاضي المذكور: ويَحْتَمِل أن يكون
النبيّ وَ ﴿ أُعلِم بأحد الأمرين في وقت، فأَخْبَر به، ثم أُعلم بالآخر في وقت
آخر، فأَعلَم به، وسمع أبو هريرة الخبرين، فنقلهما جميعاً، وسمع أبو سعيد
الخدريّ خبر الثلث الأول فقط، فأخبر به مع أبي هريرة، كما ذكره مسلم في
الرواية الأخيرة، وهذا ظاهر، وفيه ردٌّ لما أشار إليه القاضي من تضعيف رواية
الثلث الأول، وكيف يُضَعِّفها، وقد رواها مسلم في صحيحه بإسناد لا مَطْعَن
فيه عن الصحابيين: أبي سعيد، وأبي هريرة رضي؟، والله أعلم. انتهى كلام
النوويُّ دَخَذَتُهُ(٢) .
وقوله: (حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ) هو بمعنى الرواية السابقة: ((حتى يُضيء
الفجر))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي(٣) حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، أَبُو
الْمُوَرِّعِ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَرْجَانَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا
(١) ((إكمال المعلم)) ١١١/٣.
(٣) وفى نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٧/٦.

٦٤٣
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َكُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٥)
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ
◌ِثْلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟، أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟، ثُمَّ
يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُوم؟)).
قَالَ مُسْلِمٍ: ابْنُ مَرْجَّانَةَ هُوَ سَّعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة) ٦/ ٤٠.
٢ - (مُحَاضِرٌ، أَبُو الْمُوَرِّع) هو: محاضر - بضاد معجمة - ابن المورع -
بضمّ الميم، وفتح الواو المشدّدَة المكسورة، بعدها مهملة - الْهَمْدانيّ الياميّ،
ويقال: السَّلُوليّ، ويقال: السَّكُونيّ، الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩].
رَوَى عن عاصم الأحول، والأعمش، وهشام بن عروة، وهشام بن
حسان، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وأجلح الكِنْديّ، ومُجالِد بن سعيد،
وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وحجاج بن
الشاعر، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، ومحمد بن
يحيى الذُّهْلي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سمعت منه أحاديث، لم يكن من
أصحاب الحديث، كان مُغَفَّلاً جدّاً، وقال أبو زرعة: صدوقٌ صدوقٌ، وقال
أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكْتَب حديثه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قال ابن
المبارك: أعرفه قديماً، قال: وكان شريك إذا لم يحضر صلى مُحاضرٌ، وقال
في موضع آخر، عن أبي داود: قال أبو سعيد الحداد: محاضر لا يُحسن أن
يصدُق، فكيف يُحسن أن يكذب، كنا نُوَقِّفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ ذلك
الموضع أخطأ، قال الآجريّ: وكان إمام الحيّ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ،
وقال ابن عديّ: رَوَى عن الأعمش أحاديث صالحةً مستقيمةً، ولم أر في حديثه
حديثاً منكراً، فأذكرَه، إذا رَوَى عنه ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقاً
ممتنعاً عن التحديث، ثم حَدَّث بعدُ، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وقال مسلمة بن

٦٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قاسم: ثقةٌ مشهورٌ، وكان على رأي أهل الكوفة في النبيذ، وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين.
روى له البخاريّ في التعليق(١)، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، متابعةً.
٣ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى، صدوقٌ،
سيّىء الحفظ [٤].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن
محمد، وسعيد بن مُرْجانة، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعُمَر بن كثير بن
أفلح، وغيرهم.
ورَوى عنه أخوه يحيى بن سعيد، وشعبة، والثوريّ، وسليمان بن بلال،
وابن جريج، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وابن المبارك،
ومحاضر بن الموَرِّع، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ضعيفٌ، وكذا قال ابن معين في رواية،
وقال في رواية أخرى: صالحٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن سعد:
كان ثقةً، قليل الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سعد بن
سعيد الأنصاريّ مؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ، ويؤدي ما سمع، وقال ابن
عديّ: له أحاديث صالحةٌ تقرُب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأساً بمقدار ما
يرويه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان يخطىء، ولم يَفْحُش خطؤه،
فلذلك سلكناه مسلك العدول، وقال العجليّ، وابن عمار: ثقةٌ، وقال ابن أبي
حاتم في ((الجرح والتعديل)): ذكر أبي عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن
معين، أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاريّ مؤدي، قال أبو الحسن بن القطان
الفاسيّ: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها؛ أي: هالك، ومنهم
من يُشَدِّدها؛ أي: حَسَنُ الأداء، وقال الترمذيّ: تكلموا فيه من قبل حفظه.
(١) قال في ((تهذيب التهذيب)) (٤٧/١٠): وذكره البخاريّ في ((الحجّ))، وفي حديث
آخر في ((البيوع)».

٦٤٥
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َثُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٥)
قال ابن سعد وخليفة بن خياط: توفي سنة ١٤١. قلت: وكذا أرّخه ابن
حبان. أخرج ه البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة، وله في هذا الكتاب
ستة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٥٨)، وحديث رقم (٧٨٣) و(٩١٨) وأعاده
بعده، و(١١٤٠) و(١١٦٤) و(٢٠٤٠).
٤ - (ابْنُ مَرْجَانَةً) هو: سعيد بن مرجانة، وهو سعيد بن عبد الله القرشيّ
العامريّ مولاهم، أبو عثمان الحجازيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر.
وروى عنه عليّ بن الحسين، وابناه عُمر بن عليّ، وأبو جعفر بن عليّ،
وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وواقد بن محمد بن زيد العُمريّ، وإسماعيل بن
أبي حكيم، والزهريّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من أفاضل أهل
المدينة.
قال يحيى بن بكير: مات سنة سبع وتسعين، وله (٧٧) سنةً، وكذا أرّخه
ابن سعد، وقال: كان ثقةً، وله أحاديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))،
والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٥٨)،
وحديث رقم (١٥٠٩): ((من أعتق رقبة مؤمنة ... )) الحديث، كرّره أربع مرّات.
[تنبيه]: قال الحافظ تَُّ في ((تهذيب التهذيب)): قال ابن حبان لَمّا ذكره
في ثقات التابعين: يروي عن أبي هريرة رَظُبه، مات سنة (٩٦)، وقال: مُرْجانة
أمه، وأبوه عبد الله، ثم غَفَل عن ذلك، وقال في أتباع التابعين: سعيد بن
مُرجانة، يروي عن عليّ بن حسين، وعنه إسماعيل بن أبي حكيم، وأهل
المدينة، مات سنة (١٣٠)، ومُرجانة أمه، وعبد الله أبوه، ولم يسمع من أبي
هريرة شيئاً، ويكفي من بيان تناقض هذا الكلام حكايته، ولولا أن بعض الناس
اغتَرَّ بهذا ما حكيته، والذي في ((الصحيحين)) عكس ما قال، فإن فيهما من
طريق عليّ بن الحسين، عن سعيد بن مُرجانة، عن أبي هريرة، وفيهما التصريح
بسماعه من أبي هريرة، أما في البخاريّ فبلفظ: قال لي أبو هريرة، وأما في
مسلم فبلفظ: سمعت هذا الحديث، فانطلقت به إلى عليّ بن الحسين، وفي

٦٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
((المسند))، و(مستخرج أبي نعيم)) من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن
سعيد بن مُرجانة: سمعت أبا هريرة، وقال أبو مسعود في ((الأطراف)): سعيد بن
عبد الله ابن مرجانة، مَن قال: سعيد بن يسار، فقد أخطأ، ومُرجانة هي أمه.
انتهى، وعلى هذا فيكتب ابن مرجانة بالألف. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١).
و((أبو هريرة)) قُبه ذُكر قبله.
وقوله: ((يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال النوويُّ كَُّهُ: هكذا هو في
جميع الأصول: «في السماء»، وهو صحيحٌ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ((في)) هنا بمعنى ((إلى))؛ لأن نزل
يتعدّى بـ((إلى))، فتأمّل.
وقوله: (لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِفُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ) اللام بمعنى (في))، و((أو))
للشكّ من الراوي؛ أي: في نصف الليل، أو ثلثه، وقد تقدّم وجه الجمع بين
رواية ثلث الليل الماضية، ونصف الليل بالحمل على اختلاف الأوقات، فراجع
ما تقدّم، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) قال القرطبيُّ كَّقُ: أي: فأُجيبه،
وهذا من الله تعالى وعدٌ حقٌّ، وقولٌ صدقٌ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾
[التوبة: ١١١]، وإذا وقعت هذه الشروط من العبد على حقيقتها وكمالها، فلا بُدّ
من المشروط، فإن تخلّف شيء من ذلك، فذلك لخلَلٍ في الشروط. انتهى(٢).
وقوله: (مَنْ يُقْرِضُ) بضمّ الياء، من الإقراض، والمراد به هنا عملُ
الطاعة، سواءٌ فيه الصدقة، والصلاة، والصوم، والذكر، وغيرها من الطاعات،
وسمّاه ◌ُعَلَ قرضاً؛ ملاطفةً للعباد، وتحريضاً لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن
القرض إنما يكون ممن يَعْرِفه المقترض، وبينه وبينه مُؤانسة ومحبة، فحين
يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته؛ لفَرَحه بتأهيله للاقتراض منه،
وإدلاله عليه، وذكره له.
والمعنى: من يُعطي العبادة البدنيّة والماليّة على سبيل القرض، وأخذ
(١) (تهذيب التهذيب)) ٦٩/٤.
(٢) («المفهم)) ٣٨٧/٢.

٦٤٧
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٥)
العوض(١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ عَدِيم) وفي الرواية التالية: ((غير عَدُوم))، قال النوويُّ كَذَلُهُ:
هكذا هو في الأصول فّي الرواية الأولى: ((عَدِيم))، والثانية: ((عَدُوم)، وقال
أهل اللغة: يقال: أَعْدَم الرجلُ: إذا افتقر، فهو مُعْدِمٌ، وعَدِيمٌ، وعَدُومٌ.
ومعنى ((غير عديم)): أي: ربّاً غنيّاً، غير فقير عاجز عن العطاء.
وقوله: (وَلَا ظَلُوم؟) بوزن فَعُول، بفتح أوله، وضمّ ثانيه، وهو من صيغ
المبالغة، كما قال في ((الخلاصة)):
فَعَّالٌ اوْ مِفْعَالٌ اوْ فَعُولُ
فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ
ولكن المبالغة ليست مرادة هنا، وإنما المراد أصل المعنى، كما في قوله
تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، يعني أنه لا يظلم من أقرضه بعدم
وفاء دينه، أو بنقصه، أو بتأخير أدائه عن وقته، وإنما خصّ نفي هاتين الصفتين؛
لأنهما المانعان غالباً عن الإقراض، فوصف الله تعالى نفسه بنفي هذا المانع.
وحاصل المعنى أن من يعمل خيراً في الدنيا، يجد جزاءه كاملاً في
الآخرة، فشبّه هذا المعنى بالإقراض.
وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل الثواب عليها(٢).
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يعني صاحب الكتاب (ابْنُ مَرْجَانَةَ ... إلخ) بفتح
الميم، وسكون الراء، كما تفيده عبارة ((القاموس)).
وغرض المصنّف تَخْذَثُ بهذا بيان اسم ابن مَرْجانة، واسم والده، حيث
يغلط بعضهم في اسم والده، قال في ((تهذيب التهذيب)): وقال الذُّهْليّ:
سعيد بن مَرْجانة، هو سعيد بن يَسَار، أبو الحباب، أبوه يسار، وأمه مَرْجانة،
وتعقّبه، فقال: كذا قال، والصحيح أنهما اثنان. انتهى.
وقال في ترجمة أبي الْحُباب: سعيد بن يسار، أبو الْحُباب المدنيّ، مولى
ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني
النّجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مَرْجانة. انتهى(٣).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٢١/٤.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٥١/٢.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٢٢١/٤.

٦٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والحاصل أن ابن مَرْجانة غير سعيد بن يسار أبي الْحُبَاب، فإنه سعيد بن
عبد الله، كما بيّنه مسلم هنا، فتبصّر.
ثم وجدت الحافظ أبا بكر الخطيب البغداديُّ قد أجاد الكلام في هذا
الموضوع في كتاب الممتع ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) (٢٦٦/١ - ٢٦٩)،
أحببت إيراد كلامه، وإن كان فيه طولٌ، إلا أنه مهمّ جدّاً، وهذا الشرح موضوع
لاستيفاء الفوائد المهمة بقدر المستطاع، قال كاته :
ذكرُ وَهَم لأبي عبد الله محمد بن يحيى بن فارس الذُّهْليّ.
أخبرني أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن الفضل القطان،
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس الذهبيّ، قال: سمعت عبد الله بن
محمد بن زياد يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: سعيد بن مَرْجانة، هو
سعيد بن يسار، أبو الحباب، أبوه يسار، وأمه مَرْجانة.
أخبرنا هبة الله بن الحسن بن منصور الطبريّ، قال: قال محمد بن يحيى
الذُّهليّ فيما أخبرنا عبيد الله بن أحمد، عن أبي بكر النيسابوريّ، عنه: إن أبا
الحباب سعيد بن يسار أبوه يسار، وأمه مَرْجانة.
قال لنا هبة الله: وهذا خطأ ظاهرٌ، سعيد بن يسار يتميز عن سعيد بن
مَرْجانة بالكنية؛ لأن كنية سعيد بن يسار أبو الْحُبَاب، وكنية سعيد بن مَرْجانة
أبو عثمان، ويتميز بالولاء؛ لأن سعيد بن يسار مولى أبي مُزَرِّد، وسعيد بن
مَرْجانة مولى بني عامر بن لؤيّ، ويتميز بالأب؛ لأنه هو ابن عبد الله، وأمه
مرجانة .
قال الخطيب: وهذا الكلام صحيح، إلا قوله: مولى أبي مُزَرِّد، فإنه أخو
أبي مُزَرِّد، واختلفوا في ولائه، ومما يتميز به سعيد بن يسار عن سعيد بن
مرجانة، ولم يذكره لنا هبة الله تباين وفاتيهما، ومبلغ عمريهما، فإن سعيد بن
مرجانة تقدمت وفاته على وفاة سعيد بن يسار بعشرين سنة، كما أخبرنا عليّ بن
محمد بن عبد الله المعدّل، أخبرنا الحسين بن صفوان البرذعيّ، حدّثنا
عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن سعد، قال: سعيد بن مَرجانة
يكنى أبا عثمان، مولّى لقريش، كان له انقطاع إلى عليّ بن حسين، وكان له
فضل. تُؤُفّي سنة سبع وتسعين، وله سبع وسبعون.

٦٤٩
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َكَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٥)
وأخبرنا عليّ بن أحمد الرزاز، أخبرنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن
الحسن الصوّاف، حدّثنا بشر بن موسى الأسديّ، حدّثنا عمرو بن عليّ، قال:
وموت سعيد بن مَرجانة، ويكنى أبا عثمان سنة ست وتسعين، وهو ابن سبع
وسبعين، مولى لقريش.
وأخبرنا عليّ بن محمد بن الحسن السِّمْسار، أخبرنا عبد الله بن عثمان
الصفّار، حدّثنا عبد الباقي بن قانع، أن سعيد بن مَرجانة، أبو عثمان، مولى
قريش، تُوُفّي سنة سبع وتسعين .
أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عليّ بن إبراهيم، حدّثنا أبو أحمد بن فارس،
حدثنا البخاريّ، قال: سعيد بن مرجانة، هو ابن عبد الله، ومرجانة أمه،
صاحب عليّ بن حسين، مدنيّ، سمع أبا هريرة، سمع منه سعد بن سعيد،
وواقد، ومحمد بن إبراهيم، نسبه ابن المبارك، ويقال: مولى بني عامر بن لؤيّ
القرشيّ الحجازيّ، رَوَى عنه إسماعيل بن أبي حكيم، وعُمر بن عليّ بن
حسين، ويقال: عن محاضر، قال: حدّثنا سعد، قال: حدّثنا سعيد بن أبي
سعيد ابن مَرْجانة.
قال الخطيب: أما حديث محاضر هذا، فرواه عنه محمد بن إسحاق
الصغاني وهو من الأثبات الْحُفّاظ، وقال فيه: سعيد ابن مرجانة، كقول
الجماعة .
أخبرنا أبو سعيد، محمد بن موسى الصيرفيّ، حدّثنا أبو العباس،
محمد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أخبرنا محاضر،
وهو ابن الْمُوَرِّع، حدّثنا سعد بن سعيد، أخبرني سعيد بن مَرجانة، قال:
سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله وَله: ((ينزل الله تعالى في السماء الدنيا
لشطر الليل، أو لثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، أو
يسألني فأعطيه، ثم يقول: من يُقْرِض غير عديم ولا ظلوم)).
وهكذا رواه سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد.
أخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن الصقر المقرئ، أخبرنا فاروق بن
عبد الكبير بن عمر الخطابيّ بالبصرة، حدّثنا العباس بن الفضل الأسفاطيّ،
حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، عن سعد بن

٦٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
سعيد، قال: حدّثني سعيد ابن مرجانة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل قال:
((إن الله تعالى يَنزل إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل، أو نصف الليل،
فيقول: من يدعوني فأجيبه، من يسألني فأعطيه، ثم يبسط يده، فيقول: من
يُقْرِض غير عدوم ولا ظلوم)).
وأما ذكر مبلغ سِنّ أبي الْحُبَاب، سعيد بن يسار، ووقت وفاته، فأخبرنا
عليّ بن محمد بن عبد الله المعدّل، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدّثنا ابن أبي
الدنيا، حدّثنا محمد بن سعد، قال: سعيد بن يسار، أبو الحباب، مولى
الحسن بن عليّ بن أبي طالب، مات سنة سبع عشرة ومائة.
وأخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: كتب إليّ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن
عمران الجوريّ من شيراز، أن أحمد بن حمدان بن الحضر أخبرهم، قال:
حدّثنا أبو العباس، أحمد بن يونس الضبيّ، قال: حدثني أبو حسان الزياديّ،
قال: سنة سبع عشرة ومائة فيها مات سعيد بن يسار، يُكنى أبا الحباب، مولى
الحسين بن عليّ، وهو ابن ثمانين سنة.
أخبرنا عليّ بن أحمد الرزاز، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدّثنا
بشر بن موسى، حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: ومات أبو الحباب، سعيد بن
يسار، مولى الحسن بن عليّ سنة سبع عشرة، يعني ومائة.
أخبرنا السِّمْسار، أخبرنا الصفّار، حدّثنا ابن قانع، أن أبا الحباب،
سعيد بن يسار، مولى الحسين بن عليّ، مات في سنة سبع عشرة ومائة.
أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عليّ بن إبراهيم، حدّثنا أبو أحمد بن فارس،
حدثنا البخاريّ، قال: سعيد بن يسار، أبو الحباب، أخو أبي مُزَرِّد، مولى
شُقْران، مولى رسول الله وَّر، ويقال: مولى الحسن بن عليّ، قال لي ابن
يوسف: حدّثنا الليث، حدّثنا المقبريّ، عن سعيد بن يسار، أخي أبي مَرْتَد،
قال البخاريّ: والصحيح أبي مُزَرِّد(١). انتهى كلام الخطيب ◌َُّهُ، وهو بحث
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
والحديث بزيادة ((من يُقْرِض ... إلخ)) من أفراد المصنّف ◌َظْذَلُهُ، والله
(١) ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ٢٦٦/١ - ٢٦٩.

٦٥١
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ثَنَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٦)
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٧٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ((ثُمَّ
يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبَارَ وَتَعَالَى، يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُوم؟))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم،
أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) عن (٧٢) سنة
(ع) تقدم في (المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٠.
و((سَعْد بن سعيد)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ ... إلخ) الفاعل ضمير سليمان بن بلال.
وقوله: (ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) فيه إثبات صفة البسط لله ◌َُ على
ما يليق بجلاله، وأما قول النوويّ في ((شرحه)): فيه إشارة إلى نشر رحمته،
وكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته. انتهى، ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه تأويل
لمعنى بسط اليدين باللازم، وهو غير مقبول، بل الحقّ أن الله تعالى يبسط يديه
على ظاهره، كما يليق بجلاله، فنشر رحمته، وكثرة عطائه ... إلخ من أثر
بسطه لل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تنس مذهب السلف الذي مضى تحقيقه قريباً
في هذه الصفات، فالزمه، فإنه الصراط المستقيم، اللهم اهدنا فيمن هديت
آمین.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٦٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد هذه ساقها الحافظ
أبو نعيم تَخْتُهُ في ((مستخرجه)) (٣٥٣/٢) فقال:
(١٧٢٧) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا عليّ بن أحمد بن سليمان علان،
ثنا هارون بن سعيد الأيليّ، ثنا ابن وهب، حدّثني سليمان بن بلال، عن
سعد(١) بن سعيد، أخبرني سعيد بن مَرْجانة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لـ
قال: ((إن الله تعالى يَنزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، أو نصف
الليل، فيقول: من يستغفرني فأغفرُ له، من يدعوني فأستجيبُ له، من يسألني
فأعطيه، ثم يبسط يديه، فيقول: من يُقْرِضُ غير عديم(٢)، ولا ظلوم)). انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٧٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِبْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ:
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، يَرْوِبِهِ عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ
اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟
هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ (٣) الْفَجْرُ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنَ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب.
(١) وقع في النسخة ((سعيد))، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) هكذا نسخة ((المستخرج)) بلفظ ((عديم)) بالياء، كالرواية الأولى، وقد نبّه المصنّف
على أن رواية سليمان بلفظ ((عدُوم))، وقد تقدّم عن الخطيب البغداديّ أنه ساق
رواية سليمان بلفظ ((عدوم))، كما قال المصنّف كَّفُ، والظاهر أن نسخة
((المستخرج)) وقع فيها تصحيف، فإن النسخة التي عندي من أردإ النسخ، مملوءة
بالأخطاء والتصحيفات، والله تعالى أعلم.
(٣) وفي نسخة: ((یتفجّر)).

(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َكَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٧)
٦٥٣
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ
إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل باب.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عَّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٦ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ
مكثرٌ عابدٌ مدلّسٌ، اختلط بآخره [٣] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٧ - (الْأَغَرُّ أَبُو مُسْلِم) المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرةً وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه.
ورَوَى عنه عليّ بن الأقمر، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وهلال بن يساف،
وطلحة بن مُصَرِّف، وغيرهم.
وزعم قوم أنه أبو عبد الله سلمان الأغر، وهو وَهَمٌ، وممن زعم ذلك
عبد الغنيّ بن سعيد، وسبقه الطبرانيّ، وزاد الوهم وَهَماً، فزعم أن اسم الأغر
مسلم، وكنيته أبو عبد الله، فأخطأ؛ فإن الأغر الذي يُكنى أبا عبد الله، اسمه
سلمان، لا مسلم، وتفرد بالرواية عنه أهل المدينة، وأما هذا فإنما رَوَى عنه
أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبراني بمسلم المدنيّ شيخ للشعبيّ، فإنه يروي
أيضاً عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو مسلّم هذا فالأغرّ اسمه،
لا لقبه .
وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وفي (تاريخ البخاري)): ويقال عن ابن أبجر، عن أبي إسحاق، عن
أَغَرّ بن سُليك، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وكانا اشتركا في عتقه، وجزم
عبد الغنيّ بوهم ابن أبجر في تسمية والد الأغرّ هذا، وقال: إن الأغرّ بن
سُليك آخر. انتهى(١).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١٨٥/١.

٦٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٥٨) وحديث (٢٦٢٠): ((العزّ
إزاره، والكبرياء رداؤه ... ))، و(٢٧٠٠): ((لا يقعد قوم يذكرون الله رَحَت ... ))،
و(٢٨٣٧): ((ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا ... )).
[تنبيه]: وقع في ((شرح النوويّ)) هنا غلط، وهو أنه قال: الأغرّ لقبٌ،
واسمه سلمان. انتهى، فقد اشتبه عليه بسلمان الأغرّ الذي تقدّم في أول حديث
هذا الباب، وهو أبو عبد الله الأغرّ، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
٨ - (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ◌ُه تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رُهُ ذُكر في الحديث الماضي.
وقوله: (إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ) أي: يؤخّر النزول إلى السماء الدنيا.
وقوله: (يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) وفي نسخة: ((حتى يتفجّر))؛ أي: حتى ينشقّ،
ويطلع، ويظهر الصبح، وهو غاية للقول، يعني أنه لا يزال يقول: ((هل من
مستغفر إلخ)) إلى أن يضيء الفجر.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَّلُهُ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٧٧٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى(١)، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ
مَنْصُورٍ أَتُّ وَأَكْثَرُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
كلّهم تقدّم قبل ثلاثة أبواب، غير أبي إسحاق، ففي السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد أبي إسحاق الماضي، وهو: عن الأغرّ
أبي مسلم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ـ
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا محمد)).

٦٥٥
(٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٩)
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي إسحاق هذه ساقها الإمام ابن خزيمة تَظّتْهُ
في ((صحيحه)) (٢/ ١٨٢) فقال:
(١١٤٦) نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي
إسحاق، عن الأغرّ، قال: أشهد على أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، أنهما
شهدا على رسول الله وَير قال: ((إن الله يُمْهِل حتى يذهب ثلث الليل، فيَنْزِل،
فيقول: هل من سائل، هل من تائب، هل من مستغفر من ذنب؟ فقال له رجل:
حتى مطلع الفجر؟ قال: نعم)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٧) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَبَيَانِ
دَلَيْلٍ مَنْ قَالَ: إِنَّهَاَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ)
قال الجامع عفا الله عنه: قيام رمضان يُسمّى بالتراويح، قال الإمام
البخاريُّ في ((صحيحه)): ((كتاب صلاة التراويح)).
قال في ((الفتح)): والتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من
الراحة، كتسليمة من السلام، سُمِّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان
التراويح؛ لأنهم أَوّلَ ما اجتمعوا عليها، كانوا يستريحون بين كل تسليمتين،
وقد عَقَدَ محمد بن نصر في ((قيام الليل)) بابين لمن استَحَبّ التطوع لنفسه بين
كل ترويحتين، ولمن كره ذلك، وحَكَى فيه عن يحيى بن بكير، عن الليث،
إنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧٩] (٧٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ:
((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَْبِهِ)).
(١) ((الفتح)) ٢٩٤/٤.

٦٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة مبتدأ (قَامَ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
رَمَضَانَ) أي: قام لياليه مُصَلِّياً، والمراد من قيام الليل ما يَحصُل به مطلق
القيام، وذكر النوويّ أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل
بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب
الكرمانيّ، فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، قاله في
((الفتح)).
(إِيمَاناً) أي: تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه (وَاحْتِسَاباً) أي: طلباً
لوجه الله تعالى وثوابه، لا لقصدٍ آخر، من رياء، أو نحوه، وهما منصوبان
على أنهما هما حالان متداخلتان، أو مترادفتان على تأويل مؤمناً ومحتسباً،
وقيل: إنهما منصوبان على التمييز، أو على المفعوليّة من أجله.
وقال الحافظ وليّ الدين كَُّهُ: قوله: ((إيماناً)): أي: تصديقاً بأنه حقّ
وطاعةٌ، وقوله: ((واحتساباً)): أي: طلباً لمرضاة الله تعالى وثوابه، لا بقصد
رؤية الناس، ولا غير ذلك، مما يخالف الإخلاص، والاحتسابُ من الْحَسْب،
وهو العدُّ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله تعالى:
احتَسَبَهُ؛ لأن له حينئذ أن يَعْتَدَّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه مُعتدّ
(١)
به. انتھی(١).
وقال ابن الأثير تَُّهُ: الاحتساب من الْحَسْبِ، كالاعتداد من العدّ،
وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله تعالى: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدّ
عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبة اسم من
(١) ((طرح التثريب)) ١٦١/٤.

٦٥٧
(٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي فِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٩)
الاحتساب، كالعدّة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند
المكروهات هو الْبِدَار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو
باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلباً للثواب
المرجوّ منها. انتهى(١).
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب ((من))، وهو: من الغَقْرِ، وهو الستر،
ومنه الْمِغْفر وهو الْخُوذةِ(٢)، وفي ((العباب)): الغَفْر: التغطية، والغَفْر،
والغُفْران، والمغفرة واحد، ومغفرة الله تعالى لعبده إلباسه إياه العفوَ، وستره
ذنوبه(٣).
قال في ((الفتح)): وظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن
المنذر، وقال النوويّ تَخْلَتُهُ: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام
الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يُخَفَّف من
الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.
وقال الحافظ وليّ الدين كَخَّتُهُ: قوله: ((غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)) ظاهره
يتناول الصغائر والكبائر، وإلى ذلك جنح ابن المنذر، فقال: هو قولٌ عام
يُرْجَى لمن قامها إيماناً واحتساباً أن يغفر له جميع ذنوبه، صغيرُها وكبيرُها .
وقال النوويّ في ((شرح المهذَّب)): قال إمام الحرمين: كلُّ ما يَرِدُ في
الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات،
قال النوويّ تَخْذَلُهُ: وقد ثبت في ((الصحيح)) ما يؤيده.
فمن ذلك حديث عثمان رظ نه قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((ما من
امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبةٌ، فيُحْسِن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا
كانت له كفّارةً لما قبلها، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهرَ کله))، رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ظه أن النبيّ وَل و قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١/ ٣٨٢.
(٢) الْخُوذة بالضم: المغفر، جمعها خُوَذ، كغُرْفة وغُرَف.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٢٦/١.

٦٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينها من الذنوب، إذا اجتُنِبت
الكبائر))، رواه مسلم.
قال النوويُّ كَُّ: وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان:
[أحدهما]: تكفّر الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر، فإن كانت كبائر،
لم يُكَفَّر شيء، لا الكبائر، ولا الصغائر.
[والثاني): وهو الأصح المختار أنه يُكَفَّر كل الذنوب الصغائر، وتقديره:
تغفر ذنوبه كلَّها إلا الكبائر، قال القاضي عياض تَّتُ: هذا المذكور في
الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر، هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر
إنما تُكَفِّرِها التوبةُ أو رحمةُ الله تعالى. انتهى(١).
(مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) ((ما)) نائب فاعل (غُفِرَ))، و((من ذنبه)) بيان (ما)).
قال الحافظ تَُّ: زاد قتيبة، عن سفيان، عند النسائيّ: ((وما تأخر))،
وكذا زادها حامد بن يحيى، عند قاسم بن أصبغ، والحسين بن الحسن
المروزيّ، في ((كتاب الصيام)) له، وهشام بن عمار في الجزء الثاني عشر من
((فوائده))، ويوسف بن يعقوب النجاحي في ((فوائده))، كلهم عن ابن عيينة،
ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة، من وجه آخر، أخرجها أحمد من
طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
وعن ثابت، عن الحسن، كلاهما عن النبيّ وَلّ، ووقعت هذه الزيادة من رواية
مالك نفسِهِ، أخرجها أبو عبد الله الجرجانيّ في ((أماليه)) من طريق بحر بن
نصر، عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، عن الزهريّ، ولم يتابع بحر بن
نصر على ذلك أحد من أصحاب ابن وهب، ولا من أصحاب مالك، ولا
يونس، سوى ما تقدّمناه، وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب
عدةُ أحاديث، جمعتها في كتاب مفرد.
وقد استُشْكِلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يُغْفَر،
والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يُغْفَر؟.
(١) ((طرح التثريب)) ١٦٢/٤ - ١٦٣.

٦٥٩
(٢٧) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِ قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٩)
والجواب عن ذلك يأتي في قوله وَّله حكايةً عن الله رَت أنه قال في أهل
بدر: ((اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)).
ومُحَصَّل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع
منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورةً، وبهذا أجاب
جماعةٌ، منهم الماورديّ في الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه يُكَفِّر سنتين:
سنةً ماضيةً، وسنةً آتيةً. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ.
وقال وليّ الدين تَظْثُ في ((شرح التقريب)) ما نصّه: في ((مسند أحمد))،
و((معجم الطبرانيّ الكبير))، عن عبادة بن الصامت له أنه سأل رسول الله وَ ل
عن ليلة القدر، فقال رسول الله وَلٍ: ((في رمضان))، فذكر الحديث، وفيه:
((فمن قامها ابتغاءها إيماناً واحتساباً، ثم وُفِّقت له، غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر))، وفيه عبد الله بن محمد بن عقیل، وحديثه حسن.
وفيه زيادة: ((وما تأخر))، وقد يُستشكل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب،
وهو كقوله ◌َلّ في حديث أبي قتادة ظُه: ((صيام عرفة أحتسب على الله أن
يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده))، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة
المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختَلَف العلماء
في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جَعَل الله
تعالى صوم عرفة الماضي كفارةً لها، كما جعله مُكَفِّراً لما قبله في السنة
الماضية، وقال بعضهم: معناه أن الله تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن
ارتكاب ما يُحْوِجه إلى كفارة، وأطلق الماوردي في ((الحاوي)) في السنتين معاً
تأویلین:
أحدهما: أن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين.
والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يَعْصي فيهما.
وقال صاحب ((العدّة)): في تكفير السنة الأخرى يَحْتَمِل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفّر سنتين
ماضیتین .
والثاني: أنه أراد سنةً ماضيةً، وسنةً مستقبلةً، قال: وهذا لا يوجد مثله
في شيء من العبادات أنه يكفّر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص

٦٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
برسول الله وَّ غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر بنص القرآن العزيز، ذكر
ذلك كله النوويّ في ((شرح المهذب))، وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرةُ ما
تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب، حتى لا يقع فيها، وإما
أن يراد به تكفيرها، ولو وقع فيها، ويكون المكفِّر متقدماً على المكفَّر، والله
أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ◌َُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما دلّ عليه ظاهر النصّ هو
الأقرب لحمل المراد من الحديث عليه، وهو أن التكفير معناه في اللغة المحو،
قال الفيّوميُّ كَّتُهُ: ((وكفّر الله عنه الذنبَ: محاه، ومنه الكفّارة؛ لأنها تكفّر
الذنب)). انتهى(٢).
فيكون المراد بتكفير الذنب المستقبل أنه يُمْحَى إذا وقع، ولكن لا يُستبعد
أن يَمُنّ الله تعالى على عبده إذا صام يوم عرفة، أو قام رمضان، أو ليلة القدر،
أو نحو ذلك، مما فيه تكفير ما تأخّر من الذنوب بأن يعصمه، ويحفظه من
الوقوع في الذنوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٧٩/٢٧ و١٧٨٠] (٧٥٩)، و(البخاريّ) في
((كتاب صلاة التراويح)) (٢٠٠٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٧١)،
و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٨٠٨)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (٢٠١/٣ و٢٠٢)
و((الصيام)) (١٥٦/٤) و((الإيمان)) (١١٧/٨ و١١٨)، و(ابن ماجه) في ((إقامة
الصلاة)) (١٣٢٦)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١١٣/١)، و(عبد الرزّاق) في
(مصنّفه)) (٧٧١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨١/٢ و٢٨٩)، و(الدارميّ) في
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٦٣/٤ - ١٦٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٣٥/٢.